• محاضرة في الأردن - عمان
  • 2021-02-08
  • عمان
  • الأردن

الحب

السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعالَى وَبَرَكاتُهُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ، الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

مقدمة:
وبعد؛ أيها الكرام: الحبُّ لنا - أهلّ الإسلام - ويحاولون اختطافه مِنَّا بأعيادٍ ما أنزل الله بها من سلطانٍ وتحويله من مفهومٍ راقٍ له دِلالةٌ عظيمةٌ إلى مفهومٍ شهوانيٍّ لا يمتُّ للأخلاق بصلة، أصل الإيمان هو الحب، بل إن الله تعالى لا يقبَلُ عبادةً بغير حب، العبادة ليست مجرد انقيادٍ بالسلوك، إن لم يرافق العبادة حبٌّ فهي ليست عبادةً وإنما طاعةٌ قسريةٌ، والله تعالى يأبى أن تكون علاقتنا به علاقة قَسرٍ وإكراه، قال تعالى:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
(سورة البقرة)

هو الذي خلقنا ويُحيينا، ويُميتنا، ويُعطينا، ويرزقنا، وكلُّ شيءٍ بيده ومع ذلك ما أراد تعالى أن نأتيه قَسراً وإنما حُبَّاً، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)
(سورة المائدة)

أراد أن تُبنى العلاقة على الحب، فالحبُّ أصلٌ في ديننا، وما العبادة إلا طاعةٌ وحبٌّ، طاعة + حب = عبادة، فمن أطاع الله ولم يُحبَّه فما عبده، ومَنْ أحبَّ الله ولم يُطعه فما عَبَده، الحب الأجوف ليس شيئاً جيداً والطاعة المفصولة عن الحب ليست شيئاً جيداً، لا بدَّ من اجتماع الطاعة مع الحب لذلك قالوا: "العبادة طاعةٌ طوعيةٌ، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبيةٍ، أساسها معرفةٌ يقينيةٌ، تُفضي إلى سعادةٍ أبديةٍ"

معرفة الله أصلُ العبادة:
فالعبادة فيها أصلٌ معرفيٌّ: أن تعرِفَ الله تعالى الذي تعبده، تعرفه رحيماً، لطيفاً، ودوداً، قريباً منك، وفيها جانبٌ سلوكيٌّ: وهو الطاعة، وفيها جانبٌ جماليٌّ: وهو السعادة بالطاعة، فالمؤمن يسْعَدُ بطاعته لله، ووالله إنَّ المؤمن يجد في المال الحلال مِنَ السعادة ما لا يجده المُنحرف في المال الحرام، ويجد في زوجته مِنَ السعادة ما لا يجده المنحرفون في عشيقاتهم مِما يسمونه السعادة وهو لذةٌ طارئةٌ تنقضي وتبقى آثارها المؤلمة بعد انقضائها، فالمؤمن يجد في طاعته مِنَ السعادة ما لا يجده غيره في معصيته.
الحبُّ أصلٌ في العبادة
لذلك أيها الكرام: العبادة فيها معرفة، وفيها سلوك، وفيها حب، والحبُّ هو الذي يعطي السعادة، فالحبُّ أصلٌ في العبادة، وديننا - لا أبالغ إن قلت - كلُّه حب، لأنه لن يطيع الإنسان ربَّه إلا إذا أحبَّه، والإنسان يُقاد بالحب إلى ربه أكثر مما يُقاد بالخوف، جرِّب مع ابنك الصغير أن تترك أسلوب التخويف وأن تعتمد أسلوب الحب والتودد، لا تقل له: إن لم تصلِّ أحرقك الله بالنار، قل له: إن صليت منَحَك الله السكينة والقرب والتوفيق والخير، شجعه دائماً على جانب الحب، ولا مانع بين الحين والآخر من التخويف، لكن أصل العلاقة مع الله هي الحب، والخوف طارئٌ من أجل ألا يتمادى الإنسان في المعصية، لأن النفوس دائماً إذا تمادت في قضية الحب والأشياء المُحببة ربما تسترخي فتقع في المعصية، فيأتي الخوف طارئاً ليُعيدها إلى الجادة، أما أصل العلاقة فهي علاقة حب، أصل العلاقة مع الله الحب وليس الخوف، والخوف هو داعمٌ للحبِّ من أجل أن يبقى الإنسان على الجادة المستقيمة، لذلك الله تعالى أرسل رسوله فقال:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)
(سورة سبإ)

البشارة مِنْ أجل الحب، والنذارة مِنْ أجل الخوف.

الحبُ في الحديث الشريف
أيها الإخوة الكرام: عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يروي حديثاً عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:

{ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:‏ " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى"‏،‏ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ،‏ قَالَ: ‏"‏هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ"،‏ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ‏{‏أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏ }

(رواه أبو داود)

الغِبْطة شعورٌ محمودٌ
(إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ) النبوَّة أعلى مرتبةٍ ثم تأتي بعدها الصِّدِّيقِيَّةِ ثم الشهداء ثم الصالحون، فقال: (يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) الأنبياء في أعلى مكانٍ والشهداء بعدهم، (يَغْبِطُهُمُ) يغبطونهم؛ ينظرون إليهم بالغِبْطة، والغِبْطة شعورٌ محمودٌ وهو غير الحسد، الغبطة: أن تتمنى ما عند الآخرين مِنْ خيرٍ أخرويٍّ دون أن تتمنى زواله عنهم والغِبْطة محمودة، (يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) مِنْ شدة قربهم من الله، (هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ) وهنا في هذا المجلس المبارك لا تربط بيننا صِلات قرابةٍ ربما لا مباشرةٌ ولا بعيدة، فهنا ليس هناك أرحام ما الذي جمعنا؟ الله، تحاببنا بروح الله، (عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا) يقوم التجار أحياناً بمجلسٍ مثل هذا المجلس مِنْ أجل المصلحة، لا بأس في ذلك، يعني لا بأس أن يقوم الإنسان بدعوة بعض أصدقائه التجار مِنْ أجل الأموال، يحدث، لكن هؤلاء مكانتهم ليس لها علاقةٌ لا بالرحم ولا بالمال، (وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ)، ثم قرأ قوله تعالى:

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
(سورة يونس)

بربكم أيها الكرام؛ لو أن إنساناً لم يخَف ولم يحزن فما الذي بقيَ مِنْ سعادة الدنيا؟! الخوف على الماضي والحُزن من المستقبل، فإذا لم يخَف على شيءٍ سيأتي ولم يحزن على شيءٍ فاتَهُ فما بقيَ شيءٌ من سعادة الدنيا، الإنسان لماذا يعيش في قلق؟ يخاف مِنَ المستقبل أو يحزن على الماضي، فإذا أصبح بلا خوفٍ وبلا حزنٍ فذهب القلق والاكتئاب والسوداوية والظُلمة في القلب وحلَّ محلَّها النور، وفي حديثٍ آخرٍ يقول صلَّى الله عليه وسلم:

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي" }

(رواه البخاري)

وفي حديث السبعة:

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه تَعالى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ، وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّه، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاها، حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ }

(متفقٌ عَلَيْهِ)

(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ) ذكر منهم: (وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ).

الحُب في الله:
الحب في الله عين التوحيد
إخواننا الأحباب: الحبُّ نوعان: حبٌّ في الله وحبٌّ مع الله، الحبُّ في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، ما الفرق بين الحُبِّ في الله والحبِّ مع الله؟ مثلثٌ حادُّ الزوايا لنفترض أن الله تعالى أو منهج الله في أعلى المثلث وعلى الزاويتين أنت وزوجتك، كلما اقتربتما من الله اقتربتما من بعضكما هذا حبٌّ في الله، أنت وشريكك، أنت تُحب شريكك في الله فكلما أطاع الله وأطعت الله؛ اقتربتما من الله، اقتربتما من بعضكما حكماً، أنت وأبناؤك حبٌّ في الله، أنت وصديقك حبٌّ في الله، أنت وأمك حبٌّ في الله، أنت وأبوك حبٌّ في الله، أنت وأخوك النسبي حبٌّ في الله، مع العمَّة، مع الخالة، مع العم، مع الخال، هذا حبٌّ في الله، كلما كانت العلاقة أمتَنَ مع الله كان التقارب أكثر، فأنت تُحبه في الله فإذا أطاع الله ازدادت محبتك له وإذا عصى الله نقُصَت محبتك وبادرت إلى نُصْحِه، فإن أبى وأعرَضَ ربما إن وصل الأمر إلى مرحلةٍ لا تستطيع الإصلاح تُقاطعه في الله، تقول له: يا أخي أنا لا يُناسبني أن أكون معك وأنت في كلِّ مجلسٍ تطلب مثلاً محرماتٍ على الطاولة لا يُناسبني أن تكون صديقاً، تبقى علاقة عمل، علاقةٌ عابرةٌ، أما لا أودُّكَ في الله وأذهب معك لأنك الآن خرجت عن منهج الله، نصحتك فلم تنتصح، لأن هذا حبٌّ في الله، فالله هو الذي يحكم العلاقة بينك وبين الآخرين، وهم قريبون منك بقدر قُربهم من الله، وأنت قريبٌ منهم بقدر قربك من الله، فلذلك قالوا: (الحب في الله عين التوحيد) لأنك لا ترى إلا الله، زوجتك أقرب الناس إليك؛ لا تُحبها إلا في الله، وأبوك وأمك لا تُحبهما إلا في الله، والدليل:

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
(سورة لقمان)

لأن الحبَّ في الله، هما أصل الوجود، جعلهما الله تعالى سبباً في وجودك ولكنه لم يمنَحك الحرية لحُبهما بعيداً عن منهج الله بل قال: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) لذلك ماذا قال تعالى في كتابه الكريم؟

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)
(سورة التغابن)

وهل يكون الزوج أو الولد عدواً؟ قالوا: هذه عداوة مآل لا عداوة حال، في الحال: هي زوجتك وهؤلاء أولادك وتُحبهم لكن لمَّا ضغطوا عليك من أجل أن تشتري شيئاً لا تملك ثمنه فذهبت وأخذت رشوةً من أجلهم فهم أعداؤك في المآل لأنهم يوم القيامة لن ينفعوك، في الدنيا أغرَوْكَ من أجل أن تأخذ قرضاً ربوياً لتلبي طلباتهم، ويوم القيامة يتبرؤون منك فهم أعداء في المآل، فقال: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) إياك أن يكون زوجك أو أن تكون زوجتك عدواً لك في المآل.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عن زوجته خديجة:

{ ما غِرْتُ علَى نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا علَى خَدِيجَةَ وإنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا. قالَتْ: وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فيَقولُ: أَرْسِلُوا بهَا إلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ قالَتْ: فأغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلتُ: خَدِيجَةَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا }

(صحيح البخاري)

ولما سألوه:

{ يا رسولَ اللهِ، مَن أحَبُّ النَّاسِ إليكَ؟ قال: عائشةُ، قيل: مِن الرِّجالِ؟ قال: أبوها }

(صحيح الترمذي)

كان يُحب خديجة ويُحب عائشة ويُحب كل زوجاته صلى الله عليه وسلم، لكنها محبةٌ في الله وليست محبةً مع الله حاشاه صلى الله عليه وسلم.

الحُب مع الله
أما الحب مع الله فهو عين الشرك لماذا؟ لأن الإنسان عندما يُحب مع الله فهو مستعدٌّ أن يضحي بطاعة الله لإرضاء مَنْ يُحبه، هذه محبةٌ مع الله، يستعدُّ أن يعصي الله مِنْ أجل أن يُرضي شريكه في تجارةٍ محرَّمةٍ، يقول لك: لا أريد أن أخسر شراكته وهو طلب أن نستورد هذه الصفقة والصفقة فيها شبهةٌ لكنه شريكي مِنْ ثلاثين عاماً لا أريد أن أخسره، وهل تريد أن تخسر علاقتك بالله من أجل شريكك؟! إذاً أنت تُحبه مع الله ولا تُحبه في الله وهذا شركٌ والعياذ بالله، هو من الشرك، الشرك الخفي وليس الشرك الجلي، الشرك الجلي أن يُعبَدَ في الأرض غير الله، تقريباً في عالمنا الإسلامي انقرض ولله الحمد، لن تجد صنماً اليوم يعبده المسلمون، لكنهم يعبدون مِنْ حيث لا يشعرون أموالهم مِنْ دون الله فيعصون الله من أجل تحقيق المال، ويعبدون مِنْ حيث لا يشعرون شركاءهم من دون الله فيعصون الله إرضاءً لشركائهم وهكذا.. فهذا شركٌ خفيٌّ، وهو كما قال سيدنا عليٌّ رضي الله عنه: (هو أخفى من دَبِيبِ اَلنَّمْلَةِ اَلسَّوْدَاءِ عَلَى اَلصَّخْرَةِ اَلصَّمَّاءِ فِي اَللَّيْلَةِ اَلظَّلْمَاءِ، قالوا: وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى جَوْر، وَأَنْ تُبْغِضَ عَلَى عَدْل).
الحبُّ والبُغضُ في الله من أساسيات الإيمان
ما معنى ذلك؟ أدنى الشرك (أَنْ تُحِبَّ عَلَى جَوْرٍ) إنسانٌ ظالمٌ وتُحبه لمصلحةٍ بينك وبينه، (وَأَنْ تُبْغِضَ عَلَى عَدْل) إنسانٌ عَدَلَ معك وقال لك: هذا حرامٌ فكرهته لأنه نَصَحك لله، أو قال لك: اتقِ الله وهو محقٌّ فيما يقول: فكرهته على عدل، هذا أدنى الشرك (أَنْ تُحِبَّ عَلَى جَوْر وَأَنْ تُبْغِضَ عَلَى عَدْل)، فنحن نُبغِضُ الظالمين ونُحب الصالحين، والحبُّ في الله والبُغضُ في الله من أساسيات الإيمان، دعكم مِمَنْ يتكلمون اليوم على وسائل التواصل: بأننا بالَغْنا قليلاً في البراء والولاء، كلُّ الدنيا توالي وتتبرأ، لماذا تُعيبون على المسلم أن يُوالي ويتبرأ؟! كل إنسانٍ في الدنيا اليوم له أولياء وله أشخاصٌ يتبرأ منهم، هناك من يتبرأ من الصالحين والعياذ بالله، أَمَا قال قوم لوط:

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)
(سورة الأعراف)

جاؤوهم بالحق فقالوا: (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) ما ذنبهم؟ يريدون الطهارة، مِنْ حقي أن أقول: أنا أوالي أهل الإيمان وأتبرأ مِنْ أهل العصيان، أتبرأ منهم أنا لست منهم، هذا لا يعني أنِّي سأقاتلهم ولا يعني أننِي سأظلمهم، حاشا لله المسلم لا يظلِمُ لكن أنا لي أولياء من أهل الإيمان وأُوالِي أهل الإيمان ولو كانوا فقراء ولو كانوا ضعفاء، وأتبرأ مِنْ أهل الكُفر والعصيان ولو كانوا أقوياء وأغنياء، هذا منهج المسلم أنا مع أهل الإيمان ولو ضَعُفوا حيناً ولو افتقروا فأنا معهم، وأنا بعيدٌ عن أهل الفسق والعصيان والفجور والظلم ولو كانوا أقوياء ولو كانوا أغنياء، هذا منهج المسلم.

محبة الأنبياء والرسل والصحابة:
حب الأنبياء مِنْ فروع محبة الله
أحبابنا الكرام: كما قلنا الحبُّ في الله أصل التوحيد أو عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك، والمؤمن يُحب في الله، نفسِّرُ قليلاً: الله عزَّ وجلَّ أصل الحب، الأصل أنك تُحب الله تعالى، الآن مِنْ فروع محبة الله أنك تُحبُّ الأنبياء والرسل أجمعين لا تُفرِّقُ بين أحدٍ منهم، فالمسلم يُحب رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم ويُحب عيسى عليه السلام ويُحب موسى عليه السلام وداود وزكريا وكلَّ أنبياء الله يُحبهم في الله لأنهم رسل الله، هذا حبٌّ في الله، بعد ذلك يُحب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جميع الصحابة الكرام، ويقول بعدالتهم جميعاً ويُبرِّر لهم، ماذا يعني (يُبرِّر لهم) حتى تُفهَم العبارة بشكلٍ صحيح؟ بالله عليك إذا كان لك ابنٌ وابنك أخطأ وأنت تعبتَ في تربيته، مِنْ مُنطلق الحُب العالي والولاء لابنك؛ مِنْ غير أن تشعر كلنا ذاك الرجل، قد تُبرِّر له أخطاءه ولو بينك وبين نفسك، تقول: الشباب كلهم هكذا، سنٌّ وينقضي، لو أخطأ غيره ربما لا تجد له مبرراً، فالإنسان المؤمن بدافع إيمانه لا يخوض فيما كان بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يخوض، هم عُدولٌ جميعاً وما جرى بينهم جرى وانقضى وبُلِغَ فيه وضُخِّم:

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)
(سورة البقرة)

وانتهى الأمر، فلا يخوض فيما شَجَرَ بينهم ولا يُعَدِّلُ أحدهم على أحدٍ، أن هذا الصواب وهذا الخطأ، مَنْ نحن أمامهم؟! يكفيهم أنهم صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشَهِدَ لهم النبي صلى الله عليه وسلم بحُسن الصُّحبة وقال:

{ اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تتَّخذوهم غَرضًا بعدي، فمَن أحبَّهم فبِحبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهم فبِبُغضي أبغضَهم، ومَن آذاهُم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذَى اللَّهَ، ومَن آذَى اللَّهَ يوشِكُ أن يأخذَهُ }

(أخرجه الترمذي)

أي اتقوا الله في أصحابي.

{ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فلوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ" }

(رواه البخاري)

لن تبلغ شَأْوَ واحدٍ مِنْ صحابة رسول الله ولا نصف صحابيٍّ مِنْ صحابة رسول الله لأنهم فدوه بأرواحهم وبأموالهم وعاشوا أصعب الظروف والغزوات والقتال حتى وصل إلينا الإسلام كما وصل، فمهما كان مِنْ اجتهاداتٍ بينهم فهذه تبقى بينهم لكن نحن لا نُقحِمُ أنفسنا بها، هذا من الحب، من حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حُب الإنسان لأهل بيته:
المؤمن يُحب أهل بيته
فالحب في الأصل لله، ثم لأنبياء الله، ثم لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يحب الإنسان أهل بيته، وحبُّ الزوجة جزءٌ من إيمانك، لأن المؤمن يُحب أهل بيته، ليس له إلا أهل بيته، لكنه لا يحبُّ وليس له؛ نسأل الله السلامة، عشيقات، فهو يرزق حُبَّ أهل بيته لأنه يشعر بالسعادة والأنس في بيته، هذا مِنْ حُب الأهل والأولاد.
النبي صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا (إنّي رُزِقْتُ حُبَّها) جعل الحُب رزقاً من الله.

حب أهل الإيمان والصلاح:
وبعد ذلك يُحب المؤمن أهل الإيمان وأهل الصلاح يُحبهم في الله تعالى، فهذه كلُّها مِنْ فروع محبة الله تعالى، ورد في الصحيح:

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لاَ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ }

(صحيح مسلم)

(فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا) على طريقه أرصَدَ له ملكاً، (هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟) يعني هل لك مصلحة جئت من أجلها؟ (لاَ والله غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ) زيارةٌ لله، (فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) انظروا إلى مكانة الحُب في الله في الإسلام.

حب كلّ مخلوقات الله:
الذي أريده أن الحبَّ لأهل الإسلام، الأذواق والحُب وهذا الذي تجيشُ فيه العواطف هذا أصلٌ في ديننا، نحن نُحب الله تعالى والذي يُحب الله يُحب كلَّ مخلوقات الله.
دخلَ النبي صلى الله عليه وسلم بستاناً لرَجُلٍ مِنَ الأنصارِ، فقال:

{ أردَفَني رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ خَلفَهُ ذاتَ يومٍ، فأسرَّ إليَّ حَديثًا لا أحدِّثُ بِهِ أحَدًا من النَّاسِ، وَكانَ أحبُّ ما استَترَ بِهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ لحاجَتِهِ هَدفًا، أو حائِشَ نَخلٍ، قالَ: دخلَ حائطًا لرَجُلٍ مِن الأنصارِ فإذا جَملٌ، فلَمَّا رأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حنَّ وذرِفَت عيناهُ، فأتاهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فمَسحَ ذِفراهُ فسَكَتَ، فقالَ: مَن ربُّ هذا الجَمَلِ، لمن هذا الجمَلُ؟ فَجاءَ فتًى منَ الأنصارِ فَقالَ: لي يا رسولَ اللَّهِ فَقالَ: أفلا تتَّقي اللَّهَ في هذِهِ البَهيمةِ الَّتي ملَّكَكَ اللَّهُ إيَّاها؟ فإنَّهُ شَكا إليَّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدئبُهُ }

(صحيح أبي داود)

هذا الذي يُحب الله.
كان يقول صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:

{ وهذا أحد، وهو جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه }

(أخرجه مسلم)

النبي صلى الله عليه وسلم يذكُرُ لهذا الجبل الذي هو جمادٌ، حجرٌ أصم؛ يذكُرُ له أنه يوماً مِنَ الأيام كان معهم في المعركة ووقفوا خلفه وحماهم مِنَ الأعداء فأصبح بينه وبين الجبل مودة.
جذع النخلة لما فارقه النبي صلى الله عليه وسلم بكى وسمِعَ الصحابة أنينه في المسجد حتى نزلَ النبي صلَّى الله عليْهِ وسلَّمَ فوضع يده على الجِذع حتَّى سَكنَ، لما جعلوا له مِنبراً فترك الجذع.

{ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليْهِ وسلَّمَ يصلِّي إلى جذعٍ، إذ كانَ المسجدُ عريشًا، وَكانَ يخطبُ إلى ذلِكَ الجذعِ، فقالَ رجلٌ من أصحابِهِ: هل لَكَ أن نجعلَ لَكَ شيئًا تقومُ عليْهِ يومَ الجمعةِ، حتَّى يراكَ النَّاسُ وتسمعَهم خطبتَكَ؟ قالَ: نعم، فصنعَ لَهُ ثلاثَ درجاتٍ، فَهيَ الَّتي أعلى المنبرِ، فلمَّا وضعَ المنبرُ، وضعوهُ في موضعِهِ الَّذي هو فيهِ، فلمَّا أرادَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليْهِ وسلَّمَ أن يقومَ إلى المنبرِ، مرَّ إلى الجذعِ الَّذي كانَ يخطبُ إليْهِ، فلمَّا جاوزَ الجذعَ، خارَ حتَّى تصدَّعَ وانشقَّ، فنزلَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليْهِ وسلَّمَ لمَّا سمعَ صوتَ الجذعِ، فمسحَهُ بيدِهِ حتَّى سَكنَ، ثمَّ رجعَ إلى المنبرِ، وَكانَ إذا صلَّى، صلَّى إليْهِ، فلمَّا هدمَ المسجدُ وغيِّرَ، أخذَ ذلِكَ الجذعَ أبيُّ بنُ كعبٍ، وَكانَ عندَهُ في بيتِهِ حتَّى بليَ، فأَكلتْهُ الأرضةُ وعادَ رفاتًا }

(صحيح ابن ماجه)


منهج الحُب في الإسلام
كلُّ ما يُقرِّبُنا إلى الله نُحبه
فالحب أصلٌ في ديننا، هذه التي يسمونها الشفافية اليوم؛ يقول لك: والله أحب النباتات، جميلٌ جداً، لكن الحُب عندنا عامٌ وشاملٌ لكن له منهج، لا يوجد في الأرض حبٌّ بغير منهج، نحن اليوم جالسون هنا ونتكلم عن الله عزَّ وجلَّ هناك أشخاصٌ لا يُحبوننا ولا يُحبون هذا المجلس وقد يتحدثون عنا بأننا: جماعة الغيب والغيبيات وكذا.. فكل حُبٍّ له منهج، فنحن أيضاً أهل الإسلام لحُبنا منهج، نُحب كلَّ شيءٍ لكن في الله ووفق منهج الله، فكلُّ ما يُقرِّبُنا إلى الله نُحبه وكلُّ ما يُبعدنا عن الله نُبغضه لأن أصل علاقتنا مع الله، ولأن الله هو خالقنا وهو رازقنا، فالحُب أصلٌ أصيلٌ في ديننا ومنهجٌ مكينٌ، وهذه المناسبات وأعياد الحُب وغير الحُب مسخَت الحُبَّ إلى أدنى درجاته وهو مجرد الشهوانية في داخل الإنسان، أيقظت فيه ذلك فقط، أما الحُب فهو أعمَقُ وأعظَم وأجل، الله تعالى جلَّ جلاله من أسمائه الودود، الحُب شعورٌ في الداخل يُعبَّرُ عنه بالود، لا أحد منا رأى حُباً يمشي يوماً من الأيام، لأن الحب شيءٌ داخليٌّ لا يُرى.

الودُّ من آثار الحب:
فلا أحد يرى الحب يمشي لكن ما الذي نراه؟ نرى آثار الحُب، آثار الحُب المودة، ألقاك فأبتسم لك، الابتسامة نراها، هذه الود، لو جئتك بهديةٍ هذه ود، لو صافحتك بحرارةٍ - قبل الكورونا- هذا ود، لو عانقتك- أيضاً قبل الكورونا-هذا ود، لو صافحتُكَ بحرارةٍ بعد الكورونا أصبحت تُهمةً، عانقتك هذه مودة، دعوتك إلى طعامٍ هذه مودة، فالمودَّة هي الأشياء التي نراها بأعيننا، ماذا قال تعالى؟ قال:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (96)
(سورة مريم)

قال العلماء: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) فيما بينه وبينهم، وقالوا: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) فيما بينهم مع بعضهم، فيودُّون الله ويودُّ بعضهم بعضاً، فالله تعالى ودودٌ ويجعل لعباده وُدَّاً وهذا مظهرٌ من مظاهر الحب، الله تعالى يتودَّد إلينا بالنِعَم وهو الغني عنا، للأسف الشديد بعض الناس يتبغَّضُون إلى الله بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليه، وهو يتودَّدُ إلينا بنِعَمِه وهو الغنيُّ عنا، ففي كلِّ يومٍ صباحاً يتودَّد إلينا بأننا نقوم مِنْ فراشنا فنقف على أقدامنا هذا أول وُدٍّ هذا صباحاً، ثم بكأس ماء، ثم بابنك يبتسم بين يديك، ثم برزقٍ يُعينك على بقية يومك، ثم بأخٍ صالحٍ يبتسم في وجهك، ثم، ثم، ثم.. يتودَّدُ إليك طوال النهار وهو الغني عنك، والله عجيب.. أنت أحياناً تتودَّدُ لإنسانٍ تريد منه شيئاً أو إذا أكثرت الابتسامة في وجهه يسألك: خيراً إن شاء الله هل تريد شيئاً؟! تبتسم كثيراً؟! يظن أنك تريد شيئاً، والله تعالى يبدأنا بالمودة كلَّ يومٍ وهو لا يريد شيئاً منا، هو الغني عنا، وبعض عباده يتبغَّضون إليه بالمعاصي وهم مُفتقرون إليه وهذا من أعجب العجب حقيقةً.
قال ابن القيم رحمه الله: "من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تُحبه، ومن أعجب العجب أن تُحبه ثم لا تُطيعه، ومن أعجب العجب أن تسمع داعيه ثم تتأخر في الإجابة".
أعجب شيءٍ أن تعرِفه ثم لا تُحبه، مستحيل، أنتم تتخيلون أن إنساناً يمكن أن يتعرَّف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ثم لا يُحبه؟ مستحيل، لأن البشر يُحبون الكمال ورسول الله تجسَّدت فيه كل صفات الكمال، الله عزَّ وجلَّ! مستحيل أن تعرفه ثم لا تُحبه، معرفةً حقيقةً بأنه اللطيف الرحمن حتى في المصائب التي يسُوقُها لعباده إنما يسُوقُها لهم حباً من أجل أن يرقى بهم في الدرجات أو يكفِّرَ عنهم الخطيئات والسيئات، فمن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تُحبه، ومن أعجب العجب أن تُحبه ثم لا تطيعه.
تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ هَذا لَعَمرُكَ في المَقالِ بَديـعُ لَو كُنتَ تَصدُقُ حُبَّهُ لَأَطَعتَـــــهُ إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ
{ النابغة الذبياني }
فمن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تُحبه، ومن أعجب العجب أن تُحبه ثم لا تُطيعه، ومن أعجب العجب أن تسمع داعيه؛ الله أكبر، الله أكبر، ثم تتأخر في الإجابة؛ لا تقوم إلى الصلاة.

خاتمة:
فأسأل الله تعالى أن يرزقنا حُبَّه وحُبَّ من يُحبَّه وحُبَّ عملٍ صالحٍ يُقرِّبنا إلى حبه، اللهم اجعل حُبك أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ، اللهم اجعلنا نُحبك حتى نخشاك حتى كأننا نراك، وأسعِدنا بلقياك، واجمعنا بحبيبك ومصطفاك، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.