يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مقدمة:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: يُروى أنَّ صحابياً اسمه جابر بن عبد الله، قال يوماً، في السنة الخمسين للهجرة تقريباً، قال يوماً: .
قال عبد الله بن أُنَيس: سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول.
رحلةٌ لشهرٍ كاملٍ، مع بعيرٍ اشتراه وشدَّ عليه رحله، ليسمَع حديثاً بلغه أنَّ بالشام مَن سمِعهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويُحكى أنَّ رجلاً في عام ألفٍ وأربعمئةٍ وثمانيةٍ وأربعين للهجرة، في عصرنا هذا، لم يرحَل ساعةً في طلب حديثٍ واحد، ولم يقرأ كتاباً واحداً في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتدارس مُصنَّفاً واحداً في عِلم مُصطلَح الحديث، وإذا قُلت له: عِلم الجرح والتعديل، لم يفقه ما تقول، لا يعلَم ما هو عِلم الجرح والتعديل، ثم هو يخرُج اليوم على الفضائيات، وتُسلَّط عليه الأضواء، ورُبما تُدفَع له الأموال، ليقول برأيه وهواه: لا نقبَل بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نتَّبِع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو مُبلِّغٌ وانتهى بلاغهُ بوفاته، عليكم بكتاب الله.
أو لا نقبَل بعضاً من سُنَّة رسول الله، إلا إذا وافق ما فيها كتاب الله، أو لا نقبَل بسُنَّة رسول الله إلا إذا وافقت عقولنا، والحقيقة أنه لا يقبَل بها، إلا إذا وافقت أهواءه وهوى نفسه، وصَدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ حدَّث عن مثل هؤلاء، الذين يخرجون علينا على وسائل التواصل صباح مساء، صَدقَ إذ حدَّث عن مثله فقال:
يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ
أيُّها الإخوة الكرام: ويُحكى أنَّ رجالاً ونساءً من أُمة الإسلام، شباباً وبناتٍ من أُمة الإسلام، يستمعون لهؤلاء الذين يهرفون بما لا يعرفون، بدلاً من أن يعملوا بقول ربِّنا جلَّ جلاله:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)
فيتَّبِعُ كل ناعقٍ، مع أنه إذا أصابهُ شيءٌ في صِحته، ذهب إلى الطبيب المُتخصِّص، وإذا أراد بناء بيته، ذهب إلى المهندس الخبير، وإذا وقع في مشكلةٍ، ذهب إلى المحامي الذي يعرف كيف يُخلِّصه منها، لكنه إذا أراد في شيءٍ من دينه أمراً، يستمِع لهؤلاء الناعقين حاشاكم.
سُنَّة رسول الله هي كل ما أُضيفَ إليه من قولٍ قاله أو فعلٍ فعله أو تقرير:
أيُّها الإخوة الكرام: سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي كل ما أُضيفَ إليه من قولٍ قاله، أو فعلٍ فعله، أو تقريرٍ، أي شيءٍ أقرَّه وسكتَ عنه فهو مُباح، أو صفةٍ من صفاته صلى الله عليه وسلم.
السُنَّة: قولٌ، وفِعلٌ، وإقرارٌ، وصفة، واتِّباع السُنَّة أمرٌ قرآني:
مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)
فأين نجد ما آتانا رسول الله إلا في سُنَّة رسول الله، وأين نجد ما نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في حديثه وأفعاله وسيرته.
لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63)
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(54)
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(80)
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(36)
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ(62)
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)
فأين بيان ما نُزِّل إلينا إلا في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنَّ من يتركون السُنَّة، ويُحرِّضون الناس اليوم على نبذ السُنَّة، أو نبذ بعضها، إنما هُم في حقيقة الأمر يُحرِّضون الناس على نبذ كتاب الله، وإذ نُدافع عن سُنَّة حبيبنا صلى الله عليه وسلم، فإنما نُدافع عن كتاب ربِّنا.
العلاقة بين القرآن والسُنَّة في خمس ميماتٍ:
أيُّها الإخوة الكرام: العلاقة بين القرآن والسُنَّة في خمس ميماتٍ:
أولاً: السُنَّة مُقرِّرةٌ ومؤكِّدةٌ لِما في كتاب الله
أولاً: السُنَّة مُقرِّرةٌ ومؤكِّدةٌ لِما في كتاب الله، جاء القرآن بالأمر بالصلاة، وجاءت السُنَّة بالأمر بالصلاة، فالسُنَّة هُنا مُقرِّرةٌ لِما في كتاب الله.
ثانياً: السُنَّة مُفصِّلةٌ لِما أجمله كتاب الله تعالى
ثانياً: السُنَّة مُفصِّلةٌ لِما أجمله كتاب الله تعالى، قال تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)
كم صلاة؟ ما عدد ركعاتها؟ كيف هي هيئاتُها؟ ماذا أصنع إن سهوت فيها؟ ما المفروض وما المسنون فيها؟ جاءت السُنَّة مُفصِّلةً لِما في كتاب الله.
(وَآتُوا الزَّكَاةَ) كم هو النِصاب الذي يوجب عليَّ الزكاة؟ وكم هو المقدار الذي يجب أن أُخرجه من مالي زكاةً؟ هذا كله في السُنَّة، السُنَّة هُنا مُفصِّلةٌ لِما أجمله كتاب الله.
ثالثاً: السُنَّة مُخصِّصةٌ لما جاء عامَّاً في كتاب الله تعالى
ثالثاً: السُنَّة مُخصِّصةٌ لما جاء عامَّاً في كتاب الله تعالى، مثال ذلك قال تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(11)
هذه عامةٌ في كل الأولاد، لكن السُنَّة خصَّصت فقالت: القاتل لا يرِث، فخصَّصت بعض ما عمَّمه كتاب الله تعالى.
رابعاً: السُنَّة مُقيِّدةٌ لما جاء مُطلَقاً
الحالة الرابعة: مُقيِّدةٌ لما جاء مُطلَقاً، مثال ذلك قال تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ(82)
فشقَّ ذلك على أصحاب رسول الله (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أي لم يُخالطوا إيمانهم بظلمٍ:
لمَّا نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذلِكَ علَى المسلِمينَ فقَالوا: يا رسولَ اللَّهِ وأيُّنا لا يظلِمُ نفسَهُ؟ قالَ: ليسَ ذلِكَ إنَّما هوَ الشِّركُ ألَم تسمَعوا ما قالَ لقمانُ لابنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
لو أنك نظرت نظرةً مُحرَّمةً فقد ظلمت، لو أنك قُلت كلمةً لا تُرضي الله فقد ظلمت (فقَالوا: يا رسولَ اللَّهِ وأيُّنا لا يظلِمُ نفسَهُ؟) إذاً ليس لنا الأمن، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليسَ ذلِكَ إنَّما هوَ الشِّركُ ألَم تسمَعوا ما قالَ لقمانُ لابنِهِ:
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)
فجاءت السُنَّة هُنا مُقيِّدةً للإطلاق الذي جاء في كتاب الله.
خامساً: تأتي السُنَّة مُشرِّعةً لأحكامٍ جديدة
الحالة الخامسة والأخيرة: تأتي السُنَّة مُشرِّعةً لأحكامٍ جديدة لم تأتِ في كتاب الله تعالى، تحريم الذهب والحرير على ذكور أُمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لا تجده في القرآن، لكنك تجد حُكمه في أحاديثٍ ثابتةٍ صحيحة.
زكاة الفطر الواجبة على كل مسلمٍ، لا تجدها في كتاب الله، لكنك تجدها في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرَضَ رسول الله زكاة الفطر.
تحريم الجمع بين البنت وعمَّتِها أو البنت وخالتها، لم يأتِ في كتاب الله، لكنه جاء حُكماً ثابتاً في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز للرجُل أن يجمَع عنده المرأة وعمَّتها ولا المرأة وخالتها، هذه خمس ميماتٍ، علاقة القرآن بالسُنَّة مُقرِّرةٌ، مُفصِّلةٌ، مُخصِّصةٌ، مُقيِّدةٌ، مُشرِّعة.
لا يمكن أن يكون هناك تناقُضٌ بين السُنَّة وكتاب الله تعالى:
أيُّها الإخوة الكرام: لا يمكن أن يكون هناك تناقُضٌ، بين سُنَّةٍ صحيحةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كتاب الله، لأنَّ المصدر واحد، كلاهما وحيٌ من الله، وحيٌ متلو هو كتاب الله، ووحيٌ غير متلو هو سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ(4)
لا يمكن أن يقع تناقُضٌ بين حديثٍ صحيحٍ ثابت، وآيةٍ قرآنية، ولا أعلم أنَّ أحداً زعم وجود تناقُضٍ إلا لجهلٍ في لغة العرب، أو لجهلٍ في أصول التفسير، هو لم يفهم، سأُعطيكم مثالاً بسيطاً، يقول صلى الله عليه وسلم:
مثال: على عدم التناقُض بين حديثٍ صحيح وآيةٍ قرآنية
سَدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا، فإنَّه لَن يُدخِلَ الجَنَّةَ أحَدًا عَمَلُه، قالوا: ولا أنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: ولا أنا، إلَّا أن يَتَغَمَّدَنيَ اللهُ منه برَحمةٍ، واعلَموا أنَّ أحَبَّ العَمَلِ إلى اللهِ أدومُه وإن قَلَّ، وفي روايةٍ بهذا الإسنادِ، ولَم يَذكُرْ: وأبشِروا
لكن الله تعالى يقول في كتابه:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)
كيف ذاك؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لَن يُدخِلَ الجَنَّةَ أحَدًا عَمَلُه) والقرآن يقول: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) الباء في قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هي باء السبب، أي ادخلوا الجنَّة بسبب أعمالكم، وأمّا: (لَن يُدخِلَ الجَنَّةَ أحَدًا عَمَلُه) فهذه الباء للمعاوضة، بمعنى أنَّ العمل لن يكون أبداً ثمناً لدخول الجنَّة، الجنَّةُ محضُ فضلٍ من الله، لكن العمل سببٌ لدخول الجنَّة فقط، هو سببٌ تُقدِّمه لكنه ليس ثمناً تدفعه، الجنَّةُ ليس لها ثمنٌ أبداً، هي فضلُ الله ورحمته.
الجنَّةُ فضلٌ من الله والعمل سببٌ لدخولها:
هَبّ أنَّ طالباً سيحصل على شهادةٍ مميزة، وقال له والده: إن حصلت على الشهادة فلكَ سيارة، صاحبنا لجهله يوم حصل على الشهادة، ذهب إلى معرض السيارات، وطلب من صاحب المعرض أن يُعطيه سيارةً مقابل الشهادة، ماذا يقول له صاحب المعرض؟ يقول له: هذا سببٌ وليس ثمناً، اذهب إلى أبيك ليدفع ثمن السيارة، الجنَّةُ فضلٌ من الله، والعمل سببٌ لدخولها، فلنعمل لنُقدِّم السبب فقط، ولنأخُذ المفتاح فقط، أمّا دخول الجنَّة فلن يكون العمل ثمناً له، وإنما هو فضلٌ من الله ورحمة، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا(175)
الجنَّة فضلٌ من الله، لا يوازيها عملٌ ولا يكون ثمنها عملٌ، وإنما الأعمال سببٌ لدخولها.
مثالٌ آخر:
مثالٌ آخر: وهو مثالٌ يكثُر الحديث عنه، يقول صلى الله عليه وسلم:
أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهَدوا أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عَصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحَقِّ الإسلامِ، وحِسابُهم على الله
ثم قرأ وهُنا نقطةٌ مهمةٌ جداً، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ(22)
إيّاكم أن تفهموا الحديث أنه إجبارٌ على الدخول في دين الله (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) قرأها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديث مباشرةً، لكن بعض المُنظمات المشبوهة التي تعمل بأجرٍ، تقرأ الحديث وتُغفِل الآية، ثم تقول: يجب أن نُجبِر الناس على الدخول في دين الله، والله تعالى يقول:
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)
ليس هناك تناقضٌ بين الآية والحديث لكن هناك سوء فهمٍ للحديث:
فهل هناك تناقضٌ بين الآية والحديث؟ لا أبداً، لكن هناك سوء فهمٍ للحديث.
أولاً: (أُمِرتُ أن أُقاتِلَ) ولم يقُل أقتُل، والمُقاتلة مشاركة، إذاً هناك عدوانٌ، هذه في أرض المعركة ليست في ميدان الدعوة، في ميدان الدعوة:
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125)
أمّا في ميدان المعركة:
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)
ثانياً: إذاً أُقاتِل وليس أقتُل، الناس فهموا أنَّ (النَّاسَ) أن يُقاتِل الناس كلهم، مَن يُقاتِل ومَن لا يُقاتِل، هل يُقاتَل الذمي؟ هل يُقاتَل المُستأمَن؟ هل يُقاتَل المُعاهِد؟ لا يُقاتَل، إذاً مَن: (النَّاسَ)؟ الناس هُنا هُم الناس المُقاتلون فقط، الناس الذين يصدّون عن دين الله، الناس الذين يمنعون من نشر دين الله، ما الدليل على ذلك؟ على قولك أنَّ الناس هُنا هُم هؤلاء الناس فقط؟ قال تعالى:
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)
مَن (النَّاسُ) الأولى؟ نُعيم ابن مسعود ومعه ثلاثة رجال، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)، أربعة رجال، (إِنَّ النَّاسَ) أبو سفيان ومَن معه فقط، ليست كل الناس.
الأمر الثالث: والأهم في هذا الموضوع، هو حرف "حتى" (أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهَدوا أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ) فهل نفهم "حتى" هُنا أنها للتعليل؟ أي أُقاتِل من أجل يقولوا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أبداً، إذاً ما معنى حتى؟ لو قال رجُلٌ لابنه: ادرُس حتى تنجح، هذه حتى للتعليل، أي ما قبلها سببٌ لِما بعدها، أي ادرُس فتنجح، لكن لو قال له: ادرُس حتى يحين المساء، هذه ليست للتعليل، هذه لانتهاء الغاية فقط، يعني مُقاتلة الناس لا تجوز إذا قالوا: "لا إله إلا الله"، أمّا أن يقولوها أو لا يقولوها فهذا شأنهم (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).
الحديث يُشير إلى أنه لا يجوز أن نُقاتِل إنساناً إذا قال: "لا إله إلا الله" ولو قالها بلسانه، لكنه لا يقول: أُمرت أن أُقاتلهم لأُجبرهم على أن يقولوا: "لا إله إلا الله" أبداً معاذ الله، (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ولذلك قرأ المُصطفى صلى الله عليه وسلم بعد الحديث مباشرةً، حتى لا يُفهَم هذا المعنى خطأً، قرأ: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).
لا يمكن أن يقع تناقُضٌ بين كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله، بل يقع تناقُضٌ بين كتاب الله وفَهمِنا، أو بين سُنَّة رسول الله وفَهمِنا القاصر، وأمّا عن علاقة السُنَّة بالعقل، لأنَّ اليوم الكثيرين من مُنكريّ السُنَّة يقولون: تُناقِض العقل، فهذه لها مبحثٌ خاص نُرجئهُ إلى وقتٍ آخر.
قد انتهيت، ولكنني أظن أنكم ما زلتم تنتظرون الحديث، الذي رحلَ من أجله جابر بن عبد الله إلى الشام شهراً كاملاً، ليسمَعهُ من عبد الله بن أُنَيس، فإليكم الحديث:
عن عبد اللَّه بن أُنيس، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: يُحشر النَّاسُ يوم القيامة -أو قال: العباد- عُراةً غرلًا - أي كما خلقهم الله - بُهْمًا قال: قلنا: وما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم جلَّ جلاله بصوتٍ يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه مَنْ قَرُب، أنا الملك، أنا الدَّيَّان، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النّار أن يدخل النّار، وله عند أحدٍ من أهل الجنّة حقٌّ حتّى أُقِصَّهُ منه، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنّة أن يدخل الجنّة ولأحدٍ من أهل النّار عنده حقٌّ حتى أُقِصَّه منه حتّى اللَّطْمةَ، قال: قلنا: كيف وإنَّا إنّما نأتي اللَّه عزَّ وجل عُراةً غرلًا بُهْمًا؟ قال: بالحسنات والسَّيِّئات
ما معنا شيء، كيف نؤدّي الحقوق وما معنا مالاً ولا نملِكُ شيئاً؟ قال: (بالحسنات والسَّيِّئات).
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كُنّا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم أهلنا في غزَّة، أهلنا في فلسطين، أهلنا في السودان، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
اللهم اجعل بلادنا وبلاد المسلمين أمناً سخاءً رخاءً، وانشُر عليها رحمتك وابسُط عليها أمنك.
اللهم وفِّق القائمين عليها للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه، والحمد لله ربِّ العالمين.