• الحلقة الثامنة عشرة
  • 2022-04-19
  • قناة يمن شباب

الإنفاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ الحمدُ للهِ رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.


السعادة في الإنفاق وإدخال السرور على قلب الناس:
يقول تعالى:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
[ سورة البقرة]

للإنفاق في القرآن الكريم والسنّة النبوية فضلٌ كبير؛ فالمُنفق يبني حياته على العطاء، وقد قيل: إذا أردت أن تسعَد فأسعِد الآخرين، وسُئل حكيمٌ: من أَسعدُ الناس؟ فأجاب: من أسعَدَ الناس، فالسعادة كلُّ السعادة في الإنفاق، وفي إدخال السرور على قلوب الناس، وفي إعطائهم مما أعطاك الله، قال تعالى يصف عباده المتقين:

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)
[ سورة البقرة]

الله تعالى هو الذي أعطانا
فالله تعالى هو الذي أعطانا، وهو الذي وهبنا، والمال الذي ننفقه في سبيل الله إنما هو مال الله وهو في أيدينا، ويدُنا عليه يدُ أمانة لا يدَ مُلك، فنحن لا نملك أموالنا وإنما مُؤتمنون عليها من الله تعالى، ولكن الله تعالى ملَّكنا هذا المال من أجل أن نؤدي حقّ الله فيه، وأن ننفقه في الحلال، فإذا علمت ابتداءً أنَّ كل ما تملكه سواءً كان مالاً نقدياً أو عقاراً أو خِبرةً أو عِلماً أو وقتاً، كل ما تملكه في حياتك إنما يدُك عليه يدُ أمانة فأنت مؤتمنٌ عليه من قبل الله، والمؤتمن لا ينبغي أن يتصرف فيما اؤتمن عليه إلا وفق تعليمات المالك، والله جلّ جلاله يَملُكنا ويَملك ما نملُك، فهو جلّ جلاله له ملكُ السموات والأرض، فبهذا الاعتبار نحن عندما ننفق من أموالنا إنما ننفق من مال الله الذي آتانا الله إياه، وجعلنا مُستخلفين عليه لينظر كيف نعمل فيه جلّ جلاله:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
[ سورة البقرة]


شروط الإنفاق:
الإنفاق ينبغي أن يكون في سبيل الله
أول شرطٍ من شروط الإنفاق أن يكون في سبيل الله؛ فالإنفاق لا ينبغي أن يكون في سبيل شهرةٍ، ولا سُمعةٍ، ولا عُلوِّ مكانةٍ، ولا من أجل أن يرانا الناس، ولا ليقال عنا مُنفقون، وإنما يجب أن يكون خالصاً في سبيل الله، فيكون في المواضع التي يأذن الله تعالى بها لرفعة دينه وخدمة عباده جلّ جلاله، وتكون النية فيه خالصةً لوجه الله لا سُمعةً، ولا رياءً، وفي الحديث الصحيح:

{ إنَّ يسيرَ الرِّياءِ شركٌ ، وإنَّ من عادَى للَّهِ وليًّا فقد بارزَ اللَّهَ بالمحاربةِ إنَّ اللَّهَ يحبُّ الأبرارَ الأتقياءَ الأخفياءَ الَّذينَ إذا غابوا لم يُفتقدوا، وإن حضروا لم يُدعوا، ولم يُعرفوا قلوبُهم مصابيحُ الهدَى، يخرجونَ من كلِّ غبراءَ مظلمةٍ }

[سنن ابن ماجه]

أيها الأخوة أما الشرط الثاني فقد قال:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
[ سورة البقرة]

فلا تُقبل نفقةٌ يَعقِبُها منٌّ أو يَعقِبُها أذى للناس، كيف ذلك؟ المنُّ أن يَمُنَّ الإنسان على المُنفَق عليه فيقول له مثلاً: هذا من مالي، أنا الذي أعطيتك، أنا الذي علمتك، أنا الذي ربيتك، هذا من خيري لك، وهذا من أعظم ما يُبطل الصدقات، فالذي ينفق ماله ثم يُتبعه بالمنِّ على الناس فقد أبطل صدقته:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)
[ سورة البقرة]

الإنفاق يجب أن ألا يُتبعَ بالمنّ
فيجب على المُنفِق أولاً أن يكون إنفاقه خالصاً، وأن يكون وفق منهج الله في سبيل الله، وثانياً ألا يُتبعه بالمنّ فيقول لمن أنفق عليه: أنا الذي أعطيتك، وأنا الذي وهبتك، وفضلي عليك كبير، ونحو ذلك من الكلمات التي ليس لها أصلٌ منطقي، لأن المال كما قلنا الذي آتيته لفلان هو ليس لك، وإنما هو حقُ فلانٍ عندك، ففي الحقيقة لا ينبغي أن تمُنَّ عليه بشيءٍ من ذلك.
قال أحد الصالحين لابنه: يا بني إذا أحسنت إلى إنسانٍ ثم وجدت أنَّ سلامك عليه يَثقل على نفسه فكُفَّ سلامك عنه.
أحسنت لإنسان هو جارٌ لك، له دكانٌ قريبٌ من بيتك، وكلما مررت من أمام دكانه ألقيت السلام عليه فشعرت أن ذلك يَثقل عليه وكأنك تذكره بإحسانك له، قال: فكفَّ سلامك عنه، حتى السلام لا تُسلم عليه، اختر طريقاً آخر، لا تمر به حتى لا تُثقل عليه بإحسانك الذي أحسنت، وهذا أدبٌ عظيمٌ يعرفه المؤمنون الصادقون، والمُنفقون المُخلصون، ثم لا يُتبعون ما أنفقوا منّاً هذا هو المنّ فما هو الأذى؟
الأذى أن تُخبر إنساناً آخر غير من أحسنت إليه، تخبر إنساناً آخر صديقاً لذلك المُحسَن إليه، أو قريباً له، تُخبره بإحسانك له، فتلقاه فتقول: كيف هو حال جارك فلان؟ فيقول لك: الحمد لله أموره بخير، فتقول له: أنا أعطيته، أنا تصدقت عليه، أنا ساعدته في إجراء تلك العملية الجراحية، أنا علّمت أولاده، أو غير ذلك، فتؤذيه بذلك عندما تُخبر أُناساً بأنك قد أحسنت إليه.
إذاً المُنفِق ينبغي أن يُنفق في سبيل الله، ألا يمُنَّ على الآخرين، وألا يؤذيهم، فإذا كان كذلك صحت نفقته.

الصدقة تؤكد صدق الإنسان مع الله عز وجل:
الصدقة أيها الكرام تؤكد صدق الإنسان مع الله عز وجل، ولا يمكن أن تؤكد صدقك مع الله تعالى إلا إذا كانت صدقتك خالصةً لوجه الله لا يعقِبها منٌّ ولا أذى، قال تعالى:

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)
[ سورة التوبة]

تطهرهم، ما الذي يَطهُر عندما يدفع الإنسان صدقته؟ أولاً: يَطهُر المال من تعلُّق حق الآخرين به ففي المال حق:

وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)
[ سورة المعارج]

الزكاة تطهُر نفسك من الشح
فهذا حقهم، وأنت عندما تعطيهم لا تُعطيهم تفضُّلاً وإنما تعطي الفقير حقه في مالك فيَطهُر مالك من تعلُّق حقّ الآخرين به، الفقراء، ثم تطهُر نفسك من الشح فالذي لا يؤدي زكاة ماله، ولا يؤدي صدقاته شحيح:

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)
[ سورة الحشر]

ومن يدفع الصدقة تَطهُر نفسه من الشح، ثم ما الذي يَطهُر أيضاً؟ تَطهُر نفس الفقير مم؟ من الحقد، لأن الفقير عندما يجد مجتمعه قد تخلى عنه، ولم يُعطه حقه في المال، ولم يُكرمه بما ينبغي أن يُكرم به، فإن نفسه تضيق ولا تَطهُر إلا عندما يأخذ مالاً يُعينه على أعباء الحياة:

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)
[ سورة التوبة]


الزكاة تزكي نفس الغني والفقير:
الزكاة هي النماء
الزكاة هي النماء، فما الذي يزكو عند الإنفاق؟ أولاً: تزكو نفس الغني لأنه عندما يُنفق يُسعد الناس فيَسعَد هو، ويشعر بدوره في المجتمع، ويشعر بأنه يُعطي مما أعطاه الله فتزكو نفسه وتنمو، لأنه أصبح عنصراً فعالاً في مجتمعه، وتزكو نفس الفقير وتنمو عندما يشعر أنَّ مجتمعه يُحبه، ولم يتخلّ عنه فتزكو نفسه، ويزكو المال أي ينمو، كيف ينمو المال وأنت تنفق منه؟ ينمو بطريقتين؛ الطريقة الأولى طريقة يعرفها أهل الاقتصاد يدور المال في المجتمع فيعود الفقراء للشراء من الأغنياء فيتحرك المال، ويذهب الكساد فينمو المال، والطريقة الثانية طريقةٌ ربانيةٌ فالله تعالى يُنمّي مال المنفق فيؤتيه على الحسنة عشرة أضعافها وعشرة أمثالها وبذلك ينمو المال:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
[ سورة البقرة]

أجرهم المُكافئ واللائق بهم، ولم يقل: لهم أجراً، لهم أجرهم عند ربهم، أين الأجر؟ عند الله فلا تقلق، عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم من المستقبل، ولا هم يحزنون على ما مضى من الأيام، وأيُّ سعادةٍ تلك التي تكون للمُنفِق وقد أخذ أجره اللائق به عند ربه ثم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
إلى الملتقى أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم، زودكم الله التقوى، وغفر لي ولكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته