الهداية وأنواعها

  • 2018-08-24
  • عمان
  • مسجد الصالحين

الهداية وأنواعها


الخطبة الأولى

ياربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض ومِلء ما بينهما ومِلء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد أحقُّ ما قال العبد وكُلُّنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غِنَى كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هداك، وكيف نَذِلُّ في عزك، وكيف نُضامُ في سلطانك، وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك، وأشهدُ أن سيدنا محمد عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمدٍ وسلم تسليماً كثيراً.


تعريف الهداية
وبعد فيا أيها الإخوة الكرام: فإننا في كل صلاةٍ من صلواتنا بل في كل ركعةٍ من ركعاتنا نقرأ سورة الفاتحة ونطلب فيها من الله الهداية فنقول:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
(سورة الفاتحة: الآية 5-6)

هذا الطلب الذي نطلبه من الله تعالى في كل ركعةٍ من ركعات صلاتنا عشرات المرات في اليوم نطلب من الله طلباً عظيماً وهو الهداية بل إننا عندما نطلب من الله تعالى في صبيحة عيد الفطر وفي أيام عيد الأضحى المبارك فإن من معاني التكبير أن نكبره على ما هدانا، قال تعالى:

وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(سورة البقرة: الآية 185)

فما الهداية أيها الإخوة وما أنواعها؟
الهداية أيها الأخوة: من الدِلالة والتعريف والإرشاد والبيان، معنى الهداية في اللغة الإرشاد والتعريف والدِلالة والبيان.

1. الهداية العامة
كلُّ مخلوقٍ هداه الله
أيها الإخوة الكرام: أما أنواع الهداية فأربعة، النوع الأول من أنواع الهداية: الهداية العامة، ما معنى الهداية العامة؟ أن الله تعالى هدى كل مخلوقٍ خلقه إلى ما يصلحه ويؤدي مهمته في الحياة، هذه الهداية يشترك فيها جميع المخلوقات بما فيها النبات والحيوان، كلُّ مخلوقٍ هداه الله، قال تعالى:

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ
(سورة طه: الآية 49-50)

أي ربنا الذي خَلْقَ كُلَّ شيءٍ على صورته وشكله اللائق به الذي يؤهله ويعينه لأداء المنفعة والمهمة التي خُلِقَ من أجلها، انظروا إلى العين أيها الإخوة كيف خَلْقَ الله العين؟ خلقها بصورةٍ بديعة هيَّأها للإبصار ثم جعلها في عَظْمةٍ قويةٍ تحفظها، هداها، ثم أحاطها بالرموش ثم بالأهداب ثم جعل فيها سائلاً معقماً مالحاً هو الدموع، (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) خَلْقَ العين على أجمل صورة حتى تُهَيِّئَ المنفعة التي هداها إليها، هيَّأها لأداء هذه المنفعة فجعل لها رموشاً وأهداباً تنمو بطولٍ معينٍ ثم تتوقف، بينما شعر الرأس ينمو ويحتاج إلى قص بخلاف رموش العين وأهدابها، هداها، هذه هدايةٌ للعين.
اَلْأُذْن: جعلها في تجويفٍ عظميٍ في الرأس وجعل لها صيواناً خارجياً جميلاً وهيَّأها لتسمع، وحتى وأنت نائم تسمع أذنك الأصوات حتى لا تغيب نهائياً عن العالم الخارجي، فالأم تنام مِلءَ عينيها فإذا سمعت صوت رضيعها بدأ بالبكاء في الغرفة المجاورة استيقظت فوراً، فالله تعالى خَلْقَ اَلْأُذْن وهداها.
خَلْقَ الطير وهداه، فالطير يهاجر آلاف الكيلومترات ثم يعود إلى موطنه الأصلي الذي خرج منه.
إذاً الهداية العامة: أن الله تعالى خَلْقَ كُلَّ شَيْء ثم هيَّأه لأداء المهمة التي خُلقَ من أجلها فهذه هدايةٌ وأي هداية، فإذا نظر الإنسان في هذا الكون وجد هداية الله في أوراق الشجر، ووجد هداية الله في أمواج البحر، ووجد هداية الله في أجنحة الطير، إذا نظر الإنسان فوقه إلى الطيور

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ
(سورة الملك: الآية 19)

فأيها الإخوة الأحباب: خَلْقَ الله كُلَّ شيءٍ على صورته التي تليق به ثم هيَّأه لأداء مهمته وهذه هي الهداية العامة.
وفي معنى آخر للآية (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ) أي هدى الإنسان ليصل إلى الله من خلال هذا الخلق البديع فالإنسان ينظر في ملكوت السماوات والأرض فيهتدي إلى الله تعالى الخالق المبدع
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ
{ لبيد بن ربيعة }
هداية الله واضحة في كل مخلوق
هذا النوع الأول من الهداية، هدايةٌ عامةٌ لجميع المخلوقات، النبات ينمو فهدى الله الساق إلى الأعلى وهدى الجذور إلى الأسفل فتُغرس الجذور في التربة ويخرج الساق إلى الأعلى ثم تخرج الأوراق هداها الله تعالى، لو نظرت في كُلِّ مخلوق دون استثناء لوجدت هداية الله له واضحةً للعلن.

2. هداية الدلالة والإرشاد
أيها الإخوة الكرام: أما الهداية الثانية فهي هداية الدلالة والبيان والتعريف والإرشاد، قال تعالى:

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
(سورة الإنسان: الآية 3)

هداك الله تعالى إليه، عرفك عليه، دلَّك به عليه جلَّ جلاله

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
(سورة الشمس: الآية 7-8)

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
قد يفهم إنسانٌ جهلاً أن الله ألهمها فجورها وتقواها أي أودع فيها الفجور، حاشاه تعالى أن يودع الفجور في نفس إنسان، كيف يحاسبه وقد أودع فيه الفجور؟ (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) أي عرفها إن فجرت أنها فجرت هداها إلى الفجور وهداها إلى التقوى فمتى أخطأ الإنسان تحركت فطرته وفكر بعقله فاهتدى إلى أنه قد ضلَّ الطريق أنبه ضميره بالتعبير الحديث وبالتعبير الشرعي فطرته السليمة منعته من أن يرتكب خطأً هذا معنى (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) هذه هداية: هدى النفس إلى الفجور وهدى النفس إلى التقوى بمعنى أنه عرفها سبيل الفجور وعرفها سبيل التقوى

حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ
(سورة الحجرات: الآية 7)

أيها الإخوة الكرام: الله تعالى عندما أنزل الكتب وعندما أرسل الرسل كُلُّ ذلك لهداية البشر، وأحياناً يهديك الله بقصة، وأحياناً يهديك الله بفكرة، وأحياناً يهديك الله بخطبة جمعة، وأحياناً يهديك الله بدرس علم، وأحياناً يهديك الله بمقطعٍ يأتيك على هاتفك الجوال، فالله تكفل أن يهديك وتكفل أن يهدي خلقه جميعاً من أراد الهدى منهم، قال تعالى:

إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ
(سورة الليل: الآية 12)

فالله تعالى تكفَّل بهداية خلقه.

قصة هداية نُعَيْم بْنُ مَسْعُود
وضع المسلمين بعد حفر الخندق
أيها الإخوة الكرام: نُعَيْم بْنُ مَسْعُود صحابيٌ جليل كان مشركاً وهو من قبيلة غطفان وجاءت معركة الخندق وحفر المسلمون الخندق وتجمع المشركون عليهم من كل قبائل العرب بما فيهم قبيلة نُعَيْم قبيلة غَطفانَ، وأما اليهود أهل الغدر والبهتان فقد تعاونوا معهم من الداخل ليصبح المسلمون بين فكي كماشة فمن الخارج بعد الخندق قبائلُ من العرب من المشركين تألَّبت عليهم، وخيانةٌ في الداخل وراءهم فقد تعاضد معهم يهود، نُعَيْم بْنُ مَسْعُود كان قادماً لقتال محمدٍ صلى الله عليه وسلم جلس في معسكره في الليل وقد عسكروا وراء الخندق، جلس في معسكره ليلاً ينظر في السماء فجاءه خاطرٌ قال يا نُعَيْم: ما الذي جاء بك من سهلك وبدوك وجبلك قطعت مسافاتٍ شاسعة ما الذي جاء بك إلى هنا؟ أجئت تحارب رجلاً يقول: ربي الله؟ ما الذي يفعله محمدٌ صلى الله عليه وسلم مع أصحابه؟ إنه يأمرهم بالمعروف وصلة الأرحام وحفظ الجوار وحفظ الدماء فلماذا جئت تقاتله؟ هل جئت تقاتل من أجل مالٍ منهوب؟ هل نهب لك مالاً؟ هل جئت تقاتل من أجلِ حقٍ مسلوب؟ هل سلب لك حقاً؟ لحظة تأمل واحدة هداه الله تعالى بها، فوقف من معسكره فوراً واتخذ قراره في لحظةٍ واحدة، (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ).
إنما الحرب خدعة
ثم تسلل إلى معسكر المسلمين وكان فارساً مغواراً ووصل إلى خيمة النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وصل إليه، ألتفت إليه رسول الله فرآه أمامه وهو يعرفه قال: من نُعَيْم؟ هو سيد قبيلة غَطَفانَ، قال: نُعيم؟ قال: نعم نُعَيْم، قال: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، مُرني فإنهم لم يعلموا بإسلامي، أنا الآن أصبحت عينك عندهم، فمُرني بما تشاء، قال: خذِّل عنا ما استطعت فإنما أنت رجلٌ واحد، أنت لست قبيلةً أنت رجل، خذِّل عنا فإنما الحرب خدعة، ذهب نُعَيْم فوراً إلى قريش وإلى قومه غطفان قال لهم: إن اليهود قومَ غدرٍ وبهتان وأنا أعرفهم وكان نُعَيْم صديقاً لليهود، قال: أنا أعرفهم هم قوم غدرٍ وبهتان وإنهم إن دخلتم سيعينون محمداً صلى الله عليه وسلم عليكم، قالوا: وماذا ترى؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى تطلبوا منهم الرهائن أربعين رهينة دعوهم عندكم حتى لا يغدروا بكم قالوا: نعِمَ ما أشرت، ثم ذهب إلى اليهود فقال لهم: إن قبائل قريش وغطفان قد ملّوا الحرب مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم بعد هذه المدة الطويلة قد ملّوا الحرب معه فإنهم لن يقاتلوه أبداً وإنما سيطلبون منكم رهائن ليقتلوهم فإذا طلبوا منكم الرهائن فلا تعطوهم، فلما أرسل أبو سفيان يطلب الرهائن رفضوا إعطاءه وقالوا: لن نعطيك رهائن دبَّ الخلافُ بينهم وأرسل الله رياحاً اقتلعت قدورهم وأطارت خيامهم

وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ
(سورة الأحزاب: الآية 25)

وكان نُعَيْم بْنُ مَسْعُود بعد لحظة تأملٍ وبهدايةٍ من الله تعالى سبباً في نصر المسلمين في الخندق حين

وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
(سورة الأحزاب: الآية 10)

أيها الإخوة الأحباب: إذاً الله تعالى تكفل بالهداية، تكفل بهداية خلقه وهذه هداية البيان والدلالة والإرشاد والتعريف.

3. هداية التوفيق
وأما الهداية الثالثة فهي هداية التوفيق وهذه لا يملكها مَلَكٌ مقرب ولا نبيٌ مرسل هذه لا يملكها إلا الله، ما هذه الهداية؟ هذه تمثلها آيةٌ كريمة قال تعالى:

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ
(سورة القصص: الآية 56)

فإذا ما أردت الهداية هداه الله، هذه هداية التوفيق، هو يدلك عليه ويرشدك إليه فإذا تحركت هداك توفيقاً منه جلَّ جلاله، فالإنسان لا يهتدي لنفسه وإنما بتوفيق الله تعالى له

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ
(سورة الأعراف: الآية 43)

فالهداية من الله جلَّ جلاله، هي من العبد بأن يتحرك لكن التوفيق لا يكون إلا من الله تعالى.

4. هدايةٌ في الآخرة يوم القيامة
أيها الأحباب: الله تعالى يوم القيامة يهدي الخلق أيضاً فمن هُدِيَ في الدنيا إلى الصراط المستقيم هداه الله تعالى يوم القيامة للسير على الصراط والنجاة

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ
(سورة الحج: الآية 23-24)

هداية في الدنيا ثم هداية في الآخرة
(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) هذه في الدنيا، (وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) هذه في الآخرة، هداهم الله تعالى (إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) في الدنيا، فهداهم (إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) يوم القيامة، وفي الحديث الصحيح :

{ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ }

(أخرجه مسلم)

هذه هداية الآخرة.
أيها الإخوة الكرام: من هداية الآخرة:

{ عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا }

(صحيح البخاري)

الآن سنخرج من خطبة الجمعة هل منكم أحدٌ سيسأل الناس أين منزلي؟ يمكن أن تسأله أين المطعم الفلاني لأنك لا تعرفه؟ لكن منزلك في الدنيا تُهدى إليه وحدك تسير إليه دون أن يرشدك إليه أحد، فمنزلك في الآخرة يهديك الله إليه أكثر مما هداك إلى منزلك في الدنيا

وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ
(سورة محمد: الآية 6)

من معاني (عَرَّفَهَا لَهُمْ) هداهم إليها جلَّ جلاله، وفي المقابل نسأل الله العافية

احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ
(سورة الصافات: الآية 23)

فمن هُدِيَ في الدنيا إلى صراط مستقيم هداه الله تعالى يوم القيامة إلى منزله في الجنة، هذه أربعة أنواعٍ من الهدايات أيها الأحباب هدايةٌ عامة تشمل كل خلق الله تعالى، وهداية بيانٍ وتعريفٍ ودلالة من خلال الرسل والكتب وهداية توفيقٍ لمن أراد أن يسير على الطريق المستقيم ثم هدايةٌ في الآخرة يوم القيامة إلى الجنة.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسیَتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكیّس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، واستغفروا الله.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمین وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحین، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّیْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ فِي الْعَالَمِینَ إِنَّكَ حَمِیدٌ مَجِیدٌ.

الدعاء
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سمیعٌ قریبٌ مجیبٌ للدعوات، اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حسن الخاتمة واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، أنت حسبنا عليك اتكالنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم من أراد بالإسلام ودياره وأهله خيراً فوفقه لكل خير ومن أراد بهم غير ذلك فاشغله بنفسه يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم فرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها فرجاً عاجلاً يا أرحم الراحمين، أطعم اللهم جائعهم واكسُ عريانهم وارحم مصابهم وآوِ غريبهم وأنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء يا أرحم الراحمين، اللهم بفضلك ورحمتك انصر إخواننا المرابطين في المسجد الأقصى وفي القدس الشريف على أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين، اجعل اللهم هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً، وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد.