دُلَّني على السوق

  • برنامج دار الأرقم - الحلقة 18
  • 2025-03-18

دُلَّني على السوق


دار الأرقم تُعلِّم الدارسين البعد عن الحرام:
ربما يتوهَّم كثيرون، أنَّ دار الأرقم كانت تُعلِّم الدارسين البعد عن الدنيا، والحقيقة أنها كانت تعلمهم البعد عن الحرام.
ربما يظن البعض، أنَّ الصحابة في دار الأرقم، فهموا الدين تركاً للدنيا، والحقيقة أنهم فهموا الدين تركاً لما حرَّمه الله في الدنيا.
دار الأرقم تُعلِّم داخليها أننا نعمل في الدنيا لكننا لا نعمل لها، وأننا نتحكم بها ولا تتحكم هي بنا، وأننا نجعلها في أيدينا لا في قلوبنا.
الدنيا لا تُترك، فإن تركناها تحكَّم بمفاصل قوتها أعداؤنا، ثم فرضوا ثقافتهم علينا، ثم حالوا بيننا وبين آخرتنا.
الدنيا علم ولكنها ليست مبلغ العلم، وهي همّ ولكنها ليس أكبر الهموم، " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا".
عبد الرحمن بن عوف، أحد المُبشرين بالجنة، المُلقَّب بالغني الشاكر.
يوم هاجَر إلى المدينة، آخى رسول الله بينه وبين سعد بن الربيع، فعرض عليه سعد نصف ماله، فقال له: << بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق >>.

أهمية العمل والتعفُّف عن مال الآخرين:
وهذه العبارة أصلٌ في أهمية العمل والتعفُّف عن مال الآخرين، والسعي الحثيث لتحصيل الرزق.
كان ابن عوف مهاجراً إلى بلدٍ جديد، ليس له فيه معارف، ولكنه لم يؤثِر الراحة لدقيقةٍ، وإنما نهض الى العمل الذي يُصلِح دنياه فوراً، ليكون صلاح دنياه مطية لصلاح آخرته.
لقد تعلم عبد الرحمن بن عوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّ اليد العُليا خيرٌ من السفلى، وأنَّ "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، وأنَّ المال نوعٌ من أنواع القوة، يصون الإنسان به عرضه، ويتقرَّب به إلى ربه.
كيف لا وقد تخرَّج في مدرسة الأرقم، ومُعلّمه فيها كان يرعى الغنم، ثم كان تاجراً يخرُج بمال خديجة رضي الله عنها.
في دار الأرقم، وفي كل دار تشبهها نبني بها الأمة، يجب أن نُعلِّم الناس، أنَّ الفقر ليس فضيلة يسعى الإنسان إليها، وأنَّ طريق القوة إن كان سالكاً وفق منهج الله، فيجب أن نسير فيه، لنسعى في نهضة أمتنا ورفعة شأنها، سواء كانت القوة قوة جسم، أو مال، أو علم، أو مكانة.
جدلية الغني الشاكر والفقير الصابر، وأيهما أعظم أجراً، مبثوثة في بطون كتب التراث.
والحقيقة أنه لا مفاضلة، فقد يبلغ الغني الشاكر بماله، أعلى درجات الجنان، كما قد يبلغ الفقير الصابر بصبره، بعد استنفاد الجهد في العمل، أعلى درجات الجنان.
علماً أن كليهما الغني والفقير، بحاجةٍ إلى الصبر والشكر، فكم يصبر الغني المؤمن عن المعصية، وبين يديه أسبابها، وكم بشكر الفقير على نعمٍ عظيمة أولاه الله إياها.