كورونا دروس وعبر

  • محاضرة في الأردن
  • 2020-03-20
  • عمان
  • الأردن

كورونا دروس وعبر

ياربنا لك الحمد مِلء السماوات والأرض ومِلء ما بينهما ومِلء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكُلّنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجَد .
أيها الأخوة الكرام: أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، نتحدث اليوم عن هذا الفيروس الذي استجد في العالم كله ، فيروس كورونا ، وهو مرضٌ من الأمراض التي يبتلي الله تعالى بها عباده ، وسنتحدث عن بعض الدروس التي يمكن أن نستفيدها من هذا الواقع الذي نعيشه جميعاً في كل العالم .
هل المرض عقابٌ إلهي؟
أولاً : السؤال الأول المطروح : هل هذا المرض عقابٌ إلهي؟
الجواب أيها الإخوة: نعم ، لكن ليست هذه هي الحقيقة كاملةً ، فالذين حصروا الموضوع في أنّ كورونا عقابٌ إلهي أخطأوا ، لأن هذه ليست حقيقةً كاملة ، فهم أوقعوا الناس في متاهةٍ عندما حصروا الكورونا بأنه عقابٌ إلهي أو عندما حصروا المرض بشكلٍ عام بأنه عقابٌ إلهي .

فلسفة المرض في الإسلام
المرض في الإسلام
أيها الأخوة الكرام: الأمراض كلها ، فلسفة المرض في الإسلام ، مفهوم المرض في الإسلام ، الأمراض كلها يمكن أن تكون عقاباً إلهياً ، ويمكن أيضاً أن تكون رحمةً ، ويمكن أيضاً أن تكون تكفيراً للخطايا والذنوب ، ويمكن أيضاً أن تكون رفعاً للدرجات ، هذه كلها وردت في أحاديث صحيحة ، فلماذا نحصُر المرض في واحدٍ من هذه الأربعة ، ينبغي أن نقول الحقيقة كاملةً حتى لا يقف في وجهنا بعض الناس ممن لا يفقهون الدين ، الحقيقة كاملة هي : أن المرض يأتي عقوبةً وعذاباً من الله والعياذ بالله عافانا الله وإياكم ، ويأتي رحمةً من الله ، ويأتي تكفيراً للخطايا والذنوب ويأتي رفعاً للدرجات وإليكم الأدلة، فديننا لا يؤخذ إلا من الأدلة الصحيحة الصريحة.

1. المرض عقابٌ إلهي
عقابٌ إلهي
عَنْ عائشَةَ رضيَ اللَّهُ عنها ، كما في الحديث الذي رواه الإمام البخاري : سَأَلَتْ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ، الحديث واضح ، سألته عَن الطَّاعونِ ، والطاعون في بعض تفسيراته وهو تفسيرٌ جيد: هو كل مرض ، ليس مرضاً محدداً ، الطاعون كلُّ مرض ، " فَأَخبَرَهَا أَنَهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى منْ يَشَاءُ " .
إذاً النوع الأول : الطاعون ، المرض ، كورونا ، الفيروسات ، عقابٌ وعذابٌ يبعثه الله على من يشاء من عباده ، أجارنا الله وإياكم.

2. المرض رحمة
رحمةٌ يرسلها الله
النوع الثاني : تتمة الحديث ، قال : " فَجَعَلَهُ اللَّهُ تعالَى رحْمةً للْمُؤْمنِينَ ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُون ، يقع في المرض ، فَيَمْكُثُ في بلَدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ" ، أرأيتم إلى عظمة هذا الحديث ، الطاعون عذابٌ يبعثه الله على من يشاء من عباده وهو في الوقت نفسه رحمةٌ يرسلها الله على من يشاء من عباده عندما يريد بعبدٍ خيراً فيصيبه مرضٌ فيجلس في بلده صابراً على ما أصابه ، راضياً بقضاء الله ، محتسباً أجره عند الله ، فيكون له أجر الشهيد .

{ عَنْ عائشَةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنَهَا سَأَلَتْ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَن الطَّاعونِ ، فَأَخبَرَهَا "أَنَهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى منْ يَشَاءُ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تعالَى رحْمةً للْمُؤْمنِينَ ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُون فَيَمْكُثُ في بلَدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ }

(رواه البخاري)

إذاً هذان هما النوعان الأوليان :
أولاً : الطاعون عقابٌ وعذابٌ يبعثه الله على من يشاء من عباده .
ثانياً : الطاعون رحمةٌ بمن يشاء الله تعالى من عباده .

3. المرض تكفيرٌ للخطايا والذنوب
يقول صلى الله عليه وسلم : ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذىً مِن مَرَضٍ فَما سِوَاهُ ، أي أذى ومن ضمنها المرض ، إلَّا حَطَّ اللَّهُ به سَيِّئَاتِهِ كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ، والحديث متفقٌ عليه ، هذا النوع الثالث من المرض هو تكفيرٌ للخطايا .

{ عن عبد الله بن مسعود قال : دَخَلْتُ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يُوعَكُ وعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بيَدِي فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّكَ لَتُوعَكُ وعْكًا شَدِيدًا؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أجَلْ، إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم فَقُلتُ: ذلكَ أنَّ لكَ أجْرَيْنِ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أجَلْ ثُمَّ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًى، مَرَضٌ فَما سِواهُ، إلَّا حَطَّ اللَّهُ له سَيِّئاتِهِ، كما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها. }

(متفقٌ عليه)


4. رفع الدرجات
رفعٌ للدرجات
يقول صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ، له عند الله ، كتبَ له الله منزلةً عنده ، لا يستطيع أن يصل إليها بعمله ، عمله فيه تقصير ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ ، هذا هو المرض ، أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وهذا حديثٌ صحيح رواه أبو داود في سننه .

{ قال صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى }

(صحيح أبي داود)

إذاً أصبح عندنا أربعة أنواع للمرض :
1. عقابٌ من الله وعذاب .
2. رحمةٌ بالمؤمنين وأجر شهيد.
3. تكفيرٌ للخطايا .
4. ورفعٌ للدرجات .

أخطاؤنا خلال هذه الأزمة
الذي أخطأنا به ، أخطأنا في شيئين للأمانة ، أولاً : أننا قصرنا على نوع العذاب فما إن سمعنا بفيروس كورونا حتى ذهب كثيرٌ من الناس هذا عذابٌ بعثه الله ، لا يا أخي ، لعله عذابٌ للبعض ، رحمةٌ للبعض ، تكفيرٌ للخطايا ، رفعٌ للدرجات ، قصرنا المرض على نوعٍ واحدٍ من أنواعه .
تقييم حكيمة الله على عباده
الخطأ الثاني الخطير جداً : أننا بدأنا نقسّم حكمة الله على عباده ، فنقول هذا عذاب لفلان أو لهذه المجموعة ، وهذا رفع لدرجة هذه المجموعة ، فأصبحنا في حَيص بَيص ، هذا خطأ لا يصح ، نحن مهمتنا أن نفهم على الله أنّ هذا الطاعون أو هذا المرض أو هذا الفيروس أو هذه الكورونا لها هذه المستويات الأربعة ، أما ليس من شأننا عند الله وليس من شأن المخلوق أن يتألَّى على الله وأن يقول هذا عذاب لفلان أو هذا عذاب لتلك المجموعة أو هذا عذاب لهؤلاء وهو رفع درجات لهؤلاء ، لا يا أخي ، أنت تفهم على الله أن كل شيء جاء بهذه الأمور الأربعة لكن ليس من شأنك أن تقسّم الناس

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
(سورة الإسراء: الآية 17)

دعك من إسقاطات هذه الأنواع الأربعة على البشر ، لكن بالنسبة لك شخصياً تُب إلى الله وارجع إليه وتضرَّع إليه واسأله أن يكفر ذنوبك وأن يرفع درجتك عنده ، إذا وقعت في مرض لا قدر الله نسأل الله العافية أو إذا خِفت من المرض فارجع إلى الله ، لكن لا تقسّم على الناس حكمة الله عز وجل ، فالله تعالى أعلم بعباده .

المرض لا يُطلب
أيها الأخوة الكرام: الأمر المهم جداً ، ما دام المرض قد يكون رحمةً ورفعاً للدرجات وتكفيراً للخطايا والسيئات ، فهل للمؤمن أن يطلب المرض ؟ حاشا لله وكلا ، يقول صلى الله عليه وسلم : "سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ"

{ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: "سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ" فَمَكَثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" }

(رواه الترمذي وأحمد)

المؤمن يسأل الله العافية
فنحن نقول : اللهم إنّا نسألك العافية والمعافاة الدائمة في ديننا ودنيانا وآخرتنا ، لا نسألك إلا العافية يارب ، أن تعافينا وأن تعافيَ أولادنا وأهلنا وذريتنا ، هذا موقف المؤمن يسأل الله العافية ، لا يرجو المرض وإنما يسأل الله العافية .
هذا أيها الإخوة الموضوع الأول الذي أحببت أن أطرحه هل الكورونا عقابٌ إلهي ؟ الجواب: نعم، ولا ، نعم لأنه لبعض الناس كذلك ، لكن لا ، لا ينبغي أن نحصر الكورونا بأنه عقابٌ إلهي ولا أي مرض .

الدروس والعبر من هذا المرض
الصحة والمال من جنود الله
أيها الأخوة الكرام: الأمر الثاني : بغض النظر عن التحليلات حول هذا الفيروس ، قد يقول البعض هو مؤامرة ، لكن في النتيجة هو أمر حاصل ، واقع ، يعني لا نماري به ، الأمر واقع وموجود بغض النظر عن سببه ومنشئه ، لكنه في النتيجة خلقٌ من خلق الله ، لأن الفعل كله فعل الله عز وجل ، فإذا وقع هذا الفيروس وهو جنديٌّ من جنود الله ، وانظروا أيها الإخوة أقول جنديٌ ، وجنديٌ من جنود الله لا يعني أنه عقابٌ فقط ، فالصحة جنديٌّ من جنود الله ، المال جنديٌّ من جنود الله يعطيه لبعض عباده فيكون فيه صلاحهم ويكون فيه خيرهم ويكون فيه نجاتهم والمال نفسه جنديٌّ من جنود الله يعطيه الله لبعض عباده فيطغون ويبغون وينسون المبتدأ والمنتهى فيكون مصيرهم عقاب الله عز وجل ، إذاً هو جنديٌّ من جنود الله هذا الفيروس بلا شك والفعل فعل الله بغض النظر عن التحليلات حول منشئه لكنه خلقٌ من خلق الله.
أذاً أيها الأخوة الكرام : إذا وقع ما وقع والله تعالى يقول :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ
(سورة الحاقة : الآية 38-39)

نحن لا نبصر الفيروس لكننا آمنا به من خلال آثاره ومن خلال التحذيرات التي انطلقت في كل أنحاء العالم ومن خلال ما وقع في العالم بسببه ، فنحن نؤمن بوجوده مع أننا لا نبصره (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ) يقول تعالى :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
(سورة الإسراء : الآية 59)

الأمر كله بيد الله عز وجل
الله تعالى يخوِّفنا الآن ، فما موقفنا ، أنا المسلم ، لا أتحدث عن غيري أنا أتحدث عن نفسي ما موقفي والله يخوِّفني ؟ موقفي أن أخاف من الله ، أن أرجع إليه ، أن أتضرع إليه ، أن أعلم أن الأمر كله بيد الله عز وجل فأعود إلى بابه وأتضرع إلى بابه وأقف على أعتابه وأقول يارب أنا الضعيف فقوني أنا المسكين فأعطني أنا المريض فأصحَّني بقوتك وبعلمك وبخبرتك ، هذا موقفي أنا المسلم .

1. التضرع إلى الله لرفع البلاء
أيها الإخوة : إذاً أولاً : نتضرع إلى الله لرفع هذا البلاء ، يقول تعالى :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا
(سورة الأنعام: الآية 43)

لم يقل إذا جاءهم بأسنا تابعوا التحليلات ، ولا بأس أن نتابع بعضها ، ولم يقل إذا جاءهم بأسنا لجؤوا إلى الطرف والنكت ، ولا بأس ببعض التسلية البريئة التي ليس فيها مخالفة لشرع الله ، لكن الأصل إذا جاء البأس أن نتضرع إلى الله ، أن نذهب إليه ، أن نقف على بابه .

2. ينبغي أن نتخذ الأسباب
أيها الإخوة الكرام : الموضوع ليس تسليةً وليس نكتةً ، هناك مرض ونحن نتخذ الأسباب عبادةً وهذا لا يتنافى مع التوكل على الله ، حتى نتلافى نقل العدوى ، يقول تعالى :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
(سورة البقرة: الآية 195)

يقول صلى الله عليه وسلم : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ ".

{ عَنْ أَبِي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ }

(حديثٌ حسَنٌ رواهُ ابنُ ماجَه)

لا أُضرُّ نفسي ولا أُلحق الضرر بغيري ، ومخالفة التعليمات الصحيّة هو ضرر وضرار ، " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ ".
اتباع التعليمات الصحية
أيها الإخوة الكرام : أدخلوا مساكنكم ، اتبعوا التعليمات الصحية ، تجنبوا الإجتماعات ، لا تقيموا للأفراح ولا للعزاء بيوتاً ، عوّضوا عن ذلك بوسائل التواصل الكثيرة ، وما أكثرها اليوم ، تجنبوا المصافحة، الملامسة ، العناق ، التقبيل ، تجنبوا هذه الأمور أيها الأحباب في هذه الفترة حتى نكون قد أخذنا بالأسباب ، والمؤمن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
في صحيح مسلم : عن عَمر عن أبيه قال : كانَ في وفدِ ثقيفٍ رجلٌ مجذومٌ ، مريض ، فأرسلَ إليهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ارجِع فقد بايعناكَ . لا تأتي للبيعة بايعناك عن بعد .

{ عن عمر بن الشريد عن أبيهِ قالَ : كانَ في وفدِ ثقيفٍ رجلٌ مجذومٌ ، فأرسلَ إليهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ارجِع فقد بايعناكَ }

(صحيح مسلم)

واليوم قل للناس إنّا قد هنأناك ، قد قبلنا تهنئتك فارجع ، قد قبلنا تعزيتك فارجع ، قد قبلنا مصافحتك فارجع ، ينبغي أن نأخذ بالأسباب أيها الأخوة حتى لا نقع في مأساة نسـأل الله السلامة وأن ينجِّي الله كل ديار المسلمين وفي بقاع الأرض كلها من هذه المأساة .

حديث رائع في موضوع المرض
أيها الأخوة الكرام : من أروع الأحاديث التي جاءت في صحيح البخاري في موضوع المرض : خرج عمر بن الخطاب يريد الشام حتى إذا كان في بعض الطريق لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام ، نسأل الله السلامة للشام ولأهل الشام ولكل ديار المسلمين ولكل أهل الأرض ، قال : فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام ، فاستشار الناس ، فأشار عليه المهاجرون والأنصار أن يمضي ، نتابع طريقنا إلى الشام ، وقالوا : قد خرجنا لأمرٍ ولا نرى أن نرجع عنه ، نتابع رحلتنا ، وقال الذين أسلموا يوم الفتح : معاذ الله أن نرى هذا الرأي ، أن نختار دار البلاء على دار العافية ، انظروا إلى هذا الفهم ، وكان عبد الرحمن بن عوف غائباً فجاء فقال : إن عندي من هذا علماً ، أنا أعلم علماً من ذاك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ ، بالوباء ، بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، لا تأتوا إلى المكان الذي فيه وباء ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ .
الأخذ بالأسباب لا يعني ترك التوكل
أليس هذا هو الحجر الصحي والعزل الصحي الذي يطالب به اليوم والذي يُجرى اليوم في العالم؟ هذا هو، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ فقال : إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ‏ ، فقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يا أمير المؤمنين أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ نفرُّ من قدر الله ، الآن انظروا إلى فقه عمر رضي الله عنه ، فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، لا أريد أن أسمعها منك أنت فقيه ، لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، انظروا إلى فقه عمر ، رضي الله عن عمر ، فأنت عندما تكون في دار العافية فأنت في قدر الله وفي دار البلاء فأنت في قدر الله ، فلا تخرج من قدره ، فاتخاذ الأسباب لا يعني أنك تركت التوكل على الله فأنت في قدر الله أينما كنت ، لكن قدر الله لا يقول لك : اجلس في بيتك ولا تتحرك ، وقدر الله لا يقول لك : أيضاً اخرج وتحرك لتضرَّ الناس ، فلن يضرهم إلا بأمر الله ، ينبعي أن ننتبه إلى هذا المعنى ، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ) فهم بعض الناس خطأً (لا عَدْوَى) أنه لا يوجد عدوى ، معاذ الله ، لا عَدْوَى تقع إلا بأمر الله ، تابعوا الحديث (فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ)

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : " لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ولا هامَةَ ولا صَفَرَ، وفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كما تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ }

(صحيح البخاري)

الإيمان مصدر تفاؤل للمؤمن
إذا كان لا عَدْوَى فلماذا يقول : فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ؟ المقصود أن المؤمن يؤمن أنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا بأمر الله ، فالعدوى لا تقع إلا إذا سمح الله بوقوعها وهذا مصدر تفاؤل للمؤمن ، لكن نفر من المجذوم كما نفر من الأسد ، ينبغي أن ننتبه إلى القواعد الصحية والتعليمات والإرشادات ، كل واحد في بلده إخواننا ينبغي أن ينتبه إلى ذلك.

3. كن متفائلاً مبشراً ميسراً
الأمر الثالث والدرس الثالث وضاق الوقت وأنا جعلت هذا اللقاء في وقت خطبة الجمعة التي حرمنا منها نسأل الله أن نعود إليها ، لكن ينبغي أن نلتزم بالتعليمات ونترك التجمعات في هذه الأوقات .
الأمر الثالث : كن متفائلاً مبشراً ميسراً ، يقول صلى الله عليه وسلم : كما في الحديث المتفق عليه:

{ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا ، وَلاَ تُنَفِّرُوا }

(متفق عليه)

المؤمن يبشر ولا ينفر
لا تكن مصدر تنفير للناس ، قل لهم : اتخذوا التعليمات ، قل لهم : بادروا إلى الوقاية الصحية ، إلى تعقيم اليدين ، إلى تعقيم البيوت إلخ ، لكن لا تنفرهم ، بشِّرهم ، قل : لعل الله عز وجل يرفع هذا البلاء ، الله كريم ، الله يحبنا ، الله سيعافينا إن شاء الله ، سيأتي رمضان ونحن بخير وعافية إن شاء الله، بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا .

4. عدم الخوف من المرض
أخذ التدبيرات وعدم الهلع
الأمر الرابع أخواننا الكرام : أنت من خوف المرض في مرض ، فنحن صحيح أننا نتخذ الإجراءات والتدبيرات لكننا لا نقع في الهلع فنحن صلتنا بالله ومن كان متصلاً بالله ينجو من الهلع ،

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ
(سورة المعارج : الآية 19-20-21-22)

نحن من المصلين ، فنحن لا نخاف المرض ، نتخذ الأسباب لكن لا نهلع ونصل إلى مرحلة من الخوف نتصدع لها فنقع في مرض الخوف من المرض .

5. حفظ اللسان وتجنب الشائعات
أيضاً أيها الأخوة : الدرس الخامس احفظوا لسانكم وتجنبوا الشائعات ، احفظوا لسانكم ، فلنحفظ لساننا ، وأوصي نفسي قبلكم ، ولنتجنب الشائعات ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

{ إنَّ العبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضْوَانِ اللهِ لا يُلْقِي لها بالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بها درجاتٍ ، وإنَّ العبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ من سَخَطِ اللهِ لا يُلْقِي لها بالًا يَهْوِي بها في جهنمَ }

(أخرجه البخاري)

حفظ اللسان وعدم نشر الشائعات
فالكلمة أيها الإخوة في الأزمات لها وقع السيف ، فلا ننشر الشائعات ، نقول نرسل على كل مجموعات الواتس أب ، على كل الفيسبوك ، هناك ألف حالة ، هناك وقع كذا ، لا يا أخي ، إن لم يكن الخبر من جهة موثوقة معنيَّة بإخراج الأخبار فلا تخرجه ، اقرأه واستر عليه ولا تأخذه على محمل الجد لأن الشائعات تكثر في زمن الفتن ، لا تنشروا الشائعات أرجوكم .

6. تفقد من حولنا
تفقد من حولنا
أيها الأخوة الكرام : أيضاً الدرس السادس : تفقدوا من حولكم ، ممن توقفت أعمالهم ، أيها الأحباب هناك أناسٌ يعملون كل يوم ليأكلوا ، كل يوم بيومه ، فالآن توقفت كثير من الأعمال ، فتفقد من حولك ، من أجل أن يعافيك الله عز وجل ومن أجل أن يرفعك الله عز وجل بهذه المحنة ، تفقدوا من حولكم ممن توقفت أعمالهم .
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ ، يعني لم يبقَ معهم شيءٌ إلا الرمل ، أرْمَلُوا في الغَزْوِ ، وقَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ ، جَمَعُوا ما كانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ ، كل شيء في ثوب واحد جمعوه ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بيْنَهُمْ في إناءٍ واحِدٍ بالسَّوِيَّةِ، يقول صلى الله عليه وسلم : فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ )

{ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أوْ قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا ما كانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بيْنَهُمْ في إناءٍ واحِدٍ، بالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ }

(صحيح مسلم)

فإن أحببت أن تكون من رسول الله ، منتسباً إليه ، وأن يكون هو منك صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي فتفقد من حولك ، انظر إلى من ضاقت بهم السبل ، عندك في البناء جيرانك أقرباؤك ، كل إنسان يتفقد من حوله ولو كان فقيراً يتقاسم معهم رغيف خبزه .

7. رسالتان تتعلقان بصلاة الجماعة
الأمر مغطى بالنصوص الشرعية
أيها الإخوة الكرام : الأمر الأخير والدرس السابع: توقفت صلاة الجماعة والجمعة في المساجد ، نحن بين العاطفة الدينية وبين النصوص الشرعية ، ظهرت عاطفةٌ دينيةٌ يُحمد الناس عليها ، انزعجوا كثيراً لإغلاق المساجد ، انزعجوا كثيراً لتعليق الصلوات ، من ناحية شرعية الأمر مغطى بالنصوص الشرعية لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الريح الشديد ، في البرد الشديد ، في الليلة الشاتية ، المطر ، رخَّص للناس بترك الجماعة وقال : "صلوا في رحالكم"، صلوا في بيوتكم ، بعد الأذان .

{ أنَّ ابنَ عُمَرَ نادَى بالصَّلاةِ في لَيلَةٍ ذاتِ بَرْدٍ وريحٍ، ثُمَّ قال في آخِرِ نِدائِهِ: ألَا صَلُّوا في رِحالِكم، ألَا صَلُّوا في رِحالِكم، ألَا صَلُّوا في الرِّحالِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كانتْ لَيلَةٌ بارِدَةٌ، أو ذاتُ مَطَرٍ، أو ذاتُ رِيحٍ في السَّفَرِ: ألَا صَلُّوا في الرِّحالِ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فهذا مغطى بالنصوص الشرعية ولله الحمد ، وفي ديننا سعة ، لكن بعض الناس تأثروا بذلك وهذه عاطفةٌ دينيةٌ يحمد ويشكر الناس عليها وتشكر لهم .

الرسالة الأولى لمن كان يصلي الجماعة قبل تعليقها
صلِ بأهل بيتك وبأولادك
لكن أيها الأخوة ؛ أريد أن أوجه رسالتين : الرسالة الأولى لمن كان يصلي الجمعة قبل تعليقها والجماعة ، يعني صلوات الجماعة في المسجد عنده ، ثم جاء تعليق الصلاة في المساجد فحزن حزناً شديداً ، هذا نقول له : صلِ في بيتك ويكتب لك أجر الجماعة لأنه حبسك حابس ومنعك مانع ، فالله الكريم يكتب لك الأجر وأنت تصلي في بيتك ، صلِ بأهل بيتك وبأولادك جماعةً والله تعالى يكتب لك أجر الجماعة إن شاء الله تعالى فلا تبتئس ولا تحزن .

الرسالة الثانية لمن لم يكن يصلي الجماعة
عاهد الله أن تكون من أهلها
أما من لم يكن يرتاد بيوت الله عز وجل ، هو في الأصل لا يصلي جماعة ، فلما أغلقت المساجد انزعج وثارت عاطفته الدينية ، أيضاً شكراً لك على عاطفتك الدينية ولكن أنت في الأصل لا تصلي في المسجد فالآن نقول لك ونوصي أنفسنا ونوصيك : إذا فُتحت المساجد وستُفتح إن شاء الله قريباً ، أن تكون من أهلها ، عاهد الله أن تكون من أهلها وأن تكون بعد هذه المحنة منحةٌ لك من الله بأنك أصبحت من أهل الجماعة ومن أهل المساجد.
بارك الله بكم أخوتي الأكارم ، ندعوا الله عز وجل بأدعية النبي صلى الله عليه وسلم في الأزمات: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الصمت والبكم والجنون والجذام والبرص وسيئ الأسقام ، اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا حتى تجعلها الوارث منا وعافنا في ديننا وفي أجسادنا ، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا ومالنا ، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بك ربنا أن نغتال من تحتنا ، اللهم اجعل أوسع رزقنا عند كبر سننا وانقطاع عمرنا .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك