أهلا رمضان - الصيام عبادة الإخلاص

  • 2019-05-03
  • عمان
  • مسجد زياد العساف

أهلا رمضان - الصيام عبادة الإخلاص


الخطبة الأولى :

يا ربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض، ومِلء ما بينهما، ومِلء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكُلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِ منك الجد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك؟ وكيف نضل في هداك؟ وكيف نَذلُ في عزك؟ وكيف نُضامُ في سلطانك؟ وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك؟ وأشهدُ أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً، وبعد عباد الله اتقوا الله فيما أمر، وانتَهوا عما عنه نهى وزجر، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.


لله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص :
رمضان مفضل على سائر الشهور
أيها الكرام؛ أيها الأحباب؛ إن الله تعالى له خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد خلق جلّ جلاله الخلق ثم اصطفى منهم الأنبياء والرسل، ثم اصطفى من الأنبياء والرسل أولي العزم منهم، ثم اصطفى من أولي العزم سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان خير خلق الله كلهم، وخلق الله تعالى الأمكنة ثم اصطفى منها بيوته، فجعلها بيوتاً خالصةً لوجهه الكريم، يجتمع الناس فيها على محبته وطاعته، ثم اصطفى من بيوتهِ المسجد الحرام، واصطفى من بيوته مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، واصطفى من بيوتهِ المسجد الأقصى فجعل الرحال لا تُشَدُّ إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، إذاً اصطفى من الأزمنة زماناً، واصطفى من الأمكنة مكاناً، واصطفى من الأشخاص أشخاصاً، أما الأزمنة فقد خلق الله الشهور والأيام، ثم اصطفى منها شهر رمضان فجعله مفضلاً على سائر الشهور، وجعل فيه ليلة هي خيرٌ من ألف شهر.

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
(سورة القدر: الآية 3)

هذا اصطفاء الله تعالى، له خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
صَعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر يوماً، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه في الصحيح:

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ : آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا؟ - هذا شيء جديد صنعته- فَقَالَ : قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ قُلْتُ : آمِينَ، ثُمَّ قَالَ : رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ : رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ ، فَقُلْتُ : آمِينَ }

(أخرجه البخاري)

ففي هذا الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرين من هذه الأمور الثلاث في الخواص، رمضان المصطفى من بين الشهور والأيام دخل على مؤمنٍ ومازال القلب ينبض، ومازال النفس يدخل ويخرج، ثم انتهى رمضان ولم يغفر له، فما أتعسه! وذكر أيضاً نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الخلق ذُكِرَ عندك فلم تصلِّ عليه، صلى الله وسلم وبارك على محمد، وذكر لك من الأشخاص خواصّاً لك أنت، فلكل منا والدان على قيد الحياة، أو تحت أطباق الثرى، ولهما علينا حق سواء كانا حيّينِ يرزقان، أو أصبحا في رحمة الله جل جلاله لهما حق، حق الدعاء وحق الصدقة، لابد أن يُدخل الأبوان الجنة، فإن أدرك الإنسان والديه ولم يصل ببرهما إلى الجنة فقد خاب وخسر، هذا فحوى الحديث.

ضرورة الاستعداد لاستقبال شهر رمضان :
رمضان دعوة لفتح صفحة جديدة
أيها الأخوة الكرام؛ نستعد في هذه الأيام لاستقبال هذا الضيف العزيز، وأنت أيها الأخ الكريم لو كنت في بيتك وقد واعدت رجلاً من علية القوم أن يزورك في بيتك، وأن يأتي إليك، فلا بد أنك تستعد لاستقباله، وقد يبدأ ذلك قبل أيام فتهيئ البيت، وتهيئ الطعام، وتهيئ الاستقبال له، وتهيئ له ما تعلم أنه يحبه في بيتك، لأنك ستستقبل عزيزاً، فإذا كان هذا الوافد العزيز هو شهر الله، هو شهر الخيرات، هو شهر البركات، هو الشهر الذي يمكن أن تخرج منه وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك، إنها دعوة للتغيير، دعوة لأن نفتح مع الله صفحة جديدة، التجار يعلمون، لو أنك أيها التاجر الكريم هُيئ لك وقد امتلأ الدفتر بالديون فلان له عليك كذا، وفلان وَرَّدَ البضاعة ومازال عليك له كذا وكذا من المال، وفلان، وفلان، وامتلأ الدفتر بالديون ثم جاءك شخصٌ فقال لك: أنا كفيلٌ بأن أسدّ الديون كلها، وأن نفتح صفحةً جديدة، وأن يلغى هذا الدفتر إلى غير رجعة، وأن نفتح دفتراً أبيض ليس فيه أي دين ، تبدأ بالتسجيل فيه من جديد، بتسجيل الحسنات، وتسجيل الواردات، وتسجيل الخيرات، فكم سيكون فرحك عظيماً أيها التاجر!؟ أنت أيها التاجر مع الله كم فرحتك عظيمة عندما يقول لك رب العزة جل جلاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:

{ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }

{ ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }

{ ومَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ }

(رواه البخاري ومسلم)

والأحاديث الثلاثة في الصحيح، كم هي الفرحة عظيمة عندما تستشعر أنه بإمكانك في هذا الشهر أن تلغي كل الديون السابقة، وأن تمحو كل الآثام والذنوب الصغيرة التي بينك وبين الله، وأن تفتح صفحةً جديدةً مع الله، فإذا جاء الأول من شوال كنت نظيفاً من كل ذنب، هذا هو رمضان أيها الأحباب، لذلك حقٌ علينا أو حق له علينا أن نستقبله، وأن نُحسن استقباله، حقٌ لرمضان علينا أن نتهيّأ لقدومه لا أن نتفاجأ بقدومه.

تحكم الإسلام بسلوك الإنسان و أقواله ومشاعره إلى أبعد حدّ :
أيها الأخوة الكرام؛ إن الله تعالى في القرآن يقول:

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
(سورة يونس: الآية 58)

إن جميع الأنظمة الوضعية والشرائع التي يضعها البشر لا تعدو إلا أن تتدخل في سلوك الإنسان، وقد تتعدى ذلك إلى أقواله، فتحاسبه على قول قاله لا ينبغي أن يقوله، يَمَسُّ بهيبة الدولة مثلاً فتحاسبه عليه، إن الشرائع الأرضية تتحكم إلى حدٍّ ما بسلوك الإنسان، وتتحكم إلى حدٍّ أقل بأقوال الإنسان، إلا أن الشرائع السماوية إلا أن الإسلام العظيم يتحكم بسلوكك إلى أبعد حد، وبأقوالك إلى أبعد حد، ويتحكم بمشاعرك إلى أبعد حد، فالفرح شعور، والحزن شعور، وينبغي أن يوظف الحزن والفرح في طاعة الله، فالحزن لم يرد في كتاب الله إلا منهياً أو منفياً، قال تعالى:

لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا
(سورة التوبة: الآية 40)

وقال تعالى:

أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
(آل عمران: الآية170)

فالحزن لم يرد مأموراً به في كتاب الله، لكن الفرح ورد منهياً عنه عندما يكون بمعصية الله، كما فعل قارون:

إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
(سورة القصص: الآية 76)

وورد مأموراً به في آياتٍ عديدة منها قوله تعالى:

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
(سورة يونس:الآية 58)

ورمضان من فضل الله، ورمضان من رحمة الله، فينبغي أن نفرح بقدوم رمضان، وينبغي أن نُفَرِّحَ أهلنا وأولادنا بقدوم رمضان، وينبغي أن تنفرج أساريرنا لقدوم هذا الشهر الكريم، ما أكثر ما كان يدعو صلى الله عليه وسلم فيقول: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ" لأنه يعلم ما في رمضان، ويعلم الخير العظيم العميم في هذا الشهر الكريم.

{ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ }

(رواه الطبراني)

الفرح يكون بطاعة الله
أيها الأخوة الأحباب؛ إذاً الفرح شعور، لكن الإسلام يتدخل به، فيأمرنا أن نفرح لما يصب في مصلحتنا، وفي ديننا، وفي آخرتنا، وينهانا أن نفرح عندما يكون الفرح بمعصيةٍ من المعاصي والآثام.

الصوم عبادة الإخلاص :
في حديثٍ آخر يقول تعالى: (حديثٌ قدسي):

{ إِنَّ اللهَ عزَّ وجل يقولُ: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصيام فإنه لي وأنا أَجزي به }

(صحيح)

كيف نفهم هذا الحديث؟ حقيقة هو مما يلفت الأنظار (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ) طبعاً بادئ ذي بدء كل عملٍ يعمله الإنسان، أي عمل هو في الحقيقة من صالحه، فهو بهذا المعنى له، فالصلاة لنا، والصيام لنا، والحج لنا، والزكاة لنا، والله غني عن عباده، فما أمرنا أن نصلي إلا لترقى أنفسنا، ولتنهانا الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وما أمرنا أن نصوم إلا لنهذب نفوسنا، ونرقى به، ونرقى بالصيام إلى رب الأرض والسماوات، وما أمرنا بالحج إلا لنرقى إليه، ففي الحقيقة كل ما نفعله هو لنا، بمعنى أنه لمصلحتنا، أما توجه العمل فهو لمن؟ أنت تعمل العمل لصالحك، لكن تعمله لوجه من؟ تعمله لوجه الله، تصلي لوجه الله، وتصوم لوجه الله، وتزكي لوجه الله، وتحج لوجه الله، فلماذا قال الله: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)؟
أيها الأخوة الكرام؛ الصلاة، والحج، والزكاة، والنطق بالشهادة، كلها أعمال وأقوال، أي أشياء تقوم بها، تصلي: الصلاة هي حركاتٌ وأقوالٌ وأفعال مفتتحةٌ بالتكبير مختتمةٌ بالتسليم، تحج بيت الله: هي رحلةٌ إلى الله تطوف وتسعى وتذكر وتلبي، النطق بالشهادتين: كلامٌ تقوله، الزكاة: مالٌ تدفعه، أما الصوم فهو ليس عملاً ولا قولاً هو امتناع، هو إمساك، الصوم هو أن تكف عن شيء، وهو الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لذلك ولأن الصيام هو امتناع فهو عبادة الإخلاص، لأنه لا يمكن لجهةٍ في الأرض أن تضبط هذا السلوك إلا أن تفعل ذلك ابتغاء وجه الله، قد يصلي الإنسان ليراه الناس:

{ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟!" قال: قلنا: بلى، فقال: "الشِّرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لِما يرى من نظر رجل" }

(رواه ابن ماجة وحسنه الألباني)

الصيام عبادة الإخلاص
يرى إنساناً ينظر إليه فيطيل الركوع، ويطيل السجود، لنظر الناس إليه، وهذا من الشرك الخفي، فأنت أعمالك قد يكون منها شيءٌ ليس لله، لأنها أفعال وأقوال، فتتدخل فيها حظوظ النفس، أما الصيام فمن يضبطه؟ هل تستطيع جهة في الأرض أو قانون في الأرض في أعظم البلدان تقدماً في التكنولوجيا أن يمنع الناس من تناول الطعام والشراب؟ مستحيل، لا يمكن أن يمتنع الإنسان عن هذه المفطرات إلا أن يكون مخلصاً لوجه الله تعالى، من هنا قال تعالى: (كل عمل ابن آدم له- أي له فيه نصيب مهما دقَّ هذا النصيب، إلا أن يدخل حظٌّ من نفسه فيه،- إلا الصوم فإنه لي) لأنه يتوجه بشكل كامل لرضا المولى جل جلاله، قد يدخل يمسك الإنسان الماء ليتوضأ، وأثناء الوضوء وقد عطش في جو حار يعبُّ بعض الماء فمن ينظر إليه؟ وقد يدخل إلى البيت وحيداً ويفتح الثلاجة وبها ما لذَّ وطاب فمن يمنعه؟ لا يمنعه إلا رضا خالقه جلّ جلاله لذلك كان الصوم عبادة الإخلاص.

حقيقة التوبة :
أيها الكرام؛ نستعد لرمضان للتوبة، يقول العلماء: هناك تخلية وهناك تحلية، ما معنى ذلك؟ أي أنت إذا كان عندك كأس ملوث غير نظيف هل تصب به شراباً نفيساً مباشرةً أم تأتي بالماء والصابون فتنظفهُ وتلمعهُ ثم تصب به الشراب النفيس؟ لو صببت به الشراب النفيس فوراً لأفسدت الشراب، تنظف الكأس ثم تصب به، تنظيف الكأس هو التخلية، وصبّ الشراب النفيس هو التحلية.
رمضان أيها الكرام؛ تحلية، تقف في التراويح فتشعر بالأنس بالله، يأتي الغروب، قبل الغروب بربع ساعة وقد ضعفت قواك ولكن تشعر بالأنس بالله، لأنك ترضي خالقك، فتدعو بدعواتٍ من داخل القلب، تستيقظ للسحور وأنت في أُنسٍ بالله، تصلي الفجر في جماعة وأنت مع الله، هذه تحلية، كلها تحلية، أُنس، فأرجو من الله عز وجل أن ندخل جميعاً رمضان وقد قمنا بالتخلية حتى تأتي التحلية في مكانها، ما هي التخلية؟ هي التوبة، قبل رمضان في هذين اليومين المتبقيين نعلن التوبة إلى الله من كل ذنب بيننا وبين الله، يا رب تبنا إليك، ثم إن كان هناك ذنبٌ بيننا وبين العباد نؤدي الحقوق إلى أصحابها، فإذا جاء رمضان جاءت التحلية فوراً، واستشعرنا الأنس من أول يوم من أيام رمضان.
أيها الكرام؛

{ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ }

(أخرجه الإمام أحمد)

التوبة رجوع إلى الله
ما معنى التوبة؟ التوبة هي الرجوع إلى الله، كأننا قد خلقنا لنكون مع الله، فإذا ابتعدنا فلابد أن نرجع، هذه هي التوبة، أنت خُلقت لتكون بجوار الله، فإذا ابتعدت عن جواره فلابد أن ترجع إليه، هذه حقيقة التوبة.
أيها الكرام؛ التوبة إرادة الله، والله يريد أن يتوب عليكم، التوبة أيها الكرام تفرح مولاك هل تستشعر ذلك؟ تفرح خالقك، والله أفرح بتوبة عبده من بدوي وجد ناقته بأرض فلاة:

{ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ" }

(مُتَّفَقٌ عليه)

{ للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ }

(رواه مسلم)

{ عن النَّبِيَّ قَالَ: إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ ليتُوب مُسيءُ النَّهَارِ، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها }

(رواه مسلم)

نستعد لرمضان بالفرح، نستعد لرمضان بالتوبة، نستعد لرمضان لتخلية كل الشواغل، فإما أن نحلها قبل رمضان، أو نؤخرها إلى ما بعد رمضان، حتى يكون رمضان شهر صيامٍ وقيامٍ وعبادة خالصاً لوجه الله تعالى، فكم من أخٍ كان معنا في رمضان الماضي لكنه اليوم تحت أطباق الثرى، ونحن قد أذن الله لنا أن نستقبل رمضان من جديد، نسأل الله أن يبلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

الدعاء :
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيب للدعوات، اللهم برحمتك أعمنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم ارزقنا توبةً قبل رمضان، اللهم بارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، أنت حسبنا عليك اتكالنا، اللهم اجعل هذا البلد آمنا سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، ربي ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم أحسن لهم كما أحسنوا إلينا، اللهم كن لهم عوناً ومعيناً وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً، اللهم اشفِ كل مريضٍ برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اشف كل مريضٍ شفاءً لا يغادر سقماً، اللهم امسح على المرضى بيمينك الشافية، اللهم ارزقهم العفو والعافية برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وانصر إخواننا المرابطين في المسجد الأقصى على أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين، وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، أقم الصلاة وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.