مفهوم الحرية بين الإسلام والغرب

  • 2019-10-18
  • عمان
  • مسجد سلمان كايد العساف

مفهوم الحرية بين الإسلام والغرب


الخطبة الأولى :

يا ربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض، ومِلء ما بينهما، ومِلء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكُلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَد منك الجد، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غِنَى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك؟ وكيف نضل في هداك؟ وكيف نذلُّ في عزك؟ وكيف نُضامُ في سلطانك؟ وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك؟ وأشهدُ أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً و نذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).


الحرية مَقْصدٌ من مقاصد الشريعة :
أيها الأخوة الأحباب؛ الحرية كلمةٌ برّاقة تطمح إليها النفوس، وترجوها العقول أن يكون الإنسان حراً، ما أجمل أن يكون الإنسان حراً، بل إن الحرية مطلبٌ من مطالب الشريعة الإسلامية، بل عدها بعض العلماء والفقهاء مقصداً من مقاصد الشريعة، فقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحرر الإنسان، ولتعطيه حريته وكرامته، فهي مَقْصدٌ من مقاصد الشريعة.
أيها الأخوة الأحباب؛ إن الله تعالى جعل الإنسان حراً في اختياره، فإذا أُكره على شيء فإنه لا يحاسب عليه، يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح:

{ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَااسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ }

[حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا]

الإنسان حر في اختياره
فالإكراه يرفع التكليف، أو يخفف من العقوبة، الإكراه أيها الكرام محرمٌ في الإسلام، أن تُكره إنساناً على شيء.

العبودية لله تعالى هي أعظم مظاهر الحرية :
أيها الكرام؛ يقول تعالى:

مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
[ سورة النحل:106 ]

العبودية لله تعالى هي أعظم مظاهر الحرية
فاستثنى المكره من الحكم العام، ليوضح أن الحرية مطلبٌ من مطالب الإسلام، الآن العبودية لله تعالى هي أعظم مظاهر الحرية، وسأدلل لكم على ذلك، صدقوا أيها الكرام ليس في العالم كله حريةٌ مطلقة بمعنى الإطلاق، ولا تصدقوا أبداً أن هناك دولةً في العالم تنعم بالحرية بمعنى الحرية المطلقة، فكل بلدٍ له قوانينه، وكل بلدٍ له تشريعاته، وكل بلدٍ له مقدساته التي لا ينبغي المساس بها، إذاً في الأصل ليس هناك تشريعٌ أرضيٌ يضمن للإنسان حريةً مطلقة أن يفعل ما يشاء، إذاً الإنسان في محصلة الأمر عبد، فإما أن يكون مسلماً مؤمناً فيكون عبداً لله تعالى، أو أنه سيعبد شيئاً من دون الله تعالى، هذه حقيقة لا مِراء فيها، لابد أن تكون عبداً، فإن أردت أن تكون حراً فكن عبداً لخالقك لأنه الأدرى بما يُصلحك، ولأنه الأعلم بك:

وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
[ سورة فاطر : 14 ]

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ سورة الملك: 14 ]

اعْمَلْ لِوَجْهٍ وَاحِدٍ يَكْفِكَ الْوُجُوهَ كُلَّهَا
إذاً نحن عباد شئنا أم أبينا، لكننا نحن المسلمين ارتضينا أن نكون عباداً لله تعالى، وغيرنا كثير ارتضى أن يعبد غير الله، أما أن يكون هناك حريةٌ مطلقة لا قيود فيها يفعل الإنسان ما يشاء دون قيد ودون شرط فهذا ليس له وجودٌ أصلاً، عندما يعبد الإنسان ربه يتحرر من أسر المخلوقات، اعْمَلْ لِوَجْهٍ وَاحِدٍ يَكْفِكَ الْوُجُوهَ كُلَّهَا، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، عندما يتجه إلى الله وحده فهو إذاً لا يعبد مديره في العمل، ولا يعبد حاكماً ولا محكوماً، ولا يعبد سلطةً، ولا قانوناً، لأنه يعبد الله، فهو محررٌ من كل قيد، طليقٌ من كل أسر، لأنه يعبد ربه، فيعمل لوجهٍ واحد والله تعالى يَكْفِهِ الوجوه كلها.

على الإنسان أن يكون عبداً لله فقط :
كان يزيد بن هبيرة والياً على العراقين، أي على البصرة والكوفة، في زمن يزيد بن معاوية، فكانت تأتيه الكتب تلو الكتب تأمره بتنفيذ الأوامر، فنظر في بعض الكتب فوجد فيها ما يخالف أمر الله، تنفيذ هذا الأمر يغضب الله، فماذا يفعل وهو والٍ مكلّف من قِبل الحاكم؟ فاستدعى تابعيين جليلين هما الحسن البصري وعامر الشعبي يستفتيهما في الأمر، بدأ بالشعبي، قال: ما تقول؟ فقال له الشعبي كلاماً فيه ملاينة وملاطفة ومسايرة، لعله قال له: حاول أن ترضي يزيد، وحاول أن ترضي الله معاً، خذ خطاً وسطاً بحيث لا يغضب الله عليك، ولا تغضب الخليفة، ربما قال له ذلك، فالتفت إلى البصري قال: وما تقول أنت يا أبا سعيد؟ قال: يا بن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله، واعلم يا بن هبيرة أنه يوشك أن ينزل بك ملكان غليظان شديدان فيزيلانك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، وهناك لن تجد معك يزيد، ولكنك ستجد عملك الذي خالفت به رب يزيد، فبكى ابن هبيرة والتفت إلى البصري يُعْظِمُه ويُكْرِمُه، والتفت عن الشعبي، فخرج الرجلان إلى المسجد فاجتمع الناس إليهما يسألانهما عن خبرهما مع ابن هبيرة، فقام الشعبي، انظروا إلى فقهه، قال: أيها الناس والله ما قال البصري لابن هبيرة كلاماً أجهله، ولكنني أردت فيما قلت وجه ابن هبيرة، وأراد الحسن فيما قاله وجه الله، فأبعدني الله عن ابن هبيرة وأدنى الحسن منه، أيها الناس من استطاع منكم أن يُؤثِر الله على جميع خلقه في كل مقامٍ فليفعل.
ما أعظم والعبودية عندما تكون لله وحده.
إذاً أيها الكرام؛ أنت عندما تتوجه إلى الله وحده فأنت حر، لأنك تحررت من كل قيود الأرض، ومن كل المخلوقات، واتجهت إلى الخالق جلّ جلاله، وكان بعض الصحابة والتابعين ومنهم ربعي بن عامر كما ترويه السير يقولون: إذا أرادوا أن يحدثوا المشركين يقولون لهم: إنّ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فالله تعالى ابتعث أمة الإسلام لتحرر الأمة من قيودها وتصرفها إلى الله تعالى، وما أعظم الذل والعبودية عندما تكون لله وحده.
أيها الأخوة الكرام؛ كان عمر رضي الله عنه يقول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟
كان عليٌ رضي الله عنه يقول: لا تكن عبد غيرك فقد جعلك الله حراً.
أنت حر فلا تكن عبداً لمخلوق، كن عبداً لله وحده.

صور العبودية كثيرة ومتنوعة :
الإعلام يستعبد بعضنا فيسوقه إلى حيث يريد
أيها الأخوة الأحباب؛ سابقاً كان استعباد الناس للناس يأخذ صورةً واضحة، يساق العبيد - والعياذ بالله- بالسلاسل لخدمة السادة، ويسامون ألوان العذاب، هذه عبودية واضحة، واستعباد واضح، أما اليوم فصور العبودية شتى وكثيرة ومتنوعة، هناك عبادة الأفكار عبر وسائل الإعلام، فكم أثّر الإعلام في عقول ونفوس شبابٍ كثيرين، هذه عبادةٌ واستعبادٌ من نوع آخر، يستعبد بعضنا الإعلام فيسوقه إلى حيث أراد، فإذا أراد أن يضخم قضيةً ضخّمناها، وإذا أراد أن يحجم جريمةً حجّمناها، وإذا أراد أن يزرع في عقولنا أن ديننا دين إرهابٍ زرع، وإذا أراد أن يقنعنا أن الإسلام ظلم المرأة أقنعنا، وإذا أراد أن يقنعنا أن في الإسلام أحكاماً لا تتناسب مع زماننا فعل، هذه عبودية الأفكار، وهناك عبودية الشهوات، فحينما تنطلق وسائل الإعلام لتنشر العهر بشتى أنواعه وصوره فيصبح الشاب أو الإنسان عموماً عبداً لشهوته، ينقاد وراء غرائزه، ويهدم أسرته لأجل شهوته، أليست هذه عبودية للشهوة؟! وهناك عبادةٌ للمال، فحينما يبيع الإنسان دينه من أجل دراهم أو دنانير معدودة، ويضحي بآخرته من أجل مالٍ يأتيه من رشوةٍ، أو من صفقةٍ مشبوهةٍ، أو من بيعٍ لمحرم، أليست هذه عبودية للمال؟! يقول صلى الله عليه وسلم:

{ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن منع غضب، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش }

[أخرجه البخاري]

الخميلة والقطيفة نوع من أنواع اللباس، يعبد درهمه وديناره، يعبد ثيابه حتى يظهر بأفضل مظهرٍ أمام الناس، والقلب بين يدي الله قلبٌ مريضٌ والعياذ بالله.
العبودية لله تحررك من كل العبوديات الأخرى
إذاً أيها الكرام؛ صور العبودية اليوم متنوعة، العبودية لله تحررك من كل هذه العبوديات، فيصبح الدرهم والدينار بيدك، لا في قلبك، فتتحكم بهما، ولا يتحكمان بك، فأنت تملكهما ولا يملكانك، فعندما يملك الإنسان ماله ينفقه كيف شاء، وينفقه في طاعة الله، وفي البر بعباد الله، وحينما يملكه المال يسرق ويبالغ في السرقة، ويجمع أموالاً طائلة، ويخزنها، ويحبسها، لأنه يعبد المال والمال في قلبه وليس في يده، فهو يحكمه، والإنسان لا يحكم المال.

الحرية والرأي في غير شرع الله تعالى :
أيها الأخوة الكرام؛ قالوا: تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، وهذا الكلام ربما يصح تماماً أو يصح إلى حد كبير في غير عالم المسلمين، أما في عالمنا فهو صحيح في مواضع ليس لها علاقة بالدين، فأنت في بيتك حر، لكن إذا فعلت شيئاً في بيتك من المباحات كأن تسهر مع أصدقائك إلى ساعةٍ متأخرة، وترفع صوتك فيؤذي الجيران، فهنا نقول: تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، لكن نضيف في الإسلام أنه تنتهي حريتك أيضاً عندما يأتي الحكم الشرعي، فإذا جاء الحكم الشرعي فليس هناك اختيار، قال تعالى:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ سورة الأحزاب: 36]

تنتهي حريتك عندما يكون هناك نصٌ شرعي
عند حكم الله تعالى إياك أن تقول: أنا حر، أعتقد ما شئت، أفعل ما شئت، لا، أنت حرٌ في ما لا يخالف النصوص الشرعية، أما مع النصوص الشرعية فلا بد من التزامها، كيف أنك حرٌ في الطريق وأنت في سيارتك بما لا يخالف قوانين السير، أيكون واضع قانون السير أعظم في نفوسنا من واضع القوانين جل جلاله لكل البشر؟ هذه هي المفارقة، لذلك أيها الأحباب نقول: تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، وتنتهي حريتك عندما يكون هناك نصٌ من الخالق جل جلاله:

{ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء الحارث الغطفاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، شاطرنا تمر المدينة- نحن نأخذ النصف وأنت تأخذ النصف- قال: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ- انظروا إلى حرية الرأي في الإسلام- فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، رضي الله عنهم- أخذ برأيهم فهم أصحاب الرأي في المدينة، وفي تمر المدينة- فقال: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ- هناك حرب شعواء عليكم- وَأَنَّ الْـحَارِثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْـمَدِينَةِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَامَكُمْ هَذَا حَتَّى تَنْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ- هل توافقون على أن تعطوه نصف التمر في هذا العام ثم تنظروا في أمركم بعد فالحرب عليكم شديدة أي مصالحة- قالوا: يا رسول الله- انظروا الآن إلى فقه الصحابة، إلى فقه السعود- أوحيٌ من السماء- فالتسليم لأمر الله، لا يوجد حرية رأي، مع الوحي لا يوجد حرية رأي، مع وحي السماء لا يوجد أنا رأيي كذا، من أنت؟ يقولون: هذا عندنا غير جائزٍ، قل فمن أنتم حتى يكون لكم عند، هذا وحي الله، فمع الوحي لا يوجد رأي، رأيك في ارتفاع أسعار العملات، رأيك في الأسواق، رأيك في التجارة، رأيك في الزراعة، في الصناعة، أما مع وحي الله فلا يوجد رأيي، مادام الأمر محسوماً بنص شرعي قطعي- فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك وهواك- أي عن رغبتك بمعنى رغبتك- فرأينا تبع هواك ورأيك؟- أي هل تريد أن نتبعك في الرأي أم لنا الرأي؟- فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا؛ فوالله! لقد رأيتنا وإياهم على سواء- فإنّا والله لا نعطيهم تمرةً واحدة، إلا بشراء أو قرى، إما بيع وشراء أو ضيافة، من باب الود، أما من باب فرض الشروط لا نعطيهم تمرةً واحدة ،هذا الرأي- ما ينالون منا تمرة إلا بشرى أو قرى }

[رواه الطبراني]

و:

{ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَةِ بَدْرٍ فَعَسْكَرَ خَلْفَ الْمَاءِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبِوَحْيٍ فَعَلْتَ أَوْ بِرَأْيٍ؟ قَالَ: بِرَأْيٍ يَا حُبَابُ، قُلْتُ: فَإِنَّ الرَّأْيَ أَنْ تَجْعَلَ الْمَاءَ خَلْفَكَ، فَإِنْ لَجَأْتَ، لَجَأْتَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي }

[أخرجه الحاكم في المستدرك]

في غزوة بدر الحباب بن المنذر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله أهذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ حتى إذا كان وحياً لا نتكلم، قال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والمشورة، قال: هذا ليس بموقع، الآن جاءت الحرية في الرأي، قم بنا إلى موضعٍ بحيث نشرب ولا يشربون، فوجّه النبي صلى الله عليه وسلم الجيش أن يتنقل إلى الموضع الذي أشار عليه الحباب بن المنذر رضي الله عنه، إذاً الحرية والرأي في غير شرع الله تعالى.

الابتعاد عن نشر الشائعات :
نشر الشائعات ليس من الحرية
الشيء الأخير أيها الكرام؛ ليس من الحرية في شيء نشر الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، قال تعالى:

وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ
[ سورة النساء: 83]

لا تذع كل خبرٍ يأتيك، تحقق منه قبل أن تذيعه وتنشره:

{ قال صلى الله عليه وسلم: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ }

[رَوَاهُ مُسْلِم]

لا تحدث بكل ما تسمع، حدث بما تيقنت بأنه حقيقيٌ، وواقعي، ولا يضر بالأمة.
أيها الأخوة الكرام؛ الإسلام جاء ليحرر الإنسان ولينقله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد جلّ جلاله.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيَتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، أستغفر الله.

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

الدعاء :
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيب للدعوات، اللهم برحمتك أعمنا واكفنا اللهم شر ما أهمنا وأغمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم انصرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا، يا رب قد عمّ الفساد فنجنا، قَلَّتْ حيلنا فتولنا، ارفع مقتك وغضبك عنا، لا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، اللهم فرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، أطعم جائعهم، واكس عريانهم، وارحم مصابهم، وآو غربيهم، واجعل لنا في ذلك عملاً متقبلاً، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، اللهم انصر إخواننا المرابطين في المسجد الأقصى وفي القدس الشريف على أعدائك وأعدائهم يا رب العالمين، اجعل اللهم هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، أقم الصلاة، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.