دروس الهجرة النبوية

  • الاحتفال بالهجرة النبوية
  • 2019-09-05
  • السلط
  • وزارة الأوقاف

دروس الهجرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى صحابته الغر الميامين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.

تعلم سنة رسول الله وقراءة سيرته فرضُ عينٍ على كل مسلم :
الأخوات الفضليات الداعيات إلى الله تعالى؛ الأخوة الأكارم؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: بادئ ذي بدء نحن مأمورون في القرآن الكريم أن نأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما آتَانَا، قال تعالى:

وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ سورة الحشر: 7 ]

نحن مأمورون بالاقتداء برسول الله
وكيف نأخذ ما آتانا وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم ندرس سنته صلى الله عليه وسلم؟ ثم إننا مأمورون بنص القرآن الكريم بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ سورة الأحزاب: 21]

وكيف يكون رسولنا صلى الله عليه وسلم أُسْوَةً حَسَنَةً لنا إن لم نقرأ سيرته؟ إذاً من خلال هاتين الآيتين يتضح أن تعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن قراءة سيرته فرضُ عينٍ على كل مسلم، لأن ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ونحن فُرِضَ علينا أن نأتمر ونهتدي بهديه، وأن نقتدي بأفعاله، فلابد أن نُتِمَّ هذا الواجب بقراءة سيرته وبتعلم سنته صلى الله عليه وسلم.

أحداث السيرة النبوية مقصودةٌ في كل حدثٍ من أحداثها لذاتها :
الأمر الثاني، نحن أيها الأخوة الكرام؛ كل إنسان فينا يعيش حياته وفيها أحداث، لكن الأحداث التي كانت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول كُتَّاب السيرة مقصودةٌ لذاتها، أي كل شيء وقع في حياته صلى الله عليه وسلم مقصودٌ لذاته، بمعنى ذاق الفقر، نحن قد يعيش الإنسان حياته فقيراً أو غنياً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ذاق الفقر وذاق الغنى، ذاق الضعف وذاق القوة، مثلاً ذاق الفقر إلى حد أنه دخل بيته فسأل: هل عندكم من شيء؟ قالوا: لا، ما منا أحد اليوم ممكن أن يدخل بيته وليس به أي شيء، لبن، جبن، زيت، تمر، أبداً ولا شيء، مرحلة فقر مدقع:

{ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل عندكم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم }

ثم ذاق من الغنى ما ذاق بعد أن فتح الله عليه الفتوح حتى جاءه أعرابي كما في الصحيح:

{ قال: لمن هذا الغنم؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: هو لك خذه وانصرف، فرجع إلى قومه قال: أسلموا مع محمدٍ فإنه يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة }

[أخرجه مسلم]

الفاقة: أي الفقر، إذاً عندما ذاق الغنى وقف الموقف الأكمل ليعلمنا، وعندما ذاق الفقر وقف الموقف الأكمل ليعلمنا، ذاق الضعف حتى إنه في الطائف أغروا به صبيانهم ليضربوه، ولحقوا به حتى شج رأسه، وسال الدم منه، فأرسل الله إليه ملك الجبال قال له:

{ يا محمد إن الله أرسلني لأكون طوع أمرك إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين -أي الجبلين- فلا يبقى هنا طائف أبداً، قال: لا يا أخي اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده }

[أخرجه الإمام البخاري]

عفا عنهم، ودعا لهم، واعتذر عنهم لربه، دافع عنهم، يعتذر عنهم إنهم لا يعلمون، اللهم اهد قومي، ثم رجا الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده، ثم أراد الله تعالى أن يذيقه قمة القوة عندما عاد إلى مكة فاتحاً وقد آذته، وأخرجته، وجعلت مئة ناقةٍ لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ونكلت بأصحابه، وأخذت بيوتهم وممتلكاتهم، أذاقه الله القوة فرجع منتصراً فاتحاً، مئات السيوف تنتظر منه إشارةً لتهوي على رقاب هؤلاء الذين ناصبوه العداء ونكلوا به:

{ فقال: ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قَالُوا: أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ }

[رواه الإمام الشافعي]

أحداث السيرة مقصودة لذاتها
أي أحداث السيرة مقصودة لذاتها هذا ما أريد أن أقوله، توفي ولده وأراد الله تعالى أن يذيقه فقد الولد، وشاءت حكمة الله أن يكون هذا الفقد عند كسوف الشمس:

{ فَقَالَ النَّاس: كَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ }

[رواه البخاري]

فانتصر للتوحيد، ووقف على منبره وهو في قمة ألمه لوفاة ابنه وهو يقول :

{ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ }

[رواه مسلم]

أذاقه أن يتكلم المنافقون في عِرضِ زوجته وهذا ما لا يطيقه بشر، فكيف بنبي مرسل؟ ووقف الموقف الأكمل ولم ينفعل الانفعالات الغاضبة التي ينفعلها بعض الناس اليوم، وإنما انتظر وحي السماء حتى جاءت تَبْرِئَتُهَا من السماء السابعة.
الذي أريد أن أقوله بالملخص أن أحداث السيرة النبوية مقصودةٌ في كل حدثٍ من أحداثها لذاتها من أجل أن يكون لنا عبرةٌ في كل لحظة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الهجرة بمفهومها العام و الخاص :
الآن لو جئنا إلى الهجرة، ونحن في هذه الذكرى الطيبة ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أردت أن أُعَرِّفْ الهجرة وأنا وضعت لها تعريفاً من اجتهادي الشخصي، قلت:
الهجرة حركة مدروسة واعية
الهجرة هي حركةٌ مدروسةٌ واعيةٌ، تهدف إلى تغيير الواقع نحو الأفضل، كم من حركات أرادت التغيير نحو الأفضل لكنها لم تكن مدروسةً، ولا واعيةً، فكان التدمير، والتشريد، والقتل، وما كان، النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يغير، وكلنا مأمورون أن نغير، التغيير مطلوب، لكن هل كان التغيير في الهجرة تغييراً غير مدروس؟ غير واع؟ أبداً. بيعة العقبة الأولى، بيعة العقبة الثانية، إرسال مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه إلى المدينة ليكون سفيراً للمسلمين، فيهيئ الأجواء لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم غيّر الواقع نحو الأفضل في رحلةٍ لا يعلم التاريخ رحلة أفضل منها في التغيير أبداً، أي رحلةٍ كانت كرحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التغيير؟! بنى دولة، الهجرة انتقلت من الأمة من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، ومن مرحلة الصبر إلى مرحلة النصر، ومن مرحلة التشتت والتفرق إلى مرحلة الوحدة، فهي كانت حركةً مدروسةً واعيةً، تهدف إلى تغيير الواقع نحو الأفضل، وكان ذلك، ونحن نعيش اليوم ببركة هذه الرحلة، بعد أكثر من ألف وأربعمئة سنة نعيش ببركة هذه الرحلة، ونقيم مراكز القرآن في هذه البلاد الطيبة ببركة هذه الرحلة، ونقف على منابر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعلم الناس الخير ببركة هذه الرحلة، فما أعظمها من رحلة! فعلاً كانت تغييراً، ولكنه كان مدروساً وواعياً فأنتج هذا التغيير العظيم الذي نفاخر به الأمم، هذا بالمعنى الضيق، بالمعنى الواسع النبي صلى الله عليه وسلم عرف المهاجر قال:

{ ‏الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ }

[رواه البخاري ومسلم]

اليوم نحن في بلاد تقام فيها شعائر الله، لا نحتاج إلى هجرة بمعنى الانتقال من وطن إلى وطن، أو من بلد إلى بلد، ولكننا نحتاج إلى تربية الهجرة بمفهومها العام، وهي الهجرة أن نهجر ما نهى الله تعالى عنه، أن نهجر بأنفسنا، ونعلم الناس أن يهجروا الكذب إلى الصدق، وأن يهجروا الخيانة إلى الأمانة، وأن يهجروا الغدر إلى الوفاء، وأن يهجروا أماكن الاختلاط واللهو غير المنضبط، وأن يهجروا الأماكن التي لا ترضي الله إلى أماكن ترضي الله تعالى، ويقام فيها شرع الله، أن يهجروا بيوت اللهو إلى بيوت الله تعالى إلى المساجد، هذه الهجرة بمفهومها العام.

ترتيبات هجرة النبي صلى الله عليه وسلم :
الهجرة النبوية تمت بسرية تامة
أيها الأخوة الكرام؛ لو نظرنا إلى ترتيبات هذه الرحلة، أولاً: السرية التامة، كان هناك سرية تامة، الذين يعلمون بالرحلة هم أبو بكرٍ رضي الله عنه وآله، وعليٌ بن أبي طالب فقط، كان هناك سرية تامة حتى الذين سيشاركون في بعض الأعمال لم يكونوا يعلمون بالمراد، فقط لهم عمل خاص، لكن ما الهدف؟ لم يكونوا يعلمون، فقط أبو بكر وآله وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
أبو بكر رضي الله عنه جهز راحلتين للسفر، ما قال صلى الله عليه وسلم سأخرج إلى هذه الهجرة، وعلى الطريق الله عز وجل يُعينني وييسر لي، قال له: جهز راحلتين، جهز راحلتين للرحلة، استأجر عبد الله بن أريقط ليدلهما على الطريق، وكان مشركاً، لكن استأجره لخبرته في الطريق، فأخذ الخبرة، استأجره ليدله على الطريق، أمر علياً رضي الله عنه أن يؤدي الأمانات إلى أهلها، وهذا من أعظم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته، هؤلاء الذين نكلوا به وبأصحابه ونهبوا أموالهم إلى آخره ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي رضي الله عنه: أدِّ الأمانات إلى أهلها، هذه لفلان، وهذه لفلان، يرتب قبل أن يهاجر، ما قال: الآن عندي رحلة عظيمة وهجرة، فهذه من سفاسف الأمور التي لا أهمية لها في الحرب ونحن معهم في حرب، لا، أيضاً خرج مستخفياً من الباب الخلفي، عندما خرج من عند سيدنا أبي بكر رضي الله عنه خرج مستخفياً، أيضاً أمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع لما تقوله قريش، أي ترك أذناً له في قريش، أيضاً أبو بكر رضي الله عنه أمر عامر بن فهيرة أن يرعى له غنمه، أيضاً أسماء بنت أبي بكر كانت مكلفةً بأن تأتي لهما بالطعام، ما قال: الله يرزقني ويهيئ لي، طبعاً الله يرزقه و الرزق من الله، لكن اتخذ السبب، أبقى علياً رضي الله عنه في فراشه، انظروا كم بنداً أصبحوا، أكثر من اثني عشر بنداً، أبقى علياً رضي الله عنه في فراشه حتى يُموه عليهم، أيضاً لم يتخذ الطريق المعهود التي تسلكها القوافل، نزل إلى الجنوب مساحلاً وخرج، لم يخرج في طريق القوافل حتى لا يلحقوا به، ثم مكث في غار ثور ثلاث ليالٍ حتى يهدأ الطلب، ويخف الطلب عليه.

الأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأرباب :
إذا أيها الأخوة الكرام؛ النبي صلى الله عليه وسلم هنا يصحح عند الناس أو يعلم الناس مفهوم التوكل الحقيقي، سيدنا عمر رضي الله عنه مرّ على قوم قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله، وجدهم لا يعملون، جالسون، من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله، قال: كذبتم، أنتم المتَّكلون، المتوكل على الله من ألقى بذرةً في الأرض ثم توكل على الله، أي قام بما يجب أن يقوم به ثم توكل على الله، لذلك قالوا: خذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء، خذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم توكل على الله وكأن الأسباب ليست بشيء.
أساس التوكل الأخذ بالأسباب
لذلك أيها الأخوة الكرام؛ أراد الله تعالى، أرادت حكمته جلّ جلاله، وأراد جلّ جلاله أن يصل إليه المشركون بعد كل هذه الأسباب ليظهر لنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد أخذ بالأسباب، حاشاه صلى الله عليه وسلم لم يكن أخذ بها تأليهاً لها، وإنما أخذ بها تعبداً لله تعالى، فأراد الله أن يصلوا إلى الغار حتى وقفوا فوقه، قال أبو بكر: لقد رأونا، انتهى، رأونا، فهنا ظهر توكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي، والذي ما بعده توكل:

{ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ, مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا }

[أخرجه مسلم]

إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
[سورة التوبة:40]

فأثبت الله ذلك في كتابه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة:

إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
[سورة التوبة:40]

أراد الله أن يصلوا إليه ليظهر التوكل، وأن هذه الأسباب التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن معتمداً عليها أبداً، ولكنه أخذ بها تعبداً لله، لأن الله أمره أن يأخذ بها، فلما وصلوا إليه ظهر حسن توكله على ربه جل جلاله.

مقارنة بين الإسراء و المعراج و بين هجرة النبي صلى الله عليه وسلم :
أخواننا الكرام؛ أخواتنا الكريمات الفضليات؛ لو أجرينا مقارنة سريعة، الإسراء والمعراج رحلة مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، والهجرة رحلة مهمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وبالمناسبة من فقه المسلمين ومن فقه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أنهم جعلوا التأريخ بالهجرة، العام بالهجرة، لم يقولوا: مضى ألف وكذا على مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أن مبعثه صلى الله عليه وسلم مهمٌ جداً، ما قالوا على ولادته، رغم أن مولده صلى الله عليه وسلم كان فتحاً عظيماً، لم يقولوا على وفاته، لكنهم قالوا على هجرته، أي من فقه الصحابة أنهم أرَّخوا بالهجرة، لأنه حقيقة الحدث الذي غير مجرى التاريخ هو الهجرة، فأرادوا أن يبدؤوا بالتغيير، لا بشيء كوني حصل من غير فعل إنساني، أما الهجرة فكان فيها فعلٌ نبويٌ واضح، كان فيها أسباب، كان فيها متابعة، كان فيها أخذ بالأسباب، فأراد الصحابة أن نبدأ تأريخنا بها.
الإسراءة والمعراج معجزة خارج القوانين
لو أجرينا مقارنة سريعة بين الهجرة والإسراء والمعراج؛ الهجرة من مكة إلى المدينة نحن نتكلم عن أربعمئة وخمسون كيلومتراً، الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم المعراج إلى السماء، الهجرة كيف تمت؟ على راحلتين أعدهما أبو بكر رضي الله عنه، الإسراء: البراق، الهجرة استغرقت في أصح أقوال العلماء أربعة عشر يوماً، وقيل: اثنا عشر، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: أربعة عشر يوماً، أما الإسراء فكان في جزءٍ من ليلة، إذاً الهجرة تمت وفق السنن والقوانين الكونية، أما الإسراء فتم خارج السنن، الإسراء معجزة، والمعجزة هي شيء يستحيل عادةً لكنه لا يستحيل عقلاً، أي هو خارق للعادات، اليوم لو إنسان قال: أنا ذهبت للمقدس ورجعت في ليلة واحدة، نقول له: نعم، ماذا فعلت؟ بالطائرة تذهب وترجع، اليوم أصبح سهلاً، لكن كان مخالفاً للعادة في وقتها فكان معجزة، لكن الهجرة تمت وفق القوانين، وكأن الإسراء والمعراج كان معجزةً بذاته، لكن الهجرة كانت معجزةً بنتائجها، كأن الله تعالى يقول للمسلمين: اصنعوا في الهجرة معجزتكم بنفسكم، أنتم اصنعوا المعجزة، لقد صنع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة معجزةً عظيمةً جداً رغم أنها كانت وفق القوانين والسنن، لكنه سلك بها الطرق التي شرعها الله تعالى، وكانت حركةً مدروسةً وواعيةً فغيرت التاريخ، وغيرت العالم، أما الإسراء فهو رحلة خارج القوانين، فنحن متعبدون بالإسراء والمعراج بالتصديق - أبو بكر قال: إن كان قال فقد صدق- لكن بالهجرة مُتَعَبَّدُون بالتطبيق، في الإسراء بالتصديق لكن بالهجرة بالتطبيق، نحن مأمورون في الهجرة أن نأخذ بدروس الهجرة، وأن نعمل بها، لنصنع نحن المعجزة كما صنعها النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته، أما الإسراء فشيءٌ خارج القوانين، وخارج السنن الكونية، ألم يكن من الممكن أن ينقل الله تعالى نبيه كما نقله في الإسراء؟ أي بالبراق من مكة إلى المدينة، يأتي البراق و يأخذه ويضعه هناك، ولا يوجد أربعة عشر يوماً، ولا يوجد جلوس في الغار ثلاثة أيام، ولا تعب، ولا نصب، ولا مئة ناقة، وابعثوا في أثره، ويصبح في المدينة، ومعجزة، لا، ما أراد الله ذلك، الإسراء والمعراج كانت تسليةً له صلى الله عليه وسلم بعد عام الحزن، رحلة تكريمية لتبين للناس جميعاً أنه مرسلٌ من الله تعالى، لكن في الهجرة اصنع المعجزة بنفسك، أنت قُم، أنت تحرك، أنت أغرس بذرةً في الأرض ثم توكل على الله جل جلاله.

التفاؤل و الثقة درسان مهمان من دروس الهجرة النبوية :
التفاؤل والثقة من دروس الهجرة
إذاً أيها الأخوة الكرام؛ أيضاً في الهجرة درسٌ مهمٌ جداً وهو التفاؤل والثقة، نحن اليوم بسبب ما توالت علينا النكبات، وبسبب أن هناك حرباً عالميةً ثالثةً معلنةً ضد المسلمين كانت تحت الطاولة، فأصبحت فوق الطاولة، وبسبب أن المكر قد اشتد واشتد واشتد، قال تعالى:

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
[ سورة إبراهيم: 46 -47]

بسبب أنه على الشبكية قد يئس بعض الناس لما يرونه من شدة القهر والألم الذي يصيب المسلمين في شتى أقطارهم وأمصارهم، فكأنهم شعروا بأن الله تعالى قد تخلى عنا، والكرة في ملعبنا، والله عز وجل لا يتخلى عن عباده، ولكن لما هان أمر الله عليهم هانوا على الله، فإذا عدنا إلى الله فإن الله عز وجل قد وعد، ووعوده محققة بلا شك، لكن عندما تكالبت هذه الهموم والأمم على المسلمين، وقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم:

{ يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِعَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ }

[أخرجه أبو داود في سننه]

التفاؤل الحقيقي يبنى على معطيات
فلما أصبحنا في هذه الحال نحن نحتاج إلى جرعة تفاؤل، لكن ليس التفاؤل الساذج غير المبني على علم، وإنما التفاؤل الحقيقي المبني على المعطيات، فنحن وبفضل الله تعالى بعد ألف وأربعمئة وإحدى وأربعين سنة من هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ما زلنا نقيم شعائر ديننا، ومازالت مراكز القرآن تفتح أبوابها لتعليم الناس، ومازال الخير في أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم باقياً إلى يوم القيامة، فنحن نحتاج إلى التفاؤل، ولا نريد أن يرهقنا اليأس، لأن اليأس يقترب من الكفر:

إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[ سورة يوسف: 87]

فبالهجرة نتعلم التفاؤل، فكم كان احتمال النجاة في هذه الأجواء التي كانت تحيط بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد وقفوا على بابه وقد ائتمروا على قتله؟

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
[ سورة الأنفال: 30]

لعل نسب النجاح في وقتها للدعوة الإسلامية كانت بلا شك أسوأ من حالنا اليوم بألف مرة، والإسلام كان نكون أو لا نكون.

اليقين بنصر الله والتفاؤل بتحقيق وعوده سبحانه :
عندما استطاع أن يفلت منهم بتقدير الله تعالى جعلوا مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فكان بين الجالسين رجل يدعى سراقة بن مالك، وهذا سراقة فارس من فرسان العرب المشهورين، فأغرته تلك المئة، مئة ناقة اليوم مئة سيارة، أي مبلغ كبير، ثروة، فأغرته هذه المئة، لكنه ما أراد أن ينتبه الناس إليه فيتسابقون معه، مكث قليلاً ثم استأذن على أنه يريد قضاء بعض شأنه، فركب فرسه وهمّ بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من غار ثور، هذه بعد الأيام الثلاث، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أخرج وأراد أن يرميه بقوسه، فساخت قوائم فرسه في الأرض كما في صحيح البخاري، وتجمدت يده، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له فدعا له فانطلقت، المرة الثانية، المرة الثالثة، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم محمي من الله تعالى، هذه حماية من الله، فقال: انتظرا، الآن هنا طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً، سراقة بن مالك أيقن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيظهره الله، أي أصبح عنده واضحاً جداً، فقال: اكتب لي كتاباً، أي عهداً، فكتب له عامر بن فهيرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً من أجل أن إذا رجع النبي فاتحاً إلى مكة أن يخرج هذا الكتاب فيكون في حماية النبي صلى الله عليه وسلم، فقد علم ذلك.
الآن هذه الرواية الصحيحة في البخاري، الآن لها تتمة في كتب السيرة ضعفها البعض ورجحها البعض، الله أعلم، لكن نستفيد منها درساً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة:

{ كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى؟ }

ما معنى ذلك؟ أي يقول له: أنا سأصل المدينة، الموضوع محسوم، و سأنشئ هناك دولةً، وسأعود إلى مكة فاتحاً، وسأحارب أكبر دولة في وقتها، وهي دولة الفرس، وستأتيني الغنائم إلى أرض المسلمين، وسيكون لك من هذه الغنائم يا سراقة سوار كسرى، ما هذا التفاؤل؟ يقين بنصر الله، استشراف للمستقبل، تفاؤل عظيم بما أعدّ الله تعالى، لأن الله تعالى يستحيل ألا يحقق وعوده، إذا وعد جلّ جلاله:

وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
[ سورة النساء : 87]

وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
[ سورة النساء : 122]

وعود الله محققة لا محالة
فالوعد محقق مئة بالمئة، لكن الكرة في ملعبنا نحن، عندما نأتمر بما أراد الله تعالى، وننتهي عما نهى عنه.
إذاً أيها الأحباب الكرام؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده يقين بنصر الله تعالى، وتفاؤل بتحقيق موعود الله تعالى، وبالفعل في عهد سيدنا عمر كما تروي كتب السيرة جاءت كنوز كسرى إلى عمر، ووقف عمر و نادى: أين سراقة؟ وكان شيخاً قد اقترب من المئة، فجاء وكبّر المسلمون، وألبسه سوار كسرى.
إذاً أيها الأخوة الكرام؛ نحن بحاجة اليوم إلى هذا اليقين، وإلى هذا العمل، من أجل التغيير معاً، العمل واليقين من أجل التغيير.

العمل لخدمة دين الله يجب أن يكون غاية كل إنسان و ليس إدراك النجاح :
آخر ما أريد قوله أيها الأخوة الكرام ولا أريد أن أطيل: احتفال جميل، ولقاء طيب في هذه الأصبوحة الجميلة، بارك الله بكم، أنا سعيد جداً في هذا اللقاء، آخر ما أريد أن أقوله: النبي صلى الله عليه وسلم عمل وبذل وأخلص واجتهد وفعل كل ما بوسعه، لكن الله تعالى عندما خاطبه في القرآن الكريم قال له:

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ
[ سورة يونس: 46]

يجب أن نستمر بالعمل ولو لم ندرك النجاح
فأنا وأنت وأنتِ أختي الفاضلة علينا أن نعمل، وليس علينا إدراك النجاح، المهم أننا على الطريق، والمهم أننا نغرس البذرة، والمهم أننا نسعى بكل جهد، وبكل طاقة، و نستنفد جهودنا في خدمة دين الله تعالى، لكن وهو نبيه صلى الله عليه وسلم فهو أحق شخص في الحياة لو أراد الله تعالى أن يمنحه هذا أن يمنحه ذلك، فأن يقول له: سنريك كل نتائج عملك وأنت حيٌ ترزق، رغم ذلك قال له: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ فقد لا يتاح لك و أنت سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم أن ترى كل نتائج عملك، لكن حسبك أنك على الطريق، فلذلك نحن حسبنا على الطريق سواء رأينا عزة الإسلام التي نطمح لها جميعاً، ونصرة المسلمين في أصقاع الأرض، أو توفانا الله فحسبنا أننا ثابتون على المبدأ، وأننا ما غيرنا وما بدلنا حتى نلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنا.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذه المناسبة الطيبة، والذكرى العطرة دافعاً لنا جميعاً نحو التغيير، ودافعاً لنا جميعاً نحو البذل والعطاء والتعليم و الخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.