في بيت الرسول

  • 2018-10-12
  • عمان
  • مسجد الصالحين

في بيت الرسول


الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونسترشده، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الخلق والبشر ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبرٍ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وعلى أصحاب سيدنا محمدٍ، وعلى أزواج سيدنا محمدٍ، وعلى ذرية سيدنا محمدٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً كَثِيْراً، عباد الله اتقوا الله واعلموا أنَّ الله عز وجل مع المتقين.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
(سورة البقرة: الآية 194)

أيها الإخوة الكرام: سأنتقل بكم اليوم إلى أقدس وأطهر بيتٍ عرفته البشرية إلى البيت الذي كان ينير الوحي جنباته، إلى البيت المتواضع ببنائه فوق الثرى ولكنه كان يعانق برفعته ومقامه وسموه الثريا، إلى البيت الذي عاش في سعادةٍ غامرةٍ، رغم أنه لم يكن يمتلك شيئاً من وسائل الاتصال الحديثة، لكنه كان يملك أعظم اتصالٍ بين الخالق والمخلوق، إلى البيت الذي كان في بعض غرفه لا يتسع لصلاته صلى الله عليه وسلم مع نوم زوجته، لكنه كان يتسع بنور ساكنه عليه الصلاة والسلام حتى أصبح العالم كله يتمنى لو أنه يملك بيتاً كبيت الرسول، عنوان خطبتنا اليوم: في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم.
روى مسلم في صحيحه:

{ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ؛ أنَّهُ قَالَ يَوْماً: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي؟ قَالَ: فَظَنَّنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم! قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِيَ الَّتِي كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْداً، وَانْتَعَلَ رُوَيْداً، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْداً، فَجَعَلْتُ دِرْعِي في رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إزَارِي. ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إلاّ أنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَالَكِ؟ يَا عَائِشُ؟ حَشْيا رَابيَةً، قَالَتْ: قُلْتُ: لاَ شَيْءَ، قالَ: لَتُخْبريني أَوْ لَيُخْبرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبيرُ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! بأَبي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَدَني في صَدْرِي لَهْدَةً أوْجَعَتْنِي ثمَّ قالَ: أظَنَنْتِ أنْ يَحِيفَ الله عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ الله. نَعَمْ، قَالَ: فَإنَّ جِبْرِيلَ أتَاني حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فأخْفَاهُ مِنْكِ، فأَجَبْتُهُ، فَأخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَأْتِيَ أهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ؟ يَا رَسُولَ الله! قالَ: قُولِي: السَّلاَمُ عَلَى أهْلِ الدِيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُسْلِمِينَ، ويَرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرينَ، وَإنَّا، إنْ شَاءَ الله، بكُمْ لَلاحِقُونَ }

(رواه مسلم)


شرح الحديث
وقوف النبي عند مقبرة البقيع
(فقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:) هو يريد أن يحدثهم عن أمه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، (انْقَلَبَ) انْقَلَبَ: أي رجع من صلاة العشاء، صلى العشاء ثم انْقَلَبَ إلى بيته، (فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ) أي فترة قليلة، (ظَنَّ أنْ قَدْ رَقَدْتُ) يعني تأكد أني قد نمت، أو غلب على ظنه أني قد نمت، (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْداً) برفق، صلى الله عليه وسلم، (ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْداً) أي أغلقه بلطفٍ ورفق، تقول عائشة رضي الله عنها: (فَجَعَلْتُ دِرْعِي في رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إزَارِي) لبست ثيابها الساترة مع خمارها، (ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إثْرِهِ) أتبعه، أنظر أين يذهب في هذا الليل، حَتَّى جَاءَ الْبَقيعَ) وصل إلى مقبرة البقيع، ومقبرة البقيع قريبةٌ من بيته صلى الله عليه وسلم، وصل البقيع ( فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ) وقف طويلاً في المقبرة، في الليل، (ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثلاَثَ مَرَّاتٍ) يدعو، وهي لا تسمع ما يقول، (ثُمَّ انْحَرَفَ) ليعود، قالت: (فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ) أَحْضَرَ: أي عدا، فوق الهرولة، أصبح يسرع أكثر فأسرعت أكثر، (فَلَيْسَ إلاّ أنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ) اضْطَجَعْت قبل أن يدخل، حتى دَخَلَ، (فَقَالَ: مَالَكِ يَا عَائِشُ؟( هذا هو الترخيم، نداء التحبب، (حَشْيا رَابيَةً) حَشْيا: الحشا هو ما يصيب الإنسان من اللهاث أو الربو، من مرض في الصدر إذا كان قد ركض طويلاً يصيبه هذا الحشا، رَابيَةً: مرتفعة البطن، تلهث، (لَتُخْبريني أَوْ لَيُخْبرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبيرُ) أخبريني قبل أن ينزل الوحي.
أدب السيدة عائشة مع النبي الكريم
(فقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! بأَبي أَنْتَ وَأُمِّي) أي أفديك بأبي وأمي يا رسول الله، (بأَبي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ) بما كان، (قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟) هو رأى ظلها في الليل، (فَلَهَدَني في صَدْرِي) جمع كفه وضربها في صدرها، دفعها، قالت: (أظَنَنْتِ أنْ يَحِيفَ الله عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟) هل خشيتِ أن يظلمك الله أو يظلمك رسوله فيخرج رسول الله في ليلتك ليبيت في بيتٍ آخر؟ هكذا ظَنُّكِ! (قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ الله، نَعَمْ)، ثم أجابت نفسها قالت: نَعَمْ، أكدت، (فَإنَّ جِبْرِيلَ أتَاني) شرح لها القصة الآن، قَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) انظروا إلى أدب الملائكة، جبريل عليه السلام لا يدخل إلى بيت عائشة بعد أن وضعت ثيابها لتنام، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فأَجَبْتُهُ، فَأخْفَيْتُهُ مِنْكِ) ما أعلمتكِ بذلك، (وَظَنَنْتُ أنْ قَدْ رَقَدْتِ) نمتِ (فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أنْ تَسْتَوْحِشِي) لو أنني أيقظتكِ وبقيتِ وحدك في البيت لاستوحشتِ (فَقَالَ جبريل: إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَأْتِيَ أهْلَ الْبَقِيعِ) أمر من الله عز وجل: قم إلى أهل البقيع، (فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قُلْتُ: فكَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ؟ يَا رَسُولَ الله!) عائشة الآن تستفسر عن حكمٍ شرعيٍّ، هي زوجة غارت على زوجها لكن انظروا إلى الأدب الذي تصرفت به ثم انظروا إلى طريقة التعلم، قالت: فإذا جئت البقيع فماذا أقول علمني يا رسول الله؟ (السَّلاَمُ عَلَى أهْلِ الدِيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُسْلِمِينَ، ويَرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرينَ وَإنَّا إنْ شَاءَ الله بكُمْ لَلاحِقُونَ.) هذا أدب الزيارة للمقابر، والدعاء الذي يقال في المقبرة.

الرفق في البيت
أيها الإخوة الكرام: إذا نظرنا إلى هذه القصة في داخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، في بيت النبوة، نتعلم أموراً، أولاً: نتعلم الرفق، الرفق في البيت

{ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلَّا شانَه }

(رواه مسلم)

العنف لا يلد إلا العنف
أيها الأحباب: يمكن أن نتوصل إلى كل ما نريده بالرفق، والعنف لا يلد إلا العنف، على مستوى العالم، على مستوى المؤسسة، على مستوى المدرسة، على مستوى البيت، على مستوى الشريكين، العنف لا يلِد إلا العنف، كلما كان هناك عنفٌ في العالم فله عنفٌ مضادٌ، وإذا أردنا أن نحارب العنف فعلينا أن نوقف العنف المضاد، عندما تشعر الشعوب بأنه سيمرُّ زمنٌ طويلٌ حتى تنال حقوقها؛ ونحن هنا لا نبرر العنف بأي حال، لكن هذه هي الحقيقة، قوى كبرى في العالم عندما تظلم وتطغى وتبطش ولا يوجد لا أمم متحدة ولا مجلس أمن ولا شيء، ويرى الناس أنهم قد أصبحوا فريسةً لا لشيء إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، فالعنف لا يلد إلا العنف، فإذا أردنا أن نحل مشكلة العنف في العالم فلنوقف العنف المضاد، ثم إذا انتقلت إلى داخل بيتك فالعنف يلد العنف، يوجد رفق في البيت من الأب والأم، الأولاد بعد حين يرفقون ببعضهم، عنف وصراخ بين الوالدين؛ عنف وصراخ بين الأولاد، في المؤسسة المدير عنيف يعاقب على كل شيء لا يعفو ولا يسامح سيكون هناك عنفٌ بين الموظفين، المعلم عنيف الطلاب عنيفون وهكذا، هي دائرة لا تنتهي، لذلك أيها الأحباب؛ "ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلَّا شانَه" فالنبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقاً بأهل بيته، فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْداً، أَجَافَهُ رُوَيْداً، كره أن يوقظها.

نماذج عن الرفق واللين في تعامل النبي الكريم في بيته
لو قرأنا في السيرة أيها الأحباب:

{ عن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنها، أنَّها كانَت معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في سفَرٍ قالت: فسابقتُهُ فسبقتُهُ على رجليَّ، فلمَّا حَملتُ اللَّحمَ سابقتُهُ فسبقَني فقالَ: هذِهِ بتلكَ السَّبقةِ }

(صحيح أبي داود)

هو يسابق زوجته وهو قائد الأمة وقائد الجيش والغزوات، وبيده أمر الأمة كلِّها، يسابق زوجته، قالت: (فلمَّا حَملتُ اللَّحمَ) زاد وزنها، (سابقتُهُ فسبقَني، فقالَ ياعائشةَ: هذِهِ بتلكَ) يعني واحدة بواحدة، واحدة لي وواحدة لكِ.

{ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ }

(رواه البخاري)

أيها الأحباب وفي حديث آخر:

{ يا عائشةُ ! كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ }

(متفق عليه)

الحديث عن الطلاق يحول البيت إلى جحيم
السيدة عائشة جلست مرةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري؛ وروت له قصةً طويلة عن اثنتي عشرة امرأة وأزواجهن وكل امرأة لها قصةٌ مع زوجها والحديث طويل وشرحه يطول لكن وصلت إلى نهاية القصة لرجلٍ يدعى أبا زرع وزوجته أم زرع، وروت له كيف كان بينهما الود والحب والتفاهم ثم إنه طلقها، طبعاً والقصة افتراضية، يعني تروي قصةً من قصص العرب، افتراضية، قالت: إلا أنه طلقها، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: يا عائشة أنا لكِ كأبي زرع لأم زرع، سأكون بأحسن زوجِ لأحسن زوجة، غير أنه طلق وأنا لا أطلق، فطمأنها، وهدَّأ سريرتها، أما بعض الأزواج فلا يمضي يومٌ إلا ويحدث زوجته بأمر الطلاق فيقلب بيته جحيماً لا يطاق.
أيها الإخوة الكرام: ماذا لو اكتشف أحدنا أن زوجته تتبع خطواته؟ خرجت وراءه في الليل، تتبع خطواته، والزوجة لا يجوز لها أن تتجسس على زوجها ولكنها غيرة النساء، حصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصرف بأحسن تصرف وأعظم تصرف.
أيها الإخوة الكرام: ولم يكتفِ بأنه تصرف معها التصرف الأليق والأحسن لكنه طمأنها فروى لها القصة بكاملها، حدَّثها عن القصة حتى لا يبقى تشويشٌ في داخلها، الله تعالى في كتابه الكريم يقول:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ
(سورة البقرة: الآية 187)


اللباس سترٌ وجمال
الحرص على عدم إفشاء أسرار الزوجين
اللباس هو الستر، كلنا سترنا أنفسنا باللباس، فالزوج سترٌ لزوجته، والزوجة سترٌ لزوجها، فلا ينبغي للزوج أن يفضح أسرار زوجته ولا العكس، والمرأة التي تفشي أسرار الزوجية هذه امرأةٌ ترتكب كبيرةً من الكبائر، لذلك أيها الأحباب؛ اللباس ستر وكلٌ من الزوجين سترٌ لصاحبه، هل اللباس سترٌ فقط؟ لا، اللباس فوق أنه ستر هو جمال، فنحن نتجمل، لو كان مجرد ستر للبسنا كثياب الإحرام وذهبنا إلى المسجد وحققنا الستر، لكن اللباس جمال.
أيها الأحباب: اللباس جمال وبين الزوجين ينبغي أن تكون أجمل العبارات وأجمل الألفاظ وأجمل الثياب وكل العلاقة ينبغي أن تبنى في البيت على الجمال، والجمال لا يكون فقط في المظهر بل يكون في المخبر ويكون في اللفظ

{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ الليلةَ لِرَبِّي، قلتُ: واللهِ إنِّي أُحِبُّ قُرْبَكَ، وأُحِبُّ ما يَسَرُّكَ، قالتْ: فقامَ فتَطَهَّر، ثُم قامَ يًصلِّي، قالتْ: فلمْ يَزلْ يَبكِي حتى بلَّ حِجْرَه، قالتْ: وكانَ جالِسًا فلمْ يَزلْ يبكِي حتى بَلَّ لِحيتَه، قالتْ: ثُم بكَى حتى بلَّ الأرضَ، فجاء بلالُ يُؤْذِنَه بالصَّلاةِ، فلمَّا رآهُ يبكِي قال: يا رسولَ اللهِ! تبكِي وقدْ غفر اللهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَرَّ؟ قال: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟ لقد أُنزِلتْ علىَّ الليلةَ آيةٌ؛ ويْلٌٌ لِمن قرأَها ولم يتفكرِ فيها: إن في خلق السموات والأرض الآيةُ كلُّها }

(رواه ابن حبان)

(يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي) يريد أن يقوم ليقف ويناجي ربه في الليل، صلاة النافلة، يستأذن زوجته لأن الليلة ليلتها، ماذا قالت عائشة؟ هناك جواب طبيعي تقول له: آذن لك، فكأنها قد جفته، جفاء، قم صلِّ، فإن قالت له: لا آذن لك، أنا أحبك يا رسول الله، فقد منعته من الوقوف بين يدي الله تعالى في النافلة، فماذا قالت عائشة؟ قالت: (يا رسول الله، والله إني لأحب قربك ولكني أُؤْثِرُ ما يسرك) هذا جمال، والله إني لأحب قربك لكنني (أُؤْثِرُ) أفضل على حبي لقربك ما يسرك، فأنت يسرك أن تقف بين يدي الله وأن تناجيه في الليل، هذا جوابٌ جميلٌ.
أهمية استماع كل من الزوجين للآخر
اللباس سترٌ والمرأة سترٌ والرجل سِترٌ لزوجته، واللباس جمالٌ والمرأة والرجل كلٌ منهما جمالٌ للآخر واللباس أيها الإخوة؛ لصوقٌ، ما ألصق شيءٍ بك الآن؟ ثيابك، ألصق شيءٍ بالإنسان ثيابه فإن لم تستمع لزوجتك كانت مشكلة، وإن لم تستمع الزوجة لزوجها كانت مشكلة، أنت قد تكون متعباً من عملك وتأتي بعد الخامسة أو السادسة تريد أن ترتاح من هم السماع وقد استمعت للموظفين وللعمال إلخ...، لكنها تنتظرك لتحكي لك قصصها، ينبغي أن تسمعها، حتى تشعر أن زوجها قريبٌ منها، فسماع كلٍّ من الزوجين للآخر مهمٌ جداً.

التعامل مع الخطأ وفق حجمه
أيها الإخوة الكرام:

{ سَأَلْتُ عَائِشَةَ ما كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصْنَعُ في بَيْتِهِ؟ قالَتْ: كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ }

(صحيح البخاري)

إخواننا الكرام: من ظن أنه قد يخلو بيتٌ من المشكلات الزوجية فقد طلب محالاً، لكن الحكمة في التعامل مع المشكلات لا في إلغائها.
أيها الأحباب:

{ كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فأرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمع النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الذي كانَ في الصَّحْفَةِ، ويقولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حتَّى أُتِيَ بصَحْفَةٍ مِن عِندِ الَّتي هو في بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إلى الَّتي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ في بَيْتِ الَّتي كَسَرَتْ }

(صحيح البخاري)

(فأرسلت إحداهن بصحفةٍ فيها طعام) أرسلت طعاماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمرأة التي كان في بيتها غضبت أن ترسل ضرتها الطعام إلى بيتها، فضربت الصحفة وكسرتها، فماذا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم؟ التفت إلى الجالسين قال: (غَارَتْ أُمُّكُمْ) ثم لمَّ بيديه الصحفة المكسورة وجعلها في بيت التي كسرت عندها وأعطى صحفةً جديدةً للتي كسرت صحفتها وأنهى المشكلة برفقٍ وبلين.
أعطِ الخطأ حجمه
أيها الإخوة الكرام: ينبغي أن نقدر حجم الخطأ، وأن نعالجه بقدره، عائشة رضي الله عنها أخطأت حينما تبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم عالج الخطأ بسرعة، لهدها في صدرها لهدةً بسيطةً خفيفةً وقال: أخشيتِ أنْ يَحِيفَ الله عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ وعلمها درساً وانتهى الأمر، ثم تابع الحديث معها وعلمها كيف تزور البقيع وماذا تقول، وأنهى المشكلة في أرضها دون أن يكبِّر الخطأ، كل خطأ له حجمه، فأعطِ الخطأ حجمه.

حكم الله هو الخير لنا في الدنيا والآخرة
الثقة في الله ورسوله
أيها الإخوة: أجمل عبرة من هذا الموقف وأختم بها فقد ضاق الوقت، عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخشيتِ أنْ يَحِيفَ الله عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟) هذا درسٌ نتعلمه جميعاً أيها الأحباب؛ في أي موقعٍ كنت فالله لا يظلمك ورسوله لا يظلمك، إن كنت تاجراً فأديت تجارتك بالشكل المطلوب ونصحت للمسلمين وبعتهم أطيب بضاعة بالسعر المعتدل المعقول فإن الله تعالى لا يحيف عليك ولا يظلمك، وإن كنت تاجراً، وإن كنت طبيباً، كلٌ في موقعه، لا تخشَ فحكم الله الذي يحكمه هو الخير لك ولي في دنيانا وفي أخرانا.
قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ *أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(سورة النور: الآية 48-49-50-51)

عندما يكون له الحق سيقبض مبلغاً مالياً يقول لك: أنا أحتكم للشرع، فإن كان الحق عليه يقول لك: لا يا أخي نتبع القانون، ننظر ماذا يقول القانون، الفلاح كل الفلاح في طاعة أمر الله وفي طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسیَتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكیّس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، استغفروا الله.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمین وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحین، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّیْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ فِي الْعَالَمِینَ إِنَّكَ حَمِیدٌ مَجِیدٌ.

الدعاء
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سمیعٌ قریبٌ مجیبٌ للدعوات، اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الدين، اللهم بفضلك ورحمتك انصر إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، فرج عنهم يا أرحم الراحمين أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، أطعم جائعهم، واكسُ عریانهم، وارحم مصابهم، وآوِ غریبهم، واجعل لنا في ذلك سهماً متقبلاً يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر إخواننا المرابطين في المسجد الأقصى وفي القدس الشريف على أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين، اللهم هيِّئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل عصيانك ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد.
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك