تأملات في سورة الانفطار
تأملات في سورة الانفطار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وأُصلّي وأُسلِّم على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. |
ما هي براعة الاستهلال:
الناس جميعاً يعلمون القوانين كلٌّ في موقعه، الطبيب يعلم قوانين الجسم فيُعالج بناءً على ذلك، العرب كانوا إذا أرادوا أن يبدؤوا بقصيدةٍ فيها غزَل أو فيها هِجاء، أو فيها ذم أو مدح، يبدؤوا بالوقوف على الأطلال، هذه يُسمّونها براعة الاستهلال، أنه يَبرَع في بدايةٍ تَلّفِتُ نظر الناس، فاليوم الخطيب الناجح أو الداعية، من براعة الاستهلال يبدأ بضرب مَثَل، بسؤال، والنبي صلى الله عليه وسلم سيد البُلغاء، كان عنده براعة الاستهلال شيءٌ عظيم، يجلس بين أصحابه يقول: |
{ أَلا أدُلُّكُمْ علَى ما يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالُوا بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ علَى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ. وليسَ في حَديثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّباطِ. وفي حَديثِ مالِكٍ ثِنْتَيْنِ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ. }
(صحيح مسلم)
براعة استهلال. |
{ أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: أرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهَرًا ببابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فيه كُلَّ يَومٍ خَمْسًا، ما تَقُولُ ذلكَ يُبْقِي مِن دَرَنِهِ؟ قالوا: لا يُبْقِي مِن دَرَنِهِ شيئًا، قالَ: فَذلكَ مِثْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا }
(صحيح البخاري)
براعة استهلال. |
{ أَلَا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَزْكاها عِندَ مَلِيكِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم ، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم؟!، قالوا: بَلَى، قال: ذِكْرُ اللهِ }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)
الاستهلال في القرآن الكريم:
فقضية براعة الاستهلال من قواعد أو بديهيات العرب، فالله تعالى في قرآنه الكريم كثيراً ما يستخدم هذا الأسلوب، ولاسيما في السور المكيَّة، أحياناً بالقَسَم: |
وَالْعَصْرِ(1)(سورة العصر)
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا(1)(سورة العاديات)
أحياناً بالمظاهر الكونية: |
إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ(1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَت(2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ(3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ(4)(سورة الانفطار)
مظاهر الكون كله يختل، يتحرك حركة، حركة، النتيجة: |
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ(5)(سورة الانفطار)
عندما يحصل ذلك. |
السماء بِناء، وبِناءٌ مُحكَم، قال تعالى: |
أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا(27)(سورة النازعات)
وقال: |
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47)(سورة الذاريات)
فالسماء ليست فراغاً، السماء بِناءٌ مُحكَم، والسماء جعلها الله تعالى: |
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ(32)(سورة الأنبياء)
والسماء ليست فراغاً، قال تعالى: |
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14)(سورة الحجرات)
وكأنَّ لها باباً، فالسماء بِناء، عندما تنفطر بمعنى تنشق، طبعاً هناك: |
إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ(1)(سورة الانشقاق)
الانفطار اهتزازٌ من الداخل وهو أشدُّ من الانشقاق:
وهنا (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) الانفطار هو الانشقاق، لكن الانفطار غالباً يُعبَّر به عن تهدُّم الأجزاء الداخلية، يقول شققت الصحيفة يعني شقّ فقط، أمّا الانفطار فيه اهتزازٌ من الداخل، شدّة أشد من الانشقاق، أي وكأنَّ شيئاً ينفطر، يقول انفطر قلبي. |
السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ۚ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا(18)(سورة المزمل)
والعياذ بالله، يعني دلالة على القوة والشِدّة، فقال: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ(1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَت) تفرَّقت أجزاؤها، ربُّنا جلَّ جلاله جعل توازناً في الكون، هذا التوازن بحيث كل كوكب يدور ويرجع إلى مكان انطلاقه النسبي. |
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)(سورة الطارق)
لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)(سورة يس)
السبب هو الحركة، لأنه كما تعلمون الجاذبية تخضع للكتلة والمسافة، فالمسافات بقدَر، والكتل بقدَر. |
أنا اليوم فرضاً وقد سمعت هذا من بعض العلماء في المجال، لو قلت لشخصٍ سأُعطيك مغناطيسَين، ضعهما على الطاولة هُنا وباعد بينهما بحيث لا ينجذب أحدهما إلى الآخر، وهذا أمرٌ سهل أن يُباعد بينهما بُعدٌ مُعيَّن لا ينجذبوا، إذا اقتربوا أكثر ينجذبوا، إذا قلت له ضع ثالثاً بينهما تتعقد المهمة قليلاً لكن ممكنة، إذا جعلتهم خمسة أصعب، وإذا جعلتهم عشرة أصعب، إذا مئة وكل واحد منهم له كتلة، صغير وكبير، أصبحت المهمة أصعب، بأي لحظةٍ ينجذبوا إلى بعضهم ويصبحوا شيئاً واحداً، إذا قلت له ارفعهم في الفراغ، يقول لي: مستحيل أن أضعهم في الفراغ! إذا قلت له ارفعهم في الفراغ وهُم يتحركون، سيقول لي: هذا مستحيل! |
هذا هو ما يجري في الكون، الذي يجري في الكون أنَّ كل الكواكب تتحرك ولا تنجذب لبعضها ولا تصبح كتلةٌ واحدة (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). |
فيوم القيامة ربُّنا عزَّ وجل هذا القانون يُسحَب، والأمر بيده جلَّ جلاله، فتنتثر الكواكب وتتفرق أجزاؤها انتهت، هي وجِدت للدلالة على عظمته، وجِدت لتدُلّك على الله، وجِدت لتقول لك إن الله موجودٌ وواحدٌ وكامل، والآن انتهى وقت الاختبار، والوسائل التعليمية لم يعُد لها دَور، كان عندك وسائل تعليمية كثيرة والآن انتهى. |
كيف تُفجَّر البحار يوم القيامة؟
(وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَت(2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) التفجير مصطلح حديث، وعلى الفيسبوك يحذفوه إذا سمعوا به يعتقدوا أنه تفجيرٌ حقيقي، فهو مصطلحٌ حديث عن الانفجار، تفرُّق الأجزاء من الداخل، حصل انفجار، بوقت نزول القرآن فُهِم الانفجار على أنه هو الطوفان، تقريباً سبعون بالمئة من الكرة الأرضية محيطاتٌ وبحار، فتطوف الدنيا كلها، تنفجر وتطوف الدنيا، أو فُهِم على أنَّ انفجارها بمعنى سيَحانُها في داخل الأرض انتهى. |
في الحديث عن هذا قالوا: لماذا لا نفهم على الانفجار الحقيقي؟ فقال بعض العلماء من باب الإشارة، أنَّ الماء هو H2O أي أنه غاز مُشتعِل وغاز يساعد على الاشتعال، فربنا يفكُّ العلاقة بينهما، هُم بهذه العلاقة أصبحوا يُطفئوا النار، وإذا فُكَّت العلاقة يشتعلوا ممكن، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: |
{ لا يَرْكَبُ البحرَ إلاحاجٌّ, أو مُعْتَمِرٌ,أو غازٍ في سبيلِ اللهِ, فإنَّ تَحْتَ البحرِ نارًا وتَحْتَ النارِ بحرًا }
(أخرجه أبو داوود والطبراني والبيهقي)
(وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) المهم أنه اختلَّ النظام، ربنا الآن يُثبِّت، نحن رأينا في إعصار تسونامي هذه البحار فُجِّرَت، خرج الماء وأخذ مساحات شاسعة جداً لا يُبقي ولا يذَر، هذا شيءٌ بسيط، أمّا يوم القيامة (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ). |
على الإنسان أن يُسارع في أعمال الخير ولا يُسوِّف:
(وإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) أي خرج باطنها إلى ظاهرها، ماذا في داخلها؟ الأموات الناس الذين دُفنوا فيها، فخرَج الناس للحساب، ناسب أن يكون آخر مظهر هو تبعثُر القبور، ليكون جواب الشرط، إذا، إذا، إذا، قال: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) أي عند ذلك، (مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) البعض قالوا: ما قدَّمت من الطاعات في حياتها وما أخَّرَت من أشياءٍ عُمِل بها بعد وفاته، الإنسان عنده طاعة يعملها في حياته، وعنده ولدٌ يتركه بعد وفاته، هذا أخَّره لكن يبقى له، عنده كتاب طَبَعهُ فقُرئ بعد وفاته فانتُفع به، هذا أخَّرَه، والذي قدَّمه هو الذي عمله في حياته هذا معنى. |
والمعنى الثاني: علمت نفسٌ ما قدَّمت من الطاعات وما أخَّرَته فلم تفعله، فهذا يندم عليه الإنسان، بمعنى هو صلَّى وصام ولكن قال لك: أنا إن شاء الله في المستقبل سأُنفِق من مالي، الآن الوضع صعب، فتوفي قبل أن يُنفِق، هذا أخَّرَه فيقول: ليتني لم أؤخِّره، ليتني فعلته فوراً (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ). |
فالإنسان يُسارع إلى أن يُقدِّم، ما دام النَفَس موجود والقلب ينبض فليُكثِر من الأعمال الصالحة، لأنَّه يوم القيامة سيُصبح عنده ندم على ما أخَّرَه، كان بإمكانه أن يفعله لكن قال سوفَ، فاطرح عن سوفَ فإنها من عمل إبليس، هلَك المُسوفون، (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) هذا المقطع الأول. |
وصف الإنسان في القرآن قبل الإيمان:
ثم يتوجه المولى جلَّ جلاله للإنسان، بعد هذا الموقف المَهيب الذي سيحصل، يوجِّه له الخطاب: |
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)(سورة الانفطار)
والله تعالى إذا ذكر الإنسان في القرآن، فهو الإنسان قبل أن يؤمن، على حالته الطبيعية، إذا آمن يُصبح مؤمناً، وإذا كفر يُصبح كافراً والعياذ بالله، لذلك كثيراً ما يكون وصف الإنسان في القرآن وصفاً سلبياً: |
كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ(6)(سورة العلق)
إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)(سورة العصر)
إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)(سورة المعارج)
خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ(37)(سورة الأنبياء)
كثيراً ما يكون وصف الإنسان في القرآن وصفاً سلبياً، لأنَّ هذا قبل الإيمان، يعني على أصل الخِلقة التي فيها مواطن ضعف، فلمّا يؤمن ويتصل بالله عزَّ وجل ينجو من هذه المواطن: |
إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)(سورة المعارج)
يفقد صبره ويفقد رشده. |
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)(سورة المعارج)
لا يريد أن يُنفِق، يريد أن يأخذ كل الخير له. |
إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)(سورة المعارج)
الإيمان هو الذي يُهذِّب الإنسان فكونوا ربانيين:
عندما يتصل بالله ينجو من هذه الصفات الخَلقية التي في أصل خلقه، فالإيمان هو الذي يُهذِّب الإنسان، لذلك: |
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79)(سورة آل عمران)
وليس كونوا إنسانيين، لأنَّ مصطلح الإنسانية يُطلَق اليوم على أساس أنه نحن نُنسَب إلى الإنسان، والإنسان مُكرَّم عند الله، لا مانع، لكن المؤمن ربّاني، ينتقل من مرحلة الإنسانية التي رأينا آثارها، يعني الكل يقول نحن إنسانيون ونرى الإنسان ماذا يفعل بأخيه الإنسان، إذا صحَّ أنه أخوه، وإذا اعتبره أخوه، إذا اعتبره أنه من شعب الله المختار، فهذا لا يعتبره أخاً له! هذا لا يستحق الحياة أصلاً فانظُر إلى الإنسانية!! لا نُنكر وجود فِطرة أحياناً في الداخل، لكن الأصل أن يكون الإنسان ربّانياً منسوباً إلى ربِّه لا إلى أصل خِلقته. |
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ) الغرور في الأصل أن تتوهم شيئاً على خلاف ما هو عليه، يعني إذا إنسان مرّ في الطريق فوجدَ علبةً جميلةً جداً، ومغلفة بغلافٍ راقي وعليها وردةٌ حمراء، يتبادر إلى ذهنه فوراً أنَّ بداخلها شيئاً ثميناً، اغترَّ بها فحملها وأخفاها حتى لا يراه أحد، ثم دخل إلى غرفةٍ وفتحها فوجد فيها قمامة لها رائحة كريهة، هذا ماذا حصل معه؟ اغترّ، لأنه توهَّم شيئاً بخلاف ما هو عليه. |
كيف يغترّ الإنسان بربِّه؟
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) كيف يغترُّ الإنسان بربِّه؟ يظنُّ أنه لن يُحاسبه، غرور، يقول لك: لا تُدقِّق ربنا لن يوقفنا ولن يُحاسبنا، هل سيحاسبنا لأجل نظرةٍ أو من أجل مالٍ قليل!؟ يغترّ، فربُّنا يُعاتبه يقول له: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، البعض يفهم أنَّ (بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) قالوا: لقَّنه الإجابة، أي أعطاه الإجابة بالسؤال، يعني حتى يُجيبُه يقول: غرَّني كرمك يا ربّ، هذه ربما تستقيم مع بعض الناس، لكن عند المؤمن؟! |
أنت في حياتك الطبيعية إذا كان أحدهم كريماً معنا كثيراً هل نقابله بالإساءة؟! لا، فلا يصحّ أن يكون الجواب كرمك يا ربّ، على العكس هذا توبيخ أكثر، فالآية فيها معنى التوبيخ، يعني رغم كرمه معك، رغم كل ما أعطاك، كيف تغترّ به فتعصيه؟! فهي ليست تلقين للإجابة فيما أحسَب، البعض القليل من باب الإشارة واللطف قالوا: لقَّنه الإجابة. |
مثلاً سيدنا ابن عمر لمّا قرأ: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) قال: غرَّه جهله، الجهل الذي غرَّه، ما عنده عِلم لا يعرف عظمة ربُّنا عزَّ وجل، جهل، وقرأ غيرهم (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) فقال: غرَّه حلمك يا ربّ، ربُّنا لا يُعاجل بالعقوبة يُمهِل، فاغترّ، وقرأ بعضهم (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) فقال: ستورك المُرخاة علينا، ستّير ربنا، فالستر يغرّ أحياناً. |
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) يتفاجأ الإنسان إذا اغترّ، ربنا عفوّ لكن: |
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ(82)(سورة طه)
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53) وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(54)(سورة الزمر)
فعندما يرجع الإنسان إلى ربِّه، ويُصلِح ما بينه وبين ربِّه، عندئذٍ يقول ربنا غفورٌ رحيم، طبعاً غفورٌ رحيم جلَّ جلاله، ويتجاوز ويعفو أكثر مما يُحاسِب، لكن عندما يجلس ويقعُد عن العمل ويقول ربُّنا كريم، هذا اغترّ، كيف اغترّ؟ مثلاً: طالبٌ في صفٍّ وأبوه الأستاذ في هذا الصف، فقال لك: أبي مستحيل أن يُرسّبُني فلم يدرس، أبي لطيف ويحبني جداً، وفي البيت يضمُّني ويُقبِّلُني فلم يدرس، وجاء إلى الامتحان وقال: لو أني كتبت أي شيء فأبي سيُنجِّحُني ولكن أبوه رسَّبه، فقال لأبوه: لقد رسَّبتني! فقال له أبوه: طبعاً لأنه ليس من العدل أن أُنجِّحك. |
فعندما يرجع الإنسان إلى ربِّه، ويُصلِح ما بينه وبين ربِّه، عندئذٍ يقول ربنا غفورٌ رحيم، طبعاً غفورٌ رحيم جلَّ جلاله، ويتجاوز ويعفو أكثر مما يُحاسِب، لكن عندما يجلس ويقعُد عن العمل ويقول ربُّنا كريم، هذا اغترّ، كيف اغترّ؟ مثلاً: طالبٌ في صفٍّ وأبوه الأستاذ في هذا الصف، فقال لك: أبي مستحيل أن يُرسّبُني فلم يدرس، أبي لطيف ويحبني جداً، وفي البيت يضمُّني ويُقبِّلُني فلم يدرس، وجاء إلى الامتحان وقال: لو أني كتبت أي شيء فأبي سيُنجِّحُني ولكن أبوه رسَّبه، فقال لأبوه: لقد رسَّبتني! فقال له أبوه: طبعاً لأنه ليس من العدل أن أُنجِّحك. |
الله تعالى خلق الإنسان من عدم ثم سوّاه:
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(7)(سورة الانفطار)
خلقك أنشأكَ من العدَم، التسوية بعد الخَلق، مثلاً أنت تريد أن تُنشئ كراج لسيارتك، من غير أن تأخذ أي أبعاد، جئت بالرجُل البنَّاء وقلت له: أُريد أن تبني لي كراجاً للسيارة، فأقام جداراً بجدار، وجئت لتدخل بسيارتك فتفاجأت أنَّ سيارتك دفعٌ رباعي عالية، وسقف الكراج مُنخفِض لا يمكن دخول السيارة، لا يوجد تسوية، أيضاً دخلت فوجدتها ضيّقة، فأغلقت المرايا ودخلت لكن الأبواب لا يمكن أن تُفتَح، لا مجال للنزول من السيارة. |
في منطقة المُهاجرين عندنا بالشام بالجادات، أنا كنت أسكن في الجادة الرابعة، أصعب شيء هناك هو رَكن السيارة، العُقدة لمنطقة المُهاجرين أن تجد مكاناً تركن به سيارتك، المكان جميل لكن يُترَك السكن فيه لعدم وجود مكانٍ للاصطفاف، فكنت أحياناً أصِل إلى البيت في الساعة الحادية عشر أو الثانية عشر ليلاً، هذا في عام 2010، مستحيل أن تجد مكاناً لركن السيارة، وأظل أبحث عن مكانٍ حوالي نصف ساعة، ففي إحدى المرات وجدت مكان ضيّق جداً، عملت تقريباً حوالي عشرين محاولة حتى استطعت أن أركن السيارة في هذا المكان الضيِّق، وبعد أن ركنتها كأنني ملكت الدنيا، أخذت نَفَساً طويلاً وحاولت أن أفتح الباب لأنزل، فضرب الباب بالسيارة التي بجانبي، فقلت أخرُج من الباب الثاني، فقفزت إلى الباب الثاني فلم أستطيع فتحه، فعدت بالسيارة وأخرجتها، وركنتُها في مكانٍ بعيد ومشيت. |
فالتسوية هي أن يأتي الخَلق مناسب لمتطلبات الحياة، فربُّنا جلَّ جلاله خلق الإنسان ثم سوّاه، مثلاً لم يجعل له في الشعر أعصاب حس، وإلا لن يستطيع أن يقصّ شعره إلا بعمليةٍ جراحية، ولا بالأظافر، جعل خلاياه كلها تتبدل كل خمس سنواتٍ، أطول عمر خلية خمس سنوات، إلا القلب لأنه مركز المشاعر والدماغ لأنه مركز المعلومات، هذه تسوية، التسوية غير الخَلق، التسوية شيءٌ مناسب، الخَلق كان ممكناً أن يجعل له عيناً واحدة، لكن لا يُدرِك البُعد الثالث للأشياء: |
أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ(8)(سورة البلد)
(خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) بأُذُنٌ واحدة يسمع لكن بالأُذُنين يعلم مصدر الصوت يميناً أو يساراً (خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) يعني التسوية فسوَّى. |
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ(2)(سورة الأعلى)
جعل الخَلق متناسب مع مُتطلبات الحياة، البذرة الجذر يتجه إلى الأسفل والساق إلى الأعلى (خَلَقَ فَسَوَّىٰ). |
الله تعالى ركَّب الإنسان بالصورة الأكمل:
(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) عَدلَك من الاعتدال وهو التوسُّط، قامة للإنسان يمشي على قدمين مُعتدِل، باقي المخلوقات تمشي على أربعة، أصل بناء الحضارة الإنسانية، وجود اليدين الذين لا نمشي عليهم بل نعمل بهم. |
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ(8)(سورة الانفطار)
انظُر إلى صور الكائنات، ربُّنا كانت عنده كل الأنفُس، هناك نفسٌ أصبحت كلب - أجلَّكم الله - وخنزير، وقرد، ركّبَك في الصورة الأكمل وهي صورة الإنسان (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) هذا المقطع الثاني. |
مشكلة الإنسان أنه لا يؤمن إيمان حقيقي بيوم الدين:
المقطع الثالث هو لبّ السورة، أو القصد من السورة في النزول المكّي، في الآيات المكّية القصد دائماً من السورة هو الوصول إلى يوم الدين. |
فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ(8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ(9)(سورة الانفطار)
(كَلَّا) أداة زجر وردع تلفِت الانتباه، (بَلْ) حرف إضراب، (تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ). |
(بَلْ) حرف إضراب ينفي ما قبله ويُثبِت ما بعده، إذا كان مذيع يقرأ نشرةً إخبارية، أحياناً يقول مثلاً: "وتكون درجات الحرارة مرتفعةً"، عندما يجد نفسه أخطأ فيقول: أو منخفضةً، يجب أن يقول بل منخفضةً، لأنَّ بل إضراب، يعني ليس سبب الاغترار بحلم الله هو السبب الرئيسي (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ)، المشكلة أنه لا يوجد إيمان باليوم الآخر، مشكلتك أيُّها الإنسان، أنه ليس عندك إيمانٌ حقيقيٌ بيوم الدين وبيوم القيامة. |
الدين هو الرجوع، دانت له الجزيرة العربية، أي خضعت له، رجعت له في أمرها، فالرجوع إلى الله، فلمّا كذَّب بأنَّ مرجعه إلى الله، كذَّب بالمنهج الذي هو دين الله تعالى. |
الله عزَّ وجل سخَّر الملائكة الكرام ليسجلوا أعمالك:
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ(9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ(10)(سورة الانفطار)
يعني الملائكة الذين يسجلون الأعمال، الحافظ الذي يحفظ أعمالنا، والله تعالى حفيظٌ جلَّ جلاله، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) جاء بالمؤكِّد الأول: (إِنَّ) والمؤكِّد الثاني: لام المُزحلقة، والثالث: (عَلَيْكُمْ) قال: (عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ). |
كِرَامًا كَاتِبِينَ(11)(سورة الانفطار)
الملائكة كرام عند الله جلَّ جلاله، ويكتبون، والكتابة تتناسب مع طبيعة الإنسان الذي يميل إلى تثبيت الأمور: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282)(سورة البقرة)
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(54)(سورة الأنعام)
ربُّنا ليس بحاجةٍ أن يكتُب على نفسه، لكن كلمة كتابة تتماشى مع طبيعة الإنسان، يعني هو لا يرتاح حتى تكتُب له، يقول لك: أخي اكتُب لي إيصالاً حتى أرتاح. |
الإنسان ينضبط بالمنهج عندما يشعر بالمراقبة:
كِرَامًا كَاتِبِينَ(11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ(12)(سورة الانفطار)
الإنسان متى ينضبط بالمنهج؟ عندما يشعر بالمراقبة، لا ينضبط إلا إذا شعر بالمراقبة، لماذا نقف جميعُنا على إشارة المرور؟ اترُك البُعد المُتعلِّق بالقيَم، قد تجد من الناس من عنده بُعدٌ قيَمي، أنَّ هذا الالتزام هو لسلامتي، لكن بالعموم الشباب متى يقفون على الإشارة؟ عندما يكون هناك كاميرا أو شرطي، المراقبة هي التي تجعل الناس يلتزموا، حتى في الغرب يقول لك: ما شاء الله ملتزمون، لأنه يوجد رقابة عالية، من أمِنَ العقوبة أساء الأدب، قوة القانون جعَلَتهُ ينضبط، ستقول لي أنها أصبحت ثقافة مجتمع، ممكن، الإنسان يعتاد فتصبح ثقافة عنده، أنه لا يُلقي الأوساخ من النافذة وكذا، لكن من البداية ليس هناك شعوب مميزةٌ عن شعوب، بمعنى أنه ليس ربُّنا عزَّ وجل خلقهم منضبطين بالنظام، ولكن عندهم يوجد قانون وهنا لا يوجد قانون فقط، يعني القانون عندنا ضعيف سلطته ضعيفة، ممكن لبعض الناس أن يشعروا أنهم أقوى من القانون فيتجاوزوه، أو أنه لا يوجد رقابةٌ كافية فيُتجَاوَز القانون، عندهم القانون يُطبَّق على الجميع ويشعرون برقابةٍ كافية للالتزام به، هذا أصل الفكرة، لكن الاستثناءات شيءٌ آخر، فالإنسان ينضبط عندما يشعُر بالرقابة (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ(10) كِرَامًا كَاتِبِينَ(11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ). |
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)(سورة الطلاق)
يعلَم ويقدِر أن يُحاسِبك فتنضبط. |
المؤمن سيجد من النعيم يوم القيامة ما يُنسيه كل آلام الدنيا:
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ(12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)(سورة الانفطار)
النتيجة، النهاية (إِنَّ الْأَبْرَارَ) والأبرار جمع بَرّ، وهو مَن تعلَّق بأعمال الخير والبِرّ، لأنَّ البِرّ اسمٌ جامعٌ لكل خير، فالبَرُّ هو من تعلَّق بالبِرّ، فأفعاله بِرّ في علاقته بربّه وعلاقته بالناس، يعني خير. |
(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) أي يوم القيامة، والبعض قال: في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا في نعيم القُرب، وفي الآخرة في نعيم الجنَّة، طبعاً الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: |
{ الدُّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الْكافرِ }
(أخرجه مسلم)
يعني الدنيا ليست مقياساً لكن فيها نعيم القُرب، تقول لي: والله مؤمن لا أستطيع أن أحضُر حفلات مختلطة، مؤمن لا أستطيع أن أنظُر إلى الحرام، مؤمنٌ لا أستطيع أن آخذ مالاً من حرام مهما كثُر (الدُّنيا سجنُ المؤمنِ) هناك قيود تمنعه من ارتكاب كل ما فيها، مسموحٌ له مساحة: |
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ(86)(سورة هود)
ومحجوبٌ عنه مساحةٌ كبيرة، يوجد زاوية مسموحة باللحوم والمشروبات وكذا، وهذه الزاوية أحياناً تكون كبيرة جداً، بل على العكس المُحرَّمات هي الزاوية، والمسموحات هي الأكثر، بالنساء وفي كل شيء يكون عنده شيءٌ مسموح وشيءٌ ممنوع (الدُّنيا سجنُ المؤمنِ) أمّا الكافر فيفعل ما يشاء، لكن: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) ممكن أن يكون نعيم القُرب من الله في الدنيا، لكن المقصود بالنعيم هو نعيم القيامة، يعني عندما يصل المؤمن إلى الله ينسى كل آلامه، مهما عانى في الدنيا. |
{ يؤتَى يومَ القيامةِ بأنعَمِ أَهْلِ الدُّنيا منَ الكفَّارِ، فيُقالُ: اغمِسوهُ في النَّارِ غَمسةً، فيُغمَسُ فيها، ثمَّ يقالُ لَهُ: أي فلانُ هل أصابَكَ نعيمٌ قطُّ ؟ فيقولُ: لا، ما أصابَني نعيمٌ قطُّ، ويؤتَى بأشدِّ المؤمنينَ ضرًّا، وبلاءً، فيقالُ: اغمِسوهُ غمسةً في الجنَّةِ، فيُغمَسُ فيها غمسةً، فيقالُ لَهُ: أي فلانُ هل أصابَكَ ضرٌّ قطُّ، أو بلاءٌ، فيقولُ: ما أصابَني قطُّ ضرٌّ، ولا بلاءٌ }
(صحيح ابن ماجه)
أَسر، وسجن، وقصف، وتنكيل، واحتلال بيوت، وهدم منازل فوق ساكنيها، وعندما يدخل إلى الجنَّة ويرى هذا النعيم يقول: (لم أرَّ شرَّاً قط). |
الكافر سيجد نار الجحيم يوم القيامة ولا خروج منها:
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ(14)(سورة الانفطار)
الفُجَّار جمع فاجر. |
{ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ خطبَ النَّاسَ يومَ فتحِ مَكَّةَ، فقالَ: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وتعاظمَها بآبائِها فالنَّاسُ رجلانِ: برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ، والنَّاسُ بنو آدمَ، وخلقَ اللَّهُ آدمَ من الترابِ، قالَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
(أخرجه الترمذي وابن حبان)
نوعين لا يوجد غيرهما، لا يوجد عِرق آري وآسيوي وعربي، هناك (برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ،). |
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ(6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ(7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ(8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ(9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ(10)(سورة الليل)
نوعان لا ثالث لهما. |
فقال: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) متى؟ |
يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ(15)(سورة الانفطار)
يعني يصلَونَ حرَّها، ويدخلون في هذه النار يوم الدين. |
وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ(16)(سورة الانفطار)
يعني لا يوجد إجازات ولا يوجد خروج (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) حضور مئةً بالمئة. |
يوم القيامة لا يملِك إنسان لآخر شيئاً مهما صغُر:
قال: |
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(18)(سورة الانفطار)
هذا للتهويل، عندما تُكرر السؤال، ربُّنا في القرآن يقول: وَمَا أَدْرَاكَ ثم يُحدِّثك، ويقول: |
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا(63)(سورة الأحزاب)
بالفعل المضارع، هذه لا تعلم عنها شيئاً، أمّا وما أدراك، لكن الله يُدريك (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(18)) سأقول لك ما هو، لخَّصه الله تعالى قال: |
يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ(19)(سورة الانفطار)
لا يوجد شفاعة، لا يستطيع إنسانٌ أن يملِك لآخر شيئاً، وقد ورَد في تفسير القرطبي أنَّ الفضيل بن عياض قال: <<تقول الأم: يا بني، لقد جعلت لك صدري سقاءً، وحجري وطاءً، وبطني وعاءً، فهل من حسنةٍ يعود عليّ خيرها اليوم؟ يجيبها ابنها يوم القيامة: ليتني أستطيع ذلك يا أُمَّاه، إنني أشكو مما أنت منه تشكين>>. |
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا) الإنسان في الدنيا يعتمد على أنه هناك أحدٌ يملِك لأحدٍ شيئاً، يقول لك: توكل على الله أعرفُ فلاناً، ويقول: الله يُعين من ليس له أحد، ويقول لك: كل الناس عندها واسطات وفي النهاية سيُحرِّكوا واسطاتهم لا تخاف، يدبِّروا أمورهم، الناس يعتمدوا على بعضهم في الدنيا (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا)، (شَيْئًا) تنكير، يعني ولا أدنى شيء مهما صَغُر، ولا شيء. |
يوم القيامة الأمر كله لله وحده:
(وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) الأمر في الدنيا لمن؟ أيضاً لله لكن الناس غافلون عن ذلك، الناس في الدنيا اليوم تقول له: الأمر بيد مَن؟ يقول لك: بيد أمريكا، ممكن أحدهم أن يكون فاهم القصة هكذا، الأمر دائماً لله، لكن (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) يتضِّح للجميع أنه لا يُشاركه فيه أحد، أمّا في الدنيا ربُّنا جعل أسباب، أنت تظنّ أنَّ الأمر بيد فلان، أمّا هو بيده وحده، المؤمن يعلم أنَّ الأمر كله لله. |
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(154)(سورة آل عمران)
في الدنيا وفي الآخرة، لكن يوم القيامة الموضوع واضح، أنَّ الأمر بيد الله وحده لا يُشاركه أحدٌ فيه، ولا يملِك أحدٌ لأحدٍ شيئاً. |
هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |
اللهم انصُر إخواننا في غزَّة على عدوّك وعدوّهم يا ربَّ العالمين، اللهم يا أكرم الأكرمين، ويا أجوَد الأجودين، يا مُجري السحاب، ويا منزِل الكتاب، ويا هازِم الأحزاب، ويا سريع الحساب، اهزِم الصهاينة المُعتدين ومَن والاهم، ومن أيَّدهم، ومن وقف معهم في سرٍّ أو علن. |
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجزونك، اللهم قد أريتنا مكرهم بنا فأرِنا مكرك بهم، فأنت خير الماكرين، اللهم اجعل الدائرة تدور عليهم، واجعل بأسهُم بينهم، وشتِّت شملهم، ومزِّق جمعهم، يا أكرم الأكرمين. |
اللهم أطعِم جوعى المسلمين، واكسُ عريانهم، وارحم مصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في كل ذلك سهماً مُتقبَّلاً وعملاً صالحاً، واجعل هذا الجمع جمعاً مباركاً مرحوماً، والتفرُّق من بعده معصوماً، وبارك الديار وأهلها يا أرحم الراحمين، واجعلها دياراً عامرةً بالذِكر والخير والإيمان، والحمد لله ربِّ العالمين. |