الهداية حقيقتها وأسبابها ومعوقاتها

  • محاضرة في الأردن
  • 2019-11-25
  • عمان
  • الأردن

الهداية حقيقتها وأسبابها ومعوقاتها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين..


أنواع الهداية :
1 ـ الهداية العامة :
أخواننا الكرام؛ ما منا أحدٌ إلا ومرّ بتجربة، قدم طلباً وانتظر جواباً، كلنا قدم طلباً من أجل سفر، من أجل تجارة، من أجل شيء، قدم أسبابه، الأسباب المُعينة على تحقيقه، حاول أن يبعد كل المعيقات، ثم انتظر الجواب على أحر من الجمر، فإن جاء الجواب بالقبول طار فرحاً، وإن جاء بالرفض امتعض وتغير وجهه، كلنا مرّ بهذه التجربة، هناك طلب يقدمه كلٌّ منا في كل يوم عشرات المرات، كل يوم، كلنا يقدم يومياً طلباً لكن قلة من الناس من تنتبه إلى تقديم الأسباب المعينة لتحقيق الطلب، وقلة منا من تبتعد عن المعوقات، وقلة من تنتظر الجواب على أحر من الجمر، الطلب نقدمه في الصلاة عندما نقول:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
(سورة الفاتحة: الآية 6)

الهداية لغة هي الدَّلالة
وتحدثنا عن سورة الفاتحة سابقاً، لكن أريد اليوم الطلب فقط، هذا الطلب عندما نطلب الهداية، نحن نطلب الهداية في كل يوم عشرات المرات، يا رب اهدنا، هذا طلب، هل قدمنا أسبابه؟ هل أزلنا المعوقات؟ هل انتظرنا الجواب؟ هذا السؤال {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الهداية لغة هي الدِّلالة أو الدَّلالة، يصح الأمران الدِّلالة أو الدَّلالة والبيان والإرشاد والتعريف، تقول: فلان هداني إلى الطريق الصواب، أرشدني إليه، دلني عليه، بيّن لي الطريق، عرّفني بالطريق، كلها معانٍ واحدة، هذا في الأصل الهداية هي الدِّلالة أو الدَّلالة والبيان والتعريف والإرشاد، أولاً: ما أنواع الهداية؟ كيف تكون الهداية؟ أنواعها: الهداية أربعة أنواع كما في القرآن الكريم، النوع الأول: يسميه العلماء الهداية العامة، ما معنى الهداية العامة؟ هذه ذكرها القرآن في آية رائعة جداً، وكل القرآن رائعٌ وجميل:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ
(سورة طه: الآية 49)

فرعون يسأل موسى عليه السلام ويسأل أخاه هارون {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ}؟

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ
(سورة طه: الآية 50)

لولا النور لا يوجد إبصار
هذه الهداية تشمل الإنس والجن، والحيوان والنبات، والجماد والبذرة في الأرض، ومن الذرة إلى المجرة، تشمل كل شيء، هذه هداية عامة {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} وليس خلَقهُ، أعطاه خَلْقَهُ أي خلقه على الصورة الأجمل، والتي تؤدي المهمة التي خُلق من أجلها، أحياناً إنسان يقول لك: والله دخلت لمكتب جميل جداً، لكنه ليس عملياً لا يؤدي المطلوب، مفتوح على بعضه، جميل لكنه ليس عملياً، لا يؤدي المطلوب، وأحياناً تقول: هذا المكان يؤدي المطلوب كمهمة لكن لا يوجد جمال، ربنا عز وجل أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ أي خلقه على أجمل صورة، ليؤدي مهمته التي خلق من أجلها، ثُمَّ هَدَىٰ، هداه إلى أن يؤدي هذه المهمة على الوجه التام والأصح، أي لو الإنسان بدأ من جسمه، مثال: العين؛ ربنا عز وجل هذه العين خلقها أعطاها صورتها الأجمل لتؤدي مهمتها في الإبصار، خلق لها وسطاً وهو النور، لأنه لولا النور لا يوجد إبصار، جعلها في علبة عظمية لتحميها، العين لها علبة، كل جهاز مهم في الجسم ربنا عز وجل وضعه في علبة، الدماغ مهم وضعه في الجمجمة، العين مهمة وضعها بالمحجر، رحم المرأة وضعه بالحوض، النخاع الشوكي بالعمود الفقري، القلب بالقفص الصدري، فالأعضاء النبيلة المهمة بالجسم لها علب {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} الآن خلق للعين أهداباً، خلق لها رموشاً، جعل فوقها حاجباً، جماليات ومهمات بألا يدخل غبار إلى العين، الآن وضع فيها ماء مالحاً، معقماً دائماً، الدمع مياه مالحة معقمة مستمرة، الآن لو إنسان سافر إلى ألاسكا، درجة الحرارة حوالي أربعين تحت الصفر يستطيع أن يلبس كل شيء يستر كل شيء بجسمه إلا عينيه، كيف لا يتجمد ماء العين؟ كأن الله أودع فيها مادة تمنع التجمد كما قال العلماء، لا يتجمد ماء العين، لأنها لو تجمدت يفقد بصره، أحياناً تكون الحرارة منخفضة لا يتجمد ماء العين، إذاً هذه العين أعطاها خلقها ثم هداها لتؤدي مهمتها في الإبصار.
القلب ينبض ثمانين نبضة في الدقيقة، لو أصبح هناك خوف يرتفع النبض إلى مئة وثمانين نبضة في الدقيقة، وجيب الرئتين، الكليتان، العظم، العظم ينمو ينمو ينمو، قال العلماء: كأن هناك خطاً وهمياً، شيئاً غير مفهوم يتوقف عن النمو، لو أنه ينمو دائماً كان الإنسان تعملق، عملاق، لا يتوقف النمو، الآن العظم توقف عن النمو بمرحلة معينة، وكأن هناك خطاً وهمياً، نسأل الله السلامة سقط الإنسان كسرت يده، تستيقظ الخلايا العظمية فوراً، والذي يجبر اليد ما عليه إلا أن يضع العظمتين أمام بعضهما فقط، أما الخلايا فهي تنمو وتعيد التجبير، تعود وتنمو من جديد بعد أن توقفت لسنوات وسنوات، {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} الجنين ينزل من بطن أمه لا يدرك شيئاً في الحياة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
(سورة الملك: الآية 23)

لا يدرك شيئاً في الحياة ينزل لكنه يعرف شيئاً واحداً وهو أن يستدل على مكان رزقه، يذهب إلى ثدي أمه ويحكم الإغلاق، ويسحب الهواء، فيأتيه الحليب الدافئ في الشتاء، والبارد في الصيف، هذا معنى {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}.
تهاجر الطيور عبر آلاف الكيلومترات
الطيور في السماء في جو السماء تهاجر من مناطق بعيدة إلى مناطق أُخرى، تقطع أحياناً آلاف الكيلومترات في هجرتها، في هذه الهجرة الطويلة لو أن الطير غير مجراه جزءاً من ميلي بالحركة لجاء في بلد آخر، لكنه يأتي إلى حيث هاجر، سمك السلمون يعود إلى مكان ولادته ليموت حيث ولد، أي لو ذهبنا نعدد حالات الهداية العامة لا ننتهي لا بهذا الدرس، ولا بدروس أُخرى، لأن كل شيء في الحياة ربنا أعطاه خلقه ثم هدى، أي هداه إلى أن يحقق الوظيفة التي خلق من أجلها:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ
(سورة الجاثية: الآية 13)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
(سورة النحل: الآية 18)

هذه اسمها الهداية العامة، الإمام الآلوسي في تفسيره له ومضة جميلة جداً قال: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} أعطى الهدى معنى ثانياً، قال: هدى أي جعل كل شيءٍ دليلاً على وجوده جل جلاله، أي هداك به، أعطاه خلقه ثم هداك به:
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ ***
{ لبيد بن ربيعة - شاعر جاهلي قد أسلم }
المشيمة تربط الجنين بأمه
فأنت هذه الآيات التي الآن أبحرنا فيها هداك الله بها إليه، فأنت تنظر في هذا الجنين الذي يرتبط بهذا الحبل السري فيهديك الله به، بالمشيمة التي تربط الجنين بأمه هذه المشيمة القرص اللحمي في داخلها غشاء سماه العلماء بالترجمة الغشاء العاقل، قال: لأنه يقوم بأعمال يعجز عنها الأطباء ولو أنها وكلت إلى أمهر الأطباء في الأرض لمات الجنين بعد ساعات، هذا الغشاء العاقل الشفاف يقوم بعمليات تبادل ينقل عوامل المناعة من الأم للجنين، ويحول الهواء، وينقل الغذاء من الأم ويعطيه للجنين، يقوم بأعمال يعجز عنها الأطباء {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}، هذه الهداية العامة.

2 ـ هداية الدِّلالة أو التعريف أو الإرشاد :
النوع الثاني من الهداية قال: هو هداية الدِّلالة أو التعريف أو الإرشاد، المعنى الذي تكلمنا عنه في البداية هداية الدِّلالة، بأن الله تعالى قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
(سورة الإنسان: الآية 3)

هذه هداية الدِّلالة، دلك على الطريق، قال لك: هذا طريق الخير وهذا طريق الشر، هذا طريق الحق وهذا طريق الباطل، قال :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
(سورة الشمس: الآية 7-8)

بعض الناس يفهمون الآية خطأً فيسيئون الظن بالله، يفهمون {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي هو جعلها فاجرة أو جعلها تقيةً، أي خلق فيها الفجور والله تعالى تعالى عن ذلك {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، أي جعلها إن فجرت تعلم أنها فجرت آلياً وذاتياً، وإن اتقت تعلم أنها اتقت آلياً وذاتياً، أي لو أن إنساناً ذو فطرةٍ سليمة أخطأ يقول لك: لم أنم الليل لأنني ظلمت إنساناً، فألهمه الله فجوره، قال: هذا فجور ألهمه إياه، وألهمها تقواها بمعنى أنها حينما تحسن يقول لك: والله أسعدت إنساناً وانتشلته من مشكلة، من ضياع، من فقر، من مرض، فبقيت أشهراً وأنا منتشٍ بهذا العمل الصالح {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي دلها على طريق الخير، وعلى طريق الشر، بهذا المعنى لم يكتف ربنا عز وجل بهذه الهداية بالنفس أي بمعنى أن النفس تدلك آلياً والعقل يدلك، لا، بعث المرسلين:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا
(سورة الإسراء:الآية 15)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ
(سورة فاطر: الآية 24)

العقل يقود إلى الصواب
فربنا عز وجل هداية الدِّلالة أولاً بالنفس {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، ثانياً: بالرسل وبالكتب، فبعث الرسل، وأنزل الكتب، فالقرآن هداية دلالة، وهداية بيان وإرشاد وتعريف، والكون هداية دِلالة وإرشاد وبيان وتعريف، والنفس هداية دِلالة، والعقل هداية دِلالة، لأن العقل يقود إلى الصواب، لو كان مجرداً ليس عقلاً تبريرياً، لو كان العقل كما خلقه الله يقود إلى الصواب، يقول لك: هذا الطريق طريق المعصية طريق سيئ جداً يودي بك في الدنيا والآخرة، فالعقل يهدي إلى الصواب، والفطرة تهدي إلى الصواب، والشرع يهدي إلى الصواب، والكون يهدي إلى الصواب، والرسل يهدون إلى الصواب، ومن بعدهم العلماء الربانيون يعلموننا ديننا، ويهدوننا إلى الصواب، هذه هداية الدِّلالة أو التعريف أو الإرشاد.

3 ـ هداية التوفيق :
الهداية الثالثة: أصبح عندنا هداية عامة، وهداية دِلالة، الثالثة: هداية التوفيق، هذه لا يملكها لا نبيٌّ مرسل ولا ملكٌ مقرّب، هذه لله تعالى وحده:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ
(سورة القصص: الآية 56)

هذه بيد الله وحده التوفيق، يوفق الإنسان فيهديه إلى الصراط المستقيم، لذلك نطلب منه الهداية، نطلب منه هداية الدِّلالة ثم هداية التوفيق، كيف نوفق بين قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} وقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
(سورة الشورى: الآية 52-53)

أنت مخيّر
هنا يقول: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} والآية الثانية يقول: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) هداية الدِّلالة التي تكلمنا عنها، (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) هداية التوفيق، فأنت تهديه بمعنى أنك تدله، لكن لا تملك أن تجبره على المسير في الطريق الصحيح، أنت تدله فقط، هذه (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) فنبينا صلى الله عليه وسلم يهدينا بأنه يدلنا على الطريق الصواب، ولكنه لا يهدي من لا يريد الهداية، هداية التوفيق يفهمها البعض خطأً بأنها إجبار، حاشا لله، عقيدة الجبر عقيدة سيئة جداً شلت حركة الأمة، لما جِيءَ لسيدنا عمر بشارب الخمر قال له: لم شربت الخمر يا هذا؟ قال: إن الله قدّر عليّ هذا، أي الله لم يأذن لي بأن أتوب، ليهديني الله أتوب، فسيدنا عمر غضب قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله الكذب، ثم قال له: يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخير، فترتيب الأمر أن الله تعالى هداك فتح لك طريق الهداية، هذا طريق حق، هذا طريق باطل، الآن أنت اندفعت، انبعثت فقط إلى طريق الحق فمن يهديك إليه توفيقاً؟ الله، والثاني نسأل الله السلامة انبعث إلى طريق الباطل فمن يسيره في طريق الباطل؟ الله تعالى، فالفعل فعله جل جلاله، لكن الانبعاث منك أيها الإنسان، أنت يهديك الله، فإما أن تهتدي فيهديك، أو لا قدّر الله تبتعد عن الهداية فيضلك، فالفعل فعله، والخيار خيارك، أي هداية التوفيق لا ينبغي أن نفهمها بأنه يا أخي النبي صلى الله عليه وسلم لا يهدي من أحب، اتركها لربنا عندما يريد أن يهديه يهديه، هذا كلام حق أُريدَ به باطل، هو جل جلاله يهديه متى شاء، نعم، لكن هل انبعث الإنسان إلى الهداية أم لم ينبعث؟ هذا موقفك أنت، فإذا انبعثت إلى الهداية هداك، وإذا انبعث غيرك نسأل الله السلامة إلى الضلال أضله، لأنه مختار، ولا يتحقق الاختيار إلا بذلك:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
(سورة يونس: الآية 99)

لا تُكره أحداً:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
(سورة البقرة: الآية 256)

هذه هداية التوفيق من الله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ
(سورة الأعراف: الآية 43)

حتى النبات هداه الله
هذه هداية التوفيق، إذاً ثلاثة أنواع للهداية، الهداية العامة {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} هداية الدِّلالة للمكلفين فقط، الهداية العامة لكل المخلوقات حتى النبات، من الذي هدى الجذور أن تنزل إلى الأسفل والساق أن يخرج إلى الأعلى؟ الله جل جلاله، من الذي جعل النسغ الناقص تضع ماء يصعد الماء للأعلى كيف؟! من هداه إلى طريقه حتى يصل للأوراق؟ ربنا جلّ جلاله، التركيب الضوئي، كله هداية من الله، حتى النبات هداه الله، هدايةً عامة، أما هداية الدِّلالة هي للمكلف فقط، الملائكة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
(سورة التحريم: الآية 6)

والنبات غير مكلف، والحيوان غير مكلف، من (هداه) الإنس والجن، هذه (هداه) هي هداية الدِّلالة، دله على الطريق الصواب والخطأ، أعطاه عقلاً، أعطاه فطرةً، بعث له نبياً، أنزل له كتاباً، هذه هداية الدِّلالة، هداية التوفيق لمن انبعث إلى هداية الدلالة الذي استجاب تأتي هداية التوفيق، ويأتيه الله تعالى يوفقه إلى الطريق الذي اختاره، هذه الثالثة.

4 ـ هداية الآخرة :
الهداية الرابعة فقط للمؤمنين يوم القيامة
الهداية الرابعة ليست في الدنيا هذه فقط للمؤمنين يوم القيامة، اللهم اجعلنا منهم يا رب، هذه هداية في الآخرة، هداية في الآخرة انظروا ربنا عز وجل قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ
(سورة الحج: الآية 24)

هذه في الدنيا هداك الله إلى الطيب من القول، لا تنطق إلا بقولٍ طيب، بقولٍ أحسن، بقولٍ حسن:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا
(سورة البقرة: الآية 83)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ
(سورة الحج: الآية 24)

{وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ} في الآخرة، هداك الله إلى الطيب من القول في الدنيا، وهُديت إلى صراط الحميد يوم القيامة، الصراط الذي سيمشي عليه الناس جميعاً يوم القيامة فينجو من ينجو، ويسقط في النار من يسقط، فالله تعالى يهدي عبده يوم القيامة إلى الصراط الذي ينجو به من فوق النار كما قال علماء التفسير، هذا الحديث يوضح:
في القنطرة تصفية حسابات
(يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: إذا خَلَصَ المؤمنون من النار- أي نجوا، نسأل الله السلامة- آخر رجل يدخل الجنة يعبر على الصراط تسفعه النار مرةً، ويكبو مرةً- في الجامعة عندنا في دمشق حد علامة النجاح خمسون درجة، فيعطى لبعض الطلاب الذين يأخذون في المادة ثمان و أربعين علامتي مساعدة للوصول للخمسين لينجحوا في المادة، يقول له: ما هذا النجاح؟ يقول له: ثمان و أربعون زائد درجتين، هاتان العلامتان تعطيان للطالب آخر شيء، فهذا الرجل يبدو أنه ثمان و أربعون زائد درجتين فيكون آخر شخص أي ينزل ويصعد شحطاً، هذا ناجح بالمساعدة، هذا الرجل قال إذا نجّاه الله، انظروا من شدة فرحته- فإذا نجاه الله تعالى ينظر إلى النار خلفه تحت الصراط فيقول: تبارك الذي نجاني منك، الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين من خلقه، تبارك الله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين من خلقه- أخذت النجاح أي بالنسبة له أعظم عطاء، الآن بعدما نجا هؤلاء من النار قال- يُحبس المؤمنون بعد عبورهم للصراط على قنطرة- مازال هناك قنطرة، وليست الجنة وانتهى الأمر، هناك قنطرة، قنطرةٍ أخرى، لماذا؟ قال: يتقاصّون من مظالم كانت بينهم، هؤلاء عندهم بعض المظالم لكنها لا توقعهم في النار، لكن هناك قنطرة، وهذه القنطرة بعد الصراط، هذه هنا للتقاص، لك معي ولي معك، ننهي الحسابات كلها، لأن الجنة عطاء كبير جداً لا يدخلها إلا من نُقي وهُذب، فيجب تصفية الحساب، فتتم تصفية الحساب في القنطرة، هؤلاء الناجون مازال أمامهم حساب في القنطرة- قال: وبعد ذلك حتى إذا هذبوا ونقوا انطلقوا إلى الجنة- الآن موطن الشاهد- انطلقوا إلى الجنة، قال: والذي نفس محمدٍ بيده - صلى الله عليه وسلم- لأحدهم - أحد هؤلاء الناجين- أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا- أي الآن بعد أن ينتهي هذا اللقاء كل واحد فينا سوف يذهب لبيته، هل يوجد أحد ينظر إلى الذي بجانبه ويقول له: أين بيتنا؟ لا أحد يفعلها، أي أكثر مكان تعرفه هو بيتك، أنت أهدى إلى بيتك من أي مكان، ربما تدل أحداً ويقول لك: أرسل لي اللوكيشن، أما موقعك فلا تستطيع أن تقول لزوجتك: أرسلي إلي اللوكيشن، ارجع إلى البيت لأنك أنت تعرف منزلك، فأنت يوم القيامة يهديك الله تعالى إلى منزلك في الجنة، فأنت تعرفه وتتجه إليه أكثر من معرفتك لمنزلك في الدنيا.

{ عن عبد الله ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، ويَكْبُو مَرَّةً، وتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فإذا ما جاوَزَها التَفَتَ إلَيْها، فقالَ: تَبارَكَ الذي نَجَّانِي مِنْكِ، لقَدْ أعْطانِي اللَّهُ شيئًا ما أعْطاهُ أحَدًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ }

(صحيح مسلم)

{ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا }

(صحيح البخاري)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ
(سورة محمد: الآية 6)

هداية الآخرة
يعرفها لك، هنا مكانك، هنا بيتك تذهب إليه لوحدك بقدرته جل جلاله، فهذه هداية الآخرة أن يُهدى الإنسان للنجاة من الصراط، ثم للنجاة في القنطرة، ثم يذهب إلى منزله الذي يعرفه في الجنة، ويُعَرِّفُهُ الله له، فيذهب إليه، فيهديه الله إلى مكانه في الجنة، هذه هداية الآخرة.

هداية أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار :
إذاً نحن عندنا أربع هِدايات: هدايةٌ عامة، وهداية دِلالة، وهداية توفيق، وهدايةٌ في الآخرة.
بالمقابل نسأل الله السلامة حتى الكفار يُهدون يوم القيامة: لكن هذا يسمونه تَهَكُّماً في اللغة العربية، قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
(سورة الصافات: الآية 22-26)

اهدوهم دلوهم، قل له من هنا الطريق إلى جهنم فوراً، {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} ثم يقول تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ}، قفوا مع بعضكم، كنتم في الدنيا على الإعلام يخرج الإعلامي يدافع ساعة عن المجرمين، الآن {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} لا أحد ينصر أحداً، فيهدى إلى جهنم وبئس المصير، أما المؤمن فيهدى إلى منزله في الجنة، فهو أعرف به من منزله في الدنيا، نسأل الله أن يجعلنا منهم، هل من يذهب إلى جهنم يعرف مكانه؟ لم يرد أنه يعرف مكانه، لأنّ معرفة المكان نوع من أنواع الإكرام، أما عندما يذهب إلى جهنم فهذا طائش لا يعرف إلى أين ذاهب، ولكن في النهاية إلى جهنم.
هذه أنواع الهداية وهي الأهم في هذا اللقاء، لأن فهمها يؤدي إلى فهم صحيح لهذه القضية المهمة في الدنيا، نحن كما قلت نقدم طلباً يومياً {اهْدِنَا} هذه هي الهداية: هداية الدِّلالة والتوفيق، لكن كما قلت في البداية الإنسان عندما يقدم طلباً يقدم أسبابه، يقول لك: تكلمنا مع فلان ومع فلان ويفتح هاتفاً أو على الأقل يقدم الأوراق الثبوتية كاملة، إذا كان البلد لا يحتاج إلى الواسطات، يقدم الأوراق الثبوتية كاملة، ويقول لك: أوراقي جيدة أستطيع أخذ فيزا، فالطلب يرفق بما يدعمه.

الإيمان تصديق و إقبال :
القرآن الكريم يتحدث عن أسباب الهداية انظروا إلى بعض الآيات قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
(سورة التغابن: الآية 11)

فأنت قبل أن تطلب الهداية من الله هل أنت مؤمن إيماناً حقيقياً بالله؟ الإيمان شيئان تصديقٌ وإقبال، تُقبل على الله ثم تطلب منه الهداية، قف بين يديه بخشوع وقل: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فالإيمان بالله سبب من أسباب الهداية، الإيمان العميق بالله سبب من أسباب الهداية، أيضاً قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
(سورة آل عمران: الآية 101)

تمسك بحبل الله تعالى
فتمسك بحبل الله تعالى لا تذهب بعيداً، تمسك بحبل الله عز وجل دائماً، اعتصم به، أما أن يعتصم الإنسان بكل إنسان من أهل الأرض وينسى أن يعتصم بالله ثم يطلب الهداية، فأنت تقول له: {اهْدِنَا} فهل أنت معتصم به؟ متمسك بمنهجه؟ بدينه؟ يجب أن تسعى، وفي الحديث الصحيح كما يقول صلى الله عليه وسلم:

{ ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط- انظروا إلى الروعة في الأمثال النبوية- ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران- طريق يحده سُورَان- فيهما أبوابٌ مفتوحة- مفتوحة أبواب على السُّورَين- وعلى الأبواب سُتُورٌ مُرخاة- أي قماش مرخي، برداية، أنت لا تعرف ما وراءه ولكن هناك باب مفتوح ويجب أن تبعد الغطاء- ستورٌ مرخاة، وعلى رأس الصراط بأول الطريق، داعٍ يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً -هنا الطريق المستقيم تعالوا ادخلوا، الكل مسموح له أن يدخل، ادخلوا الصراط جميعاً- ولا تتعوجوا- لا تذهبوا يميناً وشمالاً، ابقوا على الصراط- وداعٍ آخر فوق الصراط يقول: ويحك ويحك- هذا يقف عند الأبواب- ويحك ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تَلِجْهُ- أي هنا لا تفتح الباب، المعصية لها وهج، أي إنسان اسأله أنت كيف وصلت بمعصية إلى هنا؟ يقول لك: والله ما كنت أنوي، بدأنا على أساس أنه لا يوجد بها شيء هذه المعاملة، وأكملنا وكذا أصبح نصاباً ومحتالاً كبيراً، والثاني والله لم أكن أنوي الزنا لكن جلسنا معها نظرةٌ فابتسامةٌ فخلوةٌ فموعدٌ فلقاءُ، فلها وهج، فماذا يقول هذا الداعي: لا تفتحه إنك إن تفتحه تلجه، دع المعصية مغلق عليها، ابق على الصراط لا تذهب يميناً وشمالاً- إنك إن تفتحه تلجه، يقول صلى الله عليه وسلم- الآن يحلل المثل - أمّا الصراط فهو الإسلام، والسوران حدود الله- طريق واسع، انظروا الصراط طريق واسع، أي لم يضعك في طريق ضيق ربنا عز وجل، بهذا الطريق الواسع ماذا تحب أن تشرب؟ تريد مانجو، أناناس، أفوكادو، تضع نوعين مع بعضهما رمان مع غوملي لا يوجد مشكلة، عندك مليون نوع، ولكن قال لك: هناك حدود، وهناك أنواع من الشراب ممنوع، الخمر ممنوع، المسكر والمفتر ممنوع، تريد لحوماً هناك لحوم كثيرة، ولكن هناك لحوم محرمة، فالصراط واسع لكن له حدود آخر شيء يوجد مكان، تريد امرأة هناك زوجة، وهناك زوجات، لكن هناك آخر شيء حدود، هذان السوران هما حدود الله تعالى فلا تعبروهم- قال: فأما السوران فهما حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله- هنا يوجد حرمات ممنوع تدخل - والداعي على رأس الصراط هو كتاب الله - الذي يقول تعالوا جميعاً هو كتاب الله، افتح كتاب الله يقول لك: هذا الصراط المستقيم لا تبتعد عنه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} - (سورة الأنعام: الآية 153) - بقي عندنا الداعي الثاني الذي فوق الصراط - قال: والداعي فوق الصراط - واعظ الله في قلب كل مسلم }

(رواه أحمد والحاكم)

هناك شيء في داخلك يقول هذا معنى قوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ
(سورة الحجرات: الآية 7)

فهناك واعظ في داخلك يقول لك: انتبه هذا لا يجوز، هذا يؤدي إلى المهالك، هذه الفطرة واعظ الله في قلب كل مسلم، قال لي أحدهم ذهب إلى بلد ولكن لا أدري أين، ولكنهم على ما يبدو هم بارعون بالإعلانات فوضعوا له على السرير: إن لم تنم فهذا ليس من فرشنا إنها وثيرة ولكن من ذنوبك إنها كثيرة، فإذا لم تستطع أن تنام فالحق عليك نحن فرشنا خمس نجوم، هذا واعظ الله في قلب كل مسلم، الفطرة السليمة التي تقول لك:

{ الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ }

(رواه مسلم)

هذه الفطرة، قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
(سورة الروم: الآية 30)

أنت مبرمج على حب المنهج الإلهي
أي إقامة وجهك للدين حنيفاً هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فأنت مبرمج على حب المنهج الإلهي، أي خلقك تحب الصدق، وأمرك بالصدق، تقول لي: لماذا نعصي إذاً؟ لأن هناك طبعاً، سأضرب مثلاً: ربطت منبه الجوال للاستيقاظ على صلاة الفجر، رنَّ المنبه، الشرع يقول لك: قم إلى الصلاة، الفطرة تقول لك: قم إلى الصلاة، الطبع يقول لك: ابق في الفراش فإنه دافئ أريح لك، الآن إن استجبت لنداء الطبع وتركت نداء الشرع والفطرة تريح جسدك، تنهض في الصباح وأنت نائم ساعة زيادة، لكنك تزعج نفسك وتقول: أنا منزعج كل النهار لأني لم أصل الصبح اليوم، هذه الفطرة، فإن قمت واستجبت لنداء الشرع ونداء الفطرة أتعبت جسدك قليلاً وأرحت نفسك، فالطبع هو الحالة الجسمية، أما الفطرة فهي الحالة النفسية، والإنسان كلما ارتقى يلبي حاجاته النفسية قبل أن يلبي حاجاته الجسمية، يقدم حالة النفس يقول لك: أنا دعني مرتاحاً ولا أريد هذا المال من مصدر حرام، صحيح أنا سأتوسع قليلاً إذا أخذت المال، وأبدل أثاث البيت، ولكنني سأبقى منزعجاً، لا، دعني أريح نفسي، فكلما ارتقى الإنسان يذهب إلى الفطرة، وكلما قلّ رقيه يذهب إلى الطبع، هذا الطبع والفطرة والتكليف، الآن قال: والداعي الذي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم.

الأمور التي تعين على الهداية :
الصحبة الصالحة تعين على الهداية
من الأمور التي تعين على أسباب الهداية الصحبة الصالحة، أي هذا المجلس يُعين على الهداية، هذا المجلس إن شاء الله يعين على الهداية، لأن هذه المجالس تتنزّل فيها الرحمات، وما جلس قومٌ مجلساً يذكرون الله فيه أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نزلت عليهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده.

{ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ }

(رواه مسلم)

نحن نستشعر أن الله معنا الآن، نسأل الله أن نكون أهلاً لذلك، أن يذكرنا الله فيمن عنده من الملأ الأعلى، أن هؤلاء عبادي جلسوا من أجلي متحابين، فما يجمعهم شيء إلا حب الله تعالى، فهذه المجالس والصحبة الصالحة.
أخ مؤمن على صلاة الفجر، أخ يتابع معك، تسأله يسألك، تتفقد إيمانه يتفقد إيمانك، كان الصحابة يقول أحدهم للآخر: اجلس بنا يا أخي نؤمن بربنا ساعة، جلسة إيمان، جلسات الدنيا كثيرة، لكن جلسة الإيمان نؤمن بربنا ساعة، أما يوم القيامة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
(سورة الزخرف: الآية 67)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
(سورة الفرقان: الآية 28-29)

فالصحبة الصالحة مما يعين على ذلك، وآخر شيء مما يعين على الهداية المجاهدة، قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
(سورة العنكبوت: الآية 69)

مجاهدة النفس عملية شاقة
المجاهدة هنا مجاهدة النفس، الجهاد أنواع: هناك جهاد قتالي في ساحة المعركة، وأنا أقول: مرة ألقيت خطبة هنا في عمان عنوانها: كلمةٌ مظلومة، فقلت: والله لا أعلم كلمةً ظلمها المسلمون وظلمها أعداء المسلمين كما ظُلمت كلمة الجهاد، ظُلمت الكلمة، من بعض مظالمها التي ذكرتها أنها قُصرت على الجهاد القتالي، ومن بعض مظالمها أن الإرهاب ألصق بها، ومن بعض مظالمها أننا أصبحنا نخاف منها، وألغيناها من منهجنا، ذكرت المظالم كلها، لكن من بعض المظالم لكلمة الجهاد أنها قصرت فقط على أنها جهاد في أرض المعركة، وهذا من أعلى أنواع الجهاد، وهو ذروة سنام الإسلام، لكن يوجد تعليم أساسي وتعليم ثانوي، التعليم الأساسي {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وهناك كلمة جاهد تشاهد، أي تشاهد من البركات والخيرات بهذا المعنى، فأنت عندما تجاهد هواك ونفسك، لعله ورد عن بعض الصحابة وهذا ليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن ورد موقوفاً، كانوا يقولون: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى" لأن مجاهدة النفس عملية شاقة، هي تريد شيئاً وأنت تريد أن تحملها على شيء، هذه المجاهدة تؤدي إلى الهداية، يقول ثابت البناني وهو من السلف الصالح، لا أدري إن كان من التابعين أو من تابعي التابعين، يقول: تعذبت بالصلاة عشرين سنة ثم تنعمت بها عشرين سنة، وهو من هو؟ يقول: أنا عشرون سنة وكأن حالي يقول: لابد أن أصلي، ويؤجر على ذلك، لكن ثم تنعم بها عشرين سنة بعد أن حصلت الصلة بينه وبين الله، فأصبح الوقوف بين يدي الله ليس تكليفاً بقدر ما هو يشعر به على أنه تشريف لأنه يقف بين يدي الله، فلابد من المجاهدة:
وجاهد النفس والشيطان واعصهمـــا وإن هما محضاك النـصح فاتهــم والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِـــم ***
{ البوصيري }
إذاً المجاهدة تؤدي إلى الهداية، فلابد للإنسان أن يجاهد نفسه وهواه، وأن يدفع نفسه إلى الخيرات والبركات، ليفتح الله عليه إن شاء، هذا موضوع الهداية بشكل عام.

معوقات الهداية :
الظلم عائقٌ بينك وبين الهداية
كنت أريد أن أقول المعوقات، فقط أقول عناوينها، المعوقات، إن الله لا يهدي القوم الظالمين، لا يهدي القوم الفاسقين، لا يهدي القوم الكافرين، هو لا يهديهم، لكن لماذا؟ بسببٍ منهم، فالظلم عائقٌ بينك وبين الهداية، الظلم الداخلي، نحن نقول: اللهم ارفع ظلم الأعداء عنا، اللهم ارفعه، لكن نحن هل رفعنا الظلم الذي بيننا؟ الظلم الاجتماعي، الأخ لأخته، الظلم في الميراث، الظلم في الحقوق، هذا قبل، فإذا ظلم الإنسان كأنه وضع عائقاً بينه وبين هداية الله لأنه سار في طريقٍ آخر، وإذا كفر - طبعاً هذا الكفر هو الإعراض- ابتعد عن طريق الهداية، وإذا فسق، ليس الفسق من عصى وتاب، مازال ضمن طريق الهداية، لكن لا يهدي القوم الفاسقين الذين أعرضوا عن المنهج بشكل كامل، أطلق لنفسه العنان يفعل ما يشاء، يقول لك: ربنا ما أذن لي بالهداية بعد، كيف الله لم يأذن بالهداية؟ أنت ما انبعثت للهداية فما هداك الله، انبعث إلى الهداية، قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
(سورة الأنعام: الآية 148)

الذي يقول: لو شاء الله ما أشركت هذا كذاب، لأنه يستخدم القضاء والقدر استخداماً مغلوطاً، نعم قضاء الله نافذ، ونعم الهداية بيده، ونعم الإضلال بيده، ولكن أنت لك ما كسبت وعليك ما اكتسبت، تنبعث وتكسب وتكتسب، وكله بيد الله تعالى أولاً وأخيراً.
والحمد لله رب العالمين
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك