• محاضرة في الأردن - عمان
  • 2020-10-26
  • عمان
  • الأردن

إلا تنصروه !!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ، الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بيته الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنا وعنهم يارب العالمين.


التجهُّز لغزوة تبوك
أيها الإخوة الأحباب: لما رَجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حُنين، أمر المسلمين بالنفير إلى تبوك، والنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحدد وجهته في المعارك، وهذا من سياسته وحكمته صلى الله عليه وسلم، لأن الحرب خُدعة، فكان يستنفر الناس للخروج، ولا يُعلِم إلا المقربين المختصين بالأمر العسكري، أما عموم الناس فيتوجهون في المعركة، هذا ما يسمى اليوم الناحية الإعلامية في الحرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يُعلِمُ الناس بوجهته، إلا في غزوة تبوك، فقد أعلم الناس بأننا متجهون إلى تبوك، بسبب المشقة الشديدة التي كانت في تلك المعركة، فالجو حارٌ جداً، والمسافة بعيدةٌ جداً، فلا بد أن يتهيأ المسلمون، ويهيئوا طعامهم وشرابهم وزادهم، ويعدّوا للطريق عُدته، فأعلمهم بالوجهة بأنهم متجهون إلى تبوك، وغزوة تبوك كانت رداً على تجمع جيوش الروم في جنوب بلاد الشام، حتى إن القوات الرومانية تقدمت مع حلفائها من القبائل العربية في تلك المنطقة إلى أرض البلقاء في الأردن، فكان النفير إلى الشام، فالمسافة بعيدة، والجو حارٌ جداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلم المسلمين بالوجهة ليتهيؤوا.

نصرة رسول الله هي في الحقيقة انتصارٌ به
في هذه الأثناء، وفي السنة التاسعة تقريباً للهجرة، وكان أواخر ما نزل من القرآن، قوله تعالى في سورة التوبة:

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
(سورة التوبة: الآية 40)

تثبيط الناس لترك نصرة رسول الله
(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) لأن كثيراً من المسلمين يعتقدون أن مناسبة النزول هي الهجرة، تتمة الآية: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) لكن في الحقيقة هذه الآية نزلت في السنة التاسعة للهجرة، بعد تسع سنوات من الهجرة، ونزلت في غزوة تبوك ما الذي حصل؟ عندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم التوجه إلى تبوك، وأعلم الناس بالوجهة، بدأ بعض المرجفين في المدينة، وبعض المنافقين، وبعض ضعاف الإيمان ممن دخلوا الإسلام حديثاً، أو لمّا يتمكن الإسلام في قلوبهم، بدؤوا يُثبّطون الناس؛ كيف تخرجون في هذه الرحلة الطويلة؟ الحر شديد، هذه رحلة هلاك، بدؤوا يُثبطون الناس لترك نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحرب.
يخاطب الله تعالى هؤلاء المثبطين فيقول لهم: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)، فنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم متحققةٌ من رب الأرض والسماء، فأنت إما أن تنال هذا الشرف ويسجل اسمك في سجل الخالدين، وإما أن تفقده وتبقى منبوذاً إلى أبد الآبدين، فاختر لنفسك، عندما تنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنت لا تنصره حقاً، وإنما تنتصر به، فهو ليس بحاجةٍ إلى نصرتك، فنحن ننتصر برسول الله، يعلو قدرنا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، يصبح أمرنا ذا شأنٍ بين الأمم برسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن قومٌ كنا قبائل عربية متناحرة، يأكل القوي الضعيف، كانت الحروب تقوم لأجل ناقة، كانوا رعاةً للغنم فأصبحوا ببعثته قادةً للأمم، ما الذي حفظ عربيتنا ولغتنا؟ القرآن الكريم، ما الذي حفظ عزنا بين الأمم؟ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من الوحي من السماء، فنحن أمةٌ أعزنا الإسلام، وعندما ننتصر للإسلام، أو ننتصر لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، ففي الحقيقة نحن ننتصر به، لكن الله عزَّ وجلّ يشرفنا عندما يجعلنا في نصرته، لا في الخندق المعادي للحق والعياذ بالله.

الاجتراء على رسول الله معاداةٌ لله سبحانه وتعالى
لما تكلمت بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم وجعلن أنفسهن حزبين، الله تعالى خاطبهنَّ فقال:

إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ
(سورة التحريم: الآية 4)

الاجتراء على رسول الله معاداةٌ لله تعالى
(إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أي استجابت إلى الحق، (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) إن جعلتم كل واحدةٍ منكن ظهراً للأخرى، في خندقٍ -لا أقول معادٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم- لكن للتشويش عليه (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ)، كنت أقول وسمعت ذلك من بعض العلماء الكرام؛ لو أن جندياً غرَّاً أي غير متطوع، في جيشٍ قام ببعض التمرد، أي لم يستجب لأمر قائده، أيُعقل أن تستنفر الدولة الجيشَ كله؛ بقياداته وبرموزه وبقائد الجيش من أجل صدِّ هذا العنصر الغرّ الذي قام بهذا التمرد! عجيب، لكن الله تعالى قال: (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ) ليُعلِم كل إنسانٍ إلى قيام الساعة أن من يجترئُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من يقف في خندقٍ معادٍ للحق، فليعلم من هو الطرف المقابل الذي يقف ضده؛ إنه يُعادي الله تعالى، هذا هو المعنى.
فإذاً أيها الإخوة الكرام: نحن عندما ننتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحقيقة ننصر أنفسنا به، فهو عزنا ومجدنا، وما كانت أمتنا أمةً لها وزنها بين الأمم إلا لما التزمت بمنهج الله تعالى، وهذا مبدأ عمر رضي الله عنه يوم قال:
نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله
{ عمر بن الخطاب }

الله جلّ جلاله نَصَرَ نبيه
عزة المؤمن في الخندق الموالي للحق
إذاً نعود إلى الآيات التي نزلت في غزوة تبوك، هذه الآيات نزلت في السنة التاسعة للهجرة، الآن النبي صلى الله عليه وسلم سيخرج إلى تبوك، بعض المثبطين تخلوا عن نصرته، أو أرادوا أن يثنوا الناس عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرهم الله تعالى يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثَانِيَ اثْنَيْنِ)، لم يكن معه أحد، لا جيشٌ عرمرم، ولم تكونوا كلكم معه، كان معه أبو بكرٍ رضي الله عنه فقط، لكن (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، فالله تعالى تولى نصرته يوم كان فريداً وحيداً، فنصرته قائمةٌ بكم أو بغيركم، ولكن تُعزُّون أنفسكم حينما تُسخرون أنفسكم جنداً للحق، هذه عزة المؤمن حينما يجعله الله تعالى في الخندق الموالي للحق، معاذ الله أن يكون في الخندق المعادي للحق.
أيها الكرام: الله تعالى جلَّ جلاله نصر رسوله، فقال: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ).
والله تعالى عصمه فقال:

وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
(سورة المائدة: الآية 67)

والله تعالى كفاهُ، فقال:

إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
(سورة الحجر: الآية 95)

والله تعالى قطع مبغضه، فقال:

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
(سورة الكوثر: الآية 3)

(شَانِئَكَ) أي مبغضك، والأبتر هو المقطوع.
وتوعد من يؤذيه، فقال تعالى:

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(سورة التوبة: الآية 61)

والله تعالى أعطاه حتى أرضاه، فقال:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ
(سورة الضحى: الآية 5)

وشرح صدره، فقال:

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
(سورة الشرح: الآية 1)

ورفع له ذكره، فقال:

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
(سورة الشرح: الآية 4)

وزكاه، فقال:

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ
(سورة القلم: الآية 4)


الفرق بين على خلق وذو خلق
التمكنٌ من الخُلُق
قد تكون على شاطئ البحر، فتأتي موجةٌ عاتيةٌ فتنال منك وتجرُّك إلى البحر، لكن قد تكون في رأس الجبل المطل على البحر، فمهما اشتدت قوة الموج فلن تصل إليك، فأنت على الجبل، أنت في مكان مرتفع، عندما نقول: إنسانٌ ذو خُلُق، أي صاحب خُلُق، هذا الإنسان ليس متمكناً من الخُلُق مئةً بالمئة، هو في بداية طريق الخُلُق بمعنى أنه تنازعه نفسه أحياناً إلى الكذب، ثم يقوى عليها، ويكون صادقاً، فيقال: هذا ذو خُلُق، تُنازعه نفسه إلى قبض مبلغٍ من حرام ثم يركله بقدمه فهو ذو خُلُق، تُنازعه نفسه لنظرةٍ من حرام، ثم بصعوبةٍ يغضُّ بصره، ويعفُّ عن المحارم، فنقول: هو ذو خُلُق، لكن لما يكون الإنسان متمكناً من الأخلاق فنقول: إنك لعلى خُلُق، هذا معنى (لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) هو التمكن، كأنه أصبح في قمة الجبل، لا يمكن لأي موجةٍ أن تصل إليه، لأنه متمكنٌ من الخُلُق، أما عندما يتحدث ربنا عزَّ وجلّ عن المشركين، فيقول:

فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
(سورة الأعراف: الآية 60)

غارقون في الضلال، (فِي) هذا الفرق بين (فِي) و(على)، فنبينا صلى الله عليه وسلم وصفه ربه، فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وأكدها بكثيرٍ من المؤكدات، المؤكد الأول: أنها جملةٌ اسمية، والجملة الاسمية وحدها توكيد، وأكدها بـ(إِنَّ) و(إِنَّ) للتوكيد، وأكدها بـاللام المزحلقة التي وقعت في الخبر (لَعَلَىٰ)، وهذه اللام تفيد التوكيد أيضاً، فلما زكاه ربه جلَّ جلاله بأخلاقه العلية، فلا يمكن لإنسانٍ كائناً من كان أن ينال منه، لأن خالقه جلَّ جلاله تولى تزكيته.

حب رسول الله دينٌ ندين الله تعالى به
أيها الإخوة الأحباب: حب رسول الله صلى الله عليه وسلم دين، ليس عاطفةً، العاطفة جميلة جداً، قد يحب الإنسان أخًا في الله، هذا حبٌ في الله، لكن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التحديد دينٌ ندين الله تعالى به، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

(صحيح البخاري)

حب رسول الله فرضٌ على كل مسلم
فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضٌ على كل مسلم، ويجب على كل مسلمٍ أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم محبةً فوق محبة كل ما سواه، الآن لو سألنا في العالم الإسلامي المسلمين عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوجدنا الجواب عند معظمهم أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من كل شيء، لكن الحقيقة ينبغي أن يرافق هذا الحب الذي هو ادعاء، وقيل: لما كثر مدعو المحبة طولبوا بالدليل:

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
(سورة آل عمران: الآية 31)

فما قَبِل الله تعالى محبته إلا بالدليل، وجعل دليل محبته اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكريماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل مسلمٍ يمكن أن يقول بلسانه: أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لما يبرهن أن الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما، يبرهن على ذلك عندما يقدِّم طاعة الله وطاعة رسوله على طاعة الخلق أجمعين، فلما يأتيه قرشٌ من حرام يركله بقدمه، ولما يأتيه شيءٌ بخلاف سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته يدعه، وإذا عامل الناس عاملهم بما سنَّهُ له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو بذلك يبرهن على محبته لرسول الله.

أمثلة عن حب الصحابة للنبي الكريم
أيها الكرام: هذا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ ويروى هذا عن خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ أيضاً في كتب السيرة، لكن الأرجح أنها لزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ أو لكليهما، لأنهما أُسِرَا معاً وسيقا إلى مكة، وأخرجا للقتل، فزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ قال له أبو سفيان عندما قُدِّمَ للقتل: أَنْشُدُكَ باللَّه يَا زَيْدُ، يعني أستحلفك بالله، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ عِنْدَنَا مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنَّكَ في أَهْلِكَ؟ فقَالَ زَيْدٌ رضي اللَّه عنه: وَاللَّهِ مَا أُحبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ في مَكَانِهِ هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ، وَأَنِّي جَالِسٌ في أَهْلِي.

{ عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه قال: {لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ حَاصَ أَهلُ المَدِينةِ حَيصَةً وقالوا: قُتِلَ محمدٌ، حتى كَثُرتِ الصَّوارِخُ في نَاحِيَةِ المَدينةِ، فَخَرَجَتِ امرأةٌ مِنَ الأَنصَارِ مُتَحَزِّمَةً، فَاستُقبِلَت بِابنِها وَأَبِيها وَزَوجِها وَأَخِيها، لا أَدرِي أَيَّهُم استُقبِلَت بِهِ أَوَّلاً، فَلَمَّا مَرَّت على آخرِهِم قالت: مَن هذا؟ قالوا: أَبوكِ، أَخوكِ، زَوجُكِ، ابنُكِ، تَقُولُ: ما فَعَلَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؟، يَقُولُونَ: أَمَامَكِ، حتى دُفِعَت إلى رَسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم،ـ فَأَخَذَت بِنَاحِيَةِ ثَوبِهِ، ثم قالت: بِأَبي أنت وَأُمِّي يَا رَسولَ اللهِ، لا أُبَالي إِذَا سَلِمَتَ مِن عَطَبٍ. وفي السِّيرةِ لابنِ هِشامٍ أنه صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ بِامرأةٍ مِن بَني دِينَارٍ وقد أُصِيبَ زَوجُها وَأَخُوها وَأَبُوها مَعَهُ بِأُحُدٍ، فَلَمَّا نُعُوا لها قَالَت: فَمَا فَعَلَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ؟، قَالُوا : خَيرًا يَا أُمَّ فُلانٍ، هو بِحَمدِ اللهِ كَمَا تُحبِّينَ، قالت: أَرُونِيهِ حتى أَنظُرَ إِلَيهِ، قال: فَأُشِيرَ لها إليه، حتى إذا رَأَتْهُ قالت: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَلٌ. }

(أخرجه الطبرانيُّ)

امرأة من بني دينار بعد معركة أُحُد تتفقد الشهداء في المعركة، فترى بين الشهداء زوجها، ثم ترى أخاها، ثم ترى أباها، وهي تقول: ما فَعَلَ رَسولُ اللهِ؟ حتى قالوا: هو بخيرٍ كما تحبين، قالت: أَرُونِيهِ، أَنظُرَ إِلَيهِ، أريد أن أتأكد، فلما رَأَتْهُ أَخَذَت بِنَاحِيَةِ ثَوبِهِ وقَالَت: يا رسول الله كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَل.
كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَل
جَلَل: أي صغيرة، جَلَل: من ألفاظ التضاد، يأتي بمعنى الكبير والصغير، هنا كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَل، أي هينةٌ صغيرة لا أُبَالي بها، هذه محبة، محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله فاقت كل حد، الحقيقة فدوه بأرواحهم وأموالهم، فهذا الذي جعل أبا سفيان، وهو ما زال مشركاً يقول: مَا رَأَيتُ أَحداً يُحِبُّ أَحَداً كَحُبِّ أَصحَابِ محمدٍ محمداً.

الجوانب الإيجابية من الإساءات للنبي الكريم
أيها الكرام: الذي نريده من هذا اللقاء اليوم، هذه الإساءات المتكررة التي حصلت، وأنا والله دائماً أنظر إلى الجانب الإيجابي في المسألة، وهكذا علمنا الإسلام أن نستشرف الإيجابيات في السلبيات، الذي يحدث أمرٌ سلبي بلا شك، لكن الجوانب الإيجابية فيه كثيرة.

1. كشف حقيقة مدّعي الحرية والديمقراطية
أحدها وأهمها فيما اعتقد؛ أن الله تعالى يريد أن نكشف هؤلاء المتشدقين بالحرية، والديمقراطية، والسلام، والأمان، والخير، أن يكشفهم على حقيقتهم، لأن الطريق إلى الله تعالى لن تكون مفتوحةً سالكةً إلا عندما يكفر الإنسان بالطاغوت، قال تعالى:

فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ
(سورة البقرة: الآية 256)

فهؤلاء جرائمهم كثيرةٌ ومعروفةٌ على مدى التاريخ، وعندهم متحفٌ للجماجم ما يزال يشهد على إجرامهم إلى اليوم، لكن سبحان الله كثيرٌ من الناس ومن المسلمين ذاكرتهم كذاكرة السمك كما يقال، ينسون، فلعل هذه النزعة العنصرية والعدائية التي تتوجه بدون أي مبررٍ إلا العداء للإسلام، تُعيد إلى الأذهان إجرامهم وحقيقتهم، وتوقظ الأجيال الجديدة التي تناست جرائمهم، وظنت أنهم على حقٍ وعلى خيرٍ لأنهم أقوياء، فكثيرٌ من الناس قانونهم في الحياة ؛ أنت قويٌ إذاً أنت على حق، لكن نحن المسلمين قانوننا في الحياة ؛ أنت على حقٍ إذاً أنت قوي، القوة نستمدها من الحق، بينما هم يستمدون الحق من القوة.
قابيل وهابيل، طبعاً الِاسْمَاْنِ غير واردين في الصحيح، هما ابنا آدم لكن الكثير يسمونهم قابيل وهابيل، وإن كان لم يثبت ذلك، ابنا آدم كان أحدهما يمثل الجانب الضعيف لكنه المستمسك بحقه، والثاني كان يرى أن له الحق لأنه يملك القوة، هذه بداية الحياة لما قال له:

لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
(سورة المائدة: الآية 28)

الحق هو القوة
فكان أحدهما يمثل قوة الحق، وكان الثاني يمثل حق القوة، الغرب اليوم يمثل حق القوة، فهم يدعون أن الحق مرتبطٌ بالقوة، فما داموا أقوياء فهم الذين على حق، ويحق لهم أن ينالوا من الآخرين، وأن يستهزؤوا بمشاعرهم، ولو استهزؤوا بشعائر مليار ونصف مليار مسلم، لا يوجد أي مشكلة، حرية تعبير، هذا لأنهم يرون أنهم على حق لأنهم أقوياء، بينما نحن المسلمين نقول: إن القوة ليست هي الحق، وإنما الحق هو القوة، فمتى كنت على الحق فأنت القوي، ولو كنت لا تملك شيئاً، وإن كنت على باطلٍ فأنت الضعيف، لأنك تقوى بالحق، هذا الأمر الأول من إيجابيات هذه الأحداث الأخيرة.
الإيجابية الثانية: أن الله تعالى يأبى كل حين إلا أن يوحِّد المسلمين، ولو كانت هذه الوحدة ليست هي الوحدة المنشودة، وليست الوحدة التي نسعى إليها، وإنما التي نسعى إليها أعظم وأعمق وأجل، ونتمنى أن تحصل، إلا أن الله عزَّ وجلّ يريد أن يريَ المسلمين أنهم على قلب رجلٍ واحدٍ في حب نبيهم، وفي نصرة نبيهم، هذه أيضاً من الإيجابيات.

2. المقاطعة الاقتصادية
المقاطعة براءة ذمةٍ للمسلم أمام ربه
من الإيجابيات أيضاً هذه الدعوات التي حصلت للمقاطعة الاقتصادية، والمقاطعة الاقتصادية البعض يهون ويقلل من شأنها، وأرى أن التهوين من شأنها في هذا الوقت لا يسمى إلا تثبيطاً، هؤلاء مثبِّطون، لأن هذه إن لم تكن كما يدعي البعض قادرةً على إحداث شيء، وأنا أقول: إنها قادرة وتؤلمهم، ودليل ذلك ما صدر من خارجيتهم أمس بدعواتٍ لوقفها، لأنها آلمتهم، لكن على أقل تقديرٍ فهي براءة ذمةٍ للمسلم أمام ربه، بأنه قدم ما يستطيعه، فلا أدخل إلى بقاليةٍ ويشتم صاحب البقالية أبي، ثم أعود لأشتري منه ثانيةً، وكأنه لم يصنع شيئاً، فهذه الدعوات هي في الحقيقة دعوات حق، وإن كان البعض يقللون من شأنها، لكن حسبها أنها تبرئةٌ للذمة أمام الله، فضلاً عن آثارها التي ستتنامى إن استمرت إن شاء الله.

3. موجة التعاطف وإعادة التذكير بالرسول الكريم
الخير قد يكمن في الشر
أيضاً هذه الموجة، موجة التعاطف على وسائل التواصل الاجتماعي من الناس جميعاً، وإعادة التذكير برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنشر أخلاقه وسيرته، وما رأيناه من أبنائنا الصغار من تعاطفٍ في هذا الأمر، فهذا كله من الإيجابيات التي تكمن في السلبيات، فأنت ترى الوجه السلبي، لكن الله تعالى يجعل الخير أحياناً كامناً في الشر، ولا تغيب عنكم تلك المرأة التي لما تزوجها زوجها، ولما دخل عليها وجدها ليست جميلة الشكل، فقالت له: لا تعجل فلعل الخير كامنٌ في الشر، لكنه قضى معها أياماً ثم تركها ومضى، وغاب عشرين سنة، فلما رجع دخل المسجد ليصلي، فوجد عالماً قد اجتمع الناس عليه، ثم اكتشف أن هذا العالم هو ابنٌ له، فكان الخير كامناً في الشر، هو نظر إلى الأمر من زاوية، وهي قالت له: لعل الخير كامنٌ في الشر، هو أخطأ طبعاً، لكن العبرة في الموضوع ؛ أن الخير قد يكمن في الشر، لذلك لما قال تعالى:

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
(سورة الشرح: الآية 5-6)

لم يقل: إن بعد العسر يسراً، وإنما قال: (مَعَ)، بمعنى أن بذور اليسر موجودةٌ في العسر نفسه، فأنت قد تنظر إلى العسر، لكن معه اليسر، وأنت لا تشعر به.
إذاً أيها الأحباب: هذه الدعوات للمقاطعة هي دعواتٌ طيبة، وينبغي أن نعززها في نفوس الناس، وألا نقلل من شأنها، وحسبها في أقل حالٍ أنها تبرئةٌ للذمة، بأننا لا يمكن أن ندعم من يُسيء إلى ديننا.

الاستفادة من هذه المحنة بمزيدٍ من التمسك بسنَّة رسول الله والاعتزاز به
لكن حتى أكون منطقياً ومتوازناً، أرى أننا ينبغي أن نستغل هذا الحدث أكثر من ذلك، وأن نستثمر فيه أكثر من ذلك، وأن نكون أسرع يقظةً بعد المصيبة أكثر من ذلك، وأن نضيف إلى هذه الدعوات وهذا التعاطف الجميل على الوسائل المختلفة ما سيأتي في هذه الآيات الكريمة، أولاً: النبي صلى الله عليه وسلم لما وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:

{ كان خُلُقُه القرآنَ }

(أخرجه أحمد بسند صحيح)

النبي الكريم كان قرآناً يمشي
وقال كُتاب السيرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي، فإذا نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدت أخلاق القرآن متمثلةً في كل حركةٍ من حركاته، وفي كل سكنةٍ من سكناته، في حياته، في تعامله مع الكبير، ومع الصغير، ومع الضعيف، ومع القوي، ومع الغني، ومع الفقير، ومع الزوجة، ومع الأولاد، ومع الآخرين، ومع العدو، ومع الجمادات، ومع الحيوانات، مع كل شيء، كان تعامله قرآناً يمشي، وإن النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لن يشكو أمته لربه إلا بشكوى واحدة قال تعالى:

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا
(سورة الفرقان: الآية 30)

لن يشكو إلا أنهم هجروا كتاب الله تعالى، فالذي نريده بالإضافة إلى هذه الدعوات؛ أن تكون تلك المحنة باعثاً لنا لمزيدٍ من التمسك بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مزيداً من الاعتزاز بها والتمسك بها.

تطبيق سنة رسول الله مأمنٌ من عذابه
إخواننا الكرام: الله تعالى يقول في قرآنه الكريم:

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ
(سورة الأنفال: الآية 33)

الوقوف عند أمر النبي ونهيه
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظَهْرَانِي أصحابه، جعلهم الله تعالى في مأمنٍ من عذاب الله، لأن الله لا يعذب أمةً ونبيها بين أصحابه، فلما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ما معنى هذه الآية؟ أي وسنتك مطبقةٌ في حياتهم، لما تكون مطبقاً لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرسول الله في الأمة لأنها تقف عند أمره ونهيه، تقف عند ما أمر، وتنتهي عما عنه نهى وزجر:

وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
(سورة الحشر: الآية 7)

هذا الأمر الأول الذي نريده، أن نكون عند أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يكون رسول الله فينا، في حياتنا، في تجارتنا، في تعاملنا، في بيعنا، في شرائنا، في رضانا، في غضبنا، في تعاملنا مع الأصدقاء، ومع الأعداء، أن ننضبط بضوابط الشرع في كل ما نفعله، عندها نكون في مأمنٍ من عذاب الله، هذه الآية الأولى.

النهي عن إنكار سنة رسول الله وتأويلها
الآية الثانية: قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(سورة الحجرات: الآية 1)

إنكار السنة وتأويلها تقديمٌ بين يدي الله عز وجل
(لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) كما يقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنَّة، ما معنى قدَّم بين يديه؟ أي قال شيئاً بخلاف قوله، اليوم عندما تكون في مجلسٍ، وهناك مسلمون، ويعتزون بدينهم، وتقول لأحدهم: هذا ليس من السنَّة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو يقول لك: يا أخي تمهل، الزمان تغير، هذا يقدِّم بين يدي الله ورسوله، ربما يقول إنسانٌ: أنا لا أستطيع تطبيق هذا الأمر، أسأل الله أن يعفوَ عني، هذه معصية، نسأل الله جميعاً أن نكون في طاعة الله ورسوله، وكل إنسان مقصر، وكلنا مقصرون، لكن عندما يأتي إنسانٌ ينكر من السنّة ما ينكر، ويؤوِل من السنة ما يؤوِل، هذا يقدم بين يدي الله عزَّ وجلّ.

{ كنتُ في أصحابِ الصُّفَّةِ فلقد رأيتُنا وما منَّا إنسانٌ عليه ثوبٌ تامٌّ، وأخذ العرَقُ في جلودِنا طرفًا من الغبارِ والوسَخِ، إذ خرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ليُبشِرْ فقراءُ المهاجرين، إذ أقبل رجلٌ عليه شارةٌ حسنةٌ، فجعل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يتكلَّمُ بكلامٍ إلَّا كلَّفتْه نفسُه أن يأتيَ بكلامٍ يعلو كلامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلمَّا انصرف قال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يُحبُّ هذا وضَربَه يلوون ألسنتَهم للنَّاس ليَّ البقرِ بلسانِها المرعَى كذلك يلوي اللهُ عزَّ وجلَّ ألسنتَهم ووجوهَهم في النَّارِ }

(أخرجه الطبراني بسند صحيح)

أصحاب الصُّفَّةِ كانوا يبيتون في المسجد، فقراء جداً، (فلقد رأيتُنا وما منَّا إنسانٌ عليه ثوبٌ تامٌّ)، هذه في بداية الدعوة فقرٌ شديد، هؤلاء جاؤوا وكانوا يَأْوُون إلى المسجد، فلا يوجد أحد منهم عليه ثوبٌ تام، كلها ثيابٌ ممزقة، (وأخذ العرَقُ في جلودِنا طرفًا من الغبارِ والوسَخِ)، لا يوجد طريقةٌ للاستحمام أيضاً، (ليُبشِرْ فقراءُ المهاجرين)، يعني أبشروا، بشرهم بالبشرى، هنا موطن الشاهد، (إذ أقبل رجلٌ عليه شارةٌ حسنةٌ)، يلبس ثياباً أنيقةً جداً، عليه شارةٌ حسنةٌ، (كلَّفتْه نفسُه أن يأتيَ بكلامٍ يعلو كلامَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بشيءٍ، وهو تدفعه نفسه إلى أن يتكلم بشيءٍ آخر، ليظهر نفسه بين الناس، وربما يكون هذا الشيء المتكلَّم به بخلاف ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالعبارة الحديثة اليوم يتفلسف، الفلسفة جميلةٌ في بعض نواحيها، الفلسفة علم، لكن سبحان الله إذا أكثر إنسان من الكلام دون طائلٍ يقولون: إنه يتفلسف، باللغة العربية يتحذلق، أحد الشباب ذهب ودرس فلسفة في بلاد الغرب، وعاد، فقال لوالده: لقد درست فلسفة، وعدت ومعي شهادةٌ كبيرة، قال له والده: ما شاء الله، الحمد لله على سلامتك، فجلسوا في مجلسٍ هو ووالده وإخوته، فأتوا بالدجاج، أحضروا أربع دجاجات، ووضعوها أمامهم، فقال لوالده: سأُريك بالفلسفة ماذا تفعل، قال له: كيف؟ قال له: في الفلسفة سأقنعك أن هذه الدجاجات الأربعة هي خمس دجاجات، وليست أربعة، فقال له والده: لا تقنعني، ولا تتفلسف، لي دجاجة، ولأمك دجاجة، ولكل واحدٍ من إخوتك دجاجة، وأنت كُلِ الخامسة!
سنة رسول الله بيننا
فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يُحبُّ هذا وضَربَه، أي وأمثاله، وفي رواية وصوته، يلوون ألسنتَهم للنَّاس ليَّ البقرةِ لسانِها بالمرعَى)، عندما تأخذ العشب، (كذلك يلوي اللهُ عزَّ وجلَّ ألسنتَهم ووجوهَهم في النَّارِ)، هذا الحديث مخيفٌ حقيقةً، الآن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيننا بجسده، ليأتي أحدٌ ويتكلف أن يأتي، لكن سنّته بيننا، فاليوم عندما يأتي إنسانٌ، وكلما تكلمه عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكلِّفه نفسه أن يأتي بكلامٍ آخر، ويقول لك: العلم تغير، والحياة تغيرت، وينكر ما عُلم من السنّة بالضرورة، ما تعارف عليه العلماء، الأخلاق والقيم وكل أحاديث رسول الله، فهذا إنما يلوي لسانه بالكلام، وسيلوي الله تعالى والعياذ بالله لسانه، ووجهه في نار جهنم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
(سورة الحجرات: الآية 2)


التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
أيضاً هذه الآية في حياته صلى الله عليه وسلم لها معنى:

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
(سورة الحجرات: الآية 4)

رفع الصوت فوق صوت رسول الله في يومنا
ليس من الأدب أن تأتي وتقول: يا محمد اخرج لنا، كان ذلك يفعله البعض، أعراب لم يتفقهوا، فجاء القرآن يؤدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنه يتكلم فيرفع صوته في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، اليوم الإنسان لا ينبغي أن يرفع صوته في حضرة أبيه ولا أمه، فكيف في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لكن اليوم ما معنى الآية (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ) المعنى الذي قبله تماماً، اليوم عندما يأتي إنسان، ويرفع صوته فوق صوت رسول الله، وفوق سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتماً تنطبق عليه هذه الآية، أحد الأمثلة على ذلك، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، يقول:

{ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ }

(رواه ابن ماجه)

فاليوم أيضاً هذه دعوةٌ في رفع الصوت فوق صوت النبي، أخي نحن نحتكم إلى كتاب الله، هل يوجد آيةٌ في كتاب الله؟ يا أخي لا يوجد آيةٌ في كتاب الله، لكن يوجد حديثٌ نبويٌ، سنده صحيح، ومتنه صحيح، وتلقته الأمة بالقبول، وقد يكون من المتواتر.

{ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ }

(رواه ابن ماجه)

فاليوم هؤلاء يتكلمون بكلامٍ يريدون أن يعلوا بكلامهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدعي أنه من أهل السنَّة، والسنَّة منه براء، لأنه يتبرأ منها.

الثبات على المقاطعة والتمسك بسنة رسول الله
الذي أريد أن أقوله في محصلة الأمر؛ هؤلاء الأعداء أعداء، أعداؤنا الذين يثيرون الغبار، والله ما يثيرونه إلا على أنفسهم، وما ضرَّ السحاب نبح الكلاب، وما ضرَّ البحر أن ألقى فيه غلامٌ بحجر، ولو تحول الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا الدين، ما أثاروه إلا على أنفسهم، هذه حقيقة، الدين في عليائه ما تغير والحمد لله، لكن هؤلاء الأعداء موقفهم معروف، لكن اليوم عندما تجد من بني جلدتك من يستهزئ بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يدعها وراءه ظهرياً، أو يدَّعي أن القرآن الكريم كافٍ، وأنه لا حاجة لنا بالسنّة، فهؤلاء يُسِيئُونَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يُسِيئُ له الغرب، لأنهم من بني جلدتك، وقد قيل: لا تخافوا على الدين من أعدائه، وإنما خافوا عليه من أدعيائه.
فالذي أريده في المحصلة؛ أن نثبت على المقاطعة التجارية لأنها تَبْرِئةٌ للذمة، لأنها والله مؤثرةٌ شاء من شاء وأبى من أبى، وأن نثبت على دعوات النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الفيسبوك، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، وأن نضيف لها تمسكاً بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعليماً للناس لهذه السنّة، وألا نلتفت إلى دعوات العابثين التي تريد اليوم بطريقةٍ أو بأخرى أن تعبث بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن تنتقص منها، أو أن تقلل من شأنها.

القرآن والسنّة مصدرا تشريع
فالقرآن والسنّة مصدرا تشريع، كلاهما مصدرٌ للتشريع في ديننا، القرآن والسنّة وحيان؛ وحيٌ متلو هو القرآن الكريم، ووحيٌ غير متلو هو السنَّة:

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ
(سورة النجم: الآية 4)

الوحي وحيان وحيٌ متلو ووحيٌ غير متلو
فالوحي وحيان؛ وحيٌ متلو ووحيٌ غير متلو، طبعاً في القدسية القرآن أولاً، فالقرآن نتعبد الله بتلاوته، أما في التشريع فكلاهما مصدرا تشريع، كما أن القرآن الكريم يُشرِّع فالسنّة تشرع، مثالٌ بسيطٌ جداً القرآن الكريم ذكر المحرمات، قال:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
(سورة النساء: الآية 23)

هل يجوز للإنسان أن يجمع بين البنت وعمتها أو البنت وخالتها؟ لا يجوز، أين هذا في الآية؟ غير موجود، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح:

{ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا }

(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

فنهى عن الجمع بين البنت وعمتها، أو البنت وخالتها، كما نهى القرآن عن الجمع بين الأختين، فهذا تشريع، هذا تشريع نبوي، كما هو التشريع القرآني، لا يقول إنسان: هذا تشريعٌ أقل مرتبة، لا، كلاهما تشريع من الله تعالى، هذا جاءك عن طريق القرآن، وهذا جاءك عن طريق السنّة، في القدسية القرآن أولاً بلا خلاف وهذا لا شك فيه، لكن في التشريع كلاهما مصدر تشريعٍ من الله، فلا نلتفت اليوم إلى الدعوات التي تريد أن تنال من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تعبث بها، وأن تدعو الناس إلى نبذ السنّة، والاكتفاء بالقرآن الكريم، لأنهم وكما تبين الآن في الحالات الراهنة بعد أن فرغوا من تشكيك الناس بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدؤوا بتشكيك الناس بالقرآن نفسه، هم ذاتهم الذين كانوا يقولون: القرآن فقط، اليوم حتى في القرآن الكريم، بدؤوا بالحدود أنها غير مناسبة للزمان، وبدؤوا بتأويل بعض الآيات الأخرى، ثم بأن القرآن الكريم ليس قيداً يأسرنا إنما نورٌ يهدينا، نستعين ببعض آياته، لكن هناك آيات انتهت وولى زمانها! وهذا موجود على صفحات الفيسبوك، وليس من عندي وكثيرون من يقولونه، نريد أن نزيد من تمسكنا بكتاب الله تعالى، وبسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إضافةً إلى الحملات القائمة، وحملات المقاطعة.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا في نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنحن كما قلت في البداية إذ نفعل ذلك ؛ لا ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما نحن ننتصر به صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.