تزكية النفس (التخلية ثم التحلية)

  • 2019-08-23
  • عمان
  • مسجد التقوى

تزكية النفس (التخلية ثم التحلية)


الخطبة الأولى :

يا ربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض، ومِلء ما بينهما، ومِلء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكُلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِ منك الجد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك؟ وكيف نضل في هداك؟ وكيف نَذلُ في عزك؟ وكيف نُضامُ في سلطانك؟ وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك؟ وأشهدُ أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً، وبعد عباد الله اتقوا الله فيما أمر، وانتَهوا عما عنه نهى وزجر، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.


تزكية النفس من أعظم مهمات المؤمن في الحياة :
أيها الأخوة الكرام؛ يقول تعالى:

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً
[ سورة الأحزاب: 72 ]

أمانة الإنسان هي نفسه التي بين جنبيه
ما الأمانة التي حملها الإنسان؟ قال بعض العلماء: الأمانة التي حملها الإنسان هي أمانة نفسه التي بين جنبيه، ملَّكه الله قيادة نفسه، وأمره أن يديرها وفق مرضاة ربه، إنها نفسه التي بين جنبيه، فإن حمل الأمانة حق، إن زكّى نفسه وحملها على طاعة الله تعالى فقد استحق جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن هو قَبِلَ حمل الأمانة ثم أهمل نفسه فتركها دون تزكية، ولم يحملها على الأخلاق الفاضلة، ولم يمنعها من الأخلاق المبذولة، عندها ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾.
أيها الأخوة الأحباب؛ تزكية النفس مهمةٌ من أعظم مهمات المؤمن في الحياة، بل لا أبالغ إذا قلت: إن الله تعالى خلقنا في هذه الحياة لنزكي أنفسنا حتى تستحق الجنة، فنحن مخلوقون للجنة، يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

{ كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى،(من رفض)، قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ،؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى }

[رواه البخاري]

تزكية النفس تعني تطهيرها و تربيتها
نحن مخلوقون لجنة عرضها السماوات والأرض، ولكننا في امتحان، وفي هذا الامتحان ينبغي أن نزكي نفوسنا، بمعنى أن نحملها على طاعة الله.

التزكية في اللغة و الشريعة :
نحن بحاجةٍ في أنفسنا إلى تخلية ثم تحلية
أيها الأخوة الأحباب؛ التزكية في اللغة تأتي على معنيين، الأول: هو التطهير، الطهارة، زكى الثوب أي طهر الثوب، والمعنى الثاني: هو الزيادة والنماء ومنه الزكاة.
أيها الأخوة الأحباب؛ وتزكية النفس في الشريعة تأتي على هذين المعنيين أيضاً، فتزكية النفس تعني شيئين، تعني أولاً: تطهيرها من كل أمراضها وأدرانها، ففي النفس شركٌ، توجُّهٌ لغير الله ينبغي أن تطهر النفس منه، وفي النفس أحياناً كِبْرٌ أو عُجْبٌ أو رياءٌ أو حسدٌ أو حقدٌ، فتزكية النفس أولاً تعني تطهيرها من كل أدرانها وأمراضها، ثانياً تعني تربيتها باتصافها بالأخلاق الحميدة، فيأتي التوحيد مكان الشرك، ويأتي التواضع مكان الكبر، ويأتي الاعتراف بالآخر مكان العجب بالنفس، وتأتي الشجاعة مكان الجبن، ويأتي الإخلاص مكان الرياء، وهكذا، إذاً هما أمران عبَّر عنهما العلماء أجمل تعبير فقالوا: النفس تحتاج إلى تخليةٍ ثم تحلية، أرأيت إلى كأسٍ فاخر مصنوع من أجود أنواع الزجاج لكنه متسخ إن عبأته بأطيب شراب، وملأته بأعذب شرابٍ، فإنك لا تستسيغ شربه، لكنك لو ذهبت أولاً إلى الماء فطهرته من أدرانه حتى عاد مشعاً كما كان، نظيفاً، ثم ملأته بأطيب شراب الآن تستسيغ شرب الشراب، إذاً نحن بحاجةٍ في أنفسنا إلى تخلية ثم تحلية، نُخَلِّي أنفسنا من الأمراض، نخليها من الكبر، والعُجب، والغرور، والرياء، والحسد، والحقد، ثم تصبح مهيأة لنملأها بالخيرات، والبركات، وبالأخلاق الفاضلة الحميدة، هذا معنى التزكية؛ التخلية ثم التحلية.

الفلاح و النجاح :
أيها الأخوة الكرام؛ إن أطول قَسَمٍ في القرآن الكريم جاء في سورة الشمس، حيث أقسم الله تعالى بأحد عشر مُقْسَمَاً به، قال تعالى:

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
[ سورة الشمس:1-7]

هذا أحد عشر مُقْسَمَاً به:

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
[ سورة الشمس:8]

ما جواب القسم؟

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
[ سورة الشمس:9]

الفلاح هو الهدف الذي وجد من أجله
قد أفلح، والفلاح شيء والنجاح شيء آخر، قد ينجح الإنسان في تجارته فيجمع أموالاً طائلة، فيقال: فلان نجح في تجارته، وقد ينجح في بيته فيشتري بيتاً في أرقى حي، ويؤثثه أحسن أثاث، فيقال: نجح في اختيار بيته، وقد ينجح في سفر فيأتي من ورائه بمغانم كثيرة، فيقال: نجح في سفره، لكن القرآن الكريم عندما يتحدث يتحدث عن الفلاح، والفلاح أعظم من النجاح، إنه: أن تحقق هدفك الذي خلقت من أجله، إن الفلاح يعني أن يحقق الإنسان الهدف الذي وجد من أجله.

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ سورة المؤمنون: 1]

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
[ سورة الشمس:9]

أيها الأحباب؛ إذاً أحد عشر مقسماً به في أطول قسمٍ في القرآن، للإشارة إلى أهمية جواب القسم:

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
[ سورة الشمس:9-10]

فالذي يزكي نفسه هو الفالح عند الله عز وجل، لأنه حقق الهدف الذي وجد من أجله.

التزكية و العلم :
أيها الأخوة الكرام؛ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول:

{ (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ ولِيُّهَا وَموْلاَهَا }

[رواهُ مُسْلِمٌ]

وكان يدعو صلى الله عليه وسلم فيقول:

{ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ }

[رواه أبو داود والنسائي]

وكان يدعو فيقول:

{ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ }

[أخرجه النسائي]

أيها الأخوة الأحباب؛ إبراهيم عليه السلام دعا ربه بدعاء فقال:

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[سورة البقرة 129]

الأخلاق مقدمة على العلم
فدعا أولاً بالعلم ثم بالتزكية، ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ لكن الله تعالى عندما أجابه إلى دعواه بعث فينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال: أنا دعوة أخي إبراهيم، فلما أجابه الله تعالى ماذا قال؟ يوجد ثلاث آيات:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
[سورة البقرة: 2]

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوعَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
[سورة البقرة: 151]

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
[سورة آل عمران: 164]

المرحلة الأولى في الدعوة هي التلاوة
فلما أجاب دعاءه قدم التزكية على العلم، لأن التزكية تؤدي إلى الأخلاق، والأخلاق مقدمة على العلم.

مراحل دعوة النبي :
التزكية تنتج الأخلاق
ثم قال: ﴿ يَتْلُو ﴾ المرحلة الأولى في دعوة النبي هي تلاوة الآيات، من أجل أن يلفت الأنظار إلى عظمةِ خالق الأرض والسماوات، تلاوةٌ للآيات، هذه ليست مرحلة تعليم، هي مجرد تلاوة، فتلتفت الأنظار إلى عظمة الخالق، والآيات قد تكون آياتٍ قرآنية، وقد تكون آياتٍ كونية، فكل ما يدل على الله هو آيةٌ من آيات الله، فقد يتلو عليهم آيةً من آيات الكون، فيلفت نظرهم إلى عظيم صنع الله، إلى الشمس، إلى القمر، إلى النجوم، إلى الأشجار، إلى الأطيار، ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾.
المرحلة الثانية قبل التعليم هي التزكية: تَزْكو أنفسهم، تتطهر من أدرانها، تمتلئ بالخيرات، تمتلئ بالفضائل، فيأتي بعدها التعليم ليلاقي نفوساً طيبة فينبت فيها العلم نباتاً حسناً، إذاً التعليم بعد التزكية، من هنا فإن الأصل في بلادنا العربية أن يقولوا: وزارة التربية، وقد يقولوا: وزارة التربية والتعليم، فيقدمون التربية على التعليم من باب ما ينبغي أن يكون، ونسأل الله أن يكون واقعاً، لكن التربية أولاً أو التزكية أولاً ثم التعليم، لأن التزكية أيها الأحباب تنتج الأخلاق، والأخلاق أساسٌ في ديننا.

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم :
لابد من أعطاء الطريق حقه
الأخلاق أيها الكرام تبدأ من المساجد، تبدأ من شوارعنا، تبدأ من طرقاتنا، تبدأ من بيوتنا، النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بأن نعطي الطريق حقه، من إعطاء الطريق حقه ألا نسده على المارة، وألا نركن السيارات في مكان يمنع تحرك الناس، من إعطاء الطريق حقه غض البصر، و ردّ السلام، وكف الأذى، في مساجدنا ينبغي أن نكون في أعلى مرتبةٍ من الأخلاق، النبي صلى الله عليه وسلم ما شوهد مادَّاً رجليه قط، وهذا من أدبه صلى الله عليه وسلم، هناك إنسانٌ معذور على العين والرأس قد يأخذ كرسياً، أو يأخذ زاويةً في المسجد، هذا على العين والرأس، لكن الأخلاق العالية تبدأ من المسجد، من الطرقات، في البيوت، كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته كان بساماً ضحاكاً، كان يكون في مهنة أهله، عندما أثنى عليه ربنا جلّ جلاله وفيه من الصفات ما فيه فهو نبي عظيم، وقائد أمة، وقائد جيش، وجميل الصورة، فقد أوتي الحُسنَ كله، لكن ربنا لما أمرنا أن نثني عليه أثنى عليه بأخلاقه، فقال:

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[سورة القلم: 4]

{ ولما سُئلت عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ }

[أخرجه البخاري عن عائشة]

النبي الكريم كان قرآناً يمشي على الأرض
أي كان قرآناً يمشي على الأرض، فإذا رأيته رأيت أخلاق القرآن في حركاته، وفي سكناته، وفي تعاملاته.
أيها الأخوة الأحباب: أيها الكرام؛ لما بلغ أبو ذرٍ رضي الله عنه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأخٍ له: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه، وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذرٍ فقال: الآن سيصف أخو أبي ذرٍ رضي الله عنه ما رآه في هذه العجالة، فماذا وصف؟ هل قال: رأيته يصلي؟ وقد كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس صلاةً، هل قال: رأيته جميلاً؟ وقد أوتي الحُسنَ كله، هل قال: رأيته قائداً؟ وكما في الصحيح:

{ كنا إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله }

كان شجاعاً، ما قال ذلك، قال له كلمةً واحدة، قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر. فقط أعطاه صفةً واحدة إنه يأمر بمكارم الأخلاق.

{ يقول صلى الله عليه وسلم خيركم من يوَطَّئون أَكْنافًا الذين يَأْلَفُون ويُؤْلَفون، إن من أحبُّكم إِلَيَّ وأقربُكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقًا }

[رواه الترمذي]

أيها الأخوة الأحباب؛ وهذا ما دفع الإمام الجليل ابن القيم الجوزي يقول: (الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ زَادَ عَلَيْكَ فِي الدين).

كيفية تزكية النفس :
تزكية النفس تبدأ من محاسبتها و اتهامها
أيها الأحباب؛ تزكية النفس تبدأ من محاسبتها واتهامها بالتقصير دائماً وحملِها على الخيرات:
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ علـــى حـــب الرضـــــاع وإن تفـطمه ينفطــم فخالف النفس والشيطان واعصهـــما وإن همــا محـــضاك النـــصح فاتــهــم ***
{ البصيري }
اتهم نفسك دائماً حتى ترقى بها في معارج الخيرات، ومعارج البركات.
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما يروي أنس بن مالك، وبينه وبين عمر جدار، يقول: فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: عُمَرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَخٍ بَخٍ وَاللَّهِ بَنِي الْخَطَّابِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ.
يزكي نفسه، يتهمها، يحملها على الطاعة، يأتيه أعرابيٌ قد قرض الجوع بطنه وبه من الفقر ما به يقول:
يا عمر الخير جزيت الجنة اكس بنياتي وأمهنـــــــــه وكن لنا في ذا الزمان جنة أقسم بالله لتفعلنـــــــــــــه قال وإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: إذا أبا حفص لأمضينه قال: وإذا مضيت يكون ماذا؟ قال: والله عنهن لتسألنـه يوم تكون الأعطيات منـة وموقف المسؤول بينهنه إما إلى نار وإما إلى جنة ***
{ أعرابي }
فلم يملك عمر رضي الله عنه وأرضاه إلا أن ذرفت دموعه على لحيته، ودخل ولم يجد شيئاً في بيته، فما كان إلا أن خلع رداءه وقال:
خــذ هــــــــــــــذا ليـــــــــــــــوم تكون الأعطيات منـــــــــــة وموقف المسؤول بينهنه إما إلى نار وإما إلى جنة ***​
{ عمر بن الخطاب رضي الله عنه }
تبعه طلحة يوماً، وقد كان يدخل بيتاً لا يدري طلحة لم يدخله كل يوم؟ فتبعه فلما خرج دخل وراءه، فإذا بعجوزٍ عمياء مقعدة، قال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيكِ كل يوم؟ قالت: جزاه الله عني خيراً إنه يأتيني كل يوم بما يصلحني ويُذهب عني الأذى، فخرج طلحة وضرب على رأسه وقال: ثكلتك أمك يا طلحة أعورات عمر تتبع.
وهذا حفيده عمر بن عبد العزيز: ما دخل يوماً دار الخلافة إلا زكى نفسه، فقرأ قوله تعالى:

أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ
[سورة الشعراء: 205-207]

يربي نفسه على المخافة من الجليل، ويربي نفسه على الإيمان باليوم الآخر، ويربي نفسه على التفكُّر بالموت: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فلما خرج من الدنيا أنطقه الله فتلا قوله تعالى:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[سورة القصص: 83]

تزكية النفس تنقلها إلى مراحل الكمال
لا تعجبوا أيها الأخوة من هؤلاء الذين قادوا الأمم وكانوا رعاةً للغنم، إنهم بكل بساطة زكوا أنفسهم، نقلوها إلى مراتب الكمال، فأصبحنا إذا ذكروا تزينت المجالس بذكرهم، لأن قلوبهم سلت إلى الله، ولأن أنفسهم تطهرت من أدرانها، و امتلأت بالخيرات والفضائل، فأنتجت أخلاقاً إسلاميةً فاضلةً عظيمةً.
أيها الأخوة الأحباب؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيَتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، أستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله ولي الصالحين اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

الدعاء :
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميع قريب مجيب للدعوات، اللهم برحمتك أعمنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تدع لنا في هذه الساعة ذنباً إلا غفرته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا بالسلامة رددته، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، و آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم زكِّ نفوسنا أنت خير من زكاها، أنت وليها وأنت مولاها، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئ الأخلاق لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم إنا نعوذ بك من الشرك، ومن النفاق، وسوء الأخلاق، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، اللهم فرج عن المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر إخواننا المرابطين في المسجد الأقصى وفي القدس الشريف على أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين، اللهم عليك بأعدائهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم اصرف عنا شرهم، وانصرنا على أنفسنا، وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا عليهم يا أرحم الراحمين. ووفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، عباد الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، أقم الصلاة.