عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها

  • محاضرة في الأردن
  • 2019-12-09
  • عمان
  • الأردن

عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.


عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها :
1 ـ علمٌ لا يعمل به :
العلم بغير عمل شجرةٌ بلا ثمر
موضوع لقائنا اليوم انتقيته لكم من كتاب الفوائد لابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى، ينقل عن شقيق ابن إبراهيم قال: عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها، كلنا لا يحب الشيء الضائع الذي يفوت خيره، بل يحب الشيء الباقي الذي يحصّل ثوابه وأجره، فهذه عشرة أمور من عارفٍ بالله يقول: "عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع به" أولاً: علمٌ لا يعمل به، العلم الذي لا يعمل به شيءٌ ضائع، بل قالوا: العلم ما عُمِلَ به فإن لم يُعمَل به كان الجهل أولى، غريب القول؛ كان الجهل أولى، لماذا؟ لأن الجهل هو عدم معرفة الشيء، أي لم تصله معلومة فهذا قصّر بطلب العلم، لكنه عندما يعلم ثم يعمل بخلاف ما يعلم فإن حسابه أشد عند الله، يحاسب على جهله المركّب، أما الجاهل البسيط الذي لا يعلم المعلومة فلعله يعذر بعدم علمها، مع أنّ المسلم الذي يقيم في بلاد المسلمين لا يعذر بجهله لأن الأمور متوفرة اليوم، لكن أن يعلم ثم لا يعمل فهذه مشكلة، لذلك عشرة أشياء ضائعة؛ الأول منها: علمٌ لا يعمل به، فالعلم بغير عمل شجرةٌ بلا ثمر، لذلك القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة يقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فدائماً يربط بين الإيمان والعمل، فقالوا: "الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل" الإيمان ما وقر في القلب- هذه معلومات، علم- وصدّقه العمل، يجب أن يأتي العمل مُصَادِقَاً ومُصَدِّقَاً للعلم الذي علمته (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) دائماً يرتبط الإيمان مع العمل الصالح، الإيمان علم، تصديق، لكن لا بد أن يأتي العمل مطابقاً لما علمته، (آمَنُوا وَعَمِلُوا).

2 ـ عملٌ لا إخلاص فيه ولا اقتداء :
متى يكون العمل صالحاً؟
فقالوا: عشرة أشياء ضائعة؛ علمٌ لا يعمل به، عملٌ لا إخلاص فيه ولا اقتداء، لأن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان صالحاً، والعمل الصالح يصلح للعرض على الله، متى يكون العمل صالحاً؟ حينما يصلح أن تعرضه على الله، أنت انظر في عملك إذا كان يصلح أن تقول يوم القيامة: يا رب هذا عمل بين يديك فهو عملٌ صالح، لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح للعرض على الله؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما جاء وفق الكتاب والسنة، فعملٌ لا إخلاص فيه ولا اقتداء عملٌ ضائع وكأنك لم تعمله، الاقتداء هو قوام العمل، والإخلاص هو روح العمل، فالعمل إذا لم يكن فيه اقتداء، إذا جاء خلاف السنة، فهو في الأصل ليس عملاً صالحاً نهائياً.
الآن لو كان وفق السنة يحتاج إلى شرط آخر وهو الإخلاص، فعندما يكتمل الإخلاص مع الاقتداء بالسنة يكون العمل صالحاً، فإذا كان العمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء فهو ضائع. روى الإمام الترمذي في سننه:

{ أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال: من هذا فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت – سكت: انتهى من الكلام، وخلا: أي أصبح وحده - وخلا قلت له: أنشدك بحق وبحق- للتوكيد بحقٍّ وبحق - لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة - أي شهق شهقةً عظيمةً فغاب عن الناس، لشدة شوقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم - فمكث قليلاً ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى- شهق شهقةً فيها حنين، تأوّه، حنين لشيء يذكره من رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم أفاق فمسح وجهه فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق ومسح وجهه فقال: أفعل لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خاراً على وجهه فأسندته عليّ طويلاً - أسنده لأنه اختلّ توازنه - ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية- على ركبها تنتظر الحساب كما في صورة الجاثية فينزل ليقضي بين خلقه - فأول من يدعو به - للقضاء- رجل جمع القرآن، ورجل يقتتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلاناً قارئ فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله تعالى له: كذبت وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذاك، قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعّر بهم النار يوم القيامة، فحدث شفي الأصبحي الذي سمع الحديث معاوية عن أبي هريرة فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديداً حتى ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال: صدق الله ورسوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} }

(رواه الترمذي)


الإخلاص روح العمل :
أخواننا الكرام؛ الإخلاص في العمل هو روحه، الله تعالى لا يَقبَل العمل المشترك، ولا يُقبِل على القلب المشترك، ألم يقل جلّ جلاله في الحديث القدسي:

{ أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه }

(رواه مسلم)

فالله تعالى لا يقبل عملاً له ولغيره، لا بد من الإخلاص.
الإخلاص هو روح العمل
وجميعكم تعلمون قصة الثلاثة الذين سُدَّ عليهم الغار، كان كل واحدٍ منهم يتوسل إلى الله تعالى بصالح عمله، تحدّث الأول بعمله فقال: يا رب إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما مالاً ولا أهلاً- الغبوق: اللبن يشرب في المساء، الحليب بعد أن يحلب في المساء، أي لا أرضى لا أن يشرب أهلي، ولا أن يشرب الدّواب حتى يشرب والدي- فأبطأ بي المسير يوماً فجئت إليهما وقد ناما، فجعلت الغبوق في يدي أنتظر فلم يستيقظا إلا عند الفجر- أي ما أشرب أهله حتى يشرب أبويه- ثم يقول: - موطن الشاهد- اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً يسيراً، وجاء الثاني: الذي كان له أجراء فواحدٌ منهم ذهب مغاضباً ولم يأخذ أجره، فثمّر له ماله، فلما جاءه قال: أَدِّ إليَّ أجري، قال: كل ما ترى من الغنم فهو أجرك، قال: تهزأ بي، قال: لا والله قد ثمّرته لك فأخذه فاستاقه كله، قال: يا رب إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت شيئاً لكن لا يستطيعون الخروج، ثم جاء الثالث: فقال: إنه كان لي ابنة عم وكانت أحب ما يكون إلي، ثم إني طلبتها عن نفسها فأبت، ثم احتاجت فجاءت تطلب شيئاً من مال أو من دنيا، فلما تمكّنت منها- وصل لمبتغاه- وأصبح الزنا قاب قوسين أو أدنى وفي قمة الشهوة قالت: أقسمت عليك ألا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها وأنا أحب ما أكون إليها، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.

{ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: "انطلَق ثلاثةُ رَهطٍ ممن كان قبلَكم، حتى أوَوُا المبيتَ إلى غارٍ فدخَلوه، فانحدَرَتْ صخرةٌ منَ الجبلِ فسَدَّتْ عليهمُ الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرةِ إلا أن تدعوا اللهَ بصالحِ أعمالِكم، فقال رجلٌ منهم: اللهمَّ كان لي أبَوانِ شيخانِ كبيرانِ، وكنتُ لا أَغبِقُ قبلَهما أهلًا ولا مالًا، فناء بي في طلبِ شيءٍ يومًا، فلم أرُحْ عليهما حتى ناما، فحلَبتُ لهما غَبوقَهما فوجَدتُهما نائمَينِ، وكرِهتُ أن أَغبِقَ قبلَهما أهلًا أو مالًا، فلبِثتُ والقَدَحُ على يدي أنتظِرُ استيقاظَهما حتى برَق الفجرُ، فاستيقَظا فشرِبا غَبوقَهما، اللهمَّ إن كنتُ فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك ففرِّجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرةِ، فانفرَجَتْ شيئًا لا يستَطيعونَ الخروجَ، قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وقال الآخَرُ: اللهمَّ كانتْ لي بنتُ عَمٍّ كانتْ أحبَّ الناسِ إليَّ، فأرَدتُها عن نفسِها فامتنَعتْ مني، حتى ألَمَّتْ بها سَنَةٌ منَ السنينَ، فجاءَتْني فأعطَيتُها عشرينَ ومِائَةَ دينارٍ على أن تُخَلِّيَ بيني وبين نفسِها، ففعَلَتْ حتى إذا قدَرتُ عليها قالتْ: لا أُحِلَّ لك أن تَفُضَّ الخاتَمَ إلا بحقِّه، فتحرَّجتُ منَ الوُقوعِ عليها، فانصرَفتُ عنها وهي أحبُّ الناسِ إليَّ وترَكتُ الذهبَ الذي أعطيتُها، اللهمَّ إن كنتُ فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك فافرُجْ عنا ما نحن فيه، فانفرَجَتِ الصخرةُ غيرَ أنهم لا يستَطيعونَ الخروجَ منها، قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وقال الثالثُ: اللهمَّ إني استأجَرتُ أُجَراءَ فأعطيتُهم أجرَهم غيرَ رجلٍ واحدٍ ترَك الذي له وذهَب، فثمَّرتُ أجرَه حتى كثُرَتْ منه الأموالُ، فجاءني بعد حينٍ، فقال: يا عبدَ اللهِ أَدِّ إليَّ أجري، فقلتُ له: كلُّ ما تَرى من أجرِك، منَ الإبلِ والبقرِ والغنمِ والرقيقِ، فقال: يا عبدَ اللهِ لا تَستَهزِئْ بي، فقلتُ: إني لا أستَهزِئُ بك، فأخَذه كلَّه فاستاقَه فلم يترُكْ منه شيئًا، اللهمَّ فإن كنتُ فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك فافرُجْ عنا ما نحن فيه، فانفرَجَتِ الصخرةُ فخرَجوا يَمشونَ" }

(صحيح البخاري)

فما الذي جمع هذه الأعمال الصالحة الثلاث؟ الإخلاص، لأنه لم يكن في الأعمال الثلاث مراقبٌ إلا الله، ما كان الأول يقف على رجليه ابتغاء أن يرضى أحد، ولم يكن هناك تصوير لا من قناة تلفزيونية، ولا من وسيلة إعلامية، ولا أحد يراقبه، ثم الثاني عندما ثمّر المال، وكان بإمكانه أن يعطيه أجره فقط، لأنه ذهب مغاضباً، فالآن ليس له إلا ما تركه فثمّره له، وما كان أحدٌ يعلم إلا الله، والثالث كان في خلوة، ولا أحدٌ يراه، وهي ليس لها مصلحةٌ في أن يفتضح الأمر، لكنه تركها ابتغاء وجه الله تعالى، فسر العمل الإخلاص، مع الإخلاص ينفع كثير العمل وقليله، ومن غير إخلاص لا ينفع لا كثير العمل ولا قليله، فلنحرص دائماً على اختبار النيّات والقلوب.

كيفية اختبار النية :
قد يقول قائل: وكيف أختبر نيّتي؟
كيف أختبر نيّتي؟
أخواننا الكرام؛ عندي مقياسان، الأول: جرّب هل تقوم بعملٍ بينك وبين الله ولا تخبر به أحداً وتقوى على ذلك، أن تقوم به على الوجه الصحيح، إن كان ذلك فأنت إن شاء الله من المخلصين، يصوم دون أن يخبر أحداً، لا يحتاج أن يخبر أحداً، أحياناً إنسان يصوم ثم يأتي إلى العمل فينتظر من يسأله ليقول: إني صائم اليوم، طبعاً ليس هناك مانع أن يعلم الناس بصيامه، لكن لحاجة، أما أن يكون هذا دافعاً في داخله فهذه مشكلة، أو جرّب أن تتصدّق فلا تعلم يمينك ما أنفقت شمالك، ولا تخبر مخلوقاً في الأرض، فهذا أيضاً من علامات الإخلاص، من علامات الإخلاص أيضاً أن العمل لا يزيد إذا مُدح الإنسان، ولا ينقص إذا ذمّه الناس، أحياناً إنسانٌ يعمل عملاً يظن أنه مخلصٌ فيه لله تعالى فيمدحه الناس، ومدح المؤمن معقول ومطلوب وليس فيه حرمة، فيمدحه الناس فيزيد في عطائه وإنفاقه لأن الناس مدحوه، وفي الوجه المقابل يعمل عملاً فيذمه الناس وهو يعمل عملاً صالحاً فيقولون: فلان لم فعل؟ ولم فعل؟ فيوقف العمل من ذمِّ الناس له، فهذا ليس بإخلاص، العمل المخلص لوجه الله تعالى لا يزيده مديح، ولا ينقصه ذم، لأنه يخرج إرضاءً لوجه الله، والله تعالى من غيرته على عباده، وعلى إخلاصهم كثيراً ما يمتحن عباده بالإخلاص، فتفعل عملاً لوجه الله تعالى ثم يأتيك من يذمُّك عليه، فهل توقفه أم تستمر فيه؟ أو تفعل عملاً فيأتي المادحون فهل يعجبك ذلك فتزيد في العمل أمامهم أم تبقى على ما أنت عليه من خير وحق لا يزيده المديح ولا ينقصه الذم؟ هذه علامة الإخلاص.

3 ـ مال لا ينفق منه :
وفي المال حقٌّ سِوى الزكاة
عشرة أشياء ضائعة؛ علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، ومال لا ينفق منه، المال الذي لا ينفق منه في أقل الحدود زكاة المال، والنفقة على العيال، والتوسعة عليهم مما وسع الله في حدود المباحات والمعقولات، هذا المال الذي لا ينفق منه ضائع، لماذا هو ضائع؟ أي إذا لم ينفق منه في المحرمات فهو ضائع، وربما لا يحاسب الإنسان عليه، لكن إذا أنفق منه في المحرمات - والعياذ بالله - فهو ليس ضائعاً فحسب، وإنما حسابه عند الله، هما مستويان إنسان كنز المال لم ينفق منه لا زكاة المال ولا شيء، هذا محاسب أمام الله، إنسان آخر أنفق من ماله لكنه أنفقه في المباحات فقط، فهذا إن شاء الله معذور أمام الله، أما الحالة الأعلى فأن ينفق منه في الخيرات، وفي المال حقٌّ سِوى الزكاة، أي ليس اثنان ونصف في المئة فقط، في القرآن هناك آيتان:

وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
(سورة المعارج: الآية 24)

هذه الزكاة، معلوم اثنان ونصف في المئة، ونصف العشر، وعشر بالزروع والثمار، فهذا معلوم، لكن هناك آيةٌ أخرى قال تعالى:

وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
(سورة الذاريات: الآية 19)

الآية الأولى معلوم، والآية الثانية غير معلوم، فقال العلماء: في المال حقٌّ سِوى الزكاة، الزكاة اثنان ونصف في المئة، لكن هناك صدقات أيضاً فوق الاثنين والنصف في المئة، فالمال الذي ينفق منه لا يضيع، لكن المال الذي يكنزه صاحبه ولا ينفق منه فهو ضائع.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع شاةً كما روت عائشة رضي الله عنها، فقالت عائشة رضي الله عنها- بمنطقنا جميعاً-: يا رسول الله لم يبق إلا كتفها، وزعت كلها لم يبق لنا إلا الكتف، الآن انظروا إلى فهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "يا عائشة بل بقيت كلها إلا كتفها".
لأن الجزء الذي أنفق قد بقي هذا مستمراً سنرقى أجره يوم القيامة، أما الذي سنستهلكه فهذا هو الفاني، فالإسلام يقلب المقاييس، فيصبح الإسعاد في العطاء:

{ عن عائشة رضي اللَّه عنها أَنَّهُمْ ذَبحُوا شَاةً، فقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "مَا بَقِيَ مِنها؟" قالت: مَا بَقِيَ مِنها إِلاَّ كَتِفُهَا، قَالَ: "بَقِي كُلُّهَا غَيرَ كَتِفِهَا" }

(رواه الترمذي وقال حديث صحيح)

ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ كلنا نحب أن يأخذ، الإنسان يحب الخير:

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
(سورة العاديات: الآية 8)

الفرح الحقيقي بالعطاء لا بالأخذ
و(الْخَيْرِ) قالوا المال، لكن هل يسعدك أن تعطي أم فقط أن تأخذ؟ إذا كان الإنسان يسعده أن يعطي فهذا من علامات أنه من أتباع الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا إلى الدنيا فأعطوا ولم يأخذوا، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أخذ من الدنيا؟ ثلاث وعشرون سنة كلها غزوات، ومشكلات، وفتوحات، وجوع، وتعب، وسهر، ومتابعة، لكنه أعطى الكثير، أعطى الخير إلى يوم القيامة، فالأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، فمن يكن من أتباع الأنبياء يسره العطاء.

4 ـ قلبٌ فارغٌ من محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه :
عشرة أشياء ضائعة؛ علم لا يعمل به، وعمل لا اقتداء فيه ولا إخلاص، ومالٌ لا ينفق منه، و قلبٌ فارغٌ من محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه.
غذاء القلب الحب
قلب لا يوجد فيه أنس بالله، ولا محبة لله، ولا شوق إلى لقاء الله، هذا ضائع، هذا قلب ضائع لأنه لا يتعلق بالله، وقلب فارغ من محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، فغذاء القلب الحب، فإذا لم يغذ قلبه بالحب الذي يسمو به عند الله فهذا قلبٌ فارغ، ضائع، ما الحب الذي يسمو بنا عند الله؟ هو حب الله، وحب كل ما يقربك إلى الله، فيحب الإنسان والديه، وهذا الحب يقربه إلى الله، ويحب زوجته، وهذا الحب يقربه إلى الله، ويحب المؤمنين، ويحب الصالحين، ويحب العلماء، ويحب الدعاة، ويحب الرسل والصحابة، هذا حبٌّ في الله يقرّب من الله.
يقول ابن القيم - رحمه الله- وكلامه درر، ابن القيم عالم من علماء المسلمين، يقول: "هناك حبٌ في الله وحبٌ مع الله"، قال: "أما الحب في الله فعين التوحيد، وأما الحب مع الله فعين الشرك".
كيف؟ الحب في الله: أنا اليوم أحبك في الله، فأنا إن رأيت منك شيئاً خلاف منهج الله سأوقفك، وأنصحك، لأن محبتي لك في الله، فهذا توحيد، فأنا لا أحبك إلا بقدر طاعتك لله، فمتى عصيته فالنصح بيني وبينك، فإن تماديت ولم تستجب، نسأل الله العافية، فالقطيعة بيني وبينك لأن حبي لك في الله، أنا أحب زوجتي في الله، فما دامت علاقتي معها في طاعة الله فعلى الرحب والسعة، فإذا طلبت مني أشياء لا ترضي الله فأوقفها عند حدها ولا أتمادى، لأن حبي لها في الله، أما الحب مع الله فعين الشرك، لأنه يحب إنساناً فيتمادى في محبته، ويطيعه، ويتابعه ولو كان في معصية الله فهو يشركه مع الله، هذا الحب مع الله، وقلبٌ فارغٌ من محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه.

5 ـ بدنٌ معطل من طاعة الله أو خدمة عباده :
الروح هي القوة المحركة للجسد
وبدنٌ معطل من طاعته أو خدمة عباده، هذا البدن الجسم، الإنسان فيه جسم ونفس وروح، الجسم هو الجهاز الظاهري، إذا أحضرنا كمبيوتر الجسم هو الجهاز الذي تراه بعينيك هذا البدن، الآن النفس هي الأساس التي في الداخل – المعالج- المعالج الرئيسي للكمبيوتر هو النفس، هو الذي يعمل، هو الذي يحزن ويرضى، العمل عند النفس، والروح هي القوة المحركة أي الكهرباء، فإذا توقفت الروح عندما تخرج الروح من الجسد أصبح جثة هامدة ليس له عمل، الجسم يفنى والنفس تبقى:

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ
(سورة آل عمران: الآية 185)

تذوق الموت عند خروج الروح لكنها لا تموت، النفس موجودة وهي التي تعذب في البرزخ، وهي التي تعذب في القبر، وهي التي تبقى إلى أبد الآبدين، النفس خالدة، معنى الخلود أنها لن تموت موتاً نهائياً، أما الأجساد فتموت، فالبدن هذا إن كان معطلاً من طاعة الله، أو خدمة عباده فهو ضائع، أي هذا بدنك، إما أنت في عبادة، الله أكبر (صلاة)، طواف، صيام، زكاة، حج، تعمل شيئاً، هذا في طاعة الله، أو أن يكون هذا البدن في خدمة عباد الله، أي حتى وأنت في عملك تخدم عباد الله، حتى إذا الإنسان أوى إلى فراشه إنما يأوي ليتقوى على طاعة الله، وحتى إذا أكل طعاماً فإنما له نية في أكل الطعام وهي أنه لا يأكل إلا الطعام الحلال، ولا ينوي به إلا الحلال، فهذا البدن إذا كان ليس فيه لا خدمة لعباد الله، ولا طاعة لله، فهو ضائع عند الله، قال: وبدنٌ معطل من طاعة الله وخدمة عباده.

6 ـ محبة لا تتقيد برضاء المحبوب والتزام أوامره :
ومحبة لا تتقيد برضا المحبوب، والتزام أوامره:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال بديـــــــع لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن المحب لمن يحب يطيـــــــــع ***
{ الإمام الشافعي - العصر العباسي }
فإذا كانت المحبة لا تتقيد برضا المحبوب، يدّعي الحب لكنه لا يأتي بشيء من الاتباع، قال:

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
(سورة آل عمران: الآية 31)

المحبة تتقيد برضا المحبوب
فالإنسان الذي يحب يسعى ليرضي محبوبه، أما أن يدّعي الحب ولا يسعى فهذه محبة ضائعة، نسأل الله أن ينال ثوابها، أنا لا أقول ضائعة مئة في المئة نسأل الله أن ينال ثوابها، لكن الأصل أن المحبة تتقيد برضا المحبوب، أنت في الدنيا إذا الإنسان اليوم قال لأبيه كل يوم صباحاً أنا أحبك يا أبي، ولم يأتمر بأمر من أوامره، و لم ينته عن نهي من نواهيه، فهل يقنع الأب بهذه المحبة أم يقول له: أنت لا تحبني ولو كنت تحبني لأطعت أمري؟ فالله تعالى، إذا قلت: أنا أحب الله، فماذا فعلت إرضاءً لمحبوبك؟ لا أقول: إن الإنسان لن يخطئ فكلنا ذو خطأ وخير الخطائين التوابون:

{ يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" }

(رواه الترمذي وحسنه الألباني)

لكن أن تكون المحبة من غير أي سعي لإرضاء المحبوب فهذه محبة فارغة ضائعة، قال: ومحبة لا تتقيد برضا المحبوب والتزام أمره واجتناب نهيه.

7 ـ وقتٌ لا يغتنم في استدراك فارط أو اغتنام برٍّ وقربة :
ووقتٌ لا يغتنم في استدراك فارط، أو اغتنام برٍّ وقربة، نحن هذا الوقت هذا الوقت غير ضائع لأنه إن شاء الله نستخدمه في اغتنام بر، طلب علم ومجلس أنس، هذا وقت غير ضائع، لكن لو أن إنساناً جلس نصف ساعة وهو يلعب الطاولة فهذا ليس ضائعاً فحسب، وإنما سيحاسب عليه، وإذا جلس مع أهله هذا وقت غير ضائع لأنهم أنسوا به، وأنس بهم، وحدثهم وحدثوه ولو في المباحات وليس في الدين، لكن هذا فيه اغتنام بر، كسب الأولاد، إذا جلس مع عماله، وإذا جلس في عمله، هذا وقت غير ضائع، لكن عندما يمضي ساعات طوال وراء الشاشة على أشياء لا تقدم ولا تؤخر، أو في مجالس لغو وغيبة ونميمة، فهذا الوقت لم يغتنم لا في استدراك فارط- أي شيء راح عليك تريد أن تستدركه- ولا في اغتنام برٍّ قادم فهو وقت ضائع، ووقت معطل من استدراك فارط أو اغتنام برٍّ وقربة.

8 ـ فكرٌ يجول فيما لا ينفع :
المؤمن فكره يجول في الخيرات
وفكرٌ يجول فيما لا ينفع، كل إنسان إذا صمت ففكره يجول، المؤمن فكره يجول في الخيرات، من نِعَمِ الله تعالى علينا أنه لا يحاسبنا على ما جال في أفكارنا، إن الله رفع عن أمتي ما حدّثت به نفسها:

{ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي عَمَّا حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا، ما لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بهِ }

(صحيح مسلم)

إذا همّ أحدكم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، طبعاً إذا لم يعملها خوفاً من الله، أراد أن يسرق وجاءت الشرطة فلم يفعلها، هذا لا يحاسب، ولكن لا تكتب حسنة، متى تكتب حسنة؟ همّ أن يفعلها ثم توقف خوفاً من الله، هذه حسنة بميزان الحسنات، والسيئات عند الله لا يوجد شيء اسمه فكرت، وهذا من نعم الله، لكننا نخشى على الأفكار أن تنقلب إلى وقائع، فنقول: حاول جهدك أن توقفها من أولها:

{ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ له سَيِّئَةً واحِدَةً }

(صحيح البخاري)

فالفكر الذي يجول فيما لا ينفع شيء ضائع، أما إذا كان الفكر يجول في خلق الله، إذا كان الفكر يجول في عمل صالح، ابتكار عمل صالح لله، إذا كان الفكر يجول في تربية الأولاد، إذا كان الفكر يجول في طلب العلم فهذا فكر لا يضيع، أما الفكر الذي يجول فيما لا نفع فيه فهو فكرٌ ضائع.
أصبحوا ثمانية وبقي اثنتان، وفكر يجول فيما لا ينفع.

9 ـ خوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسيرٌ في قبضته :
الخوف والرجاء من الله
وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، وهو أسيرٌ في قبضته ولا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا نشوراً، إنسان خائف من شخص ناصيته بيد الله، أو يرجو إنساناً أمره بيد الله، هذا رجاء ضائع، وخوف ضائع، ممن تخاف! عبدٌ مثلك، خائف منه وترجوه وهو عبدٌ مثلك لا يملك لنفسه شيئاً فهل يملك لك ضراً أو نفعاً أو موتاً أو حياةً أو نشوراً؟ هو لا يملك لنفسه فلم تخاف منه وترجوه فهذا خوفٌ ورجاءٌ ضائع، أما عندما يخاف الإنسان ربه ويرجو ربه فهذا الذي يبقى ويدوم، فهذا الذي يبقى، وهذا لا يعني أن الإنسان قد لا يقع منه خوفٌ من خطرٍ محدق، لكن كله من باب اتخاذ الأسباب وليس من باب الخوف والرجاء، الخوف والرجاء من الله، فهو قد يذهب إلى شخص ويطلب منه طلباً لكن القلب أين هو؟ القلب معلق بالله لأنه يعلم أن هذا الإنسان لا يملك شيئاً من الدنيا، انظروا ماذا قال سيدنا إبراهيم قال:

فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
(سورة هود: الآية 55-56)

(فَكِيدُونِي جَمِيعاً) كلكم، قومه كلهم (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) لا تمهلوني ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) أي الدواب كلها، والطغاة دواب، والمجرمون دواب، كلهم بيده (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) أي الحبال كلها بيده جل جلاله (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) إذا أحب أن يفلتها عليك يرخي الحبل، وإذا أراد أن يمنعها عنك يشد الحبل، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أي لا يفعل إلا الحكمة جل جلاله، العلاقة بالله وحده.
خوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا نشوراً.

10 ـ خدمة من لا تقرِّبك إلى الله خدمته ولا تفيدك في إصلاح دنياك ولا أخراك :
وخدمة من لا تقرِّبك إلى الله خدمته، ولا تفيدك لا في إصلاح دنياك ولا أخراك، بعض الناس يظن أن بالتقرب إلى فلان في خدمة فلان يناله خير فيخدمه، وما أسوأ الإنسان عندما يتذلل لعبدٍ مثله فيخدمه لعله يأخذ شيئاً منه، وقد ورد:

{ ومَنْ قَعَدَ أو جَلَسَ إلى غَنِيٍّ فتَضَعْضَعَ له لِدُنْيا تُصِيبُه ؛ ذهب ثُلُثَا دِينِه ودَخَلَ النَّارَ }

(ضعيف الترغيب)

خدمة الوالدين تقربنا إلى الله
أي يجلس بين يدي قوي فيظهر له الضعضعة والمسكنة وكذا، ويخدمه، وهذه الخدمة لا تقربه، أما إنسان يخدم والديه فهذه خدمة تقربه إلى الله، إنسان يخدم دين الله هذه خدمة تقربه إلى الله، إنسان يخدم الحق والمعروف والخير في المجتمع هذه خدمة جيدة، أما أنه يخدم قويّاً أو غنيّاً بعيداً عن الله يرجو ما عنده، فهذه الخدمة لا تقربك إلى الله، ولا تنفعك لا بإصلاح دنياك ولا آخرتك، لأن صلاح الدنيا والآخرة لا يكون إلا بمنهج الله تعالى.

إضاعة القلب و الوقت أصل كل إضاعة :
إضاعتان، هما أصل كل إضاعة
ثم يقول: وهنا الآن ملخص الملخص، انظروا ابن القيم كلامه كل كلمة فيها عبرة، ثم يقول: "وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان، هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب، وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل؛ فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى، وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى، والاستعداد للقاء الله"، والله المستعان كما يختم.
القلب متى يضيع؟ إذا آثَر الإنسان الدنيا على الآخرة يضيع قلبه، آثَر الدنيا على الآخرة يضيع القلب، تعلق بالدنيا ونسي الآخرة، لكن متى آثر الآخرة على الدنيا فقلبه حيّ سليم، ومتى يضيع وقته؟ بطول الأمل.
والحمد لله رب العالمين