• محاضرة في الأردن
  • 2020-04-06
  • عمان
  • الأردن

الكلمة الطيبة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنا وعنهم يارب العالمين.

إخوتي الأكارم: في لقاء الاثنين الذي منعنا منه اللقاء المباشر، تلك التدابير الوقائية التي يجب علينا جميعاً أن نتمثلها وأن نعمل به.
إخوتي الأكارم في كل مكان نلتقي في هذا المساء نتحدث إن شاء الله عن الكلمة الطيبة.

الكلمة الطيبة تخرج من القلب
الكلمة الطيب تخرج من القلب
الكلمة الطيبة جاء بها الأنبياء فأخرجوا الناس من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، أخرجوهم من ذل الشرك إلى عز التوحيد، أخرجوهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد بالكلمة الطيبة، لقد فعلت الكلمة فعلها في نفوس المخاطبين حين خرجت من القلب فدخلت إلى القلب، فالكلمة الطيبة لا تخرج من الفم وإنما تخرج من القلب، قال الشاعر:
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
{ الأخطل }
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ، أي لفي القلب.
وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا، فاللسان دليلٌ على ما يجول في داخل الصدر في القلب.
أثر الكلمة الطيبة
أيها الإخوة الأحباب: الكلمة الطيبة تقرِّب القلوب، الكلمة الطيبة تشعرنا بسعادةٍ غامرة لاسيما إن رافقتها إبتسامةٌ لطيفة، هي التي تسرُّ السامع وتؤلف القلوب، هي التي تحدث أثراً طيباً في نفوس الناس، هي التي تثمر عملاً صالحاً في كل وقت بإذن الله، هي التي تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشر، هي كلمةٌ جميلةٌ رقيقةٌ لا تؤذي مشاعر الناس ولا تخدش النفوس، هي جميلةٌ في لفظها ومعناها، يشتاق إليها السامع، ويطرب لها القلب، نتائجها مفيدة، غايتها بنَّاءة، منفعتها واضحة، الكلمة الطيبة يمكن أن تحول العدو إلى صديقٍ بإذن الله، وتقلب الضغائن التي في القلوب إلى محبةٍ ومودة، فهي تثمر عملاً صالحاً في كل وقتٍ وحين، فهي من هداية الله تعالى ومن فضله، قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ
(سورة الحج: الآية 24)

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) فالله تعالى هداهم في الدنيا إلى الكلمة الطيبة (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) يوم القيامة، فلما (هُدُوا) في الدنيا (إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ)، (هُدُوا) يوم القيامة (إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) جل جلاله.
أيها الإخوة الكرام: سأركز حديثي حول الكلمة الطيبة في ثلاثة عناصر إن شاء الله حتى نضبط الموضوع:
- العنصر الأول: الكلمة الطيبة في القرآن الكريم والسنة الشريفة.
- العنصر الثاني: لماذا أعرض الناس عن الكلمة اليوم؟ وما المخرج لنعيد لها ألقها ولنعيد لها فاعليتها في واقع الحياة؟
- والعنصر الثالث: إن شاء الله نتحدث عن نماذج من الكلمة الطيبة، وكيف يمكن أن تغير كلمةٌ طيبة مجرى حياة.

الكلمة الطيبة في القرآن الكريم
نبدأ بالعنصر الأول: الكلمة الطيبة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، القرآن الكريم ينأى بالكلمة الطيبة بعيداً عن أوحال الأرض ليربطها بطهر السماء، نقرأ قوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ
(سورة إبراهيم: الآية 24-25-26)

الكلمة الطيبة يشبهها القرآن الكريم بالشجرة الطيبة، ما الجامع بينهما؟
صفات الشجرة الطيبة
الشجرة الطيبة لها صفات:
1. هي ثابتة: شجرة ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، لا تعصف بها رياح الباطل، لا تقوى عليها معاول الطغيان، فهي شجرةٌ ثابتةٌ في الأرض، هذا أول صفة للشجرة الطيبة ويماثلها الكلمة الطيبة.
2. الأمر الثاني في الشجرة: أنها سامقة متعالية وفرعها في السماء، فهي لا تعبأُ بأوحال الأرض وهي لا تلقي بالاً للشرور في الأرض، يعني الكلمة الطيبة لا تحتاج إلى أن تعارك أوحال الأرض فهي سامقة متعالية تطل من فوق وفرعها في السماء.
3. ثم هي ثالثاً: مثمرةٌ لا ينقطع ثمرها.
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) ثلاث صفات :
أولاً: ثابتة لا تتزعزع متمكنة في الأرض.
ثانياً: متعالية سامقة تطل من عالٍ لا تعبأ بأوحال الأرض.
ثالثاً: لها ثمار طيبة.
هذه الشجرة الطيبة.

أوجه التشابه بين الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة
الكلمة الطيبة يبقى أثرها
الآن الكلمة الطيبة تشبه الشجرة الطيبة في هذه الصفات الثلاثة:
- أولاً: الكلمة الطيبة ثابتة، لأن الكلمة الطيبة: قرآنٌ كريم، سنّةٌ شريفة، أقوال الصالحين، دعوةٌ إلى الله، دعوةٌ إلى الحق والخير والعدل والحب، فهي ثابتة، أصولها ثابتة لا تتزعزع، ليست باطلاً، الباطل زهوق أما الحق فمتمكن في الأرض له جذور في الأرض يشبه الشجرة الطيبة.
- الآن الكلمة الطيبة أيضاً متعالية عن أوحال الأرض، فالكلمة الطيبة لا تلقي بالاً للشرور الموجودة، ولا تلقي بالاً للسيء الموجود في الأرض لأنها متعالية، لها علوها ولها مكانتها ورفعتها.
- الصفة الثالثة: الكلمة الطيبة (تُؤْتِي) ثمارها و(أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ)، فأنت قد تقول كلمةً طيبة فترقى بها عند الله عز وجل إلى أعلى الجنان، وقد تقول كلمةً طيبة فيبقى أثرها إلى مئة عام قادمة، كم من إنسان قال لك: أثَّرت فيَّ كلمةٌ قالها لي معلم الصف وقد كنت طالباً في الصف الخامس الإبتدائي، قال لي كلمةً طيبة شجعني ومن يومها وأنا أحب العلم وأحب الدين من كلمةٍ طيبة قالها لي معلمي، ف (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا).
إذاً الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة ثابتةٌ متمكنةٌ متعاليةٌ سامقةٌ لها ثمارٌ يانعةٌ لا تنتهي، ومثل (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة
وبضدها تتمـيز الأشـياء
{ المتنبي }
الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة
فلو ذهبنا إلى الكلمة الخبيثة، ونحن لا نتحدث اليوم إلا عن الكلمة الطيبة، لكن حتى تتميز معنى الكلمة الطيبة أكثر وأكثر، الكلمة الخبيثة، كلمة الباطل، كالشجرة الخبيثة، هذه الشجرة الخبيثة ذات الأشواك التي ليس لها أي فائدة يمكن أن تهيج ويمكن أن تتعالى وتتشابك، وقد يخيَّل إلى بعض الناس لضعف مداركهم، أنها أضخم من الشجرة الطيبة، ألا نرى شجرةً خبيثة لا تحمل ولا تثمر وعبارة عن أشواك وأغصان لا قيمة لها لكنها تتشابك وتتعالى، فيظن ضعيف الإدراك أنها طغت على الشجرة الطيبة، لكن في الحقيقة هي إلى زوال لأنها هشَّة (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) هي على سطح التربة ليست لها جذور متمكنة لأنها باطل والباطل زهوق، وما هي إلا فترة وتأتي رياحٌ عاصفة أو يأتي هواء فيقلعها من فوق التربة ويهوي بها في مكانٍ سحيق ليس له قرار.
إذاً أيها الإخوة الكرام:
* عندنا (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ)
* و(كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ)
* (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) فهي أمثالٌ مصداقها واقعٌ في الأرض
* (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) يعني هذه الأمثال موجودة في الواقع
يمكن لأي إنسان أن ينظر اليوم في الكلمة الطيبة ماذا تصنع؟! وبالكلمة الخبيثة ماذا تصنع؟!

{ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ سبعين خريفاً }

(رواه الإمام أحمد)

فالكلمة الخبيثة ليس لها جذور، ولا تمتد، وآثارها السلبية تزول، لكن الكلمة الطيبة ثابتة متأصلة سامقة عالية ثمارها يانعة وهذا موجود في واقع الحال لو نظر الناس إليه، لذلك قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
(سورة إبراهيم: الآية 25)


أثر الكلمة الطيبة
حديثٌ شريف يوضح أيضاً هذه الآية، رواه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:

{ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله: إن العبد إذا قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، قبض عليهن ملك فضمهن تحت جناحه وصعد بهن، لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجىء بهن وجه الرحمن. ، ثمَّ تَلا عبدُ اللهِ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}-[فاطر: 10] }

(رواه الحاكم)

(إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثٍ أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ) كلمات طيبة، تسبيح، حمد، توحيد، خير ونماء تبارك الله (قَبَضَ عَلَيْهِنَّ مَلَكٌ) .
التسبيح من الكلم الطيب
هذه الكلمات الطيبة التي انطلقت من فمك وأنت تقول: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تسبِّحه تنزهه جل جلاله عن كل نقص أو عن كل عيب، ثم تقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فتشكره من أعماقك على ما أنعم وأولى وأعطى، (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) توحده، لا معبود بحقٍّ إلا الله، ثم تقول: (تَبَارَكَ اللَّهُ) زاد خيره وعم فضله جل جلاله، هذه الكلمات انطلقت من فمك، الآن أين هي؟ أصبحت في الهواء عبر الأثير، فانطلقت، ما الذي يحصل؟ يأتي ملك مُوَكَّل من الله عز وجل.
قال: (قَبَضَ عَلَيْهِنَّ مَلَكٌ فَضَمَّهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ وَصَعِدَ بِهِنَّ لَا يَمُرُّ بِهِنَّ عَلَى جَمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ) فتخيل معي أن كلماتك الطيبة التي تطلقها وتظن أنها قد تخامدت في الهواء وانتهت ولم تلتقط، تخيل أن هذه الكلمات الطيبات قد جاء ملكٌ فقبض عليهن وضمهن تحت جناحه ثم صعد بهن إلى الملأ الأعلى، فلا يمر بجمعٍ من الملائكة إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لك، فقالوا: اللهم اغفر لعبدك فلان الذي قال هذه الكلمات.
(حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ) حتى يصل بهن إلى الله تعالى، ثُمَّ تَلَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
(سورة فاطر: الآية 10)

هذا معنى قول عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثٍ أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ)، ففسر لنا (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) كيف (يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)؟ يأتي ملك ويأخذ كلامك الطيب فيصعد به في السماوات فتستغفر لك الملائكة، ثم يصل به إلى الله تعالى.
أيها الإخوة الكرام: هذه الكلمة الطيبة في القرآن، أكتفي بهاتين الآيتين:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
(سورة إبراهيم: الآية 25)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
(سورة فاطر: الآية 10)


الكلمة الطيبة في الحديث الشريف
أما في الحديث الشريف فيقول صلى الله عليه وسلم:

{ إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالى مَا يُلقِي لهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّه بهَا دَرَجاتٍ، وَإنَّ الْعبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقي لهَا بَالًا يهِوي بهَا في جَهَنَّم }

(رواه البخاري)


الكلمة الطيبة هي الفأل الصالح
فانظر إلى الكلمة الطيبة وانظر إلى الكلمة الخبيثة، الكلمة الطيبة في الأحاديث الشريفة وفي السنّة المطهرة هي الفأل الصالح.

{ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ }

(صحيح البخاري)

لا تقع العدوى إلا بإذن الله
أشكل على بعض الناس مبدأ الحديث في هذه الظروف التي نعيشها اليوم، كيف يقول صلى الله عليه وسلم: (لا عَدْوَى)، ينفي العدوى وهي موجودة؟ لا عَدْوَى: أي لا تقع العدوى إلا بإذن الله، والدليل في رواية ثانية صحيحة للحديث:

{ لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ولا هامَةَ ولا صَفَرَ، وفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كما تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ }

(صحيح البخاري)

{ فِرَّ من المجذومِ فراركَ من الأَسدِ }

(أخرجه البخاري وأحمد)

(لا عَدْوَى) ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (وفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ).
المجذوم: المريض .
فلماذا تفر منه إذا كان لا عَدْوَى؟! ولماذا يقول صلى الله عليه وسلم: عن البعير، قال:

{ لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ علَى مُصِحٍّ }

(صحيح البخاري)

(لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ علَى مُصِحٍّ) المريض لا يأتي إلى الصحيح.
ولماذا يقول صلى الله عليه وسلم:

{ إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا }

(متفقٌ عليهِ)

إذاً هناك عدوى، لكن كلمته صلى الله عليه وسلم (لا عَدْوَى) أي لا تظن أن شيئاً يقع في الأرض إلا بأمره.
فأنت احترز واتخذ الأسباب لكن إعلم أن العدوى إن وقعت إنما تقع بتقدير الله، فلا يقع شيءٌ في ملكه لا يريده جل جلاله حاشاه.
هذا على الهامش، نعود إلى الكلمة الطيبة، قال: (لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ) .
طيرة: تشاؤم.
تفاءلوا بالخير تجدوه
ثم قال: (ويُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ) ما هو الفَأْلُ الصَّالِحُ؟ تفاءلوا بالخير تجدوه، الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ، يعني أنت زرت مريضاً قل له: كلمةً حسنة، كلمةً طيبة، خفف عنه، ذكره بالله، ذكره بنعم الله، ذكره باسم الله الشافي، هذا فألٌ صالح، طالبٌ يدرس ويجتهد ذكره بالنجاح، ذكره بما سيكون من شأنه عندما ينجح في هذا الامتحان، الفأل أن تتفاءل خيراً، طبعاً ليس التفاؤل الساذج المبني على جهل، لكن التفاؤل العلمي، يعني إذا كان يتخذ الأسباب ويدرس فتفاءل له بالخير.

الكلمة الطيبة صدقة
والكلمة الطيبة صدقة

{ عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» }

(أخرجه البخاري)

الكلمة الطيبة مع من حولك
يعني أنت قد تنفق مالاً، تدفع مالاً، هذه صدقة واضحة، لكن أحياناً إنسان لا يملك المال، يملك لسانه، كلمة طيبة تقولها لإنسان، دخلت إلى محل تجاري؛ السلام عليكم كيف الحال؟ هذه كلمة طيبة، عندك عامل يعمل في معملك دخلت المعمل؛ السلام عليكم يا بني كيف حالك؟ هل يلزمك شيء؟ طمني عنك وعن أهلك، كلمة طيبة لكنها تملأ قلبه رضاً وحباً ويخدمك أكثر فأكثر، حارس البناء، الخادمة عندك في البيت أو الخادم، كلمة طيبة، كيف الحال؟ لعلكم بخير، نسأل الله أن تكونوا بصحة جيدة، هل يلزمك شيء؟ هل تريد أن أعينك بشيء؟
النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتحدث عن الخدم يقول: (ولَا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ)

{ عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إخوانُكُم جعلَهُمُ اللَّهُ تحتَ أيديكُم، فأطعِموهم مِمَّا تأكُلونَ، وألبِسوهم مِمَّا تلبَسونَ، ولَا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

الكلمة الطيبة صدقة
فالكلمة الطيبة صدقة، تتصدق بها على الناس بكلمة، أما أحياناً إنسان يعني يدخل ويخرج لا يلقي السلام، يعني كلمة السلام لا يلقيها أو إذا سمع السلام لا يردُّه فهذه مشكلة، نتكلم الكلام الطيب فهو كصدقاتٍ ندفعها يكتب لنا به أجر الصدقة إن شاء الله.

الكلمة الطيبة نجاةٌ لصاحبها
أيضاً إخوانا الكرام: الكلمة الطيبة قد تكون نجاةً لصاحبها من النار، الآن اسمعوا إلى هذا الحديث الجميل:

{ عن أَبِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ، قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ: «هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ؟» يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِغَلْقِ الْبَابِ، فَقَالَ: «ارْفَعُوا أَيْدِيكُمْ فَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَأَمَرَتْنِي بِهَا، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهَا الْجَنَّةَ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ» ثُمَّ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ» }

(رواه الحاكم وأحمد والطبراني)

وعَنْ وَهْبٍ رحمه الله، قَالَ: "مَجْلِسٌ يُتَنَازَعُ فِيهِ الْعِلْمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَدْرِهِ صَلَاةً، لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِهَا سَنَةً أَوْ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ".
كلمة تقولها فيستمع بها إنسان فينتفع بها ما بقي من عمره تكون خيراً لك من الدنيا وما فيها.

الكلمة الطيبة باقية
أيها الإخوة: والكلمة الطيبة تعرج إلى السماء وتبقى خالدةً حتى بعد أن يواري صاحبها الثرى.

{ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قالا: صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم صلاةً فلمَّا قال: سمِعَ اللَّهُ لمن حمدَهُ، قال رجلٌ مِن خلفِهِ: اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمدُ كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، فلمَّا انصرفَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قال: منِ القائِلُ الكلِمةَ؟ قال الرجلُ: أنا يا رسولَ اللَّهِ، قال ﷺ: لقدْ رأيتُ نفَرًا من الملائِكةِ اكتنَفوها فعرجوا بِها حتَّى تغيَّبَتْ عَنِّي }

(مجمع الزوائد)

نفَرًا: مجموعة.
أما أصحاب الكلمة الطيبة فهم المقربون من الله تعالى، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ عن يمينِ الرحمنِ -وكلتا يديه يمينٌ- رجالٌ ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ يغشى بياضَ وجوهِهم نظرُ الناظرين يغبطُهم النبيون والشهداءُ بمقعدِهم وقربِهم من اللهِ عزَّ وجلَّ قيل: يا رسولَ اللهِ من هم؟ قال: هم جماعٌ من نوازعِ القبائلِ يجتمعون على ذكرِ اللهِ فينتقون أطايبَ الكلامِ كما ينتقي آكلُ التمرِ أطايبَهُ }

(أخرجه الطّبراني)

فإذا كنت في مجلس مع إخوة كرام فانتقِ الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة تنتقى.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
(سورة الإسراء: الآية 53)

حسن انتقاء الكلمات
يعني عندك ثلاث كلمات وكلها جيدة وحسنة فانتقِ الأحسن منها وقلها، أما السيِّئ فابتعد عنه، لا تقترب منه أبداً، انتقِ الكلمة الطيبة، طبقٌ من التمر وهذا الطبق فيه تمرٌ حلو المذاق قد طاب أكله، وفيه تمرٌ أعجر ما يزال يحتاج إلى الاستواء، فأنت ماذا تنتقي؟ تنتقي أطايب التمر، فانتقِ طيب الكلام كما ينتقِي آكل التَّمرِ أطايبَه.
أكتفي بهذا القدر فالوقت يتداركنا في الحديث في العنصر الأول، العنصر الأول تحدثنا عن الكلمة الطيبة في القرآن الكريم وفي السنّة المطهرة.

كيف تغير كلمةٌ مجرى حياة إنسان؟
العنصر الثاني وسأقدم الثالث على الثاني، فسأتحدث عن كيف تغير كلمةٌ مجرى حياة إنسان؟
سأتحدث عن مثال واحد عن تغيير الكلمة لحياة إنسان، وهي قصة الفضيل بن عياض، قد سمعتم به.

قصة الفضيل بن عياض
صاحب البيت يقرأ القرآن
الفضيل بن عياض أحد الصالحين كان يسرق ويعطل القوافل في الليل، الفضيل كان سارق، يأخذ فأساً وسكيناً ويتعرض للقافلة فيعطلها، يوقف القافلة بفأسه وسكينه ويسرقها، وكان الناس يتواصون في الطريق إياكم والفضيل، إياكم والفضيل، والمرأة تأتي بطفلها في الليل تسكته وتقول له اسكت وإلا أعطيتك للفضيل، الله أكبر، يعرفه كل الناس، يعني أصبح اسمه علماً على الخوف والرعب في قلوب الناس، صعد يوماً سُلَّمَاً على جدار، يريد أن يسرق صاحب البيت، فأطلَّ ونظر إلى صاحب البيت فإذا هو شيخٌ كبير وعنده مصحف ففتحه واستقبل القبلة على سراجٍ صغيرٍ عنده، ويقرأ في القرآن ويبكي، يقرأ من قلبه، جلس الفضيل ووضع يده على السقف وظلَّ ينظر إلى ذلك الرجل العجوز الذي يقرأ القرآن ويبكي، فمر الشيخ بقوله سبحانه وتعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
(سورة الحديد: الآية 16)

هذه كلمة خرجت من القلب، وأعظم الكلِم الطيب كلام الله تعالى، فنظر الفضيل إلى السماء وقال: يارب إني أتوب إليك من هذه الليلة، إني أتوب إليك من هذه الليلة، ثم نزل فاغتسل ولبس ثيابه وذهب إلى المسجد يبكي حتى الصباح فتاب الله عليه.
وكان يطلق على الفضيل بن عياض إمام الحرمين في العبادة، الحرمان هما مكة والمدينة، وهو أصبح إمام الحرمين في العبادة ليس الإمام الذي يؤم الناس في الصلاة، وإنما يطلق عليه إمام الحرمين من باب أنه كان من أعبد الناس في مكة وفي المدينة.
أرأيتم كيف تغير كلمةٌ مجرى حياة إنسان، كيف تنقله من ظلامٍ إلى نور، من جهلٍ إلى علم، من ضعفٍ إلى قوة.
أيها المقيم على ذنوبك أَلَمْ يَأْنِ لك أن تتوب إلى الله (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) قل: بلى يارب قد آن، قد آن لي أن أتوب، قد آن لي أن أعود إليك، قد آن لي أن أصطلح معك، قد آن لي أن أترك الذنوب خوفاً منك، قد آن لي أن أقف على بابك، قد آن لي أن أرجو ثوابك وأن أخدم عبادك، آن لي يارب.
كلمةٌ واحدة قد تغير مجرى حياة إنسان
أيها الإخوة الكرام: كلمةٌ واحدة تغير مجرى حياة إنسان عندما تخرج هذه الكلمة من قلبٍ صادق فتدخل إلى قلب فتصادف فيه خيراً فتتمكن منه، هذا الرجل كان يجلس في بيته يقرأ القرآن لكن يبدو أنه كان خاشعاً في تلاوته ويبكي ويتبتل ويعبد الله في الليل فكان سبباً في توبة الفضيل، نحن اليوم لا نعرف هذا الرجل، نحن اليوم لا نعرف الرجل نحن نعرف الفضيل الذي تاب، لكن هذا الرجل الذي كان يقرأ لا نعرف من هو، لكنه عند الله بمكانٍ عالٍ جداً الله أعلم به، وما ضره أنَّا لا نعرفه.

الكلمة الطيبة تبقى إلى يوم الساعة
جاء رسول أذربيجان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر وقد انقضت المعركة، قال عمر: من مات في المعركة؟ قال: يا أمير المؤمنين مات فلانٌ وفلان وفلان، قال: وغيرهم؟ قال: مات خلقٌ كثير لا تعرفهم يا عمر، فبكى عمر رضي الله عنه، ثم قال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
فأيها الإخوة الأحباب: الكلمة الطيبة قد تقولها أنت ولا تلقي لها بالاً لكنها تبقى ويبقى أثرها إلى قيام الساعة.
الطيب والخبيث أثرهما يبقى
اليوم افتح اليوتيوب على دروس العلم لشيخٍ من الشيوخ الربانيين الذين قضوا وذهبوا إلى ربهم، افتح على دروسه تجدها تملأ الآفاق والناس يستمعون لها وينتفعون بها وهو قد مات منذ مئة عام، وافتح في الوقت نفسه على اسم شخص كان يمثل وله مشاهد سيئة وله أفعال سيئة فتجد أن هذا الشر أيضاً ما يزال إلى اليوم في صحيفته، فالإنسان سيموت لكن الكلمة الطيبة يبقى أثرها الطيب والكلمة الخبيثة يبقى أثرها الخبيث إلى حين، لكنها بعد حين (اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ).

إعراض الناس اليوم عن الكلمة
لماذا أعرض الناس عن الكلمة؟
أيها الأخوة: العنصر الثالث والأخير في لقائنا: مع كل ما للكلمة من أثر، ومع كل ما لها من فضل، إلا أنَّ الناس اليوم كثيراً منهم كفروا بالكلمة، يعني يسمع الكلام يقول لك: كلام لا تعبأ به، كفروا بالكلمة، فما عادت الكلمة تفعل فعلها في نفوس كثيرٍ من الناس كما كانت من ذي قبل.
فلماذا أعرض الناس عن الكلمة؟ وكيف السبيل لنعيد إليها طهرها وواقعيتها وأثرها؟
لاشك أننا إذا عرفنا سبب كفر الناس بالكلمة، أي إعراضهم عنها، علمنا كيف نعيد لها أثرها ووجودها في حياتنا ومجتمعاتنا، أقول وبالله المستعان، أول سبب لإعراض الناس عن الكلمة:

1. أنهم لم يجدوا مصداقاً لها في سلوك قائلها
النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثٍ وعشرين سنة غيَّر وجه العالم بالكلمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر الناس بأمرٍ إلا كان أول المنفذين له ولا ينهاهم عن نهيٍ إلا كان أول المنتهين عنه، ولسان حاله كحال شعيب إذ يذكر الله على لسانه في القرآن الكريم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ
(سورة هود: الآية 88)

لا أنهاكم على شيء ثم أذهب وأفعله، فلما وجد الناس الكلمة في واد والمتكلم في واد أعرضوا عن الكلمة، وهذا لا يبرر إعراضهم، لكنه واقع، هذا الذي حصل.
القول لا يتطابق مع الفعل
بربكم أيها الإخوة؛ مَثَل صَارِخ: أب جلس مع أبناءه في أمسية، يحدثهم عن عمق محبته لهم وعظيم اهتمامه بهم، وتفضيله إياهم على نفسه، أحبكم يا أبنائي أكثر مما أحب نفسي، ثم نهض إلى السوق فأحضر طعاماً ودخل إلى البيت ورائحة الطعام تفوح وهم جياع دخل إلى غرفته وأغلق الباب على نفسه وأكل الطعام وحده، ما قيمة الكلام الذي قاله، وما قيمة المحاضرة التي ألقاها، هذا مَثَلٌ صارخ، لكن الواقع قريبٌ منه أحياناً، حينما تسمع اليوم عن الديمقراطيات وحريات الشعوب وعن الرغبة في حماية الأطفال والمدنيين، وتسمع في الوقت نفسه أصوات القنابل تدمر البيوت فوق أصحابها، كيف تريد للناس أن يقتنعوا بالكلمة؟!
حينما تسمع حديثاً عن الورع والإستقامة من شخصٍ قد اغتصب أموال أخواته الضعيفات، كيف لك أن تقبل منه الحديث عن الورع والاستقامة، وهو من ثلاثين سنة يأكل أموال إخوته وميراثهم من أبيهم ولا يريد أن يعطيهم حصصهم.
حينما تسمع حديثاً عن حقوق المرأة وهم ينتهكون الأعراض، لا تملك إلا ابتسامةً ساخرة.
إن حديث الخائن عن الأمانة حديثٌ مضحك، وحديث الكاذب عن الصدق حديثٌ مخزٍ، وحديث المتفلت عن العفة حديثٌ يدعو للسخرية والاستهزاء، وحديث المتآمر على مصالح الأمة والوطن عن الوطنية حديثٌ مقرف، وحديث آكل المال الحرام عن الورع حديثٌ مقزز، ولن يقبل الناس منك كلمةً إلا إذا رأوك أول مطبقٍ لها في واقعك، هذه الحقيقة الأولى، فالناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم.
النبي صلى الله عليه وسلم تصفه عائشة في الصحيح فتقول: (كان خُلُقُه القرآنُ)

{ دخلنا على عائشةَ فقلنا: يا أمَّ المؤمنين ! ما كان خُلُقُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟ قالت: كان خُلُقُه القرآنُ }

(صحيح البخاري)

كان قرآناً يمشي صلى الله عليه وسلم، فإذا أردنا أن نعيد للكلمة مصداقيتها فلابد أولاً أن يرى الناس دعوةً بأفعالنا قبل أقوالنا، دعوةً بلسان الحال لا بلسان المقال، موقفٌ واحدٌ في الصدق أبلغ أثراً من ألف محاضرةٍ في الصدق.
أيها الإخوة الكرام، أيها الدعاة، أيها الآباء، أيتها الأمهات: أب يحدث ابنه عن الصدق ساعة، ثم يُطرق الباب، فيقول له: إن كان جارنا فلان على الباب فقل له أبي ليس هنا، ما قيمة محاضرته في الصدق؟ صفر، الأولاد تعلموا من موقفه، لم يتعلموا من كلامه، أيضاً الداعية، الداعية إلى الله، بين يديك أمانة التبليغ فإياك أن تحدث الناس بشيء ثم يروك غير مطبقٍ له.

2. وسائل ما يسمى بالحضارة الحديثة
انتشار وسائل الحضارة الحديثة
أيها الإخوة الكرام: السبب الثاني لغياب دور الكلمة هو انتشار وسائل ما يسمى بالحضارة الحديثة التي ألهت الناس عن الكلمة، يعني اليوم إذا جئت إلى بيت مساءً كل شخص يمسك هاتفه ويعبث به ويمضي عليه وقتاً على متابعة بعض المقاطع الفيديو أو المقاطع الصوتية أو المراسلات مع أصحابه، فلا تجد مكاناً للكلمة الطيبة في الأسرة، فلا بد أيضاً إن أردنا أن نعيد للكلمة مصداقيتها ودورها أن نعيد وجودها في البيوت، أن نعيد وجودها في المجتمعات، في مجالس العلم.

3. الارتزاق بالكلمة الطيبة
الكلمة الطيبة لا تستغل للارتزاق
وآخر شيء مما أريد أن أقوله في هذا اللقاء الطيب، السبب الثالث لغياب دور الكلمة: أن بعض الناس استخدموها للارتزاق بها، والكلمة الطيبة حين تخرج لمصلحة تخرج من الفم فتدخل إلى الأذن ولا تخترق القلوب لأنها لم تخرج من القلوب.
يقول الإمام الغزالي وتنسب للشافعي: "لأن أرتزق بالرقص أحب إلي من أن أرتزق بالدين".
الدين لا يستغل، الدين لا يرتزق به، الكلمة الطيبة لا تستغل للارتزاق، دع الكلمة الطيبة في عليائها، إن أردت أن يكون لك مال فهناك حِرفٌ احترفها، لا تحترف الكلمة الطيبة لتبتز الناس وتأخذ أموالهم، حتى لا تسقطها فيكون إثمك مضاعفاً عند الله تعالى.
يُروى عن بعض السلف في قوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
(سورة البقرة: الآية 31)

قال: "علمه أسامي ألف حرفةٍ وحرفة، ثم قال: إن لم تصبروا على الدنيا فارتزقوا بهذه الحرف، وإياكم أن ترتزقوا بالدين".
لا ترتزق بالدين، لأن الإنسان عندما يرتزق بالكلمة الطيبة يبعد الناس عن دين الله.
قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
(سورة الصف: الآية 3)

نعيد للكلمة طهرها وواقعيتها وواقعها في حياة الناس:
- أولاً: بأن يجد الناس مصداقاً في سلوك قائلها.
- وثانياً: بأن ندع لها مجالاً اليوم بين وسائل التقنية الحديثة.
- وثالثاً: بأن نقولها بإخلاص لا نبتغي بها إلا وجه الله تعالى حتى تدخل إلى القلوب وتجد مكاناً فيها.
أسأل الله تعالى أن يرفع الوباء، وأن يجيرنا من سيء الأسقام، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، اللهم ارفع عنا مقتك وغضبك، ولا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، اللهم يارب بلغنا رمضان في عافيةٍ منك وسترٍ ورحمة، واجعلنا من صُوَّام نهاره، وأن نقوم إن شاء الله تعالى لياليه في مساجدك وفي بيوتك نعمرها بالذكر والخير.
إلى الملتقى أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك