لقاء سيدنا يوسف بأخيه بنيامنين

  • الدرس الثاني عشر: شرح الآيات 68 - 80
  • 2021-08-14

لقاء سيدنا يوسف بأخيه بنيامنين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه عند دخولهم مصر:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا رب العالمين، وبعد:
مع اللقاء الثاني عشر من لقاءات سورة يوسف، ومع الآية الثامنة والستين من السورة، وهي قوله تعالى:

وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)
[ سورة يوسف]

أخوة يوسف الآن سيدخلون عليه، بعد أن طلب منهم أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم، جاؤوا بأخيهم من أبيهم وهو بنيامين، وهو الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام، من أم واحدة، فجاؤوا به، ورجعوا الآن إلى يوسف عليه السلام، يعقوب عليه السلام أوصاهم ألا يدخلوا من باب واحد كما أسلفنا.

وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)
[ سورة يوسف]

أي لا تدخلوا مجتمعين، ادخلوا متفرقين، كل اثنين، أو كل واحد من باب، وبيّنا وقتها أن الحكمة من ذلك قد أخفاها الله تعالى، وما ذكرها، وما ذكرها يعقوب.
العين حق
وقلنا: لعلها رغبة من يعقوب أن يحميهم من العين الحاسدة، والعين حق كما جاء في الأحاديث الصحيحة، فهم أحد عشر أخاً أشداء، أقوياء، قد قدموا من أرض كنعان إلى مصر، ويدخلون بما معهم، وبما جاؤوا به، فالعين حق، هذا وارد في الصحيح، أو لعله خاف عليهم من أعداء متربصين بهم، أو أنه ما أرادهم أن يدخلوا على العزيز بمجموعهم من المدينة إلى مصر فيلفتوا الأنظار من حولهم، من هؤلاء؟ ولماذا جاؤوا؟ حكم كثيرة.

الرمز في سورة يوسف:
سورة يوسف عليه السلام فيها موضوع الرمزية واضح جداً، الرمز الذي يخفي وراءه شيئاً، فجاء هذا على النسق نفسه، من أول السورة:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)
[ سورة يوسف]

من الأحد عشر كوكباً؟ من الشمس؟ من القمر؟ رموز، ثم في السجن.

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)
[ سورة يوسف]

أيضاً كانت ضمن رموز معينة، الأول يسقي ربه خمراً، والثاني رأى الطير تأكل من رأسه، رمز، ثم الملك لما رأى الرؤيا.

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)
[ سورة يوسف]

رمز، فالرمزية في قصة يوسف شيء ملفت للنظر، فجاءت هنا أيضاً ضمن الرموز: ( إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا )، ما ذكر ما هي هذه الحاجة، ترك الخيال لك لتسبح في هذه الحاجة التي أسرها يعقوب في نفسه.

الأخذ بالأسباب والاعتماد على رب الأرباب:
(وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) إذاً نفذوا وصية والدهم ودخلوا متفرقين قال: (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) انظر (مِنْ شَيْءٍ) كلمة عامة، ربما تكون أعم كلمة في اللغة العربية:

وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
[ سورة القصص]

إرادة الله نافذة
كل شيء، فشيء كلمة عامة، ولما جاءت قبلها مِن أفادت الاستغراق، أي لم يكن يستطيع يعقوب أن يغني عنهم بتلك النصيحة شيئاً من الله إن أراد بهم شيئاً، أبداً، أي لو أنهم دخلوا مجتمعين، أو متفرقين فإرادة الله نافذة، لماذا يعقوب يقول لهم إذاً: (وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) لأن الله تعالى أمر بالأخذ بالأسباب، فهو يتعبد الله بها، لكنه يعقل أن هذه الأسباب لا يمكن أن تفعل فعلها إن لم يأذن الله؟! وهذا شأن المؤمن الذي ينبغي أن نفهمه، إذاً نأخذ بالأسباب دائماً، ربنا عز وجل أمر إذا أردت أولاداً فتزوج، إذا تزوجت - نسأل الله السلامة للجميع - وكان هناك سبب عند الزوج أو الزوجة، فكان هناك عقم، إذاً الأسباب لم تفعل فعلها، لكن الأصل أنك إذا أردت الأولاد فتزوج، السكين تفعل فعلها بأمر الله، لكن:

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)
[ سورة الصافات]

السكين ما ذبحت لأن الأسباب موجودة، النار تحرق لكن لما ألقوا إبراهيم في النار، النار ما أحرقته .

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)
[ سورة الأنبياء]

إذاً الأسباب شيء والمسبب شيء آخر، فأنت تنظر إلى مسبب الأسباب، وتتعلق بمسبب الأسباب، لكنك تفعل الأسباب اعتماداً على الله لا عليها، وتعبداً لله، لأنه أمرك إذا أردت شيئاً أن تأخذ بالأسباب.
ومن لطف الله بنا أنه جعل الأسباب غالباً تفضي إلى النتائج، غالباً تفضي إلى النتائج المرجوة منها، وعطلها أحياناً من أجل أن تفهم أنها لا تفعل فعلها بنفسها، وإنما بتدبير الله وتقديره، فقال: (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) هنا الرمزية (حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) أي قضى حاجة في نفسه، قضاها أي حققها، أرادها، وحصلت وهو ألا يدخلوا من باب واحد وإنما من أبواب متفرقة.

التعليم من الله أعظم علم يمكن أن يتلقاه إنسان:
التعليم من الله هو أعظم علم يمكن أن تتلقاه
ثم قال: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) يعقوب عليه السلام ذو علم، والله تعالى أكد ذلك: (وَإِنَّهُ) إنّ حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد، (لَذُو) اللام لام التوكيد، ما قال: إنه ذو، ثم قال (لَذُو عِلْمٍ) علم نكرة، تفيد العلم الشامل النافع، لكن ليس كعلم الله، طبعاً الله هو العليم الحكيم، أما هنا (لَذُو عِلْمٍ) فصاحب علم، لكن علم كبير واسع (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) فأكد ذلك (لِمَا عَلَّمْنَاهُ) هذا أيضاً تأكيد لأنه تعليم من الله، وإذا كان التعليم من الله فهو أعظم علم يمكن أن تتلقاه (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ).
أحياناً على وسائل التواصل تأتي رسالة تتكرر كثيراً، هل تدركون أنهم علموكم خطأ؟ اليوم يوجد موضوع على وسائل التوصل أننا كنا متعلمين خطأ، نحن اليوم على الواتس أب سيأتي العلم الحقيقي، يأتي العلم الحقيقي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أمياً، وأن النبي الأمي نسبة إلى أم القرى، أي نسبة إلى مكة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أمياً، وإنما كان كاتباً، يتكلم ثلاثة وسبعين ألف لغة، من أين؟ لا أعرف، ثلاثة وسبعون ألف لغة، المهم أنه ليس أمياً، وهو علم الدنيا، ثم يقولون لك: إنه أميّ، وهو كان يقرأ ويكتب، وإلى آخره من هذا الكلام الباطل.
الحقيقة أنه حضرني هنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمي، وقولهم إن الأمي نسبة إلى أم القرى هذا قول موجود، النبي صلى الله عليه وسلم النبي الأمي نسبة إلى أم القرى، وهناك قول إنه أمي نسبة إلى الأم، وأنه على الفطرة لا يقرأ ولا يكتب، كما نستخدم اليوم الأمية في عصرنا، فقولهم ليس بجديد في أنه أمي، وأمي قد تكون بمعنى أنه منسوب إلى مكة المكرمة التي كانت تسمى أم القرى، لكن هذا لا ينفي أنه لم يكن يقرأ ولم يكن يكتب، لا ينفي ذلك لقوله تعالى:

وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)
[ سورة العنكبوت ]

لو كنت تتلو كتاباً ؛ أي تقرأ، (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) لشكك المبطلون في دعوتك، فقالوا: إنما جاء به، قد جاء من معرفته، من معارفه السابقة، ومن علومه التي تعلمها، فهو يخط القرآن بيمينه، أو يقرؤه علينا من معلوماته السابقة، فجعله الله تعالى لا يقرأ ولا يكتب من أجل هذا المعنى.

أمية النبي وسام شرف بحقه:
ثم يقول هؤلاء على رسائل الواتس آب، إن الله تعالى يقول:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)
[ سورة الجمعة ]

والأميون هنا لأنهم ليسوا أهل كتاب، ويقولون:

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
[ سورة الجمعة ]

أهل الكتاب كانوا يقولون: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي يحق لنا أن نسرق منهم، أو نفعل ما نشاء، هؤلاء ليسوا أهل كتاب، فالأميون هنا ليسوا أهل كتاب، فقال: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، الله يقول: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) وهذا لا يتعارض مع أنه لا يقرأ ولا يكتب، فتلاوة الآيات شيء، والتلاوة من كتاب شيء آخر، (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ) ما قال من كتاب، لكن لما تأتيه الآيات يتلوها عليهم، يقرؤها عليهم، فأميته لا تعني أنه لا ينطق بالآيات، حاشاه صلى الله عليه وسلم.
أمية النبي الكريم وسام شرف بحقه
فالذي حضرني هنا أن الله تعالى يقول: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ذو علم لما علمه الله تعالى، وبهذا المعنى تصبح أميته وسام شرف بحقه، لأنه لما لم يتعلم من علوم الأرض تولى الله عز وجل في عليائه تعليمه، وعندما يتولى الله تعليم عبد من عبادة فقد استغنى عن كل جامعات الدنيا، وعن كل مدارسها، وعن كل ما فيها، لأن الخالق جلّ جلاله الحكيم الخبير يعلمه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعيبه أنه لا يقرأ ولا يكتب، بل هو وسام شرف بحقه لأن الله عز وجل يعلمه، ونحن نتعلم، ونقرأ، ونكتب، ثم نأخذ حديثاً أو حديثين من أحاديث رسول الله فنبحث فيهما في مئات الصفحات، ونأخذ عليهما رسالة دكتوراه لأننا بحثنا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا إعجاز نبوي عظيم من الله عليه الصلاة والسلام لنبيه.
فقال: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) وهذا تأكيد كما قلنا: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) بأن الأسباب لا تفعل فعلها من غير إذن المسبب جلّ جلاله (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) أن الحذر لا ينفع من قدر، وأن التدبير لا يمنع وقوع التقدير من الله عز وجل، هذا (لَذُو عِلْمٍ)، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أكثر الناس يظنون جهلاً منهم أن الأسباب تفعل فعلها بنفسها، ويغيبون عن مسببها جل جلاله.

ترحيب يوسف عليه السلام بأخيه بنيامين:
ثم قال تعالى:

وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)
[ سورة يوسف]

يوسف مشتاق لأخيه بنيامين تحديداً، لأن بنيامين هو أخوه الشقيق، وهو الأقرب إلى قلبه لا لأنه شقيقه فحسب، بل لأنه بعيد عن أفعال إخوته التي تصرفوا بها، وآذوا يوسف عليه السلام بها، (آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) ضمه إليه، وقربه منه، لعله فعل ذلك في غرفة منفصلة أو على الطعام من غير أن يشعروا، أو بعد أن استقبلهم، إلى آخره (آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) طمأنه (فَلَا تَبْتَئِسْ) أي فلا تحزن (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي بسبب أفعالهم، وهنا يدل أن أفعالهم لم تتوقف مع بنيامين، كما لم تتوقف من قبل مع يوسف، فكان يعلم يوسف أنهم كانوا يسيئون لأخيهم كما أساؤوا له من قبل.

خطة يوسف المحكمة في ضمّ أخيه إليه:
ثم قال:

فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)
[ سورة يوسف]

المؤذن يُعلم الناس بدخول وقت الصلاة
جهازهم أي ما ينبغي أن يأخذوه معهم من الحنطة، والدقيق، وغير ذلك (جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) السقاية؛ هي الكأس التي كان يشرب بها الملك، وقيل إنها كانت تستخدم أيضاً مكيالاً، لكن هي كأس الملك التي يشرب بها، فهنا السقاية بمعنى الكأس، السقاية تأتي مصدراً من سقى سقايةً، وتأتي بمعني الكأس الذي يُشرب به سقاية، فهذه سقاية الملك أي الكأس التي يشرب بها الملك، وكانت مصنوعة كما يذكر كثير من المؤرخين من الفضة، أي كأس قيّمة جداً (جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) أي في الأغراض التي وضعت على البعير لأخيه، أي الرحل، (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي بأعلى صوته أعلمهم، قال: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي بعد حين، وكأنه تركوهم إلى أن يمشوا قليلاً، وربما بدؤوا يخرجون من المكان، ثم هذا يفيد أن هناك فترة، يوجد تراخ بالمنادى، لأن ثم تفيد الترتيب على التراخي، ما قال: فأذن فوراً، تركوهم يسيرون، (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) ومنه المؤذن الذي يكثر من الإعلام، فسمي مؤذناً لأنه يُعلم الناس بدخول الوقت، بدخول وقت الصلاة، أو يعلمهم حين وقت الصلاة، أن هلموا إلى المسجد فقد حان وقت أداء الصلاة.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)
[ سورة الأعراف ]

أي أعلم معلم لكن بصوت عالٍ، المؤذن يقول: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) العير هي في الأصل الجمال التي تحمل الناس، سمي الركب كله عيراً، وهذه ليس لها مفرد من لفظها، العير، لأنها دائماً مجموعة، (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) إنّ واللام فيها تأكيد كما قلنا (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) يتهمونهم بالسرقة، وهؤلاء جاؤوا من كنعان، أبناء يعقوب عليه السلام النبي وهم معرفون في ديارهم، أي هذه تهمة خطيرة أن يتهم الإنسان بالسرقة.

قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71)
[ سورة يوسف ]

رجعوا وأقبلوا عليهم
(مَاذَا تَفْقِدُونَ)؟

قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)
[ سورة يوسف ]

هو السقاية نفسها يطلق عليها الصواع، والسقاية (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) من يأتينا به له حمل بعير، وفي هذا الوقت حمل بعير شيء كبير جداً، فالقمح مفقود، والناس تعيش في مجاعة، فهو كان يعطي كل إنسان حمل بعير ربما في الشهر، فحمل بعير كامل هدية، أي (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) قال: (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) هذا المؤذن الذي أذن قال: (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي أنا به كفيل، أي أنا أكفل أن تصل إليكم المكافأة لمن يأتي بالصواع، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
(( أنا زعيم في بيت فيه ربض الجنة - في وسط الجنة- لمن ترك المراء وإن كان محقاً ))
المراء؛ هو الجدال الذي لا طائل وراءه، أنا زعيم ؛ أي أنا كفيل.

قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)
[ سورة يوسف ]

هذا قسم، تالله، بالله، والله، لكن غالباً ما يستخدم تالله عند وجوب حالة تعجب والله بشكل عادي، تالله يكون في شيء مستغرب (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ) السرقة إفساد في الأرض، ونحن (مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ) والإفساد ضد الإصلاح، (مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) لم يكن من شأننا، ولا من شيمنا أن نسرق (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) أي لم يكن ذلك من عادتنا، ولن نفعله الآن.

قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74)
[ سورة يوسف ]

ما جزاء هذا الأمر إن كنتم قد سرقتم وتكذبون الآن في دعواكم؟

قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
[ سورة يوسف ]

كان في شرعة يعقوب عليه السلام أن من يسرق من إنسان يُسترقُّ بهذه السرقة، بشرعة الإسلام تقطع يده، وبقوانين اليوم يسجن سنوات، وفي شرعة يعقوب عليه السلام كان يوسف عليه السلام يعلم ما شرعة أبيه، فقد خرج من المكان وهو واعٍ لذلك، ولو لم يعلم لعلم بعد ذلك، فكنعان قريبة ليست بعيدة جداً، فتصله أخبارها، فهنا قال: كان من شرعة يعقوب عليه السلام أن السارق يُسترق، أي يصبح عبداً عند من سرق منه (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) أي تأخذون الذي وجد في رحله فهو جزاؤه، أي تأخذون الذي وجد في رحله وتجازوه، تسترقونه، (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) هذا جزاء الظالمين في شرعتنا، والسرقة ظلم، ظلم للآخرين لأنك تأخذ شيئاً ليس لك، وظلم للنفس لأنك تعرضها لسخط الله في الآخرة، وتعرضها لمذمة الناس في الدنيا، فالسارق محتقر فهو ظالم (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) على ظلمهم.

الحكمة من خطة يوسف عليه السلام:
أسلوب انتزاع العقوبة من المعاقَب
هنا يوسف عليه السلام يستخدم أسلوباً عظيماً يكيد الله له كما سيتبين بعد قليل، وهو أن تنتزع العقوبة من المعاقَب، أنت عندك موظف في العمل يتأخر كل يوم، تأخر مرة ومرتين وثلاث، ونبهته، في الأخير قلت له: الآن لن أستحمل ذلك، قال لك: آخر مرة، لن أكرر ذلك، ولن أتأخر بعد ذلك، فقلت له: وإن تأخرت، أنت قل لي الآن، وإن تأخرت ماذا أفعل أنا؟ يقول لك: والله يا معلمي إذا تأخرت مرة ثانية فمن حقك أن تفصلني من العمل، هذا حقك، تقول له: أكيد؟ يقول: شهدتم؟ يقولون: شهدنا، فإذا جاء المرة ثانية متأخراً تقول له: أنت الذي وضعت القانون وليس أنا، أنت من وضعت القانون.
فهنا يوسف عليه السلام سألهم قبل أن يفتش فهم وضعوا القانون، أنت من حقك أن تأخذه، وهو يريد في المحصلة أن يستبقي أخاه عنده، هو في النتيجة يريد أن يستبقي أخاه عنده، وهنا نسأل استبقاء أخيه عنده أليس فيه مزيد حزنٍ على قلب أبيه؟ بلى، لا ننكر ذلك، لكن يوسف عليه السلام كان يسير بأمر من الله عز وجل، وهذا الحزن وإن كان يحصل لأيام بعد أن يفقد بنيامين كما فقد يوسف، فإنه سيكون فرحةً أكبر، وأعظم عند اللقاء، فيوسف عليه السلام أيضاً كان يريد أن يحصل توبة من أخوته لأنه داعية إلى الله، وبالمحصلة الآن وكل كيده لهم من أجل أن يوصلهم إلى لحظة الندم التي سيصلون إليها في المحصلة، فمن أجل كل ذلك كان يقوم بهذا الفعل.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
[ سورة يوسف ]

الكيد يكون في الشر ويكون في الخير
لينفي التهمة عن نفسه في أنه يريد استبقاء أخيه (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) الكيد ؛ يكون في الشر، ويكون في الخير، لكن غلب استخدامه في لغة العرب بالشر، لكنه يكون في الخير، يكيد الإنسان للآخر من أجل أن يوصل إليه حقاً قد سلب منه، فالكيد ليس مفهوماً سلبياً، الكيد يكون في الشر ويكون في الخير، فهنا في الخير، (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) في شرعة الملك لا يستطيع أن يبقي أخاه عنده لأن السارق لا يُسترق، لكنه أخذه في دين يعقوب لا في دين الملك، وهنا سمَّى شرعة الملك ديناً، لأن الدين ما تدين به، وما ترجع إليه، القوانين في هذا المعنى دين فالناس يدينون بدين الله عز وجل، أو بدين ملوكهم، أو يدينون بدين الطغاة، أو يدينون بدين الشهوة ألم يقل صلى الله عليه وسلم:

{ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: تعِسَ عبدُ الدِّينار، وعَبْدُ الدِّرهم، والقَطيفةِ، والخميصةِ، إن أُعطيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ }

[أخرجه البخاري]

إذاً هذا دينه هو الدينار والدرهم والفضة، فقال: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) وهنا إشارة لطيفة، اليوم كثيرٌ من الناس يفهمون الدين على أنه الأشياء التي تتعلق بعبادات شعائرية ؛ بعلاقتك بالله، فيصلي، ويصوم، ويزكي، ويحج إن استطاع، ويقول لك: أنا صاحب دين، صاحب الدين يقوم بهذه الفرائض على رأس الأولويات، لكنه لا يكتفي بها، ذو الدين لا يكتفي بهذه، لأن الدين هو ما تدين به وترجع إليه بكل شؤون حياتك، فهنا سماه: دين الملك، فهمنا منها أن الدين ينبغي أن يكون ديناً يطبق، لا مجموعة شعائر فحسب.

رفع الله عز وجل من يشاء من عباده بالدرجات والرتب:
الله تعالى رفع سيدنا يوسف درجات
ثم قال: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) ربنا جلّ جلاله يرفع من يشاء من عباده درجات، الدرجة هنا كناية عن المرتبة، (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ)، فالله تعالى رفع سيدنا يوسف عليه السلام درجات، ورفع هنا أخاه بنيامين، ورفع من قبل أباه يعقوب، فيرفع ربنا جلّ جلاله من يشاء من عباده بالدرجات والرتب، قال تعالى:

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)
[ سورة الإسراء ]

أنت اليوم انظر للدنيا، هل تستطيع أن توازن مجرد موازنة بين معلم في مدرسة ابتدائية في قرية نائية، وبين أستاذ بروفيسور في أهم جامعة في البلد وهو ذو كرسي؟ أستاذ ذو كرسي له كرسي في الجامعة، مع أن الاثنين يعملان في التعليم، هل تستطيع أن توازن بين رجل يجلس على قارعة الطريق ويضع قطعة قماش ويضع عليها الحاجات ويبيعها للناس مع أكبر تاجر في البلد تأتيه كل شهر بضائعُ بالملايين ويبيعها؟ الاثنان تجار، أليس تاجراً ذاك الجالس على قارعة الطريق؟ ما هي التجارة؟ هو يشتري ويبيع ويربح، تقول: هذا تاجر وهذا تاجر، لكن شتان بينهما، هل تستطيع أن توازن بين ممرض يعطي الحقن في العضل وفي الوريد في مستشفى بسيط جداً، أو في مستوصف ناءٍ في مكان ما، وبين طبيب جراح القلب الأول في البلد وبين دخل هذا وذاك؟ لا تستطيع، وقد يكون الممرض أقرب إلى الله من الطبيب، لكن في حال الدنيا لا يقارن.
قال: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) والتفضيل لا يعني الأفضلية دائماً أي قد يكون المعلم في المرحلة الابتدائية يؤدي دوراً أعظم وأهم من الأستاذ الجامعي لكن في نظر الناس هذا غير ذاك.
قال: (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) أي عندما ترى شيئاً، انتظر التفضيل الحقيقي يجيء يوم القيامة، سترى درجات متباعدة، ضمن الجنة سترى درجات متباعدة، واحد بالفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ورجل كما يقال خلف الباب، هذا آخر واحد يدخل الجنة، هذا في الجنة درجات، أما في النار فدركات والعياذ بالله، بين من يدخل ويخرج وبين من يخلد.

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)
[ سورة النساء ]


على الإنسان ألا يغتر بعلمه الديني أو الدنيوي:
فالآخرة تفضيلها أكبر بكثير من الدنيا، قال: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) هذه الآية (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) تجعلك تتواضع دائماً لله عز وجل (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) أي فوق كل صاحب علم، الصاحب وجد قبل العلم، أي اكتسب العلم اكتساباً، صاحب علم (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ) فولد الصاحب ثم اكتسب العلم، فأصبح صاحب علم، أما عليم فالعلم فيه ذاتي، ربنا عز وجل عليم جلّ جلاله، ما قال: وفوق كل صاحب علم صاحب علم أكبر، لا، عليم، فأنت مهما وصلت من العلم فوقك ممن يحمل العلم الكثير، ثم فوق الجميع العليم جلّ جلاله، فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بعلم تعلمه، لا بعلم ديني ولا بعلم دنيوي.

استمرار افتراء أخوة يوسف:
قال أخوته العشر:

قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)
[ سورة يوسف ]

عمة يوسف عليه السلام أحبت يوسف كثيراً
ما زالت المعصية في نفوسهم، ما زال الحقد في نفوسهم، لم تلن قلوبهم بعد (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) يقال وهذه من روايات المفسرين ولا نثق بها، لا أقول لا نثق بالمفسرين، لكن بالروايات الموجودة في الكتب، لكن هذه من أجل أن نفهم شرعية الملك في شرعة يعقوب أنهم يسترقون من سرق، فيذكرون أن راحيل عمة يوسف عليه السلام أحبت يوسف كثيراً، فوضعت له شيئاً منها في ثيابه، حتى يتهم بالسرقة فيتركونه عندها، فبقي عندها فترة قبل أن يعود لأبيه لأنه سرق، لكن لا نحتاج إلى هذا التأويل أصلاً، لأن هؤلاء لا يحتاجون إلى أن يكونوا صادقين في ذلك فهم قد كذبوا قبل ذلك.

وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)
[ سورة يوسف ]

فلا حاجة إلى أن يكون قد حصل ما يشتبه أنه سرق من قبل، حتى يقولوا: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) يفترونها فرية لا أصل لها، وانتهى الأمر، بهتان، هؤلاء فعلوا ذلك قبلاً فلماذا لا يفعلونه الآن؟ فأرادوا أن ينتقموا من بنيامين، لأنه هو ويوسف من أم أخرى، فهؤلاء أبناء فلان هذا طبع عند هذه العائلة، فهم يعتدون ونحن عصبة.

العاقل من ينطق بالكلمة في الوقت المناسب:
تعلم ألا تنطق بالكلمة إلا في الوقت المناسب
(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) تعلم ألا تنطق بالكلمة إلا في الوقت المناسب، وعندما تؤدي الهدف المناسب، لا تندفع وراء عواطفك، فكر قبل أن تتكلم، يوسف كان بإمكانه وهو الآن عزيز مصر أن يهب في وجههم ويقول لهم: أين دليلكم؟ وما الذي تقولونه؟ وأنتم تقولون بهتاناً وإثماً: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) لم يحن الوقت.
(قَالَ) قال في داخله لأنه أسرها، معنى القول أي في داخله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) أي مكانة، أي أنتم شر مكانة، أنتم السارقون، سرقتم يوسف من أبيه، هذه أعظم سرقة فعلتموها (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) لمن تتهمونهم بالسرقة، ومكانة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) وتصفون غالباً تأتي لمن؟

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)
[ سورة النحل ]

تصفون تأتي للكذب، يصف ؛ يكذب، غير الوصف بمعنى أنه يصفه، بمعنى أنه يعطي صفاته (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) أي بما تقولون الكذب، ويكفي أن الله أعلم، إذا كنت بريئاً عند الله فليقل الناس ما يقولونه، لأن الله هو الذي يحاسب (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) .

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)
[ سورة يوسف ]


تحرك كوامن الفطرة في داخل أخوة يوسف بعد تذكر وعدهم لأبيهم:
الآن بعد أن قالوا هذه الكلمة، وألقوا تلك الكذبة، عادوا إلى أنفسهم، الآن عندهم مشكلة كبيرة، هم تعاهدوا مع والدهم على أن يرجعوا ببنيامين.

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)
[ سورة يوسف ]

وعاهدوا الله، وعاهدوه أمام الله تعالى فكيف الآن يعودون ويلقون أباهم وبأي وجه؟ والمرة الثانية أصعب من الأولى، في الأولى قبل سنوات طويلة ما جفّ حزنه، ما جفّ بكاؤه بعد فكيف الآن يعودون إليه بخبر جديد؟!
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً) شيخاً ؛ أي طاعناً في السن، وكبيراً ؛ إما من الكبر من العمر، أو الكبر في المكانة، أي له مكانة في قومه، كَبِر يَكبرُ في السن وكَبُر يَكبُر في القدر، هذا الفرق بين كبِرَ وَكبُرَ، قال تعالى:

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)
[ سورة يوسف ]

(كَبُرَ مَقْتاً) المقت كبر ليس بالسن، كبر عمر المقت، المقت كبير، الكبير تأتي من كَبُر، وتأتي من كَبِر، فهنا تحمل المعنيين (إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً) شيخاً أخذت معنى العمر المتقدم، فلعل كبيراً هنا المكانة والقدر، أي لا يليق أن نعود وأن نقول: والله ابنك سرق، يعقوب والده، نبي (إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً) كبيراً في قدره (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ) هم الآن مستعدون أن يسترق أحدهم على أن يعودوا بذاك الوجه، تحركت كوامن الفطرة في داخلهم (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أنت أحسنت لنا، وسبق إحسانه لهم لما أعطاهم، وأجزل لهم العطاء، وأعاد إليهم بضاعتهم، هو أجزل لهم العطاء فقالوا: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) من أحسنوا لنا.

النهي عن أخذ إنسان بجريرة إنسان آخر:

قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ (79)
[ سورة يوسف ]

أي أعوذ بالله معاذاً، ألتجئ إليه، وأحتمي به، العوذ هو الالتجاء (مَعَاذَ اللَّهِ) أي لا يمكن (أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ) وهذا قانون أيضاً في كل الشرع لا يمكن أن تأخذ إنساناً بجريرة إنسان، والله تعالى علمنا ذلك، فقال:

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164)
[ سورة الأنعام ]

الظالم من يأخذ أحداً بجريرة أحد
وهذا قانون إلى يوم القيامة، لا يمكن أن تحمل إنساناً وزر إنسان آخر، وهنا يوسف عليه السلام يتكلم بكلام غاية في الدقة، ما قال لن نأخذ إلا من سرقنا، وإنما قال: (إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) فما اتهم أخاه بالسرقة، ولو قال إلا من سرقنا لاتهمه بما ليس فيه، لكن هنا المؤذن قال: (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) ربما المؤذن لا يعلم جاءه الخبر أنه فقد صواع الملك، أما يوسف فما قال له إنه سارق، قال: (إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) وهذا الذي حصل، وجدوا متاعه عنده (إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) يقصد هذا الصواع، أو السقاية (إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ) فالظالم من يأخذ أحداً بجريرة أحد، واليوم يقع كثير من الظلم، في أن يؤخذ إنسان بجريرة إنسان آخر، فتمنع بنت من الزواج لأن أمها ثبت عليها جرم من الجرائم، فلا تزوج وهي صالحة، ويقول لك: لا أريد أن آخذها، ويستدل بحديث موضوع لا أصل له: "إياكم وخضراء الدمن، وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الصالحة في منبت السوء " وهذا حديث موضوع لا أصل له، ولا يصح أبداً، لأنك بذلك تأخذ إنساناً بجريرة إنسان، ربما الإنسان لا يريد، يقول هذه العائلة لا أريدها، لا يوجد مشكلة، لكن تمنع بنت من الزواج، ويقال: لا أتزوجها لأن هذه أمها ! لا، وقد تكون مسلمة حافظة للقرآن، وليست كأمها، وتمنع من الزواج، ويؤخذ إنسان بجريرة إنسان في القضايا العشائرية، وفي قضايا الانتقام، فيُقتل إنسان، فيقول: سأقتل عشرة، أو القاتل يكون قد أودع في السجن، و يحاكم، ثم يذهبون ويقتلون آخر لم يقتل، ولم يفعل شيئاً يحاسب عليه، فأن يؤخذ إنسان بجريرة إنسان هذا لا يصح، أو يقال: إن رجلاً فاجراً زنا بامرأة يقال: سوف يزنى بامرأتك، وما دخل امرأته؟ قد تكون امرأته امرأة صالحة، عفيفة، طاهرة، لكن زوجها زانٍ، فلماذا يقع الزنا في بيته والعياذ بالله (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
فهنا هذه القاعدة قال: (إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ) من الظلم أن تأخذ إنساناً بجريمة إنسان، حاسب المخطئ، فإن لم تجده، أو لم تستطع الوصول إليه هذا لا يخولك أن تحاسب أحداً من أفراد عائلته، أو من أسرته، أو من أصدقائه، أو من عشيرته، أو من غير ذلك.

ابتعاد أخوة يوسف عن أعين الناس وتشاورهم مع بعضهم بمشكلتهم:

فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)
[ سورة يوسف ]

يقول القاضي عياض في كتابه الشفا: من قرأ هذه الآية (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) قال: أقسم بالله أنها من الله لا يستطيعها بشر، لا يقدر عليها أحد.
اليأس هو فقد الأمل في الشيء
أي هذه الكلمات (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) لخصت نصف صفحة من الكلام فتركت لك أن تدير الحدث بذهنك، ما معنى؟ (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ) (اسْتَيْئَسُوا) هو يئس؛ يقول لك: أنا يئست من هذه الحياة والعياذ بالله، فقد الأمل منها أو يئست من صلاح فلان فقد الأمل في صلحه، أو يئست من هذه التجارة فقدت الأمل في الربح، استيئس ؛ زيادة في المبنى، وزيادة في المعنى، كل زيادة في المباني زيادة في المعنى، بلغ اليأس منتهاه، أي لم يقل فلما يئسوا بل: (اسْتَيْئَسُوا) وكأنهم أصبحوا يطلبون اليأس من شدة فقدانهم للأمل (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا) فصور حالهم على أنهم وصلوا إلى مرحلة أنهم استيئسوا من الملك أن يترك لهم بنيامين، أو أن يأخذ أحداً مكانه، واستيئسوا من وضعهم الذي وصلوا إليه من أن ينجوا من فعلتهم تلك، فقد وصلوا إلى وضع محرج جداً أمام والدهم (اسْتَيْئَسُوا) (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) خلصوا؛ انعزلوا، انفردوا، ابتعدوا عن أعين الناس، كل هذا المعنى، خلصوا، أصبحوا خالصين بين أنفسهم، خلصوا لبعضهم، ما عادوا معهم أحد، فأنت تخيل المشهد، ذهبوا وأخذوا مكاناً وحدهم، (نَجِيّاً) أي متناجين، والتناجي ؛ هو الكلام بالسر بحيث لا يسمعك أحد.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
[ سورة المجادلة ]

التناجي هو الحديث، أن تدير حديثاً لكن غالباً في الخفاء، بحيث لا يراك أحد، ولا يسمعك أحد، الآن بدؤوا يديرون الحديث ( نَجِيّاً ) يتناجون، بماذا يتناجون؟ ما الحل؟ ما المخرج؟ ماذا نصنع؟ هل نعود؟ ماذا نقول لوالدنا؟ ما موقفنا؟

القرار الذي وصل إليه كبير أخوة يوسف عليه السلام:
(فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) كل هذا الكلام الذي قلناه جاء بالإعجاز اللغوي العظيم، اللغوي، العربي، الأصيل قال: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) انفردوا، واعتزلوا، وبدؤوا يفكرون، ويديرون حديثاً، بدأ كل شخص يقول رأيه.
(قَالَ كَبِيرُهُمْ) أعطاك الرأي المهم بالموضوع كله، كبيرهم يبدو هذا نفسه الذي قال يوماً:

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)
[ سورة المجادلة ]

هذا فيه بذرة خير، وفطرة سليمة ما زالت تحركه لكنه متأثر بالجو المحيط، فأنت إذا كان عندك بذرة خير فلا تجلس مع أشخاص يشدونك إلى المعصية، اخرج من بينهم، إذا كنت كلما قعدت معهم تنتقدهم على عشرة أشياء، ولم يستجيبوا، لماذا جلوسك معهم؟ فهو بقي معهم: (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ):

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)
[ سورة يوسف ]

موثقاً من الله، الوثاق؛

فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)
[ سورة الفجر ]

يوثقه؛ هنا بمعنى يفك وثاقه، الوثاق؛ هو ما يربط به الإنسان، فلا أحد يفك رباطه يوم القيامة، فهنا الموثق لشدة الوثاق، فأصبح موثقاً، أي مشدداً عليه (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) هنا قال: (أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) قصرتم في رعايته، وفعلتم فعلتكم، إلى آخره، ثم أودعتموه في البئر وهكذا (مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) الأرض هنا مصر، ليست الأرض كل الأرض، وإنما الأرض المعهودة التي يتكلم بها وهي أرض مصر (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) أي يأذن لي أبي بالعودة إلى كنعان، أرض كنعان (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) بحكم الله عز وجل، والله أعلم بهذا الحكم، يحكم له بالعودة مع أخيه، أو يحكم له بالبقاء بالمكان الذي هو فيه (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، فالله جل جلاله يحكم، والناس يحكمون، لكن (خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) هو الله تعالى لأن حكمه لا معقب له، ولأنه حكمُ حكيم لا إشكال فيه.
والحمد لله رب العالمين