عاشوراء (أيام الله)

  • 2019-09-06
  • عمان
  • مسجد أحد

عاشوراء (أيام الله)


الخطبة الأولى :

يا ربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض، ومِلء ما بينهما، ومِلء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكُلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك؟ وكيف نضل في هداك؟ وكيف نذل في عزك؟ وكيف نُضامُ في سلطانك؟ وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك؟ وأشهدُ أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً و نذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).


أيّام الله :
وبعد فيا أيها الأخوة الأحباب؛ يقول تعالى في كتابه الكريم مخاطباً نبيه موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم:

وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[ سورة إبراهيم: 5 ]

يطلب من موسى عليه السلام أن يذكر قومه بأيام الله، وأيام الله هي نعم الله وأياديه، ومن منا ليس له مع الله أيام؟ كلنا لنا مع الله أيام، يومٌ نجَّانا فيه من كربٍ عظيم، ويومٌ رزقنا فيه رزقاً حسناً، ويومٌ وهبنا فيه ولداً صالحاً، ويومٌ زوَّج الله فيه شاباً من امرأةٍ صالحة، ويومٌ أكرم الله فيه إنساناً بطاعةٍ أو عبادة، كلها أيام الله، أيامنا كلها أيام الله، فما من يومٍ إلا وللكريم فيه منةٌ علينا جميعاً..

وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[ سورة إبراهيم: 5 ]

كلنا لنا مع الله أيام
أما أيام الله على قوم موسى فما أكثرها أيضاً، يوم ظلل عليهم الغمام، ويوم أنزل عليهم المن والسلوى، ويوم نجاهم من عدوهم وأهلك فرعون، وأهلك قومه الظالمين، ونجَّى القوم الصالحين، هذه كلها أيام الله.

يوم عاشوراء مثال حيّ لانتصار الحق على الباطل :
أيها الأخوة الأحباب؛ ومن أيام الله التي كانت في شريعة موسى عليه السلام وجعلها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرعاً لنا يوم عاشوراء، فيوم عاشوراء يومٌ من أيام الله، وهو العاشر من شهر الله المحرم، هو يومٌ من أيام الله..

{ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ - العاشر من محرم- فَقَالَ: مَا هَذَا اليوم الذي تصومونه - ولعله سؤال العارف-؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عظيم، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ موسى وقومه وغرَّق فرعون وقومه، فَصَامَهُ مُوسَى شُكراً، فنحن نصومه، قَالَ صلى الله عليه وسلم : فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ }

[رواه البخاري ومسلم]

عاشوراء مثال لانتصار الحق على الباطل
فالأنبياء أخوة، وشريعتهم وديانتهم هي الإسلام وإن اختلفت الشرائع، لكنهم جميعاً مسلمون ، قال فنحن أحق بِمُوسَى و أولى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ .
أيها الأخوة الكرام؛ هذا اليوم كان مثالاً حيَّاً لانتصار الحق على الباطل، قال تعالى:

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ
[ سورة غافر: 51 ]

وفي صحيح البخاري كما يقول صلى الله عليه وسلم:

{ إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته }

ليملي له في التعبير الحديث ليُرخي له الحبل فيتوهم نفسه أنه قادرٌ على فعل ما شاء إلا أنه في قبضة الله، يملي للظالم: يترك له ما يتوهم أنها حريته في فعل ما يريد فيبطش، ويظلم، وينتهك الحقوق والمواثيق، ويقتل ويسفك الدماء:

{ إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته }

ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:

وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
[ سورة هود: 102 ]


التدافع بين الحق والباطل سنةٌ من سنن الله :
الحق ثبات
أيها الأخوة الأحباب؛ الحق نقيض الباطل، وحق الأمر أي صار حقاً وثبت، فالحق ثبات:

قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
[ سورة القصص: 63 ]

ما معنى حق عليهم القول؟ أي ثبت عليهم القول فلا مفر منه، فالحق هو الشيء الثابت والهادف، أما الباطل: فَبَطَلَ الشيء إذا فسد وسقط حكمه فهو نقيض الحق، قال تعالى:

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
[ سورة الحج: 62 ]

التدافع بين الحق والباطل من سنن الله
التدافع بين الحق والباطل سنةٌ من سنن الله، ما معنى سنة من سنن الله؟ بالتعبير الحديث قانون من القوانين، أي لا يمكن ألا يكون هناك تدافعٌ بين الحق والباطل، ولو أن إنساناً توهم أن الحق يمكن أن يعيش صافياً نقياً دون أن يزاحمه الباطل فقد أخطأ، ولو توهم أن الباطل يمكن أن ينتفش وأن يعلو إلى ما لا نهاية فقد أخطأ، فهي سنةٌ من السنن لا بد أن يتدافع الحق مع الباطل في كل زمان، وفي كل مكان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولن يستحق أهل الحق الجنة إلا بالثبات و البذل والتضحية، فلا بد من التدافع بين الحق والباطل.
أيها الأخوة الكرام؛ إن التدافع بينهما سنة لأنهما ضدان، فوجود أحدهما يستلزم إلغاء الآخر، أو إضعافه، أو منعه من الاستمرار، ولقد قضت سنة الله في هذا التدافع أن تكون الغلبة في نهاية المطاف للحق وأهله، وأن يكون الاندحار للباطل وأهله، قال تعالى:

وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ
[ سورة الشورى: 24 ]

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ
[ سورة الأنبياء: 18 ]

ولكن تحقيق هذه السنة لا يكون بين يومٍ وليلة، تحقيق سنة انتصار الحق على الباطل، وغلبة أهل الحق على أهل الباطل، لا يكون بين يومٍ وليلة.

سيرة موسى عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم :
نحن اليوم عندما نعيش عاشوراء، ونستذكر فيه موسى عليه السلام، وقد أنجاه الله من فرعون، فتعالوا إلى سيرة موسى عليه السلام كما في القرآن الكريم، بدأت معركة الحق والباطل منذ ولادة موسى عليه السلام في اليوم الذي ولد فيه، بدأت المعركة بين موسى وفرعون، ثم بدأت عناية الله تنقل موسى خطوة خطوة إلى أن تحقق نصر الله تعالى للحق، حتى تهيأت أسباب النصر، وترسخت في النفوس، وأصبحت الأمة مهيأةً لهذا الحدث الكبير، رعته يد الله رضيعاً في المهد، ثم طفلاً في التابوت تجري به الأمواج حتى تقذفه وتلقيه على باب فرعون.

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
[ سورة القصص: 7 ]

لقد كان في هذه الآية خبران وأمران ونهيان وبشارتان في آيةٍ واحدة، وهذا من إعجاز القرآن البلاغي.
خبران: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ﴾ ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ هذان خبران. أمران: ﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ﴾ هذان أمران. نهيان: ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ هذان نهيان. بشارتان: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هاتان بشارتان. فبشر الله أم موسى بأن موسى سيعود وليس ذلك فحسب بل سيكون موسى عليه السلام من المرسلين، فمتى تحققت البشارة؟ هل تحققت بين يوم وليلة؟ لا، أُلقي موسى في التابوت، وسار به النهر حتى ألقاه على باب فرعون، وألقى الله عليه محبةً منه، فرغب فرعون الذي كان يأمر بقتل الذكور من بني إسرائيل أن:

يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[ سورة القصص: 4 ]

إذا أراد الله شيئاً هيأ له أسباب بقائه
رغب أن يجعل موسى في قصره، لأن الله تعالى أراد أن يربى هذا المولود الذي سيكون نبياً في قصر هذا الذي سيقضي عليه موسى، ليُعلمنا جميعاً أن الله تعالى إذا أراد إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبّ لبه، فلا عقل تُفكر به مع الله تعالى، ولا قرار تأخذه إذا كان هناك قرار من الله تعالى.
فرباه فرعون في قصره، وهو الذي سيقضي على ملكه، ويقول لها تعالى: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ ما قال لها: ضميه إليكِ، ولا قال لها: أحيطيه بالحبس، ولا قال لها: أخفيه عن عيون فرعون وجنوده، بل قال لها: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
هي تخاف عليه من فرعون، واحتمال أن يقتله فرعون قد يصل إلى الثمانين بالمئة، لكن إذا ألقته في اليم فما احتمال أن ينجو موسى؟ صفر بالمئة، لكن الله تعالى يُعلمنا درساً أيضاً أنه جلّ جلاله إذا أراد شيئاً هيأ لهُ أسبابهُ، فإلقاء موسى في اليم كان هو النجاة ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رضيعاً في النهر ثم طفلاً في التابوت تتقاذفه الأمواج، ثم ألقى الله عليه محبةً منه لينشأ في كنف عدوه، ثم يقتل نفساً من بني إسرائيل، ثم يخرج من المدينة خائفاً يترقب، كما خرج نبينا صلى الله عليه وسلم من مكة، هناك تشابه في الأحداث إنها سنة الله، كما خرج نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة التي آذته وأخرجته، خرج موسى عليه السلام ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ في الصحراء وحيداً تأخذه يد العناية الإلهية إلى مدين، ليلتقي هناك بشيخٍ كبير فيأجره عشر سنوات كل هذه المدة الطويلة، وعندما تأتي البشارة بعد هناك في مدين يربى هذا الشاب الذي استوى، وآتيناه حكماً وعلماً، وبلغ أشده:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا
[ سورة القصص: 14 ]

كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو
يربى حياةً مختلفةً عن حياة مصر فرعون لِيُعَدَّ ويُنشَّأ ليحمل الرسالة، وفي طريق العودة وهنا سؤالٌ كبير لماذا عاد؟ وما الذي حركه؟ وما الذي أعاده إلى فرعون؟ إنها يد القدرة الإلهية تعمل وحدها، يعود موسى وفي الصحراء يذهب من أجل جذوةٍ من نار، فإذا به نور الرسالة ليُعلِّمنا الله تعالى، كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، أحياناً الإنسان يرجو شيئاً، ويظن أن الخير كله هنا، وأن النصر هنا، وأن الفرج هنا، فإذا بالنصر والفرج والخير يُفتح له بابٌ آخر ما كان يتوهمه، ولا كان يحسب له حساب، كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، ذهب من أجل جذوةٍ من نار لعله يتدفأ بها، فإذا نور الرسالة التي تدفأ بها العالم بأسره، وهناك أوحى إليه الله تعالى ما أوحى، وألقى عليه الذِكر، وحمله الرسالة إلى فرعون، وعاد من جديد، ولكن لم يعد لا طريداً ولا مُخرجاً كما عاد محمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً، عاد موسى عليه السلام إلى مصر، ولكن عاد ومعه الرسالة، ومعه النور الإلهي، وكان ما كان بينه وبين سحرة فرعون، وبدأ التدافع بين الحق والباطل من جديد، إلى أن أراد موسى عليه السلام أن ينجو بقومه، وأدركه فرعون، وأراد الله تعالى أن يدركه ليُرينا التوكل الذي كان عليه موسى، وهو التوكل نفسه الذي كان عليه محمدٌ صلى الله عليه وسلم يوم وصل إليه الأعداء إلى الغار، ووقفوا فوق الغار، وقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: يا رسول الله لقد رأونا، قال:

لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
[ سورة التوبة: 40 ]

{ ما ظنُّكَ باثْنَينِ اللهُ ثالثُهُما }

[رواه البخاري]

وهذا ما حصل مع موسى عليه السلام:

قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
[ سورة الشعراء: 61 ]

انتهى الأمر، البحر من أمامنا و فرعون من خلفنا، قال موسى:

قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ سورة الشعراء: 62 ]

شق الله لسيدنا موسى طريقا في البحر
وأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه فأصبح طريقاً يَبَسَاً، ونجا موسى عليه السلام، وأغرق الله فرعون وقومه، وانتصر الحق على الباطل، هذه هي الرحلة اختصرتها لكم في دقائق، وهي سنواتٌ وسنوات، بل عشرات السنوات، هذه سنة الله يستحق أهل الحق الجنان بالبذل والتضحية، ويستحقون الخير العميم من الله بالثبات على المبدأ.

الثبات على المبدأ :
العبرة في الثبات على المبدأ
لكن هنا أمرٌ أيها الأخوة الكرام أحب أن أقوله: أنت ينبغي أن تكون ثابتاً على الحق سواء فُلق لك البحر كما فُلق لموسى فكان طريقاً يبساً، أو كان الطريق كطريق أصحاب الأخدود، يوم شق وألقوا فيه لكنهم بقوا ثابتين على مبادئهم ودينهم، فالعبرة بالثبات على المبدأ، والله تعالى قد يؤخر وقد يعجل، وكل ذلك عنده لحكمة ومقدار:

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ
[ سورة إبراهيم: 42]

إلى يوم القيامة، فقد يأذن الله تعالى لنصرٍ في الدنيا، وقد يأذن الله بفرجٍ في الدنيا، كما انتصر موسى وأتباعه على فرعون وملئه، وقد يكون الأمر كما كان مع أصحاب الأخدود شق لهم أخدودٌ عظيم وألقوا فيه:

وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[ سورة البروج: 8]

ولكن الله أثنى عليهم لأنهم انتصروا، ما النصر الذي حققه أصحاب الأخدود؟ إنه نصر الثبات، إنه نصر أن يموت الإنسان دون أن يبدل، ودون أن يغير، ودون أن تتقاذفه الشهوات، والشبهات، ودون أن يأخذه اليأس والقنوط مأخذاً و مأخذاً، إنه نصر أن يموت الإنسان ثابتاً على مبدئه دون أن تحركه المتغيرات، هذا نصر.
أيها الأخوة الكرام؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيَتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، و أستغفر الله.

الخطبة الثانية :

صيام يوم عاشوراء :
صيام عاشوراء سنة ثابتة
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
إذاً أيها الكرام: صيام يوم عاشوراء سنةٌ ثابتة ليس واجباً لكنه سنة، وهو في هذا العام يصادف يوم الاثنين القادم يقول صلى الله عليه وسلم:

{ صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ }

[رواه مسلم]

فصيام هذا اليوم يُكفر الصغائر التي كانت في العام السابق، فاحرصوا على صومه بارك الله بكم، ويسن أن يصوم الإنسان يوماً قبله أو بعده، أو يومين قبله وبعده، فإما أن نصوم الأحد والاثنين والثلاثاء، أو الأحد والاثنين، أو الاثنين والثلاثاء، أو الاثنين وحده، فالنبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء وقال:

{ لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ والعاشر }

[صحيح البخاري]

فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العلماء: أعلى أنواع الصيام أن نصوم يوماً قبله ويوماً بعده، وله أن يصوم يوماً قبله أو بعده، و الأفضل قبله لحديثه صلى الله عليه وسلم:

{ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ }

وإن صامه وحده فحسن، نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى صيامه، وأن يُكفر عنا ذنوبنا.

الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت وأوليت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، يا واصل المنقطعين صلنا برحمتك إليك، اللهم بفضلك أعمّن،ا واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، وارزقنا اللهم حسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، أنت حسبنا، عليك اتكالنا، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، اللهم فرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ما أهمهم وما أغمهم، اللهم أطعم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مصابهم، وآو غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً متقبلاً يا أرحم الراحمين، اجعل اللهم هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، أقم الصلاة، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.