هل الأمر في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب دائماً؟
هذه القضية أيُّها الكرام قضيةٌ أصولية، ما معنى أصولية؟ يعني تُبحَث في علمٍ يُسمّى عِلم أصول الفقه، وهو من أجمل ما أنتجه علماء الشريعة الإسلامية، ونعني بعِلم أصول الفقه، الطريقة التي استنبَط الفقهاء الأحكام الشرعية فيها من النصوص، يعني الآلية، كيف يستنبِط الفُقهاء أنَّ هذا الحُكم واجب؟ مكروه؟ سُنَّة؟ كيف يستنبِطون من النصوص؟ هذه الآلية في صفات من يستنبِط وفي الاستنباط، تُسمّى عِلم أصول الفقه، وهو من أجمل ما أنتجه علماء الشريعة في التاريخ الإسلامي.
يقول العلماء: "الأمر في القرآن الكريم وفي السُنَّة يقتضي الوجوب ما لم تقُم قرينةٌ على خلاف ذلك"، فالأصل أنه للوجوب، إذا قرأت أمراً اقرأه على أنه يجب أن تلتزم به، واستدلّوا على ذلك قالوا: السيِّد إذا قال لعبده افعل، فكل العرب تفهم أنَّ هذا الفعل للوجوب، فالعبد لا يملِك أن يقول لسيِّده تُخيرني أم يجب أن أفعل؟ طبعاً يجب أن تفعل، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(36)
إذاً الأمر ما فيه اختيار، الأمر للوجوب، واستدلّوا بحديثٍ لطيفٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لَولا أن أشُقَّ على أُمَّتي -أو على النَّاسِ- لَأمَرتُهم بالسِّواكِ مع كُلِّ صَلاةٍ
كيف استنبطوا؟ انظُر إلى الدقة، قال: (لَولا أن أشُقَّ على أُمَّتي -أو على النَّاسِ- لَأمَرتُهم بالسِّواكِ) إذاً لو أمرهم بالسواك لكان الأمر للوجوب، فشقَّ عليهم ذلك، عند كل صلاةٍ يجب أن تتسوَّك، وإن لم يكن معك سواكاً مشكلة، قال: (لَولا أن أشُقَّ على أُمَّتي -أو على النَّاسِ- لَأمَرتُهم) فسنَّه ولم يأمُر به وجوباً، يعني للندب أو الاستحباب أو السُنِّية.
كيف تقوم هذه القرينة؟ سأضرب لكم أمثلة:
مثلاً ربُّنا عزَّ وجل قال:
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)
هذا أمرٌ للوجوب، انتهى، مئةً بالمئة (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أمرٌ للوجوب.
قال:
وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا(2)
وجوب.
قال:
صوموا لرؤيتِه وأفطروا لرؤيتِه، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين يومًا، يعني: عُدُّوا شعبانَ ثلاثين
وجوب.
لكن عندما قال صلى الله عليه وسلم:
صلُّوا قبلَ المغربِ ركعتينِ، قال في الثالثةِ لمنْ شاء
ثم قال: (لمنْ شاء) إذاً هذا الأمر صار للندب، لمَن أحبَّ أن يُصلّي ركعتين قبل المغرب، ومَن لا يُحب لا مشكلة، قال: (لمنْ شاء) هذه قرينة أخرجت الأمر عن الوجوب.
مثلاً قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)
يعني إنساناً كان مُحرِماً ثم أحلّ، انتهى إحرامه، قال: (فَاصْطَادُوا) فإذا إنسان انتهى إحرامه ولا يريد أن يصطاد، ولا يعرف أن يصطاد، هل يجب عليه أن يصطاد؟ قال: لا، ما القرينة أنَّ هذا الأمر ليس للوجوب؟ قال: لأنه جاء بعد الحظر، كان محظوراً فأصبح مباحاً، فالأمر بعد الحظر للإباحة وليس للوجوب.
الآن نحن خرجنا من صلاة الجمعة، قال:
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(10)
فإذا إنسانٌ خرج من الصلاة، ولا يُريد أن يذهب ويبيع ويشتري، يريد أن يذهب إلى بيته وينام، الأمر للإباحة، أي كان ممنوعاً أن تبيع وتشتري صار مسموحاً.
فالأمر في الأصل للوجوب، لكن العلماء عندما يجدون قرينةً تصرفه عن الوجوب يقولون لك: هذا مُباح، أو هذا مُستَحب، أو هذا مندوب.
مثلاً قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282)
أنت تُريد أن تبيع بيتك، بِعته يجب أن تأتي بالشهود، هكذا الآية، فهل هذا الأمر للوجوب؟ قال: لا، مَن الذي قال لك أنه للندب؟ قال: لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اشترى جمل جابر ولم يُشهِد عليه، ولو كان الأمر للوجوب لأشهَد عليه، إذاً الأمر للندب، أي يُندَب لك إذا بِعت أن تأتي بالشهود، وإذا لم تأتِ بيعك صحيح.
أحياناً تكون القرينة الثواب المُترتِّب، الترغيب الكثير، مثلاً:
تسَّحروا فإنَّ في السَّحورِ بركةٌ
واضح من سياق الحديث الترغيب بالسحور، لو كان واجباً لقال لك: (تسَّحروا) فقط انتهى، (فإنَّ في السَّحورِ بركةٌ) أي الوقت وقت بركةٍ فلا تتركه، لكن مَن ترك السحور فصيامه صحيح، وهكذا، أرجو أن تكون اتضَحَت.