• الحلقة السادسة والعشرون
  • 2022-04-27

الغيظ

السلام عليكم.

كظم الغيظ:
هل شعرتَ بالغَيظ يوماً؟ أو لنسأل السؤال بشكلٍ آخر: هل تستطيع كَظمَ الغَيظ الذي تشعر به؟ قال تعالى:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
[ سورة آل عمران ]

انفعالات الإنسان أمرٌ طبيعي
انفعالات الإنسان أمرٌ طبيعي لا يُنكِره الإسلام، ولا يُعارِضُه القرآن، كلنا ينفعل، ومن الانفعالات أن يغتاظ الإنسان من شيء فيمتلئ قلبه غيظاً، ويمكن أن يكون هذا الغيظ في الحق، إنسانٌ أساء إليه، أو شيءٌ أزعجه فاغتاظ منه، يمكن أن يكون المغتاظ مُحقَّاً في غيظه، فالإسلام هنا لا يقول لك: ابتعد عن الغيظ لأنه أمرٌ واقع، انفعال، من الانفعالات التي قد تكون في أحيان كثيرة لا إرادية، ولكن الإسلام يُوجُّه الانفعالات، ويُنقِّيها، ويُهذِّبُها، ويجعلها في مسارها الصحيح، يضعها في المسار الصحيح، لذلك يأمر بكظم الغيظ.
كَظْمُ الغيظ في اللغة من كَظْم القِربَة، المعنى الحِسِّي للكظم هو كَظْمُ القِربَة، قربَة الماء، كانت القِربَة لَيَّنة من الجلد، فعندما يعبئونها بالماء يكظمونها أي يربطونها بإحكام حتى لا ينزل الماء منها، فهذا اسمه: كَظْمُ القِربَة، فجاء الإسلام بهذا المصطلح وهو كَظْمُ الغيظ بمعنى أن تُحكِمَ على غيظك وألا تجعل انفعالاتك تخرج فتندم عليها بعد حين.
كم من إنسان لم يكظم غيظه فتكلم بكلامٍ ثم ندم عليه، أو تصرف تصرفاً ثم ندم عليه؟! كم من جريمة قتلٍ حصلت بسبب عدم كظم الغيظ؟ كم من امرأةٍ طُلِّقَت بسبب عدم كَظْم الغيظ؟! الإسلام هنا يأمر بكظم الغيظ.

مراتب كظم الغيظ:
المرتبة الأولى في الآية أن تمنع غيظك من أن ينفلت منك وينقلب إلى سلوكٍ أو قولٍ تندم عليه فيما بعد: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ).
المرتبة الثانية هي العفو، والعفو هو إزالة الأثر، العفو هو إزالة الأثر، أي بعد أن كظمتَ الغيظ أزلت أثره من نفسك، كظمته ثم محوته ونسيته، (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).
أن تُحسِن وأنت في قِمَّة غيظك
لكن المرتبة الثالثة هذه للأولياء المُقرَّبين: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) أن تُحسِن وأنت في قِمَّة غيظك، أن تُحسِن، تكظمه ثم تُزيل أثره ثم تُحسِن لمن كان سبباً في غيظك، وهذه مرتبةٌ لا يستطيعها إلا المؤمنون الصادقون.
حُكيَ أن جاريةً كانت تَصبُّ الماء لعليٍّ بن الحسين رضي الله عنه، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجَّه أي جرحه، فرفع رأسه إليها، هنا غيظ، يغتاظ الإنسان، فقالت له: إن الله يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)، فقال لها: قد كَظمتُ غيظي، لكن ما زال موجوداً، لكن كظمه، منعه من أن ينفلت فينقلب إلى سلوك، قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال لها: قد عفوت عنك، أزال الأثر ولم يُحاسبها على شيء، قالت: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، قال: اذهبي فأنتِ حُرَّةٌ لوجه الله.
هذه مراتب، تكظم الغيظ لئلا ينفلت منك فيتجه إلى سلوكٍ أو قولٍ تندم عليه، بعد حين تهدأ وتتخذ القرار الصحيح.
الثانية: تعفو وتُزيل الغيظ ولا تُحاسب عليه.
الثالثة: تُحسِن لمن كان سبباً في غيظك لعلك بإحسانك إليه تُقَرِّبُه من الله، وتُرجِعُه إلى جادة الصواب، يقول صلى اله عليه وسلم:

{ مَن كَظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يَنْفِذَه - يستطيع أن ينفذ غيظه وينتقم ممن أساء إليه - دعاه اللهُ عزَّ وجلَّ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ حتى يُخَيِّره اللهُ مِن الحُورِ ما شاءَ }

[ الترمذي و أبو داود ]

إلى الملتقى أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.