بداية تمكين يوسف عليه السلام

  • الدرس الخامس: شرح الآيات 19- 22
  • 2020-09-12

بداية تمكين يوسف عليه السلام

السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ: بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِه أجمعين.
مع اللقاء الخامس من لقاءات سورة يوسف ومع الآية التاسعة عشرة من السورة وهي قوله تعالى:

وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
(سورة يوسف: الآية 19)

هذه الآية بدأنا بها في اللقاء الماضي، قلنا: السَيَّارَة مثل الكشَّافة الذين يكثرون الكشف فيسمَّون الكشافة أو البائعة الجوالة الذين يكثرون التجوال، السَيَّارَة يكثرون السير فهي قافلةٌ تسير كثيراً فسميت سَيَّارَةً.

نجاة يوسف عليه السلام من الجب
قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) البئر كان في طريق القوافل التجارية (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ) الوارد هو الذي يرد الماء، قال تعالى:

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ
(سورة القصص: الآية 23)

والوارد يسبق القوم سواءً كان فرداً أو مجموعةً، يسبق القوم ليستطلع الماء وصلاحيته ثم ينادي قافلته أن هلمُّوا فالماء موجودٌ أو صالحٌ للشرب أو غير ذلك، فتأتي القافلة التي معه لترد الماء معه، (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ) الذي يرد الماء قبلهم (فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ) الدلو الذي يملؤه بالماء من البئر، يبدو أن يوسف عليه السلام تعلق بالدلو لكن السياق القرآني لم يذكر ما الذي حصل، هل ناداه أم تعلق بدلوه؟ تركها مفاجأةً، قال: (فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ) وترك لك أن تتخيل ما الذي حصل، هذه فجوة في القصة لها هدف وهو استثارة القارئ، (فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ) إذاً تعلق يوسف بالدلو فيما يبدو وخرج إلى هذا الوارد، (قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ) يوسف كما تروي الروايات في هذا الوقت كان عمره في التاسعة أو العاشرة أو الحادية عشرة، لسنا بصدد تحديد العمر، لكنه كان في عمرٍ يستطيع أن يخبر عن نفسه والدليل ما رواه لوالده من رؤيا.
يوسف لم يكن في عمرٍ صغيرٍ لا يستطيع أن يخبر عن نفسه، لو أنهم سألوه: من أنت؟ لأجابهم من أبوك؟ لدلَّهم، ويعقوب معروف، فهو ليس شخصاً عادياً، هو نبي الله، فكان من الممكن أن يسألوه فيدلهم، هو شيء سهل ومنطقي جداً أن يسألوه، لكن الله يدبِّرُ الأمور بتدبيره لذلك قال تعالى: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) هم أخذوه سراً لأنهم لم يتعاملوا وفق العرف المعهود، هذا غلام ينبغي أن تسأل عنه أو تسأله من أنت فيجيبك فتوصله إلى أهله أما أن تأخذه على أنه بضاعة فهذا غريب!
البضاعة هي ما يعدُّ للتجارة
البضاعة هي ما يعدُّ للتجارة في الأصل، تقول: جاءتني بضاعةٌ جديدةٌ إلى متجري، وسميت بضاعةً من البَضْع، والبَضْع هو القطع ومنها مِبْضَعُ الجرَّاح الذي يُقطع به، لأن البضاعة هي قطعةٌ ثمينةٌ تقتطع للتجارة، توضع ويختص بها التاجر فتسمى بضاعة التاجر، وهم (أَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) أي جعلوه بضاعةً سريَّةً، ما أرادوا أن ينكشف أمرهم، أولاً لأنهم لو سألوا عنه لعُرف من هو وهم يريدون أخذه، وثانياً لأنهم سيتعاملون معه على أنه رقيق فيبيعونه وهو لا يجوز بيعه لأنه حرٌّ فمن أجل هذين السببين (أَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) أي أخفوه عن عيون الناس وجعلوه متاعاً، ثم قال تعالى: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) الله عليم بالعمل سواءً كان حسناً أو قبيحاً، لكنه هنا في موضع التهديد وبيان أن ذلك العمل الذي عملتموه ليس صحيحاً.
قلنا سابقاً: إن الأمور تجري بالمقادير وإن الله تعالى يُسيِّرُ يوسف ليصل إلى مصر وليصبح بعد حين عزيز مصر ولتكون له المكانة العلية فهذا الذي ينبغي أن يجري، لكن هذا لا يعني أن أفعالهم تلك كانت صحيحةً، فالموقف الصحيح كان يقتضي من هؤلاء أن يسألوا يوسف من أنت ومن أبوك ويعيدوه إلى بيت أبيه، لكنهم فعلوا ما يشبه الاختطاف فاختطفوا هذا الغلام وجعلوه بضاعةً لينتفعوا بثمنه.
التوحيد لا يعفي من المسؤولية
فقلنا في اللقاء الماضي ونكرر لأن هذه الفكرة مهمة جداً: إن التوحيد لا يعفي من المسؤولية، ليس لإنسانٍ أن يقول: قد جرت الأمور بالمقادير والله تعالى هو الفَعَّال لمَا يُرِيدُ وهو الذي أراد أن يُسرق من فلان أو أن يُقتل فلان، حسناً ألا نعاقب الذي سرق وألا نقتص ممن قتل؟ طبعاً نعاقب من سرق ونقتص ممن قتل، فحكمة الله لا تعفيك من المسؤولية، فأنت مسؤولٌ عن عملك (إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ) فالله تعالى بيده كلُّ شيء، ولكن طوبى لمن قُدِّر على يديه الخير والويل لمن قُدِّر على يديه الشر بسببٍ منه ببعده عن الله قُدِّر على يديه الشر.

شراء سيدنا يوسف بثمنٍ بخس
قال تعالى:

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
(سورة يوسف: الآية 20)

شَرَى بمعنى بَاعَ، قال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
(سورة البقرة: الآية 207)

البخس أي القليل
(يَشْرِي نَفْسَهُ) أي يبيعها، فنقول: شَرَى واِشتَرَى: أي بَاعَ واِشتَرَى، ونقول: كَرَى واِكتَرَى: يعني أجَّر واستأجر، من الكراء وهو الأجرة، فالفعل الأساسي على وزن فَعَلَ يدل على الفعل الرئيسي الذي يصدر من الإنسان، والمطاوعة تكون من الافتعال: بعته فابتاع مني، أو شَرَى فاشتريت يعني باعني فاشتريت منه، شَرَى بمعنى بَاعَ (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) باعوه (بِثَمَنٍ بَخْسٍ) بَخْس بمعنى مبخوس أي قليل، البَخس هو أن تبخس الناس أشياءهم، أن تعطيها قيمةً أقل من قيمتها الحقيقية فإذا جِئْتُكَ ببضاعةٍ سعرها ألف وقلت لي: أشتريها منك بمئة فقد بخستني، قال تعالى:

وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا
(سورة البقرة: الآية 282)

وفي آيةٍ أُخرى:

وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ
(سورة هود: الآية 85)

لا يجوز أن تبخس الناس أشياءهم، إن شئت فاشترِ وإن شئت فلا تشترِ، لكن أن تعطيه ثمناً قليلاً لبضاعةٍ قيمتها كبيرة فهذا بخسٌ لا يجوز، وحتى من الأمور المعنوية التي ينبغي ألا نبخس الناس أشياءهم؛ إن رأيت عالماً في مجالٍ معينٍ فلا تبخسه علمه فتقول له: يبدو أن معلوماتك قليلة! (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) لا مالاً ولا مكانةً ولا خبرةً لا ينبغي أن يبخس الإنسان أخاه شيئاً مما آتاه الله تعالى، أي أن يعطيه أقل من قيمته، قد تقول لي: هذه البضاعة بمئة، أقول لك : أشتريها بتسعين، أما أقول لك : بخمسين! فقد بخستك حقك، فالمفاوضة تكون ضمن نطاق محدود حتى في البيع.

{ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى }

(رواه البخاري)

عنده سماحة في البيع وفي الشراء وفي القضاء وفي الاقتضاء، عندما يطلب حقه فهو سمح، وعندما يُطالب بحقٍّ فهو سمح، وعندما يبيع فهو سمح، وعندما يشتري فهو سمح، أي سهل، أما الآية هنا (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي باعوه بأقل من قيمته بكثير، يوسف عليه من علامات الحسن الظاهر ما عليه، وفيه من علامات الحسن التي لا يراها إلا أهل البصيرة ما فيه، من علامات النجابة والذكاء والخلق العالي، فأن يُدفع فيه ثمنٌ فمهما دُفع فهو بخس، لكن حتى في عرفهم يوم دفع هذا الثمن بغلام كان ثمناً بخساً لغلامٍ يباع ويُشترى، ويبدو أنهم قَبِلوا بذلك لأن السارق دائماً يبيع بأي ثمن.

الثمن كان دراهم معدودة
فهم لما أخذوه وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً هم يبيعون حراً ويبيعون غلاماً قد أخذوه من أهله وكان بإمكانهم أن يصلوا إليه وربما يوسف أخبرهم بل يغلب على ظننا أن يوسف لما خرج من الجب معهم قال: أنا فلان أرجعوني إلى أهلي، وطلب ذلك لأنه غلام واعٍ يستطيع أن يفعل ذلك، لكن لما (أَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) وأخفوه عن العيون من أجل أن يبيعوه فأُعطوا به ثمناً بخساً فباعوه ليتخلصوا منه وينجوا من فعلتهم، (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) الدرهم من المُعرَّب، كلمة ليس أصلها عربياً، فالدراهم جمع درهم وهو ثمن من الأثمان يباع ويشترى به.
في الدراهم المعدودة إشارةٌ إلى القلَّة
(مَعْدُودَةٍ) أي تُعَدُّ، ودائماً نقول للشيء الغالي ثمنه: لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، فنشير إلى عِظَم الشيء بقولنا: لا يُعَد، ونشير إلى ضآلته بقولنا: يُعَدُّ على أصابع اليد، وقد نقول: على أصابع اليد الواحدة لنشير إلى القِلَّة، فالدراهم معدودة، وقيل: إنهم كانوا في ذاك الزمن يبيعون الأشياء الغالية بالوزن والرخيصة بالعَد، فإذا بلغ أكثر من أوقية فيبيعونه بالوزن، كم تحتاج وزنه من الدراهم أو من الدنانير؟ يزينون وزناً، فإذا كان شيئاً بخساً فإنهم يبيعونه بالدراهم المعدودة التي تُعَدُّ، على كلٍّ الثمن كان بخساً جداً والدراهم كانت معدودةً.

تعريف الزهد
الزهد من أعمال القلوب
(وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) لم يكونوا عارفين بحقه ولا بقيمته ولا بمن بين أيديهم فزهدوا عنه ولم يرغبوا فيه، وأصل الزهد أن ترغب عن الشيء ويقال: زَهِدَ في الدنيا أي رَغِبَ عنها، ولكن الزهد ليس عملاً من أعمال الجوارح وإنما الزهد من أعمال القلوب، فليس الزهد في ثياب باليةٍ يلبسها الإنسان، ولا في شعرٍ أشعث يتركه من غير أن يمشطه، ولا في مسكنٍ قَمِيءٍ وخيمةٍ يسكنها، ليس هذا هو الزهد، وإنما الزهد عملٌ من أعمال القلوب وهو ألا تأسرك الدنيا بما فيها فترغب عنها بقلبك وإن كنت تملكها بيدك، هذا هو الزهد، أن ترغب عن الدنيا بقلبك لا أن ترغب عنها بيدك، ولمَّا فهم بعض المسلمين أن الزهد يعني ترك الدنيا تركوا الدنيا فأخذها غيرهم واستبدُّوا بهم وتحكَّموا بهم عندما ملكوا الدنيا، لذلك هذا المعنى من أين استقيناه؟ من قوله صلى الله عليه وسلم لمَّا سُئِل:

{ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ }

(صحيح مسلم)

فالمتكبر هو الشخص الذي إن جاءه الحق ردَّه وإن ذكر أمامه إنسانٌ غمطه حقه وبخسه حقه ولم يعطهِ حقه فهذا هو المتكبر ولو لبس أخشن الثياب، وأما المتواضع فلو لبس أجمل الثياب فإنه لا يردُّ الحق ولا يبخس الناس قيمتهم ولا أشياءهم، فالكبر في القلب والزهد في القلب، (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) زهِدوا به فباعوه بثمنٍ بخسٍ من الدراهم المعدودة.

المشتري هو عزيز مصر
هنا السياق القرآني؛ انتقل الآن يوسف عليه السلام، انتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، أين هذا المكان؟ مصر.

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(سورة يوسف: الآية 21)

المشتري هو رجلٌ من مصر
(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ) المِّصْرَ في الأصل تطلق على المدينة بشكل عام، أي مدينة تسمى مِصراً، يسكن بها الإنسان ويستقر بها تسمى مصراً، ويطلق على بلدٍ بعينه يسمى مصر، والمقصود هنا هو مصر هي البلد التي كانت تسمى مصر الموجودة إلى يومنا هذا على اختلاف الحدود والله أعلم بحدودها لكن هي مصر، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ) إذاً المشتري هو رجلٌ من مصر، هنا السياق القرآني لا يذكر من هذا الرجل، لكن بعد حين يخبرنا بأن هذا المشتري وإن لم يكن قد باشر الشراء بنفسه لكن دافع المال يسمى مشترياً وإن لم يكن قد باشر الشراء بنفسه فأنت قد تشتري شيئاً ولست المشتري تشتريه لغيرك فأنت وكيلٌ عنه، فالنتيجة أن الذي اشتراه هو عزيز مصر كما يسميه القرآن عزيز مصر، من عزيز مصر؟ أرجح الأقوال: أنه كان رئيس الشرطة، يعني هو قائد القوات التي تحمي مصر، وقيل: بل هو ما يسمى اليوم رئيس الوزراء، يعني الحكومة التي تُدير البلد وعلى الحالتين فالمعنى واحد، سماه القرآن عزيز مصر لما له من عِزَّةٍ عند أهل مصر، هو ليس الملك وإنما هو العزيز الذي بيده حماية مصر سواءً بالوزارة أو بالشرطة.
(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ) والمرأة هنا هي الزوجة، ويطلق في العربية وفي القرآن: يستخدم كلمة امْرَأَتِهِ

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا
(سورة هود: الآية 71)

امْرَأَتُهُ هنا هي زوجته، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ) وقيل إنَّ امْرَأَتُهُ هنا هي التي تذكرها كتب التاريخ على أنها زليخة والله أعلم باسمها.

المقصود بالمثوى
المَثْوَى هو مكان الإقامة والاستقرار
(أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) المَثْوَى هو مكان الإقامة والمبيت والاستقرار، والثوي الذي يثوي به الإنسان فيسمى مَثْوَى، اسم مكان مثل: معمل، مَثْوَى على وزن مَفْعَل، وقد وَهِمَ بعضهم في بعض المنشورات التي قرأتها حديثاً في وسائل التواصل الاجتماعي: أنهم ينبهون أن المَثْوَى لشيء والمأْوَى لشيءٍ آخر، قَرَأْتُ منشوراً بنحو ذلك

وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ
(سورة محمد: الآية 12)

فالمَثْوَى للنار، أما الجنة فهي مأْوَى وليست مَثْوَى وهذا ليس صحيحاً، فالمَثْوَى والمأْوَى كلاهما يطلق على الجنة وعلى النار وعلى المكان الحسن وعلى المكان القبيح، المأْوَى والمَثْوَى كلاهما يطلق على الشيئين وقد جاء ذلك في كتاب الله فهنا (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) وجاء (وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) وجاء

وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
(سورة آل عمران: الآية 162)

فالمأْوَى يأتي للجنة والنار، والمَثْوَى يأتي للجنة والنار، و(أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) أبلغ من أن أكرميه، لغةً أبلغ من أن تقول: أكرِم فلاناً، أن تقول: أكرم مثواه، فإذا علمت أن والدك قادمٌ من سفر وقد غاب عنك فترةً من الزمن وأُخبرتَ بقدومه بعد يومين فإنك تُهيِّئ مثواه قبل قدومه، فتهيِّئ له السرير وتضع له الفراش الوثير وفوقه الوسائد الناعمة النظيفة وتنظف الغرفة فأنت الآن تكرم مثواه، فما بالك بإكرامه عندما يصل إذا كنت قد أكرمت مثواه فكيف سيكون إكرامك إياه؟! فهذا من المجاز، في الأصل المقصود أن يكرم هو لكن يقال: أكرم مثواه أي أكرم مكان إقامته فهذا أبلغ في إكرامه.
(أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) يبدو أن عزيز مصر لمح في وجه يوسف الجمال، الجمال واضح، كما ورد في الحديث:

{ أنَّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: أُعْطِيَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَطْرَ الْحُسْنِ }

(رَوَاه مُسْلِم)

ولمح من حديثه معه كما يبدو مخايل النجابة والذكاء والفطنة، يعني هما أمران معاً الظاهر والباطن، فقال: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا) يعني رجا أن يكون له منفعةٌ من هذا الغلام إذا كبر، (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) ويبدو من السياق ومن بعض الروايات التاريخية أن عزيز مصر لم يكن له أولاد، كان لا ينجب ليس له أولاد، فقال: (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)، هو الآن بِيْعَ على أنه عبد فأن (نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) ولدٌ لعزيز مصر ليس شيئاً سهلاً لذلك قال: (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) يعني إذا رأينا منه ما يدفعنا لذلك إن كبر.

بداية التمكين
الانتقال من البئر إلى القصر
(وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) الآن بدأ التمكين ليوسف من هذه اللحظة، يوسف كان في البئر الآن صار في القصر، انتقل من البئر إلى قصر عزيز مصر بدأ التمكين الذي وُعِدَ به يوسف (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) ولم يقل: في مصر، بل قال: (فِي الْأَرْضِ) إشارةً إلى أن دعوة يوسف ونبوة يوسف ستكون عامةً شاملةً فقال: (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) مَكَّنَ لَهُ: جعله ذا مكانة، ويقال: وضعت لجنةٌ للتمكين للغة العربية؛ أي لتجعل اللغة العربية ذات مكانةٍ بين نفوس أصحابها، ولا يقال: مَكَّنَهُ وإن كان صحيحاً بل الأفصح أن يقال: مَكَّنَ لَهُ، فهنا (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) أي جعلنا له مكانةً ثابتةً في الأرض، بدأ التمكين من هذه اللحظة وهو غلام صغير.

التأويل هو المآل
(وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) التأويل هو المآل أن تعلم مآل الأمر، فلما (رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) بنهاية القصة قال:

يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا
(سورة يوسف: الآية 100)

هي كانت رؤيا ربما قبل أربعين سنة لكن أُوِّلَت لما وقعت، يعني اتضح مآلُها، اتضحت نهايتها

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
(سورة آل عمران: الآية 7)

في الآيات المتشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله، فهنا قال: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) المقصود هنا تأويل الأحلام والرؤى التي أبدع فيها يوسف عليه السلام بتعليم الله تعالى إياه، (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) يعني أنت ترى رؤيا؛ عندما يُعبِّرُها يوسف عليه السلام يقول لك مآلها، كيف ستؤول هذه الرؤيا، قال:

أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ
(سورة يوسف: الآية 41)

لما قالوا له: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) يعني أعطنا النهاية ما الذي سيحصل؟ فقال: سيحصل كذا وكذا، فأعطاهم المآل هذا هو التأويل

بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
(سورة يونس: الآية 39)

ربنا عزَّ وجلَّ في القرآن قال:

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا
(سورة البقرة: الآية 276)

يمحق الله الربا
فإذا رأيت مرابياً وأمواله تنمو ومن عشر سنوات يزيد في الربا والأموال تزيد إذاً لمَّا يأت التأويل، لمَّا يأت تأويل هذه الآية بالنسبة لفلان، قد ترى وقد لا ترى أنت، لكن الله يمحق الربا، ربما يأتي تأويله بعد عشرين سنة فيمحق الله له ماله كله وربما ترى بعينك أنه يزيد وهو في الحقيقة قد نُزعت منه البركة فيرابي ويربح ألافاً ثم يضع أضعافها لعلاج ابنه، أو لحادثٍ في سيارته، أو لحريقٍ في بيته، فأنت لا تعلم التأويل، لكن الله يمحق الربا هذا قانون، قد ترى بأم عينك محق الربا عند بعض الناس وقد لا تراه (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ).

المؤمن لا يعلم الغيب لكنه يعلم المآلات
لما قال تعالى:

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
(سورة النحل: الآية 97)

فإذا رأيت المؤمن يعيش في الحياة الطيبة وقد عمل الصالحات فهذا تأويل الآية

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا
(سورة طه: الآية 124)

التأويل هو أن تعرف المآل
فلما ترى المعرض عن ذكر الله في ضيقٍ وعدم سكينةٍ وتشاؤمٍ وسوداويةٍ وقلقٍ واكتئابٍ فهذا تأويل قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) فالتأويل هو أن تعرف المآل، والمؤمن ينظر بنور الله فيرى مآلات الأمور قبل أن تقع، فيصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه، يصل إليه بعقله قبل أن يصل إليه بجسده، المؤمن يرى أن نهاية الحياة هي الموت ،هذا المآل، تأويل، يرى مآل الحياة هو الموت فيصل بعقله إلى أنه سيموت فينضبط بشرع الله، أما غير المؤمن فيفاجأ بالموت مفاجأةً فلا يصل إليه بعقله قبل أن يصل إليه بجسده، فعندما يصل إليه بجسده يكون قد فات الأوان

قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ
(سورة المؤمنون: الآية 99-100)

فالمؤمن لا يعلم الغيب لكنه يعلم المآل بإخبار الله تعالى له، المؤمن لا يعلم الغيب لكنه يعلم المآلات بإخبار الله تعالى له بما سيكون فهو يعلم التأويل، فيوسف عليه السلام قال: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) فهو يعلم المآلات، ومن المآلات التي يعلمها ومن معجزاته مآلات الأحلام، كلنا إذا فسر حلماً مهما كان عارفاً بهذا فهو تفسيرٌ ظنِّي، لا يوجد اليوم تفسير أحلام قطعي، تقول: لعله كذا، يعني من باب الظن، لكن يوسف عليه السلام لما كان يُؤوِل كانت تقع الرؤيا كما يؤوِّلها تماماً لأنها معجزة له، (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ
الآن العبارة المفصلية الأساسية في سورة يوسف كلها، أنا أقول هذا محور السورة، قال: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) قِلَّةٌ من تعلم أنَّ الله غالبٌ على أمره، كثرةٌ من تظن أن فلاناً أو فلاناً أو دولةً أو دولاً غالبةٌ على أمرها، يظنون ذلك، لماذا؟ لأن عندنا عالَمين: عالم الغيب وعالم الشهادة، عالم الشهادة تراه بعينك فتظن أنه الحقيقة كلها، تظن ذلك، أما الغيب فلا تدركه بحواسك فيغيب عنك، هو غيبٌ غاب عنك فتظن أو تتوهم أنه لن يقع، بخلاف المؤمن الذي يؤمن بالغيب مثل إيمانه بالشهادة أو أعظم، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ).
المؤمن يعلم أن الله غالبٌ على أمره
فالناس عندما ينظرون؛ ينظرون أن من يحكم العالم فلان أو فلان أو الدولة الفلانية أو المنطق الفلاني أو منطق القوة أو إلى آخره لأنهم ينظرون بعين الشهادة، لكن عندما يتعمق الإنسان ويفهم على الله عزَّ وجلَّ يعلم أن يد الله وحدها تعمل بالخفاء وأن هؤلاء الذين يُظنُّ أنهم يتحكمون في العالم إنما هم أدواتٌ بيد الله عزَّ وجلَّ يسيِّرهم كيف شاء ليحقق حكمته جلَّ جلاله، فالمؤمن يعلم أن (اللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ) إلا أنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ هذه الحقيقة لأنهم متعلقون بعالم الشهادة الذي يوهمهم بأن هناك جهاتٍ أرضيةٍ تتحكم بهذا العالم أو تفعل فعلها، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، لك أن تتصور كيف تلقَّى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم في مكة المكرمة هذه الآيات وهم يسامون سوء العذاب ثم يسمعون قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) المؤمن الجديد يرى أن قريشاً تفعل ما تفعل وأنها تكيد للمسلمين وبلالٌ يعذب فيقول: أحدٌ أحدٌ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمر بآل ياسر فلا يملك لهم إلا أن يقول: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فإن مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ، ولا يستطيع أن يدفع عنهم هذا الضر الذي يصيبهم، والمسلمون يتخفون في دار الأرقم ويطاردون ثم يسمعون قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ونحن اليوم في هذا العصر الشبيه جداً بالعصر المكي أيضاً ينبغي أن تتنزل هذه الآية في نفوسنا منزلاً بمعنى أن نؤمن إيماناً يقينياً بأن الأمر كله بيد الله وهذا هو التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، الدين كله توحيد، الدين كله أن تعلم أن الله غالبٌ على أمره وألا تتوهم أن هناك جهةً تسبق الله

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
(سورة العنكبوت: الآية 4)


كل شيءٍ يتحرك ضمن إرادة الله
كل شيء في الحياة يجري بإرادة الله
لا أحد يسبق الله تعالى ولا أحد يستطيع ذلك أبداً، أرأيت إلى سفينةٍ ضخمةٍ، باخرة تمخر عباب البحر وتتجه بكل قوتها من المشرق إلى المغرب وبمحركاتها العشرة التي تحركها بهذه القوة الهائلة من المشرق إلى المغرب فوقف واحدٌ من الناس على ظهرها ومشى بعكس مسيرها من المغرب إلى المشرق وقال: أنا أفعل ما يحلو لي ولن أنصاع لأمر هذه السفينة! إنه مضحك لأنه ما زال فوق السفينة وسيصل من المشرق إلى المغرب وهو فوق السفينة فقط يتحرك حركة عشوائية لكن السفينة كلها متجهة وفق إرادة ربان السفينة ولله المثل الأعلى نحن جميعاً في هذه الحياة نتحرك فوق ظهر سفينةٍ لكن الله تعالى هو الذي يحرك سفينة الحياة في الطريق الذي يريد وبالحالة التي يريد ونحن نظن أننا نتحرك لكننا في الحقيقة نتحرك ضمن إرادة الله ويد الله وحدها تعمل في الخفاء (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) قال تعالى:

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
(سورة التوبة: الآية 32)

تخيل إنساناً بكل قوته وجه بصقةً لقرص الشمس ليطفئها كم هو مضحكٌ وساذجٌ! قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) والله (يُتِمَّ نُورَهُ) فالله تعالى بيده الأمر

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ
(سورة الروم: الآية 4)

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
(سورة هود: الآية 123)

الأمر بيده وحده، لا أمر إلا أمره جلَّ جلاله

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ
(سورة الأنفال: الآية 17)

العقيدة توجِّه الحركة
هذا هو التوحيد أنت تحرك يدك وتأخذ القوس وتضع السهم وترمي تقول: أنا رميت، أنت لم ترمِ أنت تحركت ضمن إرادة الله الذي رمى هو الله جلَّ جلاله لكن أنت أخذت ثواب العمل أو إثم العمل، أنت كسبت واكتسبت لكن الفعل فعل الله، يظن البعض خطأً منهم أن هذه العقيدة تشل الحركة، أبداً هذه العقيدة توجِّه الحركة، الذي يشل الحركة هو عقيدة الجبر أن تعتقد أنك مجبرٌ، نحن لا نقول إنك مجبر على أفعالك، بل نقول: إنك تتحرك باختيارك لكنك ضمن إرادة الله، هو ما أجبرك على هذه الحركة، قال تعالى:

فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
(سورة الكهف: الآية 29)

لكنك عندما تختار أحد الطريقين فأنت الآن تُسيَّر ضمن إرادة الله، أنت لا تفعل شيئاً لا يريده الله فهذه العقيدة بالعكس توجه الحركة لأنها تفهمك أنك جنديٌّ في هذا الكون تتحرك مع الكون كلِّه بإرادة الله تعالى، أما ما يشلُّ حركة الإنسان أن يقال له: أنت مجبر على كل أعمالك ولن تستطيع أن تفعل خيراً والله تعالى أراد بك شراً فستفعل الشر! هذه عقيدة الجبر التي تشلُّ حركة الإنسان أما العقيدة الصحيحة التي تقول: الفعل فعل الله والإنسان يكسب أو يكتسب فهذه عقيدةٌ سليمةٌ توجه حركة الإنسان في الطريق الصحيحة.

الحكمة والعلم
الآية الأخيرة في هذا اللقاء؛ قال تعالى:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
(سورة يوسف: الآية 22)

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) يوسف عليه السلام (بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي قوته، الأشُد هي القوة وأصبح قوياً قيل هذا في عمر بين الخامسة والثلاثين والأربعين لأنه في هذا العمر الإنسان يكون في قمة نشاطه وازدياده ثم يبدأ بعدها بالتناقص فيبلغ أشده عندما تكتمل رجولته في جسمه ويكتمل عقله ومحاكمته للأمور (بَلَغَ أَشُدَّهُ).
يقول عن موسى عليه السلام:

بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ
(سورة القصص: الآية 14)

استوى عقلياً وبلغ أشده جسمياً.
العلم من غير حكمة يضلُّ صاحبَه
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) الحكم هو الحكمة، وقدم الحكمة على العلم لأن العلم من غير حكمة يضلُّ صاحبَه، فكم من عليمٍ أضلَّه علمه لأنه لم يمتلك الحكمة التي تجعله يضع الشيء المناسب بالقدر المناسب بالوقت المناسب في المكان المناسب فالحكيم يحسن صياغة حياته والله تعالى هو الذي يؤتي الحكمة (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) وقد يكون الحكم هنا بمعنى الحكم وهو الحكم بين الناس والفصل في الخصومات فيقال حكم بينهما أي فصل في الخصومة وأعطى لكلِّ ذي حقٍّ حقه، فهذا حكمٌ يحكم به الإنسان وكلاهما مستمدٌّ في المحصلة من جذرٍ واحدٍ، فالحكمة أن تتصرف بالشكل الصحيح في الوقت المناسب في الزمن المناسب، والحكم عندما تحكم بشكلٍ صحيحٍ فأنت صاحب حكمة، فالأمران متعلقان ببعضهما في محصلة الأمر (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) يدل أولاً: على أن يوسف عليه السلام قد بدر من إحسانه في فتوته وشبابه ما بدر، لأن الله تعالى الآن يكافئه على إحسانه بأن آتاه الحكمة، فالحكمة عطاءٌ من الله لكنه ليس عطاءً بلا سبب حاشاه تعالى أن يعطي عطاءً بلا سبب يعطي على شيء، فكان محسناً يوسف عليه السلام أحسن، أعطى من وقته من ماله من حياته من مكانته وهو في قصر العزيز، أحسن للناس في هذه المدة كانت حياته مبنيةً على الإحسان والإحسان هو العطاء والإتقان فلما أحسن جازاه الله تعالى بالحكمة والعلم (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) دلالة على أن يوسف كان محسناً في فتوته وشبابه وقبل أن يبلغ أشده.

تعميم العطاء الإلهي ليشمل كل محسن
قانون جزاء المحسنين
والأمر الآخر: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) انتقالٌ من حالةٍ خاصةٍ ليوسف إلى قانون عام يشمل كل محسن، فلو قال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) وكذلك فعلنا بيوسف مثلاً، لظنَّ ظانٌّ أن هذه خاصةٌ بيوسف لكن لمَّا قال: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) فعمم القانون أي كلُّ محسنٍ يُحسنُ في تعامله مع الله وفي تعامله مع خلق الله فإن الله تعالى يجزيه بأن يمنحه الحكمة ويمنحه العلم ويؤتيه من فضله ما يشاء، هذا الجزء من الآية (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) قلب الآية كلها من حكمٍ عام إلى قانون وهذا شبيهٌ بقوله تعالى:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ
(سورة الأنبياء: الآية 87-88)

فلا تظن أن هذا الحكم خاصٌّ بيونس عليه السلام وإنما هو لكل من يكون على خطى يونس عليه السلام ويلتجئ إلى الله عند الملمَّات فيجازيه الله تعالى ويجيبه إلى دعائه.
والحمد لله رب العالمين.