أين الأمة؟

  • 2019-03-08
  • عمان
  • مسجد أحد

أين الأمة؟


الخطبة الأولى :

يا ربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض، ومِلء ما بينهما، ومِلء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكُلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَد منك الجد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غِنَى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك؟ وكيف نضل في هداك؟ وكيف نذلُّ في عزك؟ وكيف نُضامُ في سلطانك؟ وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك؟ وأشهدُ أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً و نذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).


قراءة التاريخ ليست قراءة الإحباط والاختلاف ولكنها قراءة العبر والدروس :
وبعد فيا أيها الكرام؛ دخل اليوم شهر رجب، وشهر رجب من الأشهر الحرم، وشهر رجب يذكرنا باقتراب شهر رمضان، اللهم بلغنا رمضان، فقد قيل: إنك في شهر رجب تزرع بذرة، وفي شهر شعبان تسقيها، وفي شهر رمضان تنبت الثمرة، فلا بد للمؤمن أن يستعد لشهر رمضان بالتوبة، وبالإنابة، وبالصلح مع الله عز وجل، حتى إذا جاء شهر رمضان جاءت التحلية بعد التخلية، فتخلى عن ذنوبه وعن شهواته فجاء شهر رمضان شهر قربٍ وعبادةٍ من مولانا جلّ جلاله.
رجب يذكرنا بصفحاتٍ مشرقة من تاريخنا
ثم أيها الأخوة الكرام؛ إن شهر رجب يذكرنا بصفحاتٍ مشرقة من تاريخنا، ونحن عندما نقرأ التاريخ أيها الأحباب لا نقرؤه من أجل أن نقول: كان جَدّي وجَدّك، ولكن من أجل أن نقول: كان جِدّي وجِدّك، من أجل أن نستقي منه عبراً ودروساً في واقع الحياة، فقراءة التاريخ ليست قراءة الإحباط لنقول: أين نحن من هؤلاء؟ وليست قراءة الاختلاف والتنازع:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖلَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ
(سورة البقرة: الآية 134)

ولكنها قراءة العبر والدروس:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ
(سورة يوسف: الآية 111)


أهمية غزوة تبوك في الفتوحات الإسلامية :
أيها الكرام؛ في شهر رجب وفي السنة التاسعة للهجرة كانت غزوة تبوك، غزوة العسرة، وفي شهر رجب في السنة الخامسة عشرة للهجرة كانت معركة اليرموك على ثرى هذا البلد الطيب، وفي شهر رجب في سنة خمسمئة وثلاث وثمانين للهجرة كان تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، هذه ثلاث مناسبات، غزوة تبوك أيها الأحباب أثبتت قوة المسلمين، وأثبتت توحدهم حول لواء الإسلام، لذلك تعد غزوة تبوك فاتحةً لفتوحات بلاد الشام، كان عدد المسلمين فيها ثلاثين ألفاً، خرجوا من مؤتة ثلاثة آلاف، وعادوا إلى تبوك ثلاثين ألفاً مقابل جيش الروم الذي كان حوالي أربعين ألفاً والذي لم يصمد أمامهم إلا أن ولّى هارباً بعدما رأى أعدادهم الغفيرة.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ
(سورة الأحزاب: الآية 25)

أيها الكرام؛ غزوة تبوك سميت غزوة العسرة وفي الحديث المتفق عليه:

{ أنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عليهم، وقالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، ولَا أَنْشُدُ إلَّا أَصْحَابَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: مَن حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ؟ فَحَفَرْتُهَا، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قالَ: مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ؟ فَجَهَّزْتُهُمْ، قالَ: فَصَدَّقُوهُ بما قالَ وقالَ عُمَرُ في وقْفِهِ: لا جُنَاحَ علَى مَن ولِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ وقدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وغَيْرُهُ فَهو واسِعٌ لِكُلٍّ }

(صحيح البخاري)

قدم أبو بكر رضي الله عنه كل ماله، وقدم عمر نصف ماله، وجهز عثمان وحده ثلث الجيش امتثالاً لقوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(سورة التوبة: الآية 41)

أيها الكرام؛ كما قلت لكم في مطلع الخطبة: نحن عندما نقرأ عن غزوة تبوك لا نقرأ لنقول: كان جَدي وجَدك، ولكن لنقول: كان جِدي وجِدك، عملي وعملك، أين نحن؟

تبدل حال الأمة من القوة إلى الضعف :
أين الخلل في واقع المسلمين ؟
أيها الأخوة الكرام؛ عندما نقرأ عن هؤلاء الذين جهزوا جيش العسرة بأموالهم، أو نقرأ عن هؤلاء المجاهدين الذين فدوا الإسلام بأرواحهم حتى وقفنا نحن اليوم على هذا المنبر، وجلسنا في هذا المجلس بفضل الله تعالى، ثم بفضل هؤلاء الذين فتحوا تلك البلاد، وأدخلوا إليها الإسلام، نحن عندما نتحدث عن هؤلاء أيها الأخوة نتحدث عن الأمة، ثم نلتفت إلى واقعنا فنجد أننا في المئة عامٍ الأخيرة قد تغير الحال فتبدل الواقع من عز إلى غيره، ومن قوةٍ إلى ضعف، فأين الخلل؟ لابد أن هناك خللاً، ولابد أن الكرة في ملعبنا، لأن الله تعالى يوم كان المسلمون في أحد وخالفوا أمراً تكتيكياً لا أمراً تشريعياً، أمراً تكتيكياً من أوامر المعركة، لم يخالفوا أمراً تشريعياً، لم يسرقوا، ولم، ولم، ولم، لكنهم خالفوا أمراً إدارياً، قال لهم صلى الله عليه وسلم: لا تنزلوا من الجبل - جبل الرماة- حتى لو رأيتمونا تتخطفنا الطير، لا تنزلوا، فظنوا أن المعركة قد انتهت فخالفوا أمراً فكان ما كان.

{ عن البَراءَ قالَ: جعلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ على الرُّماةِ يومَ أُحُدٍ وَكانوا خمسينَ رجلًا عبدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرٍ، وقالَ: إن رأيتُمونا تَخطفُنا الطَّيرُ، فلا تبرَحوا من مَكانِكُم هذا حتَّى أُرْسِلَ لَكُم، وإن رأيتُمونا هزَمنا القومَ وأوطَأناهُم فلا تبرَحوا حتَّى أُرْسِلَ إليكُم. قالَ: فَهَزمَهُمُ اللَّهُ. قالَ: فأَنا واللَّهِ رأيتُ النِّساءَ يُسنِدنَ على الجبلِ، فقالَ أصحابُ عبدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ الغَنيمةَ أي قومِ الغَنيمةَ : ظَهَرَ أصحابُكُم فما تَنتَظِرونَ؟ فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ: أنَسيتُمْ ما قالَ لَكُم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ؟ فقالوا: واللَّهِ لَنَأْتينَّ النَّاسَ فلَنُصيبنَّ مِنَ الغَنيمةِ، فأتَوهم فصُرِفَت وجوهُهُم وأقبَلوا مُنهزمينَ }

(صحيح أبي داود)

جاء القرآن الكريم ليتحدث عن هذه الواقعة فماذا قال؟ قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(سورة آل عمران: الآية 165)

وجههم القرآن إلى السبب الحقيقي
(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا) قبل ذلك (قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا) ما الذي حصل؟ لم حصل ما حصل؟ انظروا الآن إلى التوجيه القرآني (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) بالتعبير الحديث الكرة في ملعبنا نحن، القرآن الكريم ما وجّه إلى الخارج، ما قال لهم: هذا من عدوكم، وهو من عدوهم، ما قال لهم: هذا من تآمر القوى المختلفة عليكم، ما قال لهم: الشرق والغرب قد اجتمعوا على إبادتكم، وهذا كله صحيح، لكنه وجههم إلى السبب الحقيقي الذي حصلت الخسارة من أجله، قال: (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) فوجههم إلى الداخل، إلى تعديل السلوك، إلى تعديل الحالة التي كانت موجودة في معركة أحد، الحالة الداخلية، البيت الداخلي:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
(سورة الرعد: الآية 11)

إذاً الكرة في ملعبنا.

الأمة الإسلامية قسمان؛ أمة الاستجابة و أمة التبليغ :
أيها الكرام؛ نحن عندما نقول: أين الأمة؟ فنتحدث عن أمة الاستجابة لا أمة التبليغ، أمة التبليغ اليوم تعد مليار ونصف المليار، وكل مسلم وصلته دعوة الإسلام فهو من أمة التبليغ، قد بلغ الرسالة، لكن ما عدد أمة الاستجابة؟ من هم الذين استجابوا لله وللرسول؟ أنت جاءك تبليغٌ فهل استجبت له؟ من استجاب له هذا من أمة الاستجابة، ومن بُلَّغَ واكتفى بالتبليغ فهؤلاء وآسفُ لهذا القول وبالتعبير النبوي (غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ)، لكن يهمنا أمة الاستجابة الذين بُلِّغوا فاستجابوا، أُمروا فائتمروا، نُهوا فانتهوا عما نهوا عنه.
أيها الكرام؛ الأمة اليوم موجودة، وأمة الإسلام بالمناسبة لا تموت، ولكنها قد تنام شيئاً ثم تصحو والتاريخ خير شاهد، لكن أيها الكرام؛ يقول صلى الله عليه وسلم :

{ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ }

(سنن أبي داود)

الأمة غائبة
يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ، لماذا؟ لأن الأمة موجودة لكنها ليست حاضرة، ليست فاعلة، ليست كلمتها هي العليا، ليست هي المُمَكَّنُ لها والمُستخلفة في الأرض، فالوجود شيء والحضور شيء آخر، فنحن موجودون لكننا لسنا حاضرين في الواقع، إن نظرت إلى المساجد- اعذروني الآن سأكون صريحاً- أثناء صلاة الفجر، أين الأمة؟ أمةٌ غائبة، إن نظرت إلى أفراح المسلمين، أين الأمة؟ أمةٌ غائبة، إن نظرت إلى أتراحهم، أين الأمة؟ إنها غائبة، إن نظرت إلى المعاملات المالية، البيع والشراء، أين الأمة؟ إنها غائبة، إن نظرت إلى شبابنا وبناتنا أين همهم؟ وأين تتطلع أعينهم؟ وأين يجول فكرهم؟ تجد أن الأمة غائبة، مع غياب الأمة غابت الاستجابة لأمر الله تعالى، وغابت الرؤية الصحيحة، فتحكّمت العواطف بالناس، والله لا يريدنا أن نحتكم إلى العواطف ولا أن نتحاكم إليها، قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ
(سورة النساء: الآية 123)

(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) أيها المسلمون (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) فالإسلام قوانين، سنن في الأرض، الذي يمتلك الأسلحة ينتصر على الذي لا يمتلكها، إن استوينا مع بعضنا في المعصية كانت الغلبة لمن يملك القوة الأكبر، هذه سنّة، فالله تعالى يقول: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، (مَن يَعْمَلْ سُوءًا) بجميع أنواع السوء، التقصير في الإعداد سوء، التقصير في الإعلام سوء، عدم الالتفات إلى الأجيال سوء، عدم تأمين فرص العمل سوء، (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) هذه قوانين الله في الأرض، الموضوع ليس بالعواطف، لا تحتكموا إلى العواطف، لا يريدنا شرع الله أن نتحاكم إلى العواطف، لابد من تضافر الجهود لإحياء الأمة، كلنا مسؤولون.

الأمة تصنع دولة لكن الدولة لا تصنع أمة :
الأمة إذا نمت صنعت دولة
الأمة أيها الأحباب تصنع دولة، لكن الدولة لا تصنع أمة، ودونكم الشواهد، الدولة لا تصنع أمة، أنت إن ذهبت إلى رأس الهرم وقلت: قد أصبح رأس الهرم مسلماً وتحته فراغ، فأين الأمة؟ لكن الأمة إذا نمت صنعت دولة، لذلك ينبغي أن تتضافر الجهود لإحياء الأمة من جديد، ولبعثها من رُقادها، شرع الله يُحَكَّم عندما تجد أمةً تخضع له، لا عندما تجد أمةً تحتال لتتهرب منه، وتنتسب له انتساباً، ما الذي كان يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم؟ دار الأرقم في مكة، الأرقم بن أبي الأرقم دارٌ صغيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع بها مع أصحابه لم تكن لا بدر، ولا تبوك، ولا غيرها، ولم يكن هناك إعلانٌ لولادة دولة الإسلام أبداً، أبداً لم يكن شيء من هذا، كانوا يجتمعون، ما الذي كان يصنعه رسول الله في الأرقم؟ في الأرقم كان يبني ويحيي الأمة بأعدادٍ قليلة، لكنها هي التي كانت المؤثرة والفاعلة في المستقبل، في بيعة العقبة الأولى والثانية ما الذي كان يصنعه صلى الله عليه وسلم؟ الخلفاء الأربعة الراشدون تخرجوا من دار الأرقم، أو تخرجوا في دار الأرقم، الشهداء تخرجوا في دار الأرقم، أمثال جعفر وزيد، الممولون للدعوة أصحاب المال تخرجوا في دار الأرقم، عبد الرحمن بن عوف نموذجاً، الصابرون المرابطون تخرجوا في دار الأرقم، بلال وعمار وخباب، كلهم خريجو دار الأرقم، أمين الأمة أبو عبيدة تخرج في دار الأرقم، المبشرون بالجنة تخرجوا في دار الأرقم، السفراء والدعاة أمثال مصعب بن عمير تخرجوا في دار الأرقم، إذاً دار الأرقم هذه الدار البسيطة التي لا نلتفت لها هي التي أحيت الأمة، ويمكن لكل إنسان فينا أن يلتفت إلى أهل بيته، وإلى أولاده، وإلى طلابه، وإلى موظفيه، فيكون مساهماً في إحياء الأمة، أن يكون بيته دار أرقمٍ صغير يُحيي فيه الأمة، لا تستهينوا بشيء.

المسجد الأقصى في صلب عقيدتنا وانتمائنا :
الأقصى في صلب عقيدتنا وانتمائنا
أيها الكرام؛ في رجب كما قلنا تبوك، وفي رجب اليرموك، وقد ضاق المقال عن ذكرها، وفي رجب نستذكر المسجد الأقصى، نستذكر القدس الشريف، نستذكر المرابطين حول المسجد الأقصى، نستذكر هذا المسجد الذي هو في صلب عقيدتنا وانتمائنا، الذي هو دينٌ بالنسبة لنا، وليس أرضاً فحسب إنه دين، نعود بكم القهقرى عبر البعد الزماني إلى يوم الجمعة، إلى السابع والعشرين من شهر رجب، السنة الثالثة والثمانين بعد الخمسمئةٍ للهجرة، وعبر البعد المكاني نعود إلى أرض المسجد الأقصى غير بعيدٍ من هنا لنجد صلاح الدين الأيوبي وقد هيأ الله له تحرير المسجد الأقصى من أيدي الغاصبين بعد ابتذاله قريباً من مئة عام في أيدي الفرنجة الغاصبين، وندخل المسجد الأقصى فنجد المسلمين قد جلسوا مع بعضهم، لا يمتاز كبيرهم عن صغيرهم، وبينهم صلاح الدين الأيوبي، وصعد المنبر محي الدين القرشي قاضي دمشق ليخطب بالناس خطبةً عصماء فيها مبادئ وقيم ينبغي ألا تغيب عن ذاكرتنا فافتتحها بقوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(سورة الأنعام: الآية 45)

ومما جاء في خطبته: أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع، ويذكر فيه اسمه من رجس الشرك والعدوان، إيّاكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان فيخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، أو بخيولكم الجياد، لا والله، وما النصر إلا من عند الله.
ومما جاء في خطبته: فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرةً من مناهيه، انصروا الله ينصركم، جدوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء، ثم قام صلاح الدين الأيوبي بعد الصلاة بتطهير المسجد الأقصى وخلع رداءه، وخلع المسلمون أرديتهم، وبدؤوا بتطهير المسجد الأقصى.

النصر للإسلام لا مِرَاء فِيهِ ولا جِدَال إنه من صلب ديننا وعقيدتنا :
صلاح الدين بدأ بجيل جديد
أيها الإخوة؛ صلاح الدين كان على رأس أمة، كانت معه أمة، وكانت وراءه أمة، فصلاح الدين ليس رجلاً، صلاح الدين جيلٌ بأكمله، صلاح الدين كان جيلاً، عندما أراد صلاح الدين الأيوبي أن يحرر المسجد الأقصى بدأ بالمدارس، وبدأ بالجيل، ودونكم مدارسه الموجودة في أرض الشام التي أنشأها وهي كثيرةٌ جداً، شاهدة له حتى اليوم، على أنه بدأ بجيلٍ على القرآن، وعلى سنّة النبي العدنان، فكان هو رأس هذا الهرم، لكنه لم يكن طفرةً، أي لم ننم ونستيقظ فوجدنا صلاح الدين بيننا، صلاح الدين قد يكون بيننا اليوم طفلٌ صغير لكنه يريد أن يحيي الأمة، يريد أن يبعث الأمة من رقادها، نحن مؤمنون وواثقون بنصر الله عز وجل، هذه لا نماري فيها، لأنها دينٌ، لأن الله وعدنا بذلك، رأينا بأعيننا أو لم نر هذا شيء آخر، لأن دورة الحق والباطل قد تكون أطول من أعمارنا، لكن إيماننا بأن النصر للإسلام هذا لا مِرَاءَ فِيهِ ولا جِدَالَ، إنه من صلب ديننا وعقيدتنا، لكن هل نحن جنودٌ لهذا أم لا؟ هل أبناؤنا جنودٌ في هذا أم لا؟ هنا المسألة الكبرى، وهنا التركيز، أن نكون نحن جنوداً للحق، قالوا: لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلق على نفسك إن سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً من جنوده.
أيها الأخوة الكرام؛ أنتم في أرض الرباط وهذه الأرض مباركة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ
(سورة الإسراء: الآية 1)

فببركة المسجد الأقصى بارك الله هذه الديار، فلنكن عند حسن ظن الله بنا، ولنكن عند حسن ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا، ولنكن قائمين بأمر الله لا يضرنا من خالفنا إن شاء الله.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيَتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

الدعاء :
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات، اللهم برحمتك أعمنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم انصر أخواننا المرابطين في المسجد الأقصى وفي القدس الشريف على أعدائك وأعدائهم يارب العالمين، اللهم انصرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل عصيانك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم بفضلك ورحمتك اجعل اللهم هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم فرج عن أخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أطعم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مصابهم، وآو غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً متقبلاً يا أرحم الراحمين، وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، أقم الصلاة وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك