فقه التوازن
فقه التوازن
دار الأرقم مدرسة في حسن الصلة بالله تعالى:
في دار الأرقم يتعلم الدارسون إحسان الصلة بالله تعالى، ويصبح صيام النهار وقيام الليل، جزءاً أصيلاً من برنامجهم. |
كيف لا وهم يرون مُعلّمهم الأول يقوم الليل إلا قليلاً، وهو يتلو عليهم قوله تعالى: |
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)(سورة المزمل)
عثمان بن مظعون رضي الله عنه، واحد من أولئك السابقين إلى الإسلام، الذين تعلَّموا في دار الأرقم، فكان صواماً قواماً، حتى وصفت زوجته حاله فقالت: أمّا نهاره فصائم وأمّا ليله فقائم. |
والمُعلِّم الحصيف يتابع طلابه، ويتفقَّد حالهم، ويُعيدهم إلى توازن الإسلام ووسطيته. |
بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ما يفعله عثمان من إعراضٍ عن الدنيا بالكلية، واتجاهٍ إلى الصيام والقيام فقال له: |
{ دخَلتِ امرأةُ عثمانَ بنِ مظعونٍ على نساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرأَيْنَها سيِّئةَ الهيئةِ فقُلْنَ: ما لكِ؟ ما في قريشٍ رجلٌ أغنى مِن بعلِك! قالت: ما لنا منه شيءٌ ؟ أمَّا نهارُه فصائمٌ وأما ليلُه فقائمٌ قال: فدخلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَرْنَ ذلك له فلقيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا عثمانُ أمَا لك فيَّ أسوةٌ؟ قال: وما ذاك يا رسولَ اللهِ فداك أبي وأمِّي؟ قال: أمَّا أنتَ فتقومُ اللَّيلَ وتصومُ النَّهارَ وإنَّ لأهلِكَ عليك حقًّا وإنَّ لجسدِك عليك حقًّا صَلِّ ونَمْ وصُمْ وأفطِرْ }
(صحيح ابن حبان)
استجاب عثمان فوراً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطى أهله وجسده حقهم. |
دار الأرقم مدرسة في حسن الصلة بالله تعالى، باعتبارها أساساً ومنطلقاً لحسن العلاقة بالناس. |
من هنا فقد تكرر في كتاب الله، ربط الصلاة بالزكاة (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) فهذان الركنان يُمثّلان حركتين مهمتين، حركةٌ نحو الخالق بالصلة والإيمان، وحركةٌ نحو المخلوق بالبِرِ والإحسان. |
لقد خلق الله الإنسان ضعيفاً، هلوعاً، جزوعاً، منوعاً، ولن ينجو من هذه الصفات، الا بصلته بخالقه، وإلا بقي تائهاً في ظلمات الجهل والوهم، ففي النفس فراغ لا يملؤه إلا حسن الصلة بالخالق، ولكن الله أمره بعد ذلك، أن يُعمر الدنيا ويملأها بالخير، فلا تستقيم حياة بغير الأمرين معاً. |
داوود عليه السلام، استغرق في محرابه بالعبادة، ونسي محراب الحياة، فجاء حُكمه مجافياً للحق، فعاتبه ربه: |
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)(سورة ص)
وأمّا سليمان عليه السلام، فقد انشغل عن ذكر ربه بشيءٍ من الدينا: |
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32)(سورة ص)
والمطلوب هو التوازن بين الصلة بالله ومخالطة الناس، والعمل في الدنيا. |