اعقلها و توكل

  • عمان
  • 2018-10-26
  • مسجد الصالحين

اعقلها و توكل


الخطبة الأولى

ياربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض ومِلء ما بينهما ومِلء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد أحقُّ ما قال العبد وكُلُّنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غِنَى كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هداك، وكيف نَذِلُّ في عزك، وكيف نُضامُ في سلطانك، وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك، وأشهدُ أن سيدنا محمد عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمدٍ وسلم تسليماً كيثراً، عباد الله اتقوا الله فيما أمر وانتهوا عما عنه نهى وزجر.


النقص الحالي في معنى مصطلحات كثيرة
وبعد فيا أيها الأحباب؛ فإن في إسلامنا مصطلحاتٍ كثيرةً، لكنه قد دخل إليها عبر الزمن خلطٌ وتشويشٌ وتزويرٌ، فأصبح الواحد منا أو كثيرٌ من المسلمين إذا سمع مصطلحاً من مصطلحات الإسلام ربما انساق ذهنه إلى غير المراد منه أو قصره على جانبٍ واحدٍ من الجوانب.
العبادة كل نشاطٍ بشريٍّ من أجل رضا الله
سأضرب أمثلةً ليتضح المقصود، لو قلنا العبادة فمعظم المسلمين ينصرف ذهنهم إلى الصلاة والصيام والحج والزكاة، وهذه عبادة لكنها ليست فقط هي العبادة، العبادة كل نشاطٍ بشريٍّ من أجل رضا الله عز وجل ويوافق منهج الله عز وجل فهو عبادة، فالإنسان وهو في محله، وهو في معمله، وهو في وظيفته، وهو مع أهله في نزهة، وهو يلعب مباراة كرة قدم، أي نشاط مادام يندرج في رضا الله لم يخالف به منهج الله ونوى به نيةً طيبةً فهو عبادة، فالمسلم في عبادةٍ مستمرةٍ، حتى إذا أكل الطعام فإنه ينوي به التقوي على طاعة الله، حتى إذا كان مع زوجته فإنه ينوي نيةً طيبةً، هذه هي العبادة لكن تحوَّرَ المصطلح فأصبحنا اليوم إذا قلنا للناس عبادة يقول لك: في الصلاة، عندما أصلي أعبد الله، لا، أنت عندما تعمل تعبد الله، فأنت عندما تغش المسلمين في تجارةٍ فأنت تُخِلُّ بالعبادة، أنت لا تُخِلُّ بعمل دنيوي، أنت تُخِلُّ بعبادةٍ ربانيةٍ، والمعلم في صفه عندما يقصر في أداء واجبه فهو يخلُّ بعبادة الله تعالى قبل أن يخلَّ بواجبه الوظيفي أو المهني، هذا الفهم العظيم للعبادة هو الذي يقبله قول الله تعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
(سورة الذاريات: الآية 56)

فالله لم يخلق الجن والإنس ليصلوا في المحراب فقط لكنه خلقهم ليعمروا الأرض بالخير، لينشروا الخير في كل مكان وهذا هو مفهوم العبادة الحقيقي.
القرآن ذكر
الذكر: إذا قلنا الذكر، انصرف الذهن فوراً إلى إنسانٍ يمسك سبحةً في يده أو على أصابعه ويقول: سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، وهذا ذكر ولكنه ذكر اللسان، لكن القرآن عندما تقرؤه ذكر، وأنت عندما تنظر في الكون فتتفكر في خلق السموات والأرض فهذا ذكر، وأنت عندما تجلس في مجلس علم فهذا ذكر، وأنت الآن في خطبة الجمعة تذكر الله، فكل لحظةٍ من لحظات الإنسان يذكر فيها ربه فهو ذاكر، وذكر اللسان هو جزءٌ من الذكر وهو مهمٌّ لكنه ليس الذكر كله.

التغير الكامل في معنى مصطلحات أخرى
الزهد هو أن تملك الدنيا
إذاً أيها الأحباب: هذا جانب أننا قصرنا بعض المصطلحات على جزءٍ منها فينبغي أن نوسع المفهوم، لكن الجانب الثاني أخطر، وهو أننا صرفنا المصطلح بشكلٍ كاملٍ إلى مكان آخر، فإذا قيل زاهد، زُهْد، توهم كثيرٌ من الناس أن الزاهد هو إنسانٌ انصرف عن الدنيا، وربما بالغوا في رسم صورته في أذهانهم أنه ممزق الثياب أو حتى وسخ الثياب لأنه زاهدٌ في الدنيا وهذا ليس صحيحاً، فالزهد ليس ترك الدنيا لكن الزهد هو أن تملك الدنيا لا أن تملكك الدنيا، فقد تجد إنساناً يملك مليوناً وهو زاهد وإنساناً يملك ديناراً وهو غير زاهد، لأن الأول قد ترك الدنيا من قلبه وجعلها في يده فاستغلها في طاعة الله وأنفق منها وأعطى المحتاجين وفتح المشروعات الخيرية فهو زاهدٌ في الدنيا وهو يملكها، وربما الثاني لا يملك شيئاً لكن قلبه متعلقٌ بحطام الدنيا دائم الشكوى ودائم التضجر والتسخط لأنه لا يملك الدنيا فهو غير زاهد.

{ عن عبدِ اللَّهِ بن مسعُودٍ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "لاَ يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ"فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حَسَناً، ونعلهُ حَسَنَةً؟ قَالَ:"إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ " }

(رواه مسلم)

البس ثياباً جميلةً إن شئت وأجمل الثياب أنظفها وما اشتري بمالٍ حلالٍ، فالبس ما شئت ولكن لا تبطر الحق، إذا جاءك الحق فاقبله، ولا تغمط الناس فتنتقصهم من مكانتهم، هذا الزهد.

المعنى الحقيقي للتوكل
التوكل عملٌ من أعمال القلب
ومن المصطلحات التي تحوَّرت أيضاً وهي موضوع هذا اللقاء؛ مصطلح التوكل، فإذا قيل: إنسان متوكِّل انصرف الذهن إلى إنسانٍ ترك الأسباب وكلما قلت له: ادرس، قال لك: أنا متوكلٌ على الله، إذا قلت له: انزل إلى معملك ومحلك باكراً لتحصل الرزق، قال لك: توكلت على الله ورزقي سوف يأتيني إن نزلت وإن لم أنزل، انصرف الذهن إلى هذا الصنف من الناس وهؤلاء في الحقيقة ليسوا متوكلين أصلاً لكنهم متواكلون، والتوكل عملٌ من أعمال القلب وليس عملاً من أعمال الجوارح، المتوكل توكله في قلبه لكنه يعمل بجوارحه، فلا يظهر التوكل في سلوكه ولكنه يظهر في قلبه، هذه هي المفارقة.
أيها الأحباب الكرام: عمر رضيَ اللَّهُ عنه وأرضاه رأى قوماً لا يعملون، قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل على الله حق التوكل من بذر حبةً في الأرض ودعا ربه وتوكل عليه فأثمر له، المتوكل يزرع في الأرض، المتوكل لا يقول توكلت على الله ويترك الزراعة.
أيها الأحباب: قال رجلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما في الحديث الحسن:

{ قال رجُلٌ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أُرسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ ؟ قال : ( اعقِلْها وتوكَّلْ ) }

(صحيح ابن حبان)

لا بد من الأخذ بالأسباب
قال يا رسول الله: - أُرسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ ؟ - لا داعي لأن أربطها، أتركها وأتوكل على الله فلا تذهب، قال: - اعقِلْها وتوكَّلْ - هذه الكلمة تكتب بماء الذهب، اجعلها شعاراً لك في حياتك - اعقِلْها وتوكَّلْ -لو عقلتها ولم تتوكل فقد وقعت في الشرك في بعض الشرك، الشرك الخفي، لأنك توهمت أنك عندما عقلتها فلن تهرب، لكن ربما يعطِّل الله الأسباب وتهرب، ولو أنك لم تعقلها وتركتها فقد وقعت في المعصية لأنك تركت الأخذ بالأسباب والله أمرك بأن تأخذ بالأسباب، فهذه معصية؛ ترك الأخذ بالأسباب.
في القرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ تحث على التوكل، قال تعالى:

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا
(سورة الفرقان: الآية 58)

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ
(سورة الشعراء: الآية 218-217)

قال تعالى في سبع آيات:

وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

وعندما جاء ( وَعَلَى اللَّهِ ) قبل ( فَلْيَتَوَكَّلِ ) هذا للحصر: أي لا تتوكل إلا على الله، لا تعقد الأمل إلا عليه، لا تعلق نفسك بالأسباب ولكن لا تتركها.

الموازنة في قول ( اعقلها وتوكل )
الموازنة أيها الإخوة؛ قد تبدو صعبةً قليلاً ولكنها يسيرةٌ على من يسرها الله عليه، لأننا عندما نقول اعقل وتوكل فهذا يعني التوازن، الابن مريض، نسأل الله العافية، ماذا أفعل؟ آخذه إلى الطبيب أم أتوكل على الله؟ الجواب: خذه إلى الطبيب وتوكل على الله، معاً، فإن أخذته إلى الطبيب ثم قلت الطبيب ممتاز خريج جامعة كذا والشفاء مضمون فقد وقعت في الشرك، وإن تركته في البيت ودعوت له بأن يشفيه الله فقد وقعت في المعصية.
أنت ستذهب مع أهلك في نزهة، السيارة انتبه لها، هل فيها خلل؟ هل فيها عطل؟ هل مكابحها لا تعمل بشكل جيد؟ كيف حالة الطقس؟ انتبه للأسباب ثم بعد ذلك قل ياربي فوضنا الأمر إليك ما يأتي منك فهو الخير، لكن نحن لا نعصيك بترك الأسباب، هذا على مستوى الأفراد وعلى مستوى الحكومات وعلى مستوى القيادات كله ينبغي أن يأخذ بالأسباب.
التوكل على الله يكون بعد الأخذ بالأسباب
عمر رضي الله عنه كان يقول: - والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر -، هكذا كان تحمل المسؤولية وهكذا كان الأخذ بالأسباب، لم يقل عمر: توكلنا على الله والطريق آمن، قال: ينبغي أن نصلح الطرقات، فالتوكل على الله حتمٌ لازمٌ، لكن يأتي مع الأخذ بالأسباب أو بعد الأخذ بالأسباب حتى، بعد أن تستنفد كل الأسباب تقول يارب توكلت عليك فيصح توكلك وتؤجر عليه، وعندها ما يأتي من الله فهو قضاءٌ وقدرٌ، لكن لا يحتج الإنسان بالقضاء والقدر على تقصيره، فالطالب لا يدرس ثم يذهب فيعود يقول: قدّر الله وما شاء فعل لم يُكتب لي النجاح، فنقول له: كذبت بل أنت لم تدرس، لا تحتج بالقضاء والقدر على صنعٍ صنعته بنفسك فهذا مذموم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فإذا غَلَبَكَ أمْرٌ فقُلْ: حَسْبيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ)

{ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قَضى بَينَ رَجُلَينِ، فقال المَقْضيُّ عليه لَمَّا أدْبَرَ: حَسْبيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: رُدُّوا علَيَّ الرَّجُلَ، فقال: ما قُلتَ؟ قال: قلتُ: حَسْبيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: إنَّ اللهَ يَلومُ على العَجْزِ، ولكِنْ عليكَ بالكَيْسِ؛ فإذا غَلَبَكَ أمْرٌ فقُلْ: حَسْبيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ. }

(أخرجه أبو داود وأحمد والنسائي)

شيء فوق طاقتك؛ حسبي الله ونعم الوكيل، لكن أن ننسب كل عيوبنا إلى القضاء والقدر فهذا ليس من الإسلام في شيء، القضاء والقدر حتمٌ لازمٌ نؤمن به قطعاً لكن لا نعلق عيوبنا عليه، نتخذ الأسباب ثم نتوكل على رب الأرباب.

أخد النبي الكريم بالأسباب
الأخذ بالأسباب في السيرة النبوية
أيها الإخوة الكرام: لو نظرنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام هاجر من مكة إلى المدينة واتخذ كل الأسباب، لو نظرت في رحلته نظرةً متفحصةً لوجدت أنه صلى الله عليه وسلم أغلق كل الأبواب التي يمكن أن ينفذ منها الأعداء إليه، أودع علياً رضي الله عنه في فراشه، مكانه، وخرج وقد غير طريقه، لم يخرج من الطريق المعتاد حتى لا يلحقوه، واختبأ بالغار، وعين دليلاً للطريق، ومن يأتيه بالأخبار، ومن يأتيه بالطعام والشراب، ولم يترك شيئاً قال فيه دعوه فإن الله يأتي به، أبداً،

{ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الغَارِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا }

(صحيح البخاري)

لكنه عندما صار في الغار شاء الله أن يقفوا فوق الغار حتى قال أبو بكر: " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدميه لرآنا "، وفي روايةٍ قال: " لقد رأونا " (فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) هذا هو التوكل، الآن وقت التوكل لأننا اتخذنا كل الأسباب، لم نترك شيئاً إلا اتخذناه الآن: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
أيها الأخوة الكرام:

{ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولَا يَتَزَوَّدُونَ، ويقولونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)-(سورة البقرة: 197) }

(صحيح البخاري)

إذا سافرت خذ زادك معك لا تقل أنا متوكلٌ على الله أنت تحتاج طعاماً وشراباً في سفرك فخذ زادك معك (وَتَزَوَّدُوا).

الأخذ بالأسباب في القرآن الكريم
والقرآن الكريم أيها الأحباب؛ يعلمنا أن اتخاذ الأسباب مهمٌّ مهما يكن بسيطاً، أيوب عليه السلام: لما أراد الله أن يُنبع الماء من تحت قدمه ماذا قال له؟ قال:

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
(سورة ص: الآية 42)

اضرب الأرض برجلك، هل ضرب الأرض بالرجل يخرج ماءً؟ سبب ضعيف جداً، لكن ما أراد الله وهو قادر أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ، لكن علمه أن يأخذ بالأسباب، وقال له: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)، مريم عليها السلام: قال:

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
(سورة مريم: الآية 25)

بربكم أيها الأحباب؛ لو أن رجلاً مفتول العضلات هزَّ جذع النخلة هل يستطيع؟! لكن أراد الله من مريم أن تتحرك، لا ينزل رزقها من السماء، تحركي (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) الرطب سوف تتساقط بأمر الله وبمعجزة لكن أنتِ يا مريم لا تجلسي (هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ).

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
(سورة القصص: الآية 7)

تحركي نحن نكمل الطريق لكن أنتِ ضعيه في التابوت والله عز وجل يتكفل به، ابدئي بعمل.
الأخذ بالأسباب في القرآن الكريم
إبراهيم عليه السلام لما أخذ هاجر وابنها ووضعهما (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) هل تركهما بلا ماء وبلا طعام متوكلاً على الله؟ لا، أخذ جِرَابًا فِيه تَمرٌ، وسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، وهو ينفذ أمر الله فهو أحرى الناس بأن لا يتخذ سبباً ومع ذلك وضع أمامها طعامها وشرابها، فلما نفذ هل جاء الماء فوراً؟ لا، جعل الله هاجر تقوم من مقامها وتسعى بين الصفا والمروة وهي تتبع الناس، هنا كانت هاجر متوكلةً على الله حق التوكل، هي سيدة اليقين، قَالَتْ لإبراهيم: (آللَّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَت: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا) مادام الله هو الآمر فهو الحافظ والضامن.
أنت أيها المعلم في صفك آلله أمرك أن تعلم طلابك بجدٍ وإخلاصٍ؟ إذاً لا يضيعك، أنت أيها التاجر في متجرك آلله أمرك ألا تغش المسلمين؟ إذاً لا يضيعك، أيها المحامي في مكتبك الله أمرك أن تنصف المظلومين وألا تبتز أموال المراجعين؟ اعمل بما أمرك إذاً لا يضيعك، أيتها الفتاة المؤمنة آلله أمركِ أن تتحجبي وتتعففي عن الحرام؟ تحجبي والله لن يضيعكِ، فالله عز وجل أمرنا أن نتخذ الأسباب ثم نتوكل على رب الأرباب.

الاستسلام لأمر الله تعالى
الإنسان يرى من زاوية واحدة
أيها الإخوة الكرام: وبالعودة إلى هذا الحادث المؤسف الذي أدمى القلب في هذا البلد الطيب الذي نسأل الله أن يديم عليه الأمن والأمان والخير والبركات، فإن الإنسان أيها الأحباب؛ غالباً ما ينظر إلى المصيبة من زاوية، والإنسان لا يعلم الغيب، شاء الله عز وجل أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فإنما ينظر بنظرةٍ من زاويةٍ معينةٍ، فإن القلب ليحزن وهذا واجب لأن المؤمنين جسدٌ واحدٌ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى

{ عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى }

(صحيح مسلم)

فجميعنا آلمنا هذا الحادث المؤسف الذي أودى بحياة هؤلاء الأطفال الأبرياء نسأل الله تعالى أن يرحمهم وأن يغفر لهم وأن يتقبلهم، لكن عندما ينظر المؤمن في أبعاد هذا الأمر، في أبعاده البعيدة:

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
(سورة يس: الآية 26)

مؤمن آل فرعون على الشبكية قُتل ومات ولكن ما وراء السطور مؤمن آل فرعون أصبح في جنان الخلد عند كريمٍ هو أرحم به من خلق الله جميعاً.
علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة، وسورة الكهف فيها قصةٌ مهمةٌ جداً قصة الخَضِر مع موسى، إزهاق أرواح الأبرياء مؤسف وهذا فعله الخَضِر بأمرٍ من الله، إتلاف الممتلكات مؤلم وهذا فعله الخَضِر بأمر الله، خرق السفينة، ضياع الجهود دون طائل مؤلم وهذا فعله الخَضِر بأمر الله حينما أشاد الجدار لقريةٍ أَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا، قرأتم سورة الكهف، فهذه القصة التي فيها هذه الأمور الثلاثة علمتنا أن في الغيب شيئاً لا نعلمه فينبغي إذا رأينا ما نكرهه على الشبكية أن نستسلم لأمر الله (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
(سورة البقرة: الآية 156)

الأمر كله لله عز وجل
وهذا لا ينكر أن يحاسب المقصرون إن وجدوا، وهذا لا يلغي أن ينظر في المسألة من زاوية اتخاذ الأسباب فقد أسلفنا الحديث عن ذلك، لكننا دائماً نقول: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فالأمر إليه هو الذي وهب وهو الذي أخذ، هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، وكله بأمره، والحساب بين يديه يوم القيامة، وهذه الدنيا كظل راكب استظلَّ بها ثم انصرف عنها، فليس فيها ما يستحق لكن يتألم القلب ويتعاطف مع إخواننا.

{ ورد عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ، المَطْعُونُ وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ }

(متفقٌ عَلَيْهِ)

فنسأل الله عز وجل أن يحتسبهم شهداء عنده وأن يعظم لهم الأجر وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسیَتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكیّس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، واستغفروا الله.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمین وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحین، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّیْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ فِي الْعَالَمِینَ إِنَّكَ حَمِیدٌ مَجِیدٌ.

الخير قد يكون كامناً في الشر
قد يكون الخير كامناً في الشر
نقطتان سريعتان أيها الأحباب: النقطة الأولى: قلت لكم : إن الخَضِر عليه السلام لما التقى بموسى فعل أشياء عجيبة هي بالمنطق البشري غير مقبولة، ولا يقبل أصلاً ولا شرعاً أن يفعلها إنسان، لكن الخَضِر فعلها بأمر الله، هذا استثناء، لماذا جاءت القصة كلها؟ من أجل أن يُعلِمنا الله تعالى أن الخير قد يكون كامناً في الشر، بناء الجدار كان لمصلحة الأيتام، وخرق السفينة كان من أجل ألا يأخذها ملك يأخذ كل سفينة غصباً

وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا
(سورة الكهف: الآية 79)

وقتل الغلام كان من أجل أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا،

فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا
(سورة الكهف: الآية 81)

فكانت الأمور في المحصلة والنتيجة خيراً.

التوحيد لا يعفي من المسؤولية
النقطة الثانية: التوحيد لا يعفي من المسؤولية، حديث الإفك في الظاهر كان شراً لأن المنافقين تحدثوا في عرض السيدة عائشة رضي الله عنها وهي زوجةٌ من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الحادث في ظاهره شراً، الآن جاء القرآن قال:

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(سورة النور: الآية 11)

حديث الإفك في ظاهره كان شراً
(لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ) فيه من الخير ما لا يعلمه إلا الله، فُضِحَ المنافقون، وزاد اليقين برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تأخر الوحي فعلموا أن الوحي من الله تعالى، وغير ذلك من الحكم الكثير يضيق المقام عن شرحها، (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ) خيرٌ قد لا تعلمونه، ثم قال تعالى: (وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فالتوحيد لا يعفي من المسؤولية، هذا المنافق الذي أشاع الخبر لا نقول له: كان الأمر خيراً فأعفيناك من المسؤولية ولكن نحاسبه لأنه قصَّر وفعل محرماً، فالتوحيد لا يعفي من المسؤولية.

الدعاء
اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، أنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سمیعٌ قریبٌ مجیبٌ للدعوات، اللهم برحمتك أعمنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، اللهم اغفر لإخواننا الذين قضوا في هذا الحادث المؤسف، اللهم ارحمهم، اللهم أنزل على قلوب أهليهم السكينة والرحمة يا أرحم الراحمين، اللَّهُمَّ اجْعَلْ الأطفال فَرَطَاً وَذُخْراً لِوَالِدَيْهِم عند الحوض يا أكرم الأكرمين، اللهم أبدلهم دياراً خيراً من ديارهم، وأهلين خيراً من أهليهم، ومنازل خيراً من منازلهم، وأعظم أجرهم يا رب العالمين، وأعظم أجر أهليهم يا أكرم الأكرمين، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الدين، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، اللهم حرر المسجد الأقصى من أيدي الغاصبين وانصر إخواننا المرابطين في المسجد الأقصى على أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين، فرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ما أهمهم وما أغمهم يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد.
أقم الصلاة وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.