الشرك، معناه، وأنواعه

  • محاضرة في الأردن
  • 2020-02-17
  • عمان
  • الأردن

الشرك، معناه، وأنواعه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.

السؤال واجبٌ على المؤمن
في حديثنا عن قصة معاذ بن جبل مع النبي صلى الله عليه وسلم تكلمنا عن التوحيد بعض الشيء وعن الشرك فتمنى عليّ أخٌ كريم أن نغوص في الموضوع بشكل أكثر لأننا بحاجته، وفعلاً أصاب فيما اقترح، فأنطلق من هذا اللقاء من فقه سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كما في صحيح البخاري يقول: حذيفة كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني،

{ يَقُولُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ }

(صحيح مسلم)

هذا فقه يعني أن يسأل الإنسان عن الأشياء التي قد تسوءه حتى في دنياه، يعني لا يكون كمن يضع رأسه في الرمال، يسأل عما يسوءه وقد قيل:
عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَرِ لَـــكـــِن لِتَوَقّـــيــــــهِ وَمَـن لَم يَعرِفِ الشَـرَّ مِنَ الخَيرِ يَقَع فيـــــــهِ
{ أبو فراس الحمداني }
فينبغي للإنسان كما يسأل عن الخير أن يسأل عن الشر وعن الأشياء التي يمكن أن تعبث بإيمانه أو أن تخرمَ إيمانه أو مروءته فيسأل عن كل ذلك هذا فقه سيدنا حذيفة رضي الله عنه.

توضيح بعض المصطلحات
مصطلحات في كتاب الله عز وجل
أخواننا الكرام: الشرك هو سؤال عن شيء نخشى أن نقع فيه نسأل الله العافية جميعنا إن شاء الله موحدون، لكن نخشى من الشرك الأصغر كما سيأتي الحديث عنه، قبل أن أتحدث على الشرك أريد أن أوضح هو قضية المصطلح في الشريعة وفي العقيدة مهم جداً، لأن توضيح المصطلحات يؤدي إلى فهم العقيدة بشكل صحيح، فنحن نستمع إلى المصطلحات، يقول: الكفر، الإيمان، الإحسان، التقوى، النفاق، الشرك، المعصية، الفجور، الفسق، فهذه مصطلحات موجودة في كتاب الله عز وجل، فكيف استخدمها القرآن الكريم؟ سأوضح بعض المصطلحات حتى نعرف موقع الشرك بين هذه المصطلحات.
الكفر: أخواننا في الأصل لغةً هو الغطاء أو التغطية، الكفر لغةً هو الغطاء، شرعاً هو ما يشابه الغطاء وهو التكذيب والجحود والإعراض والاستكبار كما فعل إبليس (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ)

إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ
(سورة البقرة: الآية 34)

الاستكبار والإباء عن الطاعة، التكذيب، الجحود، فالكفر في الأصل هو التكذيب، يأتيه حكم شرعي فيكذبه يقول: إن الله لم يفرض الصلاة، أو يستهزء بالصلاة، فكأنه كذبها أو يأتيه حكمٌ ثابتٌ في الشريعة بحرمة الزنا فيكذب الحكم لا أقول يزني والعياذ بالله لكن الأشد منه أنه يكذب في الأصل فيقول هذا ليس حراماً ولا يعبأ بالحكم يكذبه يأبى يستكبر كل هذا يندرج تحت الكفر.
النفاق: هي حالة يظهر الإنسان فيها الإيمان ويبطن الكفر، لذلك القرآن الكريم في الآيات الأولى من سورة البقرة تحدث عن المؤمنين ببضع آيات، بآيات قليلة وتحدث عن الكافرين أيضاً بآيتين ثم أفاض في الحديث عن المنافقين لأن المنافق ليس إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فيغشك ودخوله في الصف المسلم مزعج جداً لأنه يظهر شيئاً ويُبطن شيئاً فأفاض القرآن الكريم في الحديث عن النفاق، والله تعالى يقول:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
(سورة النساء: الآية 145)

يعني تحت الكافرين، لأن الكافر واضح، يعني واضح مع الصف المؤمن، أنا أكذب وأعرض، نسأل الله العافية، لكنه هو يفعل ذلك يكذب ويعرض فهو واضح، والمؤمن واضح، أما المنافق فهو مذبذب بين هؤلاء، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هذا النفاق مثلاً.
الفجور هو التوسع في المعصية والمجاهرة بها
الآن هناك ثلاثة مصطلحات متقاربة نسمعها الفجور، الفسق، المعصية، الفجور هو التوسع في المعصية والمجاهرة بها، فالعياذ بالله يقال للفاجر فاجراً إذا توسع في المعاصي، يعني والعياذ بالله، زنا على شرب خمر مع إطلاق لسان في المحرمات ويفعل ذلك جهاراً نهاراً أمام الناس يفجر بمعصيته فهذا والعياذ بالله فاجر، أما الفسق فهو في الأصل: فسقت الرُطب خرجت القشرة، ترى أحياناً رطبة فاسقة لكن ليس بالمعنى الشرعي بالمعنى اللغوي قشرتها خرجت عنها، الرطب، فهذا هو الفسق فهو الخروج عن المنهج وغالباً ما يكون هذا الخروج عن المنهج بالكبائر لا يفجر لكنه يفعل بعض الكبائر فيخرج عن منهج الله تعالى، فالفسق يطلق على الفاسق وهو الذي خرج عن المنهج بالكليَّة هو لا يكذب ولا يعرض ولا يأبى ولا يستكبر يقول: أنا مسلم لكنه غير مطبق للمنهج فهو فاسق (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لأنهم خرجوا عن المنهج بكليتهم.

إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
(سورة المنافقون: الآية 6)

الفسق هو خروج عن المنهج
أما العاصي والمعصية: المعصية هي ارتكاب الصغائر والذنوب، في الأعم الأغلب الذنوب والصغائر ليست خروجاً،هو على المنهج هو على الخط لكنه يعصي ولكنه ضمن المنهج فيقال: مؤمنٌ عاصٍ، لكن لا يقال: مؤمن فاسق، لأن الفسق هو خروج عن المنهج ولا يقال والعياذ بالله مؤمن فاجر لا يجتمعان، أما المؤمن مع المعصية فالإيمان مع المعصية يجتمع يقول والله أنا مقصر في هذا الأمر يعني أفعله وأعلم أنه حرام وأسأل الله أن يتوب عليّ، لكنني يعني ضمن رحمة الله وعلى منهج الله، فهذه هي المعصية، إذاً هذه المصطلحات التمييز بينها مهمٌّ جداً من أجل فهم موضوعات العقيدة، لو جئنا إلى الشرك وهو موضوع لقائنا هذا.

تعريف الشرك
الشرك في اللغة: هو التسويةُ بين شيئين، فإذا سوّيت بين شيء وشيء آخر فقط أشركتهما في الحكم أو في النظرة فنظرت إليهما النظرة نفسها، فأشركتهما في الحكم نفسه، فهو التسوية بين شيئين، هذا في اللغة.
الرحمة هي صفة جعلها الله في قلب البشر
أما في الشريعة فهو المعنى اللغوي نفسه لكن بمعنى خاص وهو تسوية غير الله تعالى بالله تعالى فيما هو من خصائصه سبحانه وتعالى، أن تسوي الله بشيءٍ من خلقه، فيما هو من خصائص الخالق جل جلاله، يعني لو قال إنسان: فلان رحيم فهذا لم يشرك لأن الرحمة في الأصل هي صفة جعلها الله في قلب الأم وجعلها في قلب الأب وجعلها بين الناس يتراحمون وجعلها أيضاً عند الحيوانات حتى ترفع الدابة حافرها عن وليدها خشية أن تصيبه، فهو لم يسويّه بشيءٍ من خصائصه جل جلاله، أما لو قال: فلان صمد الحاجات كلها إليه، هذا شرك، لأنه سوى الله تعالى مع خلقه في شيءٍ من خصائصه سبحانه وتعالى، أو قال: فلان ينزل الأمطار أو يخلق أو يحيي أو يميت فهذه خصائص الله تعالى، فمن سوى بين الله تعالى وخلقه في شيء مما يخصه سبحانه وتعالى فقد أشرك، حتى الأسماء الحسنى هناك أسماء تطلق على البشر مثل لطيف ورحيم أما مثلاً رحمن هي صفة الخالق جل جلاله فهو رحمنٌ في ذاته رحيمٌ في أفعاله، فالرحمن لا تطلق على البشر مثلاً، حتى في الأسماء الحسنى لا ينبغي أن يشرك الله عز وجل مع شيء من مخلوقاته، فهذا الشرك لغةً وشرعاً، كل شيء بالتسوية بين الله وخلقه سواءً بالتدبير أو بالدعاء أو بالخلق أو بالإماتة أو بالإحياء أو بالصلاة لغير الله يعني كما يفعل بعض المشركين هذا كله يندرج تحت مفهوم الشرك، هذا المعنى الشرعي.
أما بالمعنى الخاص غالباً ما يطلق الشرك في القرآن الكريم على من يتخذ لله نِدَّاً يدعوه كما يدعو الله ويسأله كما يسأل الله ويحبه كما يحب الله تعالى، أن يتخذ نِدَّاً لله، يعني يجعله في مرتبة الله والعياذ بالله، فيسأله كما يسأل الله ويدعوه كما يدعو الله ويحبه كما يحب الله تعالى، والله تعالى يقول في قرآنه:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
(سورة البقرة: الآية 165)


الحب في الله والحب مع الله
الحب في الله عين التوحيد
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا) هذا هو الشرك (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) انظروا إلى المعنى اللطيف جداً في الآية قبل أن نتابع الحديث، هؤلاء اتخذوا أنداداً من دون الله، أي ند يتخذه الإنسان فهو من دون الله لن يكون لا مع الله ولا والعياذ بالله فوق الله حاشا لله، فهو مِن دُونِ اللَّهِ (يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا) الآن قال: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) لأنّ هناك كما يقول ابن القيم رحمه الله: لأن هناك حباً في الله وحباً مع الله والحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك، نحن نحب بعضنا في الله واجتماعنا اليوم هذا الاجتماع الطيب هو حبٌّ في الله، فما جمعتنا إلا محبته جل جلاله، فهذا عين التوحيد لكن لو أنّ إنساناً أحب آخرَ مع الله فأرضاه ولو بسخط الله فهذا حبٌّ مع الله وهذا شرك، بغض النظر عن مستوى الشرك، سآتي إلى مستويات الشرك، لكن مبدئياً هذا شرك، بالقرآن الكريم: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) فهو قد يعصي الله تعالى من أجل إرضائه فيقول له هذه الصفقة تحتاج منك إلى فعل كذا وكذا وتحتاج هدية محرمة وكذا، فيقول له: سنمررها، فهو يحب عمله ويحب شريكه الذي هو معه ونده كحب الله فيعصي الله من أجل شريكه، فهذا عين الشرك لأنه حبٌّ مع الله وليس حبّاً في الله، أما الحب في الله فأنا لا أصنع شيئاً أعصي به الله من أجل محبتي، أحب زوجتي لكن في الله، وأحب والديّ لكن في الله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) لأني أحبهما في الله وليس مع الله

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
(سورة لقمان: الآية 15)

وأحب عملي لكن في الله فلا أعصي الله تعالى من أجل إرضاء تلك الشركة أو تلك الشركة، فهذا حبٌّ في الله وهو عين التوحيد وهناك حبٌّ مع الله وهو عين الشرك.
القوة أنواع
أخواننا الكرام: نتابع الآية (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) فإذا كانوا أشدّ حبّاً لله فمستحيلٌ وألف مستحيل أن يعصوا الله تعالى إرضاءً لأي مخلوقٍ من مخلوقات الله، (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) الآن قال: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) يوم يقف الظالم بين يدي الله ويرى العذاب أمامه (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) لماذا كان يطيع مخلوقاً ويعصي خالقه؟ لأنه رأى أنّ القوة بيد هذا المخلوق، والقوة أنواع ليس المقصود القوة الجسدية أو القوة العضلية، لا، القوة قد تكون في المال وقد تكون في الجاه والمنصب وقد تكون في الجمال، يعني هو قد يعصي الله من أجل امرأةٍ جميلة وقد يعصي الله من أجل منصبٍ يحقق له دخلاً كبيراً وقد يعصي الله تعالى من أجل مالٍ يكسبه من رشوة أو من ربا لأنه يظن أن هذا قوة فعصى الله من أجل القوة فلما وقف بين يدي الله تبين له (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) كانت هذه الحقيقة غائبةً عنه في الدنيا (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) وأندادهم ليس لهم أي قوة وقد توهم أنّ عندهم قوةً

أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
(سورة البقرة: الآية 165-166)


آياتٌ في الشرك
أخواننا الكرام: نعود إلى قضية الشرك وهو أن يتخذ لله نِدَّاً يسأله كما يسأل الله، يدعوه كما يدعو الله، يحبه كما يحب الله، وهذا شرك، الآيات في الشرك كثيرة لكن سنختار بعضها قبل أن ندخل إلى صلب قضية الشرك،

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ
(سورة النساء: الآية 48)

وهذه تحدثنا عنها في اللقاء الماضي وقلنا إنّ رحمة الله لا تضيق على الغفران للمشرك فرحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
(سورة الأعراف: الآية 156)

لكن المشرك لم يتوجه أصلاً إلى الله فلن يجد شيئاً

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
(سورة النور: الآية 39)

التصوير الفني في القرآن
انظروا إلى هذا التصوير الفني في القرآن، كان يقول سيد قطب رحمه الله: الألفاظ تلعب دورها، المدود تلعب دورها، تخيل الرحلة في الصحراء ومثل (الَّذِينَ كَفَرُوا) لاحظ المدود (أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً) في الصحراء (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ) الآن انتهت المدود والرحلة كلها وجاءت الصاعقة بعد الإمهال (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) وانتهى، بعد كل هذه الرحلة طلع كله سراب في سراب وما وجد شيء عند الأنداد، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فهذا رحلته في الأصل بعكس المطلوب تماماً فإن لم يتب قبل موته فهو مشرك فالله لا يغفر له، أما إذا جاء ربه بملئ الأرض خطايا ولقيه لا يشرك به شيئاً فأمره إلى الله قد يعفو عنه وقد يعذبه ثم يخرجه كما ثبت في الصحيح لا يخلد في النار، وقد، وقد، إلخ، متروكٌ لرحمة الله تعالى، ورحمة الله واسعة، إلا الشرك.

{ عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَتُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً" }

(رواه الترمذي)

وأيضاً في قوله تعالى:

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
(سورة لقمان: الآية 13)


الشرك والظلم
بالمناسبة أخواننا؛ الظلم باعتبار أننا ذكرنا على مصطلحات كثيرة أيضاً الظلم لم نذكره، الظلم: أن تضع الشيء في غير موضعه.
الظلم أن تضع الشيء في غير موضعه
الظلم: أن تضع الشيء في غير موضعه، إن جاءك إنسان معه شهادة عليا في الهندسة وقلت له والله أنا ماعندي شاغر سوف أوظفك في تحضير القهوة والشاي، الآن تحضير القهوة والشاي على العين والرأس ومن يعمل بذلك على العين والرأس وقد يكون أفضل عند الله لكن أنت ظلمت هذا الإنسان لأنك وضعته في غير موضعه فهذا الإنسان أمضى ست سنوات في الجامعة حتى تخرج وبذل أموال طائلة ثم يوضع في عمل مخالف لمؤهلاته كلها، هذا ظلم فإذا وضعت الشيء في غير موضعه فهذا ظلم، إذا جاء عامل تمديد الكهربائيات ووضع لك زر التحكم بالإضاءة أسفل الحائط كلما أردت تشغيل الإضاءة تنزل إلى الأسفل حتى تشغلها، هذا ظالم، هذا الإنسان ظالم لأنه ينبغي أن يكون وضع زر التحكم على مستوى يدك، أو إذا وضعه خلف الباب هذا ظلم كلما أردت أن تشعل الضوء تفتح الباب، فالظلم أن تضع الشيء في غير موضعه.
ظلم الإنسان لنفسه أعظم أنواع الظلم
فلماذا الشرك هو أعظم أنواع الظلم؟ لأن الله تعالى أعطاك هذه النفس لتحسن توجهها إلى الله تعالى فظلمت نفسك أعظم ظلم حينما حرمتها من الجنة ووضعتها في غير الموضع الذي خُلقت من أجله، فهي خُلقت لجنةٍ عرضها السموات والأرض، ثم جاء هذا الظالم فجعلها في النار فهذا ظلم عظيم أنت خُلقت من أجل أن تتوجه إلى الله فتوجهت إلى زيد أو عبيد ممن لا يملك من أمره شيئاً، مثلاً: أنت معك معاملة وقال لك إنسان هذه المعاملة يوقع عليها ويحلها شخص واحد في هذه المديرية موجود في الطابق الرابع اسمه المدير العام هو الذي يملك هذا الأمر لا يستطيع موظف أن يخدمك في هذه القضية، فلو جاء هذا الإنسان أقول الأحمق ووقف في أسفل البناء يتوسل للمستخدم المسؤول عن تنظيف البناء أن يُمضي له هذه المعاملة كم هو أحمق هذا الإنسان وكم هو ظالم لنفسه، أنت الحل هناك فلا تذهب إلى منطقة لا يوجد فيها حل، أنت تظلم نفسك وتظلم الناس وتظلم كل شيء، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، بعض الصحابة الكرام قرأوا قوله تعالى:

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ
(سورة الأنعام: الآية 81-82)

مواضع ظلم الإنسان لنفسه
الآية مهمة جداً لأن (لَهُمُ الْأَمْنُ) أي الأمن لهم وحدهم، ولن يكون الأمن لغيرهم، لو قال: أولئك الأمن لهم، لغةً تحتمل أن يكون الأمن لغيرهم لكن لمّا قال: (أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) هذا قصر، يعني وحدهم من غير أن تذكر، تقديم الشبه الجملة على المبتدأ يؤدي إلى الحصر من غير أن تقول: وحدهم، (أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) أي لهم وحدهم، وخافوا على أنفسهم الصحابة الكرام، قالوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ يعني كل إنسان فينا وضع نفسه في موضعٍ ظلم فيه نفسه، فلما نظر نظرةً حرام ظلم نفسه لأنه حرمها من السكينة التي يعطيها الله لمن يغض بصره، ولمّا أكل قرشاً من حرام ظلم نفسه ولما تكلم في عرض أخيه ظلم نفسه، فقالوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ حتى لما ترك سنّةً من السنن ظلم نفسه لأنه حرمها من خير، فقالوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ليسَ ذاك، الموضوع ليس هذا، إنه الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه وهو يعظه (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ باللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أي لم يشركوا مع الله أحداً، لكن قد يظلمون بعض المظالم البسيطة والمعاصي لكن لم يشركوا بالله تعالى شيئاً.

{ عَنْ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)-(الأنعام: 82)-شَقَّ ذلكَ علَى أصْحابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ليسَ كما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ باللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) - (لقمان: 13) }

(رواه البخاري)

أيضاً من الآيات التي تلفت النظر المشركون في النار:

قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
(سورة الشعراء: الآية 96-97-98)

يعني ما الذي جعلهم يندمون في هذا الموقف؟ إذ كنا نسوِّيكم (إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) لمّا جعلناكم في مرتبة الألوهية كنا في ضلالٍ مبين.
أيضاً:

إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
(سورة المائدة: الآية 72)

آية قرآنية.
أيضاً:

وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
(سورة الزمر: الآية 65)


الشرك الأكبر يحبط العمل
الشرك الأكبر يحبط العمل
(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) يعني كل العمل، الشرك الأكبر يحبط كل العمل، يعني إنسان كان يساعد المحتاجين وكان يفعل ويفعل ويفعل لكنه مشرك لا يتوجه إلى الله عز وجل، يتوجه إلى صنم أو إلى بوذا أو إلى كذا، فهذا حَبِط عمله، قد يأخذ جزاءه في الدنيا لأنّ الله عدل فيعطيه سمعة حسنة وربما يكافَأ وربما يكرم بدرع وبحفل ويرتفع ذكره في الدنيا لكن ليس له شيءٌ يوم القيامة لأنه ما فعل ذلك ابتغاء وجه الله، وأنا أعجب أشد العجب ممن يكتبون أحياناً على الفيسبوك، وبعضهم من المسلمين وبعضهم من النخب، يقول لك: هل يعقل أن (إديسون Edison) يذهب إلى النار؟ هو اخترع الكهرباء وأضاء الدنيا هذا تريدون أن تأخذوه إلى النار! وبعد ذلك تأخذوا إلى الجنة شخص فقير، ما علاقة الأمرين ببعضهما؟ نحن لا نسمي الناس إلى الجنة أو النار نحن نسأل الرحمة للجميع نسأل الله أن يرحم الجميع لكن أنت الموضوع ليس له علاقة أنه هو إذا اخترع الكهرباء فيذهب إلى الجنة المقارنة مختلفة تماماً الجنة متعلقة بالتوحيد، الجنة متعلقة بالتوجه إلى الله أما إذا إنسان لا يؤمن بالجنة أصلاً وأنت تريد أن تدخله إلى الجنة قسراً، هو يقول في الدنيا: لا توجد جنة، أنت تقول له: لا، أريد أن أدخلك الجنة، لا ليس صحيح هذا الكلام فالمقارنة ليست صحيحة بغض النظر عن أسماء الشخصيات لكن المقارنة ليست صحيحة، قدم خدمة عظيمة يشكر عليها ولا ينكر فضله فيها لكن موضوعات الأخروية لها قوانين وقوانين إلهية جل جلاله نحن نتركها لله تعالى فهو:

وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
(سورة الإسراء: الآية 17)

كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا
(سورة الرعد الآية 43)


بداية فكرة الشرك
أخواننا الكرام: كيف بدأت فكرة الشرك؟ كما ورد في الصحيح فكرة الشرك بدأت في سورة نوح:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
(سورة نوح: الآية 23)

الأصنام في الأصل لم تُجعل للعبادة
من هؤلاء؟ هؤلاء أصنام، لكن ما قصتهم؟ قصتهم كما ورد عن ابن عباس في الصحيح: قال: هؤلاء أسماء قومٍ صالحين، أحدهم لحِمْيَر، وأحدهم لبني كلب، فهم أسماء أقوام صالحين أو رجال صالحين من قوم نوح، فقال أسماء قومٍ صالحين أو رجالٍ صالحين من قوم نوح فلمَّا هلكوا، ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، يعني هذا مات، ود وسواعا ويغوث، وهذا كان صالح يدعون إلى الخير، حتى لا ننساه نصنع له صنم ونضعه ونتذكره به من أجل ألا يغيب عنا، فيقول: وسموها بأسمائهم، قال: ففعلوا فلم تعبد، يعني لم يعبدوها ولكن يتذكروا بها، قال: حتى إذا هلك هؤلاء، القوم الذين اتخذوا ماتوا، فبقيت الأصنام، قال: فلما نُسخ العلم مع الجهل عُبدت، فلما نسخ العلم عُبدت، فهي في الأصل ما جُعلت للعبادة، جُعلت لخير، كفكرة لخير في نفوسهم لكن عندما نُسخ العلم عُبدت، لذلك لما جاء الإسلام سدّ كل منافذ الشرك، سدّ كل منافذ الشرك بهذه الأصنام أو التماثيل، التصوير الموجود في الفقه ليس له علاقة بالتصوير الفوتوغرافي وتصوير الفيديو الفوتوغرافي هذا حبس للظل تصوير حديث، لكن في الأصل في اللغة ما هو التصوير الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هو هذا النحت، يعني جعل صورة على شكل آخر فيقال لهم يوم القيامة (أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ)

{ عن عائشة رضا الله عنها: أنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَامَ علَى البَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ في وجْهِهِ الكَرَاهيةَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ أتُوبُ إلى اللَّهِ، وإلَى رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَاذَا أذْنَبْتُ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما بَالُ هذِه النُّمْرُقَةِ؟ قُلتُ: اشْتَرَيْتُهَا لكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وتَوَسَّدَهَا، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ أصْحَابَ هذِه الصُّوَرِ يَومَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فيُقَالُ لهمْ أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ وقالَ: إنَّ البَيْتَ الذي فيه الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ }

(صحيح البخاري)

قد يقول قائل: لماذا؟ هذا هو سد منافذ الشرك، لكي لا يُجعل لعَالِم أو مهما علت مرتبته أو حتى لنبي أن يُجعل له تمثال ليتذكره الناس فلمّا يُنسخ العلم يُعبد من دون الله.

الشرك الأكبر
أخواننا الكرام: الشرك نوعان وهذه أهم فكرة في اللقاء، الشرك نوعان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر.
الشرك الأكبر كما قلنا: أن يتخذ الإنسان نداً مع الله.

فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
(سورة العنكبوت: الآية 65)

يعني لما كان بحاجة إلى الله يارب نجِّنا فلما صار في البر توجه إلى غير الله واتخذ نداً من دون الله، يقول تعالى عن بعض أهل الكتاب:

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
(سورة التوبة: الآية 31)

أعظم أنواع التفسير
الآن انظروا النبي صلى الله عليه وسلم عندما تكلم مع عدي بن حاتم رضي الله عنه عن معنى هذه الآية من أعظم أنواع التفسير أن تفسر القرآن بالقرآن وبالحديث يعني بالمأثور، فعدي بن حاتم، النبي صلى الله عليه وسلم تلا عليه هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) فقال عدي: إنهم ليسوا يعبدونهم، يعني أنا كنت معهم، الجماعة لا يعبدون أحبارهم ورهبانهم هم يعبدون الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أليسَ يحرِّمونَ ما أحلَّ اللهُ فيحرِّمونه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فيحلُّونه، قال: بلى، صح، قال: تلك عبادتهم، صلى الله عليه وسلم، تلك عبادتهم، عبادتهم أن يأتيك شخص يُحِلُّ ويُحَرِّم فتطيعه فكأنك اتخذته رباً من دون الله، (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ)

{ قدمَ عديُّ بنُ حاتمٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)-(سورة التوبة: الآية 31)-قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم، قال: أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم }

(سنن البيهقي)

الهدف من الدرس النصيحة
هذا كله من الشرك الأكبر وهذا نحن بفضل الله معافون منه في معظم المسلمين ومن يفعله يفعله جهلاً، وبالمناسبة هذا اللقاء لا يؤخذ منه أبداً وأنتم كلكم أصحاب فضل وعلم لا يؤخذ منه أبداً أن الإنسان يبدأ بالتشريك والتبديع والتفسيق، ويقول لك: هذا مشرك، هذا فعل، واقف أمام القبر أشركت، لا، لا، أبداً حاشا لله، نحن نتحدث كما قلنا حتى نقي أنفسنا وننصح للناس لكن ليس لنُشرّك الناس ونُبدّع ونُفسّق، لا، فهذه مهمة جداً لأن بعض الناس يتعلمون هذه الأحكام وينسى نفسه ثم يبدأ بالآخرين فإذا وجد إنسان مثلاً يقول كلمة لا يعلم معناها وفيها توجه وقد تكون خاطئة فيقول: أنت مشرك، لا، صلي على النبي، هذا ليس مشركاً هذا لا يعرف الحكم قل له: نصيحة بينك وبينه على إنفراد ليتك قلت كذا: فهذا أفضل، يعني لا نُوقِع الناس في الشرك، الناس قد يخرج منهم ما لا ينبغي لكن نحن إن شاء الله لا يخرج منا إلا ما ينبغي ويُشرع.

الشرك الأصغر أو الشرك الخفي
الشرك الأصغر أعظمه الرياء
أخواننا الكرام: الشرك الأصغر هو موطن الشاهد وأعظمه الرياء، يقول صلى الله عليه وسلم: إن أخوَف ما أخافُ عليكم الشرك الخفي أو الشرك الأصغر الحديث الشرك الأصغر وقد يسمى الخفي أحياناً، (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ) يقول تعالى يوم القيامة: إذا جاء الناس إذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عند هؤلاء من أجر؟ يعني أنت كنت تصلي رياءً، تنفق سمعةً، تحج البيت الحرام لأجل أن يُقال حاج، فيقصدك الناس، فيقال لهذا الإنسان إذهب يوم القيامة فخذ أجرك ممن كنت ترائيه في الدنيا.

{ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ }

(رواه أحمد في المسند)

وقال صلى الله عليه وسلم: يسير الرياء شرك، حتى اليسير منه شرك لكن ليس شركاً أكبر شرك أصغر

{ عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ يسيرَ الرِّياءِ شركٌ، وإنَّ من عادَى للَّهِ وليًّا فقد بارزَ اللَّهَ بالمحاربةِ إنَّ اللَّهَ يحبُّ الأبرارَ الأتقياءَ الأخفياءَ الَّذينَ إذا غابوا لم يُفتقدوا وإن حضروا لم يُدعوا ولم يُعرفوا قلوبُهم مصابيحُ الهدَى يخرجونَ من كلِّ غبراءَ مظلمةٍ }

(رواه الألباني)


معنى الشرك الأصغر
أخواننا ما معنى الشرك الأصغر أو الشرك الخفي؟ وكما يقول سيدنا ابن عباس أو سيدنا علي لا أذكر: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، قالوا: الشرك: أدناه أن تحب على جور وأن تبغض على عدل، ما معنى ذلك؟ إنسان يحبك فأخطأت أمامه بخطأ فجاء إليك ناصحاً بينك وبينه وقال لك: يا أبا فلان والله هذا الأمر خطأ، فأنت من هذا اليوم اتخذته عدواً، أبغضته على عدل، هو ما صنع شيئاً، ربما يكون قد أخطأ في أسلوبه وقام بين الناس وقال لك، لكنه يقول لك ذلك عن عدل لم يخطئ، أنت أخطأت هو لم يخطئ، فأبغضه لأنه نصحك فهذا من الشرك الخفي، الحالة الثانية إنسان تحبه على جور، إنسان ظالم، وما أكثر اليوم من يحبون على جور، فيقف في صف الظُّلام والطغاة والمستبدين والقتلة والمجرمين فيحبهم رغم جورهم، يحبهم رغم ظلمهم فهذا من الشرك لأن الله تعالى لا يحب هؤلاء الظالمين وأنت تتجه إليه وتحبه رغم ظلمه.
الشرك الأصغر إرضاء مخلوق في المعصية
فأخواننا الكرام: قضية الشرك الخفي أو الشرك الأصغر هو أي شيءٍ في الإنسان من توجه لإرضاء مخلوق في معصية الخالق، وهذه مشكلة العالم الإسلامي اليوم، قال تعالى:

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ
(سورة يوسف: الآية 106)


الفرق بين الشرك الأصغر أو الخفي والشرك الأكبر
والعياذ بالله، أكثرهم يبقى عنده شيء من الشرك، لكن أخواننا الكرام الشرك الخفي أو الشرك الأصغر لا يُخرج من الملة، والشرك الأصغر أو الخفي لا يحبط العمل كله كما هو الشرك الأكبر، يحبط فقط العمل الذي رافقه الشرك، يعني إنسان صلى صلاة فزيَّن من صلاته لما يرى من نظر رجل حبطت صلاته تلك لكن أعماله الأخرى محفوظة ومقبولة عند الله إن أحسن فيها فقط العمل الذي راءى به أو أشرك به، ولا يخرج من الإسلام وصاحبه متروكٌ لمغفرة الله فقد يعفو عنه، أما الشرك الأكبر فالله لا يغفره كما ورد في الآية (لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) ويحبط العمل كله ويخرج صاحبه من الإسلام ومن ملة الإسلام، هذا الفرق بينهما.
معنى الله أكبر
إذاً أخواننا الكرام: نحن ينبغي أن ننتبه إلى الشرك الخفي وأن تكون أعمالنا خالصةً لوجه الله الكريم لا نبتغي بها إلا وجه الله، لا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، نحن نقول: الله أكبر، بالصلاة في كل حركة الله أكبر، الله أكبر، ما معنى الله أكبر؟ هو أكبر من كل شيء، فلا يمكن أن أطيع مخلوقاً وأعصي خالقي، أما إذا أطاع الإنسان مخلوقاً وعصى خالقه فما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرةٍ ومرة.

قصة الحسن البصري مع والي العراقين
قول الحق وعدم الملاطفة
آخر ما أختم به اليوم: كان ابن هبيرة والياً على العراقين، العراقان هما الكوفة والبصرة، كان يطلق عليهما العراقان الكوفة والبصرة، فكان يزيد بن هبيرة والياً على العراقين في زمن يزيد بن معاوية، فأتى ابن هبيرة أمرٌ من يزيد فنظر فيه فوجد أنه إن نفّذه سيُغضب الله تعالى وإن ترك تنفيذه فسيَغضبُ يزيد بن معاوية، فاستدعى الحسن البصري وعامر الشعبي وهما تابعيان جليلان يستفتيهما في الأمر فلما جاءا إلى قصره أو إلى ولايته، يعني هو والي مثل المحافظ، في العراقين، فقال لهما: جاءني أمرٌ من يزيد وأخشى إن تركت تنفيذه أن أغضب الخليفة وإن نفذته أن أغضب ربي فالأمر مجافٍ للحق، فماذا أصنع؟ قال: فقال له الشعبي: كلاماً فيه ملاطفة، وقال الحسن البصري: إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله، واعلم يا ابن هبيرة أنه يوشك أن ينزل بك ملكان غليظان شديدان فيزيلانك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك وهناك لن تجد معك يزيد ولكنك ستجد عملك الذي خالفت به رب يزيد، يا ابن هبيرة إنك إن تكن مع الله وفي طاعته يكفِكَ بائقة يزيد وإن تكن مع يزيد في معصية الله فإن الله حسيبك، فبكى ابن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته ثم ترك الشعبي الذي لاطفه وسايره والتفت إلى البصري يعظمه ويطيبه ويسأله فخرج البصري والشعبي إلى الناس فاجتمعوا إليهم في المسجد ماذا كان من أمركما مع ابن هبيرة؟ فقام الشعبي فقال: أيها الناس والله ما قال الحسن البصري لابن هبيرة كلاماً أجهله ولكنني أردت فيما قلت: وجه يزيد بن هبيرة، وأراد فيما قاله: وجه الله، فأقصاني الله، أبعدني الله عن ابن هبيرة وأدنى الحسن منه، أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على جميع خلقه في كل مقامٍ فليفعل.
فهذا أخواننا الكرام؛ يلخص قضية التوحيد والشرك هذا ملخص الملخص، إنك إن تكن مع الله يكفك الخلق كلهم، أما إذا قدمت إرضاء الخلق على إرضاء الله تعالى فيكلك الله إلى الخلق، وهذا هو التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والحمد لله رب العالمين.