رحلة معاذٍ إلى اليمن

  • محاضرة في الأردن
  • 2021-02-15
  • عمان
  • الأردن

رحلة معاذٍ إلى اليمن

السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ، الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا مِنْ مَنْ يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين.

مقدمة:
عنوان لقائنا اليوم: رحلة معاذٍ رضي الله عنه إلى اليمن، كما تعلمون فإن معاذَ بن جبلٍ رضي الله عنه أحد الصحابة الكرام الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلةٍ دعويةٍ، مهمةٍ دعويةٍ إلى اليمن ليدعو الناس إلى الإسلام ويكون سفيرَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في اليمن، وكان في هذه الرحلة الجميلة دروسٌ وعبرٌ يمكن أن نستفيد منها.
فقد ثبت في الصحيح أن آخر عهد معاذِ بن جبلٍ رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل سفره إلى اليمن، ودَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم وداع المُحبِّ لحبيبه وذهب إلى اليمن وتوفِّيَ بعد رحلةٍ دعويةٍ مباركةٍ، فالنبي صلى الله عليه وسلم في وداعه كان له جملةٌ مِنَ النصائح، وهنا موطن الشاهد الذي نريد أن نستفيده؛ هذه النصائح التي نصَحَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذَ بن جبل.

مرتبة الخُلق العالية:
في صحيح البخاري:

{ عَنْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: "أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ" }

(صحيح البخاري)

(حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ) البعير من أجل أن يمضيَ إلى سفره، (أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) آخر وصيةٍ أوصاه بها عندما ودَّعه قال: (أَحْسِنْ خُلُقَكَ)، قالوا: "نحن إلى قليلٍ من الأخلاق أحوج إلى كثيرٍ من العلم".
ثناء الله عز وجل على خلق النبي الكريم
إخواننا الكرام؛ العمل يُحصَّل بالمُدارسة، بالمتابعة، لكن الخُلق مرتبةٌ عاليةٌ، لمَّا أثنى الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وكان في محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ عظائم الأمور الكثير؛ فهو سيد الخَلق وحبيب الحق، وعنده مِنْ جمال الصورة، وعنده مِنْ حُسن القيادة، وعنده من النبوَّة والوحي، وعنده مِنَ العِلم الغزير، لكن الله تعالى لمَّا أثنى عليه قال:

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)
(سورة القلم)

وتعلمون جميعاً أن (عَلَىٰ) في اللغة العربية تُفيد الاستعلاء، لذلك يقول الله تعالى في قرآنه:

أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (22)
(سورة الزمر)

(أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) أي غارقون في ضلالِهِم، لكن عندما يتحدث عن المؤمنين يقول:

أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
(سورة البقرة)

(أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) فالهدى يأتي معه (عَلَىٰ) لأن الإنسان عندما يهتدي فإنه يستعلي على أوحال البشر مما يخوضون به من الكلام السيء والغيبة والنميمة، فجاءت (عَلَىٰ هُدًى) متمكِّنون مِنْ هداية ربِّهم، أما الضلال: فهم في ضلالِهِم يعمَهُون، غارِقون في الأوحال والشهوات.
فلما وصف نبيَّه صلى الله عليه وسلم أو أنثى عليه قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) أي أنت متمكِّنٌ مِنَ الأخلاق، يمكن أن نقول: إننا ذو خُلُق، لكن قليلٌ من الناس وعلى رأسهم الأنبياء يكونون عَلَىٰ خُلُق، ما الفرق بين أن تقول: فلانٌ ذو خُلُق، أو أن تقول: فلانٌ على خُلُق؟ إن قلت: فلان ذو خُلُق، يعني صاحب خُلُق، عنده أخلاق ولله الحمد، أما على خُلُقٍ فهو متمكِّنٌ من أخلاقه، متمكِّنٌ من الأخلاق بمعنى أنه لا يأخذ وقتاً لأخذ قراره في الصِّدق أو في الأمانة لا يتردد، الصدق عنده مبدأ، أما الإنسان صاحب الأخلاق فقد يتردد أحياناً فتُنازعه نفسه إلى قبض مبلغٍ مِنْ حرامٍ ثمَّ يعفُّ عنه خوفاً من الله، أما لما يتمكَّن الإنسان من الأخلاق فبمجرد أن يرى قرشاً فيه شبهةٌ يقول لك: لا آخذه، لأنه أصبح على خُلُق، هذا معنى (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

الحض على التعبير عن المشاعر:
فصاحب الخُلُق صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يوصي حبيبه معاذاً؛ وأقول: حبيبه؛ لأنه قال له يوماً:

{ عَنْ مُعَاذَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقالَ: يَا مُعَاذُ واللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعاذُ لاَ تَدَعنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادتِك }

(رواه أَبُو داود والنسائي)

(يَا مُعَاذُ واللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ) وتخيَّلوا كيف قضى معاذ تلك الليلة بعد أن قال له الحبيب: (إِنِّي لأُحِبُّكَ)، ثم أوصاه فقال: (لاَ تَدَعنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُم أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادتِك).
المؤمن لا يبخل في التعبير عن مشاعره
(يَا مُعَاذُ واللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ) وعلَّمنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أحببنا آخرَ أن نُعلِمَه بذلك، بعض الناس يَضُنُّونَ بالمشاعر، عندهم بخلٌ بالمشاعر، يحمل في قلبه مشاعر الحب لزوجته ولأولاده ولإخوانه لكنه يبخَلُ بالكلمة، يجودُ عليهم بالمال وبالطعام وبالشراب لكنه يرى أنه ليس مِنَ المناسب أن يقول لزوجته: إِنِّي أحبكِ، مع أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: الحمد لله الذي رزقني حُبَّهَا، حُبَّ خَدِيجَةَ رضي الله عنها.

{ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ» قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ خَدِيجَةَ: فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» }

(رواه مسلم)

ولمَّا سُئل في محفلٍ مِنْ أصحابه:

{ يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ أحبُّ إليكَ: قالَ: عائشةُ، قيلَ: مِنَ الرِّجالِ؟ قالَ: أبوها }

(صحيح ابن ماجه)

فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يترُكُ التعبير عن المشاعر:

{ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ }

(رواه الترمذي)

{ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْلَمْتَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَعْلِمْهُ، قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ }

(رواه أبو داود)

فما الذي يمنع أن يُعبِّرَ الإنسان عن مشاعره لأولاده، لزوجته، لأحفاده، لمن حوله مِنَ الأصدقاء.
فالنبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا ذلك مع معاذ فأعلمه بأنه يُحبه، فلذلك أقول: أوصى حبيبه، فقال له: (أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ).

الإحسان في الدعوة إلى الله:
الناس أيها الكرام؛ ما الذي يشُّدهم إلى الدِّين؟ الآن معاذ ذاهبٌ في رحلةٍ دعويةٍ لو دخل إلى الناس فظاً غليظ القلب - حاشاه أن يفعل ذلك وهو خرِّيج المدرسة المحمديَّة - لو دخل إلى الناس بفظاظةٍ وبغلاظةٍ مهما يحمل مِنْ عِلمٍ ومهما يأتِ مِنْ دعوةٍ فإنهم سينفرون منه لأن الله تعالى خاطب نبيه الكريم فقال له:

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
(سورة آل عمران)

فلماذا يكون عند بعض الدعاة فظاظةٌ وغلاظةٌ، ومع أن الله تعالى ما أراد ذلك لنبيِّه الذي أوتيَ الوحي، فنحن أولى الناس بأن نبتعد عن الفظاظة في الدعوة، وعن الفظاظة في النُصح وفي الإرشاد.
لما جاء رجلٌ إلى هارون الرشيد وقال له: سأعِظُك، وأُغلِظُ عليك، قال: ولمَ الغِلْظة يا أخي، لقد أرسل الله تعالى مِنْ هو خيرٌ منك إلى مَنْ هو شرٌّ مني، أرسل موسى إلى فرعون، قال له:

فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)
(سورة طه)

فنحن نحتاج إلى القول اللين، فهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعه بهذه الوصية؛ آخر ما أوصاه به قال (أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ).
أحسِنْ إلـى النّـاسِ تَستَعبِدْ قُلوبَهُمُ لطالَمـا استعبدَ الإنسـانَ إحسانُ
{ البستي }
أنت تكسِبُ قلوب الناس بالإحسان، لذلك قالوا: (الإحسان قبل البيان)، قبل أن تتكلَّم أحسِنْ يُصبح لكلامك معنًى مختلف، الناس يُحبون الكلمة الطيبة ويُحبون الابتسامة الصادقة، يُحبون الصدق والأمانة فهذا كلُّه مِنْ حُسن الخُلُق، فأوصاه وصيته فقال: (أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ).

نماذج عن الأدب عند النبي الكريم والصحابة الكرام:
الآن حديثٌ آخر أيضاً وكل الأحاديث في رحلة اليمن:

{ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: " يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي ". فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الْتَفَتَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا» }

(رواه الْإِمَامُ أَحْمَد)

(لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ يُوصِيهِ) انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنفُ وهو قائد الأمة أن يخرج مع جنديٍّ مِنْ جنوده أو مع سفيرٍ مِنْ سفرائه ليسير معه ويودّعه، (وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ) انظروا إلى هذا الأدب النبوي، عندما يؤدب الله نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا الأدب.
تعلُّم الصحابة للأدب من مدرسة النبوَّة
هذا يُذكِّرنا بخالد بن الوليد يوم سيَّر أبو بكر الصديق الجيش، جيش أسامة، وأنفذ بعْثَ أسامة، فخرج أبو بكرٍ يودع أسامة بن زيد وأسامة عمره في السابعة عشرة، قائد الجيش، وأبو بكر مَنْ هو في الفضل والعمر فيقول له أسامة: يا أمير المؤمنين إما أن تركب وإما أن أنزل، لا يستقيمُ أن أكون راكباً وأنت ماشٍ، فقال له: والله لا نزلت ولا ركبت وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغَبِّرَ قَدَمَيَّ سَاعَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثم يستأذنه، أبو بكرٍ، يستأذن أسامة أن يُبقي له عمر رضي الله عنه في المدينة معه ليُعينه على أعباء الحكم، يستأذنه لأنه قائد الجيش الآن، هذه التراتبيَّة تُعلِّمنا أنه لا يمنع أن يستأذن الفاضل المفضُول، أبو بكر أفضل الأمة في وقتها لأنه أفضل الناس بعد الأنبياء، لكن لم يمنعه ذلك مِنْ أن يستأذن أسامة الذي هو بعمرِ أبنائه لكن هو الآن قائد جيشٍ وهؤلاء الجنود جنوده فاستأذنه بأن يُبقي له عمر، فهنا سيدنا أبو بكر تعلَّم ذلك مِنْ مدرسة النبوة، فرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ.
ثم تكرر الأمر نفسه بعد عشرة أعوامٍ أو أكثر يوم خرج عمر بن الخطاب إلى القدس إلى فلسطين ليتسلَّم مفاتيح القدس، فكان مع أبي عبيدة بن الجراح ومع الخادم، فأصبح يجعل نوبةً لكل واحدٍ على الناقة، على الراحلة، فلما وصلوا كان دوره في المشي وجاء الوحل فرفع ثيابه وغاصَ في الوحل، فيقول له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين ما أحبُّ أن القوم استشرفوك على هذه الحال، تدخل عليهم وأنت في هذه الحال! فقال له قولته الرائعة التي أصبحت مثلاً يضرب: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة بغيره أذلَّنا الله".
نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام
قال له: لو غيرَكَ قالها يا أبا عبيدة، أنت أمينُ هذه الأمة لا ينبغي أن تعتَنِيَ بهذا الأمر، الأمر أكبر من ذلك، "أعزَّنا الله بالإسلام"، وهذا أيُّها الكرام؛ قانونٌ ينبغي أن يسريَ إلى قيام الساعة، بعض الناس اليوم يقولون: يا أخي مازلنا مِنْ ذلٍّ إلى ذلٍّ ومِنْ ضعفٍ إلى ضعفٍ، مع أنني والله أستشرف خيراً في هذه الأمة وأرى أننا نُكثِرُ مِنْ جلد الذات وأنَّ فينا مِنَ الخير ما فينا وأسأل الله تعالى أن يزيد هذا الخير ويعُم، صحيح أننا في ضعفٍ وفي هوانٍ لأننا تركنا القانون العمري، القانون العمري: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة بغيره أذلَّنا الله"، هناك أقوامٌ أخر ما أعزَّهم الله بالإسلام، هم اعتزوا بغير الله فتركهم الله لما اعتزوا به، فلربما تفوقوا علينا حيناً وقوانينهم مختلفةٌ عنَّا لكن نحن أعزَّنا الله بالإسلام، فما مِنْ زمنٍ كنا فيه متمسكين بديننا إلا كانت لنا القوة والعِزة والغَلَبة وكانت البلاد بأيدينا وكانت القدس لنا، ولمَّا حِدْنا عن الطريق فإن الله تعالى جعل هذه السنة ماضيةً، ما إن نَحِدْ عن طريق الله عزَّ وجلَّ حتى تُضرَب علينا الذلة والضعف والهوان، نسأل الله أن يفرِّجَ وأن يجعل لنا بعد عسرٍ يسراً.
فتذكرت كيف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ومعاذٌ راكب، فجاءني ذكرى أبي بكر يوم مشى وأسامة راكب، ثم ذكرى عمر بن الخطاب يوم مشى وغُلامه راكب، فكلُّهم خريجو مدرسةٍ واحدةٍ إنها مدرسة الإسلام العظيم.

الإسلام يجمعنا على العقيدة:
المفهوم الأوسع لآل بيت الرسول الكريم
(إِنَّكَ عَسَى أَلَّا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا) لعلَّه يكون الوداع، (فَبَكَى مُعَاذٌ) علم أنه الوداع، (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا) هنا سامحوني.. آلُ بيت رسول الله صلى لله عليه وسلم على العين والرأس، ونحن نتقرَّب إلى الله بحُب آل بيته، لكن هناك مفهومٌ لآل البيت أوسع بقليلٍ مِنْ مفهوم آل البيت بمعنى أهل البيت؛ وهذا ذكره أهل العِلم وليس مِنْ عندي؛ المفهوم الواسع لأهل البيت:

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73)
(سورة هود)

(أَهْلَ الْبَيْتِ) هم الْمُتَّقُونَ أين كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا، (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا) فآلُ بيته صلى الله عليه وسلَّم هم المتَّقون مِنْ أمته، وهذا أوسع مفهوم، وهذا المفهوم قريبٌ من قصة نوحٍ مع ابنه، ابنه كان كافراً:

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)
(سورة هود)

قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
(سورة هود)

ويشبه تماماً أبا لهب، والله تعالى يقول:

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
(سورة المسد)

وفي المقابل وَرَدَ؛ وإن كان فيه ضعفٌ:

{ جاء عن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ أنه قال: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ }

(أخرجه الطبراني)

وسلمان فارسيٌّ لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعَلَه مِنْ أهل بيته، وصهيب الرومي:

{ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ‏:‏ أَقْبَلَ صُهَيْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مُهَاجِرًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتْبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَانْتَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلاً، وَايْمُ اللَّهِ لاَ تَصَلِونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ كُلَّ سَهْمٍ مَعِي فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شَئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي دفينتي بِمَكَّةَ، وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي‏؟‏ قَالُوا‏:‏ نَعَمْ، نَقْبَلُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، قَالَ‏:‏ رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى قَالَ‏:‏ وَنَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ‏}‏‏ }

(رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ)

يقول له: (رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ).
وبلال الحبشي؛ كان الصحابة يقولون: أَبُو بَكْرٍ سِيدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، فيقولون لبلال الحبشي وهو من الحبشة هو سيِّدُنا، وهو مِنَ الحبشة، فالإسلام أممي.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميـــم
{ سلمان الفارسي }
الإسلام يجمعُنا على العقيدة لا يجمعنا على النسب، أعيد وأكرر النَّسب على العين والرأس، لا أُنكر أهمية النَّسب في الإسلام لكن هو تاجٌ بعد الإيمان والخُلُق، فإذا فُقِدَ الإيمان والخُلُق فلا قيمة للنّسب.

{ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ }

(أخرجه مسلم)

{ يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا }

(صحيح مسلم)

الإسلام أهل بيته هم المسلمون والمُتَّقون في أي زمانٍ كانوا ومِنْ أي عرقٍ كانوا وحيثما كانوا فهذا يؤكده الآن النبي صلى الله عليه وسلم لما ودَّع معاذاً: (الْتَفَتَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا).

{ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ }

(رواه الإمام أحمد)


التحذير من التنعُّم في الدنيا:
أيضاً هذا في الصحيح، لكن هنا يحتاج الأمر إلى شرح، ما منا إنسانٌ إلا ويتنعَّمُ بالدنيا، ولا يمنع شرعاً أن يأخذ الإنسان مِنْ نعيم الدنيا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أصاب طعاماً وأكل تمراً وشرب ماءً قال والله إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ثم قرأ قوله تعالى:

ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)
(سورة التكاثر)

التَّنَعُّمُ وسيلةٌ وليس غاية
فكلنا نتنعَّم بالدنيا، فما معنى (إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ)؟ يحذره من التَّنَعُّمَ، التَّنَعُّمَ من تَنَعَّم، يَتَنَعَّمُ أي جعل قصده في الحياة التَّنَعُّمَ فاستهدفه فأصبح همُّه التَّنَعُّمَ، وهنا المشكلة، التَّنَعُّمُ وسيلةٌ وليس غاية، فقال العلماء: المقصود بالحديث إيَّاك أن تجعل التَّنَعُّمَ غايتك في الحياة، غايتُك رضوان الله، وتتنعَّم ما دام هذا التَّنَعُّم في طاعة الله، فإذا وجدت أنه سيؤدِّي بك إلى معصيةٍ تركته، أو إذا وجدت أنه معصيةٌ في حدِّ ذاته كمَنْ يتنعَّمُ بالشهوة الحرام والعياذ بالله أو بالمال الحرام فهذا بعيدٌ عن مقصد الحياة، نحن مخلوقون في الدنيا لهدفٍ وهذا الهدف هو تحقيق رضوان الله تعالى وعبادته على الوجه الكامل بالطريقة التي شرعها جلَّ جلاله، العبادة بمفهومها الواسع لا بمفهومها الضيق، فكلُّ حركةٍ في الحياة يُبتغى بها وجه الله وتأتي وفق شرع الله فهي عبادة، فالطبيب في عيادته يعبُد الله، والنجار في منجرته يعبُد الله، وعامل النفايات الذي يعمل في الوطن لِلَمِّ النفايات يعبُد الله بعمله، مفهوم العبادة واسع جداً كلُّ إنسانٍ في مهنته، مع أهله، ربما في نزهته مع أهله فهو يعبُد الله ما دامت حركته وفق منهج الله ويبتغي بما يفعله وجه الله فهو في عبادة، هذا المفهوم العام للعبادة، أما العبادات الشعائرية: الصلاة والصيام والزكاة والحج هي جزءٌ مِنَ العبادات وهي أركان الإسلام وبُنيَ الإسلام عليها لكنَّ الإسلام كلَّه عبادة:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)
(سورة الذاريات)

لأن بعض الناس يفهمون أن العبادة هي تلك العبادات الشعائرية الخمس، فيقول لك: هل الله عزَّ وجلَّ يريد صلاتنا وصيامنا؟ لا، الله تعالى يريد أن تعبُده بمعنى العبادة الواسع الكلِّي الذي يعمُرُ الأرض بالخير.
فهنا (إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ) يُحذِّره مِنْ أن يصبح النعيم هدفاً له في الحياة، قلت لكم: إنني قرأت لبعض علماء النفس أنهم يقولون: "إذا استُهدِفَت اللذة في ذاتها انقلبت إلى شقاء".
أيُّ لذةٍ تستهدفها تنقلب إلى شقاء، الإنسان الذي يستهدِف النساء- شهوة النساء- مِمَّا حلَّ أو مما حَرُم بعد حينٍ هذه اللذة تنقلب إلى شقاءٍ عليه، يَمَلُّها، فتصبح مصدر تعاسةٍ بعد أن كانت مصدر سعادةٍ فيما يظن، فاللذة لا تُستَهْدَف وإنما تكون وسيلةً لغاية، فنحن نتنعَّم بالدنيا بطاعة الله وبما يُرضي الله لا مانع، لكن لا نتنعَّم بالدنيا لأننا لم نُخلق للتنعم، يعني لا نجعل التنعُّمَ هدفاً، هذا هو معنى الحديث.

الدنيا همٌّ من الهموم:
الأمر الآخر: الله تعالى في قرآنه يقول:

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
(سورة الأحقاف)

هو جعل الدنيا أكبر همِّه فأذهب طيِّباته في الحياة الدنيا، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول:

{ قلَّما كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقومُ من مَجلسٍ حتَّى يدعوَ بِهَؤلاءِ الكلِماتِ لأصحابِهِ: اللَّهمَّ اقسِم لَنا من خشيتِكَ ما يَحولُ بينَنا وبينَ معاصيكَ، ومن طاعتِكَ ما تبلِّغُنا بِهِ جنَّتَكَ، ومنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَينا مُصيباتِ الدُّنيا، ومتِّعنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتنا ما أحييتَنا، واجعَلهُ الوارثَ منَّا، واجعَل ثأرَنا على من ظلمَنا، وانصُرنا علَى من عادانا، ولا تجعَل مُصيبتَنا في دينِنا، ولا تجعلِ الدُّنيا أَكْبرَ همِّنا ولا مبلغَ عِلمِنا، ولا تسلِّط علَينا مَن لا يرحَمُنا }

(صحيح الترمذي)

الهمُّ الأكبر هو الآخرة
(اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا) ولم يقل: اللهم لا تجعل الدنيا همَّنا، انظر إلى دقة اللفظ النبوي: لو قال: اللهم لا تجعل الدنيا همَّنا، مَنْ مِنا لا يهتمُّ للدنيا؟ أنت اليوم في تجارتك عندك مشكلةٌ فلا تنام الليل، هذا واقع، إذا مرِضَ ابنك - نسأل الله السلامة للجميع - تقلق عليه وتسهر على راحته، مَنْ مِنا لا يهتمُّ للدنيا؟ لكن ليست أكبر الهم، ما أكبر همِّنا؟ الآخرة، أكبر الهمِّ هو الآخرة، الدنيا همٌّ من الهموم لكنها ليست أكبر الهم، قال: (وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا) لأن مبْلَغُ العِلم أن تصل إلى رضوان الله، أما الدنيا ليست مبْلَغُ العِلم، مهما بلَغْتَ في الدنيا مِنَ العِلم فهي جزء.
فيا أحبابنا الكرام: قال: (إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ).

رحمة الله عزَّ وجلَّ بعباده:
عن مُعاذِ بْنِ جبلٍ رضيَ اللَّه عنه عنْ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قَالَ له؛ وهذا أيضاً يبدو في رحلة اليمن كما هو سياق الحديث:

{ يا مُعاذُ، أَتبِعِ السَّيِّئةَ الحَسنةَ تَمحُها، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ }

(رواهُ التِّرْمذيُّ)

(أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا) أي تمحو الحسنة السيئة، (وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ) وهذا مستفادٌ مِنْ حديثٍ آخر في الصحيح وهو مِنْ جوامعِ الكلم مما جعله العلماء على رأس الأبواب في الشريعة قوله صلى الله عليه وسلم:

{ عن مُعاذِ بْنِ جبلٍ رضيَ اللَّه عنه عنْ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ" }

(رواهُ التِّرْمذيُّ)

كلنا ذو خطأ مَنْ مِنا لا يقع في الخطأ؟

{ كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ }

(رواه الترمذي)

لكن المؤمن إذا وقع في سيئةٍ أتبعها بالحسنة:

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114)
(سورة هود)

الحسنة تُذهب السيئة وهذا مِنْ رحمة الله عزَّ وجلَّ بنا.
أحياناً في القوانين الوضعية؛ مدير شركةٍ ليس عنده في قانونه (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) يُسجِّلُ عليك كلَّ شيء، إن صنعت معروفاً أذهب منكراً، لكن الله عزَّ وجلَّ مِنْ رحمته بنا إذا وقعت في سيئةٍ فأتبعها بالحسنة تذهب السيئة، انتهى الأمر، هذا مِنْ رحمة لله.

الفرق بين المغفرة والصَّفح والعفو:
والله أيها الكرام: لولا أن الله فتح لعباده هذه الأبواب أبواب الرحمات لـضاقت علينا الأرض بما رحبت:

وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)
(سورة التوبة)

مَنْ مِنا لا يُذنب؟! وإذا كنا نعلم أن لنا ربَّاً رحيماً يغفر الذنب ويتجاوز عن الذَّلة ويعفو ويصفح ويغفر، الله تعالى يعفو ويصفح ويغفر، وأمَرَنا فقال:

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)
(سورة البقرة)

المغفرة هي السَّتر
(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) واغفروا، والمغفرة هي السَّتر، ألا نقول: جمعٌ غفيرٌ، ما معنى جمعٌ غفيرٌ؟ مِنْ كثرة الناس غطَّى تجمُّعهم وجه الأرض فقالوا: جمعٌ غفيرٌ، فغَفَرَ مِنَ الغطاء، ومثلها كَفَرَ نسأل الله العافية مِنَ الغطاء، كَفَرَ وغَفَرَ التغطية، الكافر غطَّى عينه:

الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)
(سورة الكهف)

فغطَّى عينيه عن الحق فسمِّيَ كافراً لأنه غطَّى أعينه، والله تعالى عندما يستر ذنبك فهو يغفره، يعني أنت تذنب ولم يعلم أحد، غطَّاها لك، هذه المغفرة، أما الصَّفح، قال:

أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ (5)
(سورة الزخرف)

فنقول: صَفَحَ عنه: أي أعطاه صفحة وجهه، أنت إذا رأيت إنساناً يقع في الذنب أمامك أو وقع في موقفٍ محرجٍ يا أخي وليس بالذنب أنسبُ شيءٍ تفعله أن تُدير وجهك، تغاضى، تغافل، من خُلُق المؤمن التغافُل.
يقال إنَّ حاتم الأصم سُمِّيَ الأصم لأنه كان قاضياً فدخلت إليه امرأةٌ وزنها ثقيل فأرادت أن تصعد إليه فخرج منها صوتٌ أجلَّكم الله، فأُحرِجَت إحراجاً عظيماً منه واحمرَّ وجهها أمام القاضي، وصلت إليه تُريد أن تحدِّثه عن زوجها، فقالت: إن زوجي، فقال: ارفعي صوتكِ لا أسمعكِ، فرفعت، قال: لا أسمع، أنا سمعي خفيف، فأدارت وجهها إلى أختها التي معها قالت لها: الحمد لله لم يسمع، فسمي الأصمُّ وهو ليس أصمَّ لأنه تغافل عن هذا الشيء، أما بعض الناس إذا رأى إنساناً وقع في موقفٍ محرجٍ يضع عينيه عليه فوراً، ليس هذا من الأدب، يجب أن تتغاضى عنه، فالصَّفح أن تُعطيه صفحة وجهك، فالله تعالى يستُرك ومِنْ لطفه أنه يصفح عنك.
العفو هو محو الذنوب نهائياً
أما العفو فيقال: عفَت الآثار، آثار الأقدام عفَت يعني مُسحت بشكلٍ كامل، ذهبت، مسحها نهائياً، فالله تعالى يتعامل مع ذنوبنا بأنه يغفرها، يسترها عن الناس، ويصفح عنها بمعنى أنه يتجاوز عنها ولا يذكِّرك بها ولا يُخجِلُك بها، وأنه يعفو بمعنى أنه يمحوها نهائياً مِنْ صحيفتك فتأتي يوم القيامة فلا تجدها، غير مسجلة، انتهت، فإذا بقي شيءٌ عليك يتابع عفوَهُ جلَّ جلاله يوم القيامة، إذا بقي شيءٌ يتابع عفوه، فجاء في الحديث:

{ بيْنَما أنَا أمْشِي مع ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهما آخِذٌ بيَدِهِ، إذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقالَ: كيفَ سَمِعْتَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ في النَّجْوَى؟ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عليه كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ، فيَقولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فيَقولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، ورَأَى في نَفْسِهِ أنَّه هَلَكَ، قالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنَا أغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وأَمَّا الكَافِرُ والمُنَافِقُونَ، فيَقولُ الأشْهَادُ: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] }

(صحيح البخاري)

فالله تعالى يغفِرُ ويصفح ويعفُو فما أكرَمَهُ مِنْ إله، فما ردُّ فعلنا نحن؟ إذا وقعنا في الذنب أن نُبادر إلى بابه فوراً، ألا نتأخَّر عليه.
إذاً أيها الكرام: أَتبِعِ السَّيِّئةَ الحَسنةَ تَمحُها) هذا العفو، المحو نهائياً، تُلغى، (وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ) خالِقِ: أي عامل، فيه فعل مبادلة، مشاركة، لأنه قال: قاتل بمعنى القتال من الطرفين، عامَلَ معاملة من الطرفين، خالَقَهُ أي عامَلَه بخُلُقٍ حسنٍ، وذكرنا مِنَ الأخلاق الحسنة: التواضع والوفاء والحب والخير وكلُّ ما يندرج تحت الأخلاق الحسنة.

سيدنا معاذ في نهاية رحلته:
معاذ بن جبل أصيب بالطاعون في الشام فكان يُغْشَى عَلَيْهِ-يغيب عن الوعي قليلاً- فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ:
(اللهُمَّ غمَّنِي غَمَّكَ، فَوَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ).
{ معاذ بن جبل }
(اللهُمَّ غمَّنِي غَمَّكَ) همُّه الله، همِّي رضاك، (إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ)، فلما حضرته الوفاة، قَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لَيْلَةٍ صَبَاحُهَا إِلَى النَّارِ، مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ، مَرْحَبًا، زائِرٌ جاءَ بَعْدَ غِياب، وحبيب وَفَدَ على شَوْقِ)، ثم نظر إلى السماء وقال: (اللَّهُمَّ أَنِّي كُنْتُ أَخَافُكَ لكنني الْيَوْمَ أَرْجُوكَ، اللهمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أني لم أكُنْ أحِبُّ الدُّنيا وطولَ البَقَاءِ فيها لغرْسِ الأشجارِ، وجَرْيِ الأنهارِ، ولكِنْ لظَمَأ الهواجِرَ، ومكابَدَةِ السَّـاعات، ومزَاحَمَة العلماءِ بالرُّكَبِ عند حِلَقَ الذكر، اللَّهُمَّ فَتَقَبَّل نَفسي بِخَيْرِ ما تَتَقَبَّلُ به نَفْساً مُؤمِنَةٍ)، ثم فاضت روحه.

بين الخوف والرجاء:
شرح الكلام: (اللَّهُمَّ أَنِّي كُنْتُ أَخَافُكَ لكنني الْيَوْمَ أَرْجُوكَ) أَرْجُوكَ: المؤمن في لحظات الموت ينتقل مِنْ حال الخوف إلى حال الرجاء، يعيش على حال الخوف فلمَّا تحضُره الوفاة يأتيه الرجاء برحمة الله، يغلب عليه الرجاء وهذا مِنْ رحمة الله بالإنسان.
سيدنا عمر بن عبد العزيز كان كلَّما دخل دار الخلافة قرأ قوله تعالى:

أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)
(سورة الشعراء)

يُذكِّرُ نفسَهُ بالآخرة، فلما حضَرَته الوفاة نَطَقَ بقوله تعالى:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
(سورة القصص)

فعاش على الخوف وخُتِمَ له بالرجاء، ومعاذ بن جبل عاش على الخوف مِنَ الله وخُتِمَ له برجاء رحمة الله، (اللَّهُمَّ أَنِّي كُنْتُ أَخَافُكَ لكنني الْيَوْمَ أَرْجُوكَ)، وقد جاء في الحديث القدسي:

{ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) }

(أخرجه ابن حبان)

معادلة الأمن والخوف
(لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ) أَمْنَيْنِ لا يوجد، وخَوْفَيْنِ لا يوجد، (إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هي معادلةٌ عندك أمنٌ وخوف، اختر ماذا تريد أولاً، إذا كنت ناجحاً فالحاً نسأل الله أن يجعلنا مِنْ هؤلاء نختار أن يكون الخوف أولاً لأن الخوف محدود، سنوات من الخوف بعد ذلك يوجد أبدُ الآبدين، وإذا كان أحدٌ يحب أن يأمَن مكرَ الله عزَّ وجلَّ ويأمَنَ غضب الله عزَّ وجلَّ ويفعل ما يحلو له في السنوات المحدودة فليتجهز لخوفٍ إلى الأبد، والعياذ بالله، (لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ).
فقال:(اللهمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أني لم أكُنْ أحِبُّ الدُّنيا وطولَ البَقَاءِ فيها لغرْسِ الأشجارِ، وجَرْيِ الأنهارِ) لم يكن هدفي ماديَّاً، لم يكن هدفي مزارع وكذا أبداً، (ولكِنْ لظَمَأ الهواجِرَ) الظَمَأ هو العطش، الهواجِرَ جمع هاجرة وهي الصحراء، يعني كان بالجهاد في سبيل الله، ظمأ الهواجر، كنايةٌ عن الجهاد والتعب.
قال: (ومكابَدَةِ السَّـاعات) التعب، الكَبَد:

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)
(سورة البلد)

يعني في تعبٍ ورهق، فكان يُحب الدنيا من أجل البذل والعطاء حتى يُقدِّم شيئاً لله عزَّ وجلَّ.
(ومزَاحَمَة العلماءِ بالرُّكَبِ عند حِلَقَ الذكر) حضور مجالس العلم، (اللَّهُمَّ فَتَقَبَّل نَفسي بِخَيْرِ ما تَتَقَبَّلُ به نَفْساً مُؤمِنَةٍ) ثم فاضت روحه.

مصادر التشريع في الإسلام:
هذه رحلة اليمن جمعتُ فيها الأحاديث الشريفة التي صحَّت عن معاذ بن جبل أنه ذهب إلى اليمن وأوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بها، هناك حديثٌ إتماماً للفائدة؛ وهذا له علاقة بالأصول أو بالفقه وهو أصلٌ في بابه:

{ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ ‏"‏ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ‏"‏،‏ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ ‏"‏ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ"‏.‏ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،.‏ قَالَ ‏"‏ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ" قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو،‏ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ وَقَالَ ‏"‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ‏"‏ }

(أخرجه أحمد وصححه بعض أهل العلم)

القرآن والسنة أول مصدرين للتشريع
(كَيْفَ تَقْضِي يا مُعَاذ؟) يعني أنت اليوم عندك قضاء، أنت اليوم ذاهبٌ كقاضٍ ومفتٍ وسفيرٍ فيأتيك الناس، (بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ) يفتح كتاب الله وما يأمر الله به، (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏) لم تجد الحُكم في كتاب الله، (أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو) يعني ولا أُقَصِّر، أستنفدُ الوُسْعَ في وصول الحكم الصحيح بالاجتهاد، والاجتهاد هو بناءً على النصوص ليس اجتهاداً مجرداً عن النصوص، يعني قد يأتيك شيءٌ الحكم فيها غير موجود لكن تجتهد اليوم بناءً على النصوص الموجودة، (فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ‏)، فأصل هذا الحديث أخذوا منه أن القرآن الكريم في المرتبة الأولى في الحكم الشرعي، ثم تأتي السنَّة الصحيحة، ثم يأتي الاجتهاد الذي يُسمِّيه الفقهاء بالقياس يعني يقيس شيئاً على شيءٍ ويستنبِطُ مِنه الحكم الشرعي وله ضوابِطُه، لكن هذه أيضاً في رحلة اليمن فأحببت أن أضيفها، وأشكر لكم حُسن الاستماع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.