ومن الناس - اللقاء الأول

  • محاضرة في الأردن
  • 2022-05-30
  • عمان
  • الأردن

ومن الناس - اللقاء الأول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأُصلّي وأسلّم على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللّهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا عِلماً وعملاً مُتقبّلاً يا رب العالمين، اللّهم أخرجنا من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القُربات.

معاني قوله تعالى: فِيهِ ذِكْرُكُمْ:
وبعد أيها الإخوة الكرام يقول تعالى:

لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(10)
[سورة الأنبياء]

الذكر في القرآن الكريم يعني عُلوّ الشأن
وهذه الآية لها معنيان، المعنى الأول فيه ذِكركم أي فيه عُلوّ شأنكم، أي يذكركم الناس بسبب القرآن الكريم، بمعنى أننا اليوم عندما نقول: بلال الحبشي، سيدنا بلال، بلال رضي الله عنه عَلا ذكرهُ وقد كان عبداً من العبيد في مكة، وهناك آلاف العبيد الذين عاشوا وماتوا وما عَلِم أحدٌ بهم، فما الذي رفع ذكر بلال؟ القرآن الكريم، لمّا اتبع منهج الحق الذي جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في هذا الكتاب ذكرهُ أي عُلوّ شأنه، فمن عاند الحق كان في مزبلة التاريخ، اليوم نقول: أبو جهل، فلا أحد يُلقي له بالاً، نقول: أبو بكر، يقول الجميع: رضي الله عنه وأرضاه، فما الذي رفع ذِكر أبي بكر؟ القرآن، وما الذي خفض ذِكرَ أبي جهل؟ القرآن.

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
[سورة المسد]

لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(10)
[سورة الأنبياء]

أي فيه عُلوُّ شأنكم وعُلوُّ مقامكم، قال تعالى مُخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم:

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)
[سورة الشرح]

المعنى الثاني فيه ذكركم أي يَذكركم القرآن في ثناياه فاقرؤوه، ستجد ذكرك في القرآن الكريم، لكن القرآن الكريم لا يذكر الأشخاص بأعينهم، القرآن ذكر رجلاً واحداً بعينه صحابي سيدنا زيد بن ثابت وذلك لمُهمة وهي حتى يُبطل عادة التبني:

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)
[ سورة الأحزاب]

القرآن لم يذكر أسماء لكن يذكر نماذج
حتى لا يقال: زيد بن محمد وإنما زيد بن حارثة إبطالاً لعادة عند العرب، فذكر اسمه بالاسم في القرآن الكريم، وذكر اسم سيدة واحدة في القرآن وهي مريم عليها السلام أيضاً ليؤكد أنها بنت عمران، وليؤكد أن عيسى هو ابن مريم عليها السلام، وليس كما يدَّعي النصارى من أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون عُلوّاً كبيراً، فالقرآن لم يذكر أسماء لكن يذكر نماذج فإذا قرأت القرآن وجدت نموذجاً تنطبق عليه صفاتك فتقول: هذا ذكري في كتاب الله، تقرأ عن المُتقين فإن كان الإنسان مُتقياً وجد نفسه مع المُتقين، ويَذكُر المُنافقين فإن كان الإنسان لا قدَّر الله مُنافقاً فيجد اسمه بين المُنافقين، فهذا ذكرنا، نجد في القرآن الكريم ذكرنا بمعنى النموذج البشري الذي نندرج تحته.
أحد السلف الصالح كان يقرأ القرآن الكريم فمرَّ بقوله تعالى:

لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(10)
[سورة الأنبياء]

فقال: عليَّ بالمصحف لألتمس ذكري، أريد أن أبحث في المصحف عن ذكري فمرَّ بقومٍ:

كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ( 18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)
[ سورة الذاريات]

ومرّ بقومٍ:

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16)
[سورة السجدة]

ومرَّ بقوم، ومرَّ بقوم، فقال: اللهم لست أعرف نفسي هاهنا، أي لست من هؤلاء المُقربين الذين يقومون الليل، لست منهم، ثم مرَّ بقومٍ:

إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)
[سورة الصافات]

ومرَّ بقومٍ:

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)
[سورة البقرة]

ومرَّ بقومٍ:

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)
[سورة الحاقة]

فقال: يا رب إني أبرأ إليك من هؤلاء أنا لست من هؤلاء، أنا أحبك وأعبُدك وأُطيعك لست ممن يستنكف عن عبادتك، ثم مرَّ بقومٍ:

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102)
[ سورة التوبة]

قال: أنا يا ربي من هؤلاء، أنا مُعترفٌ بذنبي أخلط بين الصالح والطالح، وأسأل الله أن يعفو عني، وأن يُثقِّل موازيني، ففهم لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم على هذا النحو.

النماذج التي يعرضها القرآن والتي تبدأ بقوله الله تعالى ومن الناس:
1 ـ نموذج المنافقين:
القرآن الكريم فيه نماذج؛ من النماذج التي يعرضها القرآن الكريم آيات هي عبارة عن عشر آيات في كتاب الله تبدأ بقوله الله تعالى ومن الناس؛ أربعٌ منها في سورة البقرة، وثلاث في سورة الحج، وآيتان في لقمان، وواحدة في فاطر، أي آيات معدودة في كتاب لله تبدأ بقوله تعالى: ومن الناس، تعرض نماذج بشرية، فدعونا نتعرف على بعض هذه الآيات في هذا اللقاء الطيب وننظر في صفات هؤلاء.
النموذج الأول سنأخذ ما ورد في سورة البقرة أربع آيات؛ الأولى:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
[سورة البقرة]

هذا نموذج بشري؛ نموذج المنافقين هذا يُعلن بلسانه شيئاً ويُخفي في قلبه شيئاً آخر نبرأ إلى الله من هؤلاء.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
[سورة البقرة]

وهذا يُؤكد أن الإيمان ليس كلمات ينطقها الإنسان وإنما الإيمان ما وقرَ في القلب وصدَّقه العمل، قال: وما هم بمؤمنين، فليست العبرة فيما أسمع من كلماتٍ منك ولكن العبرة فيما يستقر في قلبك ويُصدِّقه عملك، قال الشاعر:
إنَّ الكلامَ لَفي الفؤادِ وإنما جُعِلَ اللسان على الفؤادِ دليلاً
{ الأخطل }
الكلام في الفؤاد، والدليل أحياناً تجد موقفاً رائعاً في الأخلاق الحسنة تقول: الكلمات تعجز عن التعبير عنه، وأحياناً يُفاجئك بعض الطُغاة بمواقف لئيمة تقول: ما وجدت كلماتٍ تُسعفني لأُعبِّر عن حقارة هؤلاء، وسفالتهم، ونذالتهم، فالكلمات أحياناً لا تُسعف يكون الموقف أكبر، وتكون اللغة عاجزةً عن تصوير المشهد، فالكلام في الأصل في الفؤاد واللسان دليل على الفؤاد.
المُنافق نفسه هينةٌ عليه
فالمنافقون هم هؤلاء القوم الذين أعلنوا ولاءهم وانتماءهم شكلياً للإسلام لكنهم في حقيقة الأمر هم كافرون به، ولماذا يفعل الإنسان ذلك؟ لا يفعل ذلك إلا من مَهانته على نفسه، لأنّ الكذاب تهون نفسه عليه، المُنافق نفسه هينةٌ عليه ولولا أنَّ نفسه هانت عليه لما كذب، ولو أكرم نفسه لما نافق، لذلك القرآن الكريم في مطلع سورة البقرة لمّا ذكر المتقين ذكر صفاتهم هدى للمتقين في خمس آيات ثم آيتين عن الذين كفروا :

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
[سورة البقرة]

ثم قال: ومن الناس من يقول، بدأ بالمنافقين في ثلاث عشرة آية لأنَّ خطر المُنافق أشدُّ من خطر الكافر بكثير لذلك:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)
[ سورة النساء]

المؤمن مُتصالحٌ مع نفسه، مُتصالحٌ مع ربه، مُتصالحٌ مع إخوانه، حياته مُتصالحة مع ذاته تُفضي به إلى سعادة أبدية، والكافر أعرض عن المنهج بشكل كُلّي ترك أهل الدين، وترك أهل التديّن، واتجه إلى الباطل، انتهى أمره، أما من الذي يُسيء لدينك؟ المُنافق الذي يدَّعي شيئاً ويُبطن شيئاً آخر، يُظهر شيئاً ويُبطن شيئاً آخر.

أنواع النفاق:
النفاق أحبابنا الكرام نوعان؛ نفاق اعتقادي يُخرج من الملَّة نسميه: النفاق الأكبر، ونِفاق عملي لا يُخرج من الملّة نسميه: النفاق الأصغر، وعلينا أن نحذر النوعين لكن النوع الأول الحمد لله نحن لسنا منه، هؤلاء في الدرك الأسفل من النار، هؤلاء قال:

{ إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتي هَؤُلَاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلَاءِ بوَجْهٍ }

[صحيح البخاري]

يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه هذا النوع لسنا منهم الحمد لله، فالنفاق الاعتقادي أن يُبطن الإنسان الكفر وأن يُظهر الإيمان.
المُنافق لا يظهر في ضعف الإسلام
بالمناسبة ذُكر المنافقين لم يرد في الآيات المكيّة أبداً، إذا وجدت سورة فيها ذكر للمُنافقين فاعلم أنها من القرآن المدني، لأن المُنافق لا يظهر في ضعف الإسلام يظهر في قوة الإسلام، إذا الأمور سيئة، والمسلمون يُسامون سوء العذاب لا أحد يُنافق ويقول: أنا من المسلمين وهو غير ذلك، متى ظهر النفاق؟ في المدينة بعد تأسيس الدولة، فمن علامات القرآن المدني أنه يَذكر المُنافقين ويفضحهم، سورة التوبة وسورة البقرة وغير ذلك، فهذا النفاق الاعتقادي، يوجد نِفاق عملي هذا لا يُخرج من الملَّة نسميه: النفاق الأصغر كقوله صلى الله عليه وسلم:

{ آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ }

[صحيح البخاري]

هذا مُنافق لكن ليس نِفاقاً اعتقادياً بل نفاقاً عملياً، هذا يأتي بأفعال تُشبه أفعال المُنافقين فلا يسمى مُنافقاً نِفاقاً أكبر وإنما فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
[سورة البقرة]

الحُكم لله في هذه المسألة، قال:

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9(
[سورة البقرة]

طبعاً بزعمهم، الله لا يُخدع، لماذا لا يُخدع؟ لأن الخداع تخدعه عندما يكون غائباً عنه معلومة معينة، تخدع إنساناً عندما يكون عنده نقص معلومات:

وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)
[سورة طه]

فكيف تخدعه؟ ممكن للإنسان أن يخدع بعض الناس لكل الوقت، أي عنده أربعة أصدقاء استطاع أن يُوهمهم بأنه صالح وهو غير ذلك، وأمضى حياته كلها وقد خدعهم ومات وهم يظنون به الصلاح، ممكن.
فقال: يمكن أن يخدع الإنسان بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن يخدع كل الناس لبعض الوقت، إذا اتسعت شريحة المخدوعين الوقت لا يطول لأنه لا بُدَّ من أن ينكشف، قال: لا يُمكن أن يخدع نفسه ولا ربه ثانيةً واحدة:

بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)
[سورة القيامة]

الإنسان لا يخدع نفسه.

وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)
[سورة القيامة]

يعرف بينه وبين نفسه أنه محقٌ أو مُبطل أما أن يخدع ربه فهذا مستحيل، فلما قال تعالى:

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9(
[سورة البقرة]

أي بزعمهم، لذلك جاء الجواب:

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
[سورة البقرة]

المرض هنا هو النفاق والشك والريب.
ربنا عز وجل في الأصل لا يُودع مرضاً في قلب إنسان ثم يُحاسبه عليه، لكن الإنسان عندما يمرض يُحقق الله له اختياره فيزيده مرضاً، وعندما يهتدي يحقق له اختياره فيزيده هدى، قال تعالى:

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)
[سورة محمد]

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
[سورة البقرة]

فالله تعالى يُحقق لك اختيارك، يقول لك: هنا طريق الحق وهنا الباطل، من يتجه للحق يزيده حقاً، ومن يتجه للباطل يزيده باطلاً، لأنه يُجسد له اختياره، ولهم عذابٌ أليم إلى آخر الآيات.
هذا نموذج المنافقين نسأل الله السلامة.

2 ـ نموذج المشركين:
في سورة البقرة أيضاً:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

هذا نموذج المشركين.
الندّ هو المماثل أو الشريك والمُساوي
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا) الندّ هو المماثل أو الشريك والمُساوي، تقول: فلان ندٌّ لي أي مُساوٍ لي، أنا مهندس وهو مهندس، أو نشأنا معاً الأعمار متقاربة نِدّ، ومن الناس نموذج بشري، يتخذ من دون الله أنداداً أيضاً الشرك نوعان: شركٌ أكبر يُخرج من الملَّة ككفار قريش الذين كانوا يعبدون الأصنام لتقرّبهم إلى الله زُلفى بزعمهم، وهذا يُخرج من الملة، الشرك الأكبر، وهناك شرك أصغر وهو الرياء، وهو أن يفعل الإنسان أفعالاً حسنة لا يُريد بها وجه الله، ولكن يُريد أن يراه الناس وهو في هذه الحال يُزيّن من صلاته لِمَا يرى من نظر الناس إليه، هذا الشرك الأصغر لا يُخرج من الملّة، ولكن يَقدح في الإيمان، قال تعالى:

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106 )
[سورة يوسف]

لا بُدَّ من تنقية الإيمان من الشرك الأصغر
أي لا يكون الإيمان خالصاً مئة بالمئة، فلا بُدَّ للإنسان أن يُنقّي إيمانه من الشرك الأصغر، لأن الأكبر الله عافانا منه ولله الحمد، فقد يئس الشيطان أن يُعبد في أرضكم، في جزيرة العرب كان هناك شِرك أكبر لكن انتهى إلى غير رجعة، نسأل الله ألا يعود، لذلك الإسلام حارب أسبابه، أي إذا إنسان أراد أن يتخذ صنماً فهذا ممنوع، تمثالاً أيضاً ممنوع، لأن هذا مُحاربة لِمَا يؤدي إلى الشرك، قد يقول إنسان: أنا والله ما قصدت الشرك، أنت ما قصدت لكن بعد سنوات أو غيرك سيقصد الشرك بهذا الصنم، لذلك في القرآن الكريم في سورة نوح:

وقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)
[سورة نوح]

مَن هؤلاء؟ قال صلى الله عليه وسلم: هم رجالٌ صالحون، هذه أسماء رجال صالحين كانوا يعبدون الله ويدعون الناس إلى الخير، فلمّا ماتوا قال أقوامهم: نجعل لهم تماثيل تُذكرنا بهم، قال: فلما نُسخ العِلم عُبدت من دون الله، في الأصل كانت النية حسنة لكن ثم عُبدوا من دون الله لذلك يقطع الإسلام أسباب الشرك.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

لن أتحدث عن الشرك الأكبر سأتكلم عن الأصغر؛ الرجل الذي يعصي الله من أجل أن يُلبي طلبات زوجته فيسرق أو يرتشي فهو يتخذ زوجته نِدّاً من دون الله، الشريك الذي يَقبل أن يُتاجر بتجارة مُحرَّمة كي لا يغضب شريكه وينهي الشراكة بينه وبينه قد اتخذ شريكه نِدّاً من دون الله، الإنسان الذي يقول لك: أنا عملي ما كفاني فاضُطررت أن أعمل هذا العمل الحرام من أجل أولادي ومستقبل أولادي اتخذ أولاده أنداداً من دون الله، لأنه أطاعهم في معصية الله فلبى احتياجاتهم وعصى ربه، فاتخذهم نِدّاً من دون الله، فالشرك واسع جداً، الشرك الأصغر مفهومه واسع جداً، أي إنسان يُطيع مخلوقاً ويعصي خالقه إرضاءً لهذا المخلوق فقد أشرك بالله شركاً أصغر لا يُخرج من المِلّة لكنه أشرك بالله، فلذلك ينبغي أن ننتبه للشرك الأصغر، الأكبر الله عافانا منه ولله الحمد والمنّة، لكن ينبغي أن ننتبه ألا نَعصي الله تعالى لنُطيع مخلوقاً فقال:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

لا يُشرك الإنسان إلا لمصلحة
قال: من دون الله، أيُّ نِدٍّ تتخذه فهو من دون الله، لأن الله ليس فوقه شيء، لا يمكن أن تتخذ مساوياً لله، فوق الله حاشاه جلَّ جلاله، ومساو له حاشاه، بل هو أدنى منه بكثير أين الثرى من الثريا؟! من دون الله، فكيف تقبل وهو من دون الله أن تجعله نِدّاً ومُساوياً لله؟ ولا يُشرك الإنسان إلا لمصلحة، تقول لي: ما مصلحة كفار قريش؟ كان لهم مصلحة كبيرة جداً، الأصنام كانت تَدُّر عليهم أموالاً طائلة، فلمّا جاء الإسلام ليُهدِّم لهم أصنامهم كان يُهدِّم لهم أموالهم معها، وتجارتهم، وتَعبيدهم للناس باسم الأصنام، فكان لهم مصلحة، ولكن لو جئت إلى عقولهم لهدتهم إلى الطريق المستقيم، لكنهم كانوا يَعبدون مصالحهم وشهواتهم، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:

{ تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، والدِّرْهَمِ، والقَطِيفَةِ، والخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ. }

[صحيح البخاري]

الخميصة أي يعصي الله من أجل بطنه، شهوة البطن، والقطيفة يعصي الله من أجل لباسه، هو يعبُد لباسه، اليوم يعبد مكانته، يقول لك: أنا لا أريد أن تنزل مكانتي بين الناس، أي مستعد أن يأكل الربا حتى يُحافظ على مظهره، اللباس نفسه، والموبايل نفسه، والسيارة أفخم موديل، وكل شيء بأحسن طراز، عبد القطيفة هذا لا يَعبد الله يَعبد شهوته من دون الله.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

حُبُّ الله لا ينبغي أن يُساويه حُبٌّ في الأرض، حُبُّ الله فوق وكلّ حُبٍّ دونه، فلما يكون حُبُّ الله في داخلك أعظم من كل حُب فلا يمكن أن تعصي الله إرضاءً لأي جهةٍ في الأرض، أنا أُحبُ الله الآن هل أُحب زوجتي أم لا؟ أُحبها مادامت لا تؤدي محبتها إلى معصية الله، أُحب والديَّ حُباً شديداً بل الله أمرني بالإحسان إليهما وحبهما، لكن:

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15(
[سورة لقمان]

حُبُهما لا يؤدي إلى معصية الله، أُحب شريكي لكن مادام في طاعة الله فإذا عصى الله نصحت له، فإن أبى وكانت معصيته تؤثر على العمل هجرته، لا أقبل أن أُرضي أحداً في معصية الله تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]


أكبر ظلم هو ظلم النفس:
أحبابنا الكرام؛ هؤلاء الذين ظلموا، ظلموا مَن؟ ظلموا أنفسهم أولاً، أكبر ظلم ظلموا أنفسهم، لأنَّ أعظم ظلم هو الشِرك، قال تعالى لقمان لمّا كان يعظ ابنه قال:

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
[سورة لقمان]

فيظلم الإنسان نفسه حينما يحمِلُها على معصية الله، ويَظلم الإنسان نفسه حينما يجعلها تتخذ أنداداً من دون الله، تُطيعهم في معصية الله، هذا الظلم.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه
ظلموا أنفسهم، إذ يرون العذاب، متى يرون هم الحقيقة؟ لمَّا يَرون العذاب يوم القيامة أمامهم، النار مُشتعلة ينظر إليها بعينه، يمدُّ يده فتشتعل، هنا يرى العذاب الحقيقي، نحن المسلمين المؤمنين بالله تعالى ولا أُبالغ نرى العذاب الآن في الدنيا! نرى العذاب لا أقصد أننا نعيشه، لا، معاذ الله، أقصد نرى العذاب الأخروي الآن، عندما أنت تكون في مكتبك وتأتيك ورقة وقعها وهذه ألف دينار، ولا توقعها لماذا لم توقعها؟ لأنك رأيت العذاب في توقيعها فأعرضت عنها كي لا تُغضب ربك في رشوةٍ مُحرَّمة، لمّا تَعرُض لك امرأةٌ من حرام فتقول: إني أخاف الله رب العالمين وتأوي إلى بيتك وإلى زوجتك، لماذا فعلت ذلك وغيرك يجدها غنيمةً؟ لأنك رأيت العذاب، فلما رأيت العذاب الآن وقاك الله العذاب يوم القيامة، لذلك قالوا: العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، أي أن تصل إليه بعقلك قبل أن تصل إليه بجسدك، المُدخن العاقل يصل إلى مضار التدخين بعقله فيدع التدخين قبل أن يستلقي على السرير عند طبيب القلبية فيضع يده ويقول: إذا كنت تريد أن تدخن فالأمور منتهية، صحيح؟ فوصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه بجسده، نحن وصلنا إلى الجنة ونعيمها، وإلى النار وعذابها، قبل أن نصل إليها بأجسادنا، فاتقينا أن نُشرك بالله تعالى شيئاً لا نُطيع إلا الله، فإن عصينا بادرنا إلى بابه فوراً، يا رب تُب علينا.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

هؤلاء لم يعلموا الحقيقة إلا عندما رأوا العذاب بأمِّ أعينهم، وهذا أدنى مستويات المُخلوقين، الذي لا يؤمن إلا بعينيه، هذا أدنى مستوى من مستويات المعرفة، لأنه يشترك بها مع بقية المخلوقات، القطة إذا كانت تعبر الشارع وجاءت سيارة مسرعة تُحس بها فترجع، لكن الإنسان إذا وقف ينظر فيجد السيارة قادمة فلا يفكر بعبور الشارع أصلاً لأنه لا يلحق، يقول لك: لا، لا بدّ من الجسر أو الانتظار حتى تقف الإشارة فهذا مستوى أعلى بالمعرفة، أما أعلى مستوى معرفي فهو الخبر، ألا تكون ترى شيئاً بعينيك ولا تستدل عليه بعقلك، ولكنك تؤمن به لأنه جاءك من مصدر موثوق، فعندما يقول لك تعالى: هناك جنةٌ وهناك نار، إذاً هناك جنةٌ وهناك نار كما لو أني أراها بعيني، هذا أعظم أنواع الإيمان، والإيمان بالخبر هذا هو الغيب.

الإيمان بالخبر أعظم أنواع الإيمان:
المحسوسات لا تحتاج إلى إيمان
لذلك قلت سابقاً هي ثلاثة مستويات: نظر، أثر، خبر، النظر أي الحواس الخمس هذه لا أحد يُباهي بها، اليوم إذا قلنا: هذا ميكرفون يأتي لي أحدهم ويقول لي: أنا مؤمن بوجود الميكرفون، سنضحك جميعاً، مؤمن طبعاً مؤمن ما الذي يدفعك إلى عدم الإيمان وأنت تراه بعينيك؟! لذلك لا إيمان مع المحسوسات، المحسوسات لا تحتاج إلى إيمان، إذا إنسان قال: أنا مؤمن أني أسمع صوتك الآن! لا داع أن تؤمن أنك تسمع صوتي، أنت تسمعه، أما الأعلى منه فأن تقول لي: أنا الآن أسمع أصوات في الخارج، إذاً هناك أطفال يلعبون، هذا مستوى أعلى، استنتاج، استنباط، لو قطة تجلس هنا لن تفكر ولن تُحاكم أن هناك أطفالاً يلعبون، لكن أيضاً هذا المستوى مستوى إنساني لكنه بسيط، أعظم المستويات هو الخبر، تقول لي: أنا آمنت، كيف تؤمن ولم تر؟ آمنت لأنه أخبرني الله تعالى:

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)
[سورة النساء]

بأننا سنقف بين يديه، وأنه سيسألنا عن أعمالنا، فأنا مؤمن بالجنة ومؤمن بالنار بالخبر، هذا أعظم أنواع الإيمان.

أسباب إشراك الناس بالله:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]

كل القوة بيد الله
هم في الدنيا لماذا أشركوا بالله تعالى؟ أـشركوا بالله لأنهم كانوا يظنون أن القوة لفلان من الناس فتفاجؤوا يوم القيامة أن كل هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله ليس لهم من القوة شيء، والقوة هنا ليست قوة الأجسام فقط، لا، القوة أي قوة؛ الجمال قوة، ما الذي يجذُبك إلى منظر جميل؟ قوته، تقول: والله لم أستطع أن أُبعد نظري عن هذا المكان لأنه جميل جداً، قوة المنظر! والكمال قوة كيف الكمال قوة؟ إذا إنسان صالح كثيراً، وأفعاله صالحة، وأخلاقي، وجلس معنا في هذا المجلس تقول: والله سررنا جداً بوجود الشيخ الفلاني، والله جذبنا حديثه، لأن عنده كمالاً في الأخلاق، فالكمال قوة، الموقف الأخلاقي يُعجب، والنوال قوة، العطاء، إذا إنسان يُعطي فهو قوي، فأنت تُحبه لأنه يُعطي، يأتيك منه شيء، فيوم القيامة سيتفاجأ هؤلاء أن القوة لله جميعاً، كل القوة بيد الله، وأنَّ ما أضاعوه من عمرهم في الجمال من نساء لا يَحلُّون لهم، وفي الكمال من أشخاص اعتقدوا أنهم في كمال وفي نوال وعطاء ولو كانوا أحياناً من حرام يكتشفون أنَّ كل هذا كان هباءً منثوراً، وأنَّ القوة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
[سورة البقرة]


يوم القيامة كل إنسان يتبرأ من شركائه:

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
[سورة البقرة]

اتُبعوا: الذين أُشرك بهم فاتُبعوا على ضلالهم، كرةً أي مرة ثانية أو عودةً، لكن لا يوجد كرة انتهى الأمر حتى الشيطان يوم القيامة يَتبرأ:

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)
[سورة إبراهيم]

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)
[سورة عبس]

يوم القيامة كل إنسان يتبرأ من شركائه، كل إنسان نفسي نفسي:

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
[سورة البقرة]

ندم والعياذ بالله، تصبح أعمالهم ندماً الآن في الآخرة.
هذا نموذج؛ النموذج الأول المنافقون والثاني نموذج المُشركين كلاهما ومن الناس ومازال في سورة البقرة نموذجان:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204)
[سورة البقرة]

نموذج:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
[سورة البقرة]

نموذجٌ آخر ونتحدث عنهما في لقاءاتٍ أُخرى إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين