• خطبة جمعة
  • 2025-08-29
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

المطففون

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

الويل هو الهلاك وشدّة العذاب:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: سورتان في كتاب الله تعالى بدأتا بكلمة ويل، والويل هو الهلاك وشدّة العذاب، السورة الأولى سورة المطففين:

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ(1)
(سورة المطففين)

والثانية الهُمَزَة:

وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ(1)
(سورة الهمزة)

فالويل في الأولى للمُطففين، لمن يعتدي على أموال الناس، والويل في الثانية لمن يعتدي على أعراض الناس، فاحذر أموال الناس وأعراض الناس، فإنَّ الأمر فيهما جدُّ خطير، أموال الناس وأعراضهم (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ)، (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) والويل هو العذاب الشديد والهلاك والشقاء.

معنى التطفيف:
المُطفِّفون هُم من يقومون بالتطفيف، والتطفيف نقصٌ يخون به الإنسان غيره في كَيلٍ أو وزنٍ أو غير ذلك من الحقوق، فالمُطفِّف في الكَيل يبيعك زيتاً على أنه لترٌ كامل، وهو في الحقيقة أقل من ذلك، وربما لا تنتبه هو أقل بخمسين ميلي لكنه يبيعه على أنه لتر، هذا طفَّف في الكَيل، والمُطفِّف في الوزن يبيعك طحيناً على أنه كيلو غرام، وهو في الحقيقة أقل من ذلك، أنقص في الوزن فهو مُطفِّف، والمُطفِّف في الذرع أو القياس يبيعك قماشاً على أنه مترٌ، وهو في الحقيقة أقل من ذلك، هذا هو التطفيف نقصٌ يخون به الإنسان غيره في كَيلٍ أو وزنٍ أو غير ذلك من الحقوق، قال تعالى:

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ(84)
(سورة هود)

أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ(181)
(سورة الشعراء)

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(152)
(سورة الأنعام)


المُطفِّف متناقضٌ مع نفسه يكيل بمكيالين:
أيُّها الإخوة: المُطفِّف متناقضٌ مع نفسه، يكيل بمكيالين كما يقال، مكيالٌ لنفسه ومكيالٌ للأخرين، أو مكيالٌ لفلان ومكيالٌ لفلان، بالعُرف الحديث وبالتعبير الدارج يقولون: فلان يكيل بمكيالين، فالمُطفِّف متناقضٌ مع نفسه يكيل بمكيالين، وأحياناً بعشرات المكاييل، فإن كان الحقّ له فإنه يريده كاملاً غير منقوص:

الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(2)
(سورة المطففين)

إذا كان الكَيل له يريده كاملاً، يستوفي حقه تماماً، يقول لك لا أقبل بناقصٍ غراماً واحداً، هذا حقّي (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) فإن كان الحقُّ للأخرين أنقصهم حقهم:

وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(3)
(سورة المطففين)

أي للآخرين، يُقلِّلون في الوزن، يُقلِّلون في الحقّ، فالمُطفِّف متناقضٌ مع نفسه.
يُروى أنَّ رجُلاً فقيراً كانت زوجته تصنع الزبدة في بيتها، وكانت تجعلها على شكل كراتٍ، وزن كل كرة واحد كيلو غرام، وهذا الرجُل الفقير يأخذ الزبدة إلى تاجرٍ ويبيعه ما عنده، في يومٍ من الأيام أراد التاجر أن يزن هذه الزبدة، فأخذ واحدةً من هذه الكرات ووزنها فإذا هي 900 غرام، أي أنَّ البائع يغشّه، وزن الأُخرى فإذا هي كذلك والثالثة كذلك، فغضِب غضباً شديداً، ولمّا جاء إليه الفقير ليبيعه شيئاً جديداً من بضاعته وبَّخهُ قائلاً: لن أشتري منك أنت تُطفِّف في الوزن، أنت تبيعني وتُنقص في الوزن لن أشتري منك، نكَّسَ الرجُل الفقير رأسه ثم رفعه وقال: والله يا سيدي أنا فقيرٌ ليس عندي ميزان، اشتريت من عندك كيلو من السُكَّر وجعلته مثقالاً أزِن به الزبدة، لمّا كان الحقّ له أقام الدنيا ولم يقعدها وفي الحقيقة هو الذي يغش الناس.
أيُّها الإخوة الكرام: ما أشدَّ التناقض على نفس الإنسان، وما أصعب الكيل بمكيالين، يخشى على ابنه في المصنع أن يحمل شيئاً ولو يسيراً فوق طاقته، تنبَّه يا بُني انتبه لظهرك، لا تحمِل شيئاً فوق طاقتك، ثم يُحمِّل العامل أضعافاً مضاعفة فوق طاقته، ما أصعب الكيل بمكيالين، تٌقيم أُمٌّ الدنيا ولا تُقعدها لأنَّ صهرها تكلَّم مع ابنتها بكلمةٍ جارحة، ثم تترك ابنها في البيت يُعامل زوجته بأسوأ معاملة ولا تنهاه.
سكتَ عن جرائم النظام البائد، بل صفَّق له عشر سنواتٍ وهو يرى إجرامه، ثم يُقيم الدنيا ولا يُقعدها لخطأٍ أخطأُه موظفٌ معه.
أهلنا في غزَّة تُقصف بيوتهم، يُقتَّل أطفالهم، تُدمَّر مشافيهم ومُنشآتهم على مرأى العالم الصامت عن جرائم الاحتلال، وعلى مرأى مجلس الخوف، وعلى مرأى أُمم العار المتواطئة، ولا يُحرِّكون ساكناً من سنتين، ثم يتضامن العالم كله من أجل واحدٍ أو اثنين، قُتلا في جريمةٍ تُسمّى إرهابية في مكانٍ ما من الدول الغربية.
قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
{ أديب إسحاق }
* * *
هذا هو الكَيل بمكيالين (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).

التطفيف ليس في الوزن والكَيل والقياس فقط بل بأي شيءٍ فيه حقٌّ من الحقوق:
التطفيف أيُّها الكرام: ليس في الوزن والكَيل والقياس فقط، بل بأي شيءٍ فيه حقٌّ من الحقوق يكون فيه التطفيف، سواءً كان الحقُّ لله أو لعبدٍ من عباد الله، يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: "لكل شيءٍ وفاءٌ وتطفيف"
وفاءٌ تؤدّي الحقّ فيه كما يريد الله تعالى، وتطفيفٌ تُنقِص منه.

التطفيف في حقّ الله:
من أنواع التطفيف التطفيف في حقّ الله، صلاتك إمّا أن تؤدّيها كما أمر الله فتستوفي الحقّ لله فيها، أو تُنقِص منها شيئاً، انصرفَ عمر رضي الله عنه يوماً من صلاة العصر، فلقيَ رجُلاً لم يشهد العصر فقال له: "ما حبسك عن صلاة العصر؟ فذكر الرجُل عُذراً، لعلَّه عذرٌ غير مقبول عند عمر رضي الله عنه، ليس عُذراً شرعياً يمنعه من حضور الجماعة، فقال له عمر رضي الله عنه: طفَّفت" انظروا إلى فقه عمر، قال طفَّفت، الصلاة مقبولةٌ في بيتك لكنك طفَّفت، أنقصت شيئاً كمالها أن تؤدّى في بيت الله، طفَّفت أنقصت شيئاً، لا يُتم ركوعها ولا سجودها طفَّف فيها.
يأتي بالفرائض ويترك السُنَن طفَّف فيها.

التطفيف في الصيام:
صيامُك إمّا أن تحفظ فيه اللسان فلا سُباب ولا صخَب ولا رفَث ولا فسوق، وإمّا أن تُطفِّف فتُنقص من أجر الصيام، يقول لك امتنعت عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وعن سائر المُفطرات، لكنك طفَّفت، كمال الصيام:

{ الصيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكم صائمًا فلا يَرفُثْ ولا يَجهلْ، فإنِ امْرُؤٌ شاتَمَه أو قاتَلَهُ فَليَقُلْ إنِّي صائمٌ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

هناك تطفيفٌ في الصيام.

التطفيف في حجابك أيتها الفتاة:
حجابك أيتها الفتاة، إمّا أن تأتي به كما أمر الله، يحجب العيون عن النظر إليكِ، أو أن تُطفّفي فيه، تُطفِّف المرأة في حجابها تُنقص منه، تُظهر بعض شعرها، تضع شيئاً من المساحيق على وجهها، تُضيِّق شيئاً من لباسها، تُطفِّف في حجابها تُنقص منه، هذا ليس هو الحجاب الذي أمر الله تعالى به، الحجاب الشرعي له شروطٌ مُعتبرة، تُطفِّف في الحجاب كما هو حال كثيرٍ من فتياتنا نسأل الله لهُنَّ الهداية.

التطفيف في حقوق العباد:
وهناك تطفيفٌ في حقوق العباد، المُعلِّم في المدرسة يُطفِّف أو يستوفي، يستوفي عندما يُعطي الطلاب حقَّهم، فيدخُل على الوقت ويخرُج عند نهاية الوقت، ويُكمِل المنهاج ويصحِّح الأوراق بدقةٍ وأمانة، حتى لا يذهب على الطالب نصف درجة، لا يقول لك أنا أعمل على قدر راتبي، أنا أعمل على قدر مسؤوليتي أمام الله وليس على قدر الراتب فيستوفي، وإمّا أن يُطفِّف فيدخُل بعد بداية الحصة بخمس دقائق، أو يخرُج منها قبل خمس دقائق من نهايتها، أو يترك شيئاً من المنهاج مهمٌ جداً ليبني الطالب فيه ثقافته، فيتركه ولا يعطيه، أو لا يُصحِّح الأوراق كما ينبغي، فيقرأ بعضها ويترك بعضها، ويُعطي العلامة كيف ما اتفق، المُعلِّم هُنا مُطفِّف (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ).
الموظف في أي دائرةٍ حكوميةٍ أو خاصة، ربما يستوفي الحقّ فالوقت كله للعمل، لا يتركه إلا لحاجةٍ أو لصلاةٍ أو لشيءٍ مهم ثم يعود إلى مكتبه، وإمّا أن يُطفِّف فيذهب إلى مكتبٍ آخر، والمراجعون ينتظرون، يجلس مع الموظفين، أو الأسوأ من ذلك مع الموظفات، ويترك عمله وتتراكم المعاملات أمامه، ويضطر الناس إلى ترك أشغالهم بانتظار حاجاتهم، فهو مُطفِّف يُنقِص من عمله (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ).
المدير في العمل يُطفِّف، عندما يُقرِّب الموظفين بناءً على قرابتهم ومعارفهم لا على أساس كفاءتهم وأمانتهم، فهو يُطفِّف، أنت وضِعتَ في هذا المكان لتضع صاحب الأمانة والكفاءة، لا لتُقرِّب الأقارب والمحسوبيات، فإذا فعلت فقد طفَّفت (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ).

التطفيف عند صاحب العمل:
صاحب العمل يُطفِّف أحياناً، فلا يوفّي الأجير العامل أجره، بعد أن يأخذ منه الحقّ كاملاً، يقول صلى الله عليه وسلم

{ قالَ اللَّهُ: ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَومَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى منه ولم يُعطِه أجرَه. }

(صحيح البخاري)

والله أيُّها الكرام، لو وعى إنسانٌ ما معنى أن يكون الله خصماً له يوم القيامة، لأحجم عن هذه الثلاثة:
(رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ) أعطى الأمان لشخصٍ قال له استأمنتك بالله، قال أنت آمن ثم غدر به.
والثاني (ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمَنَهُ) لأنَّ الإسلام جاء للقضاء على العبودية، فلا نستعبد أفراداً جُدداً في مجتمعنا، الحُر حُرٌ لا يُستعبد (ورَجُلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمَنَهُ).
والثالث موطن الشاهد: (ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى منه ولم يُعطِه أجرَه) أخذ منه ما يحتاجه، عمل العمل كاملاً في الوقت أو في الأداء، في الوقت قال له: أُريدك لتكون خادماً في البيت من الساعة كذا إلى الساعة كذا، جاء في أول الوقت وخرج في آخره ونفَّذ ما طُلِبَ منه، وفي الأداء: قال أُريد طلاء هذا الجدار فطلاه، أُريد إصلاح الكهرباء فأصلحها، قام بما عليه استوفى منه، بعد أن ينتهي يقول له: تعال في الأسبوع القادم خُذ أجرك، والمال في جيبه لكن يريد أن يتدفأ به أسبوعاً آخر، أو أنَّ المبلغ كبير! أنت اتفقت معه على مبلغٍ، وبدأ العمل وأنهى العمل وأعطاك إيّاه (ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى منه ولم يُعطِه أجرَه) لذلك روي:

{ أعطوا الأجيرَ أجْرَه قَبلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُه }

(أخرجه ابن ماجه والقضاعي في مسند الشهاب)

الأجر تعطيه للأجير فور انتهاء عمله.

التطفيف في الاستشارة:
المُستشار وكلنا نتعرض للاستشارة، قد يستوفي الحقّ وقد يُطفِّف، فلان من الناس استشارك بشأن تجارةٍ ما وأنت عندك المعلومة الكاملة عنها، أعطيته نصف الحقيقة، لماذا لم تخبره بأنها خاسرة؟ تقول دعه يتعلَّم من جيبه، أنت تعلم، والمُستشار مؤتمن، فلماذا لم تخبره بالحقيقة كاملةً، أنَّ هذه المادة ممنوعةٌ من الاستيراد حالياً، أو أنَّ هذا المكان لا يصلُح لهذا العمل، أو، أو، إلى آخره....
المُستشار مؤتمن، استشارك في تزويج ابنته من شابٍ وأنتَ تعرف أنَّ هذا الشاب يرتكب كبيرةً من الكبائر، ولم تخبره لأنَّ هذا الشاب قريبٌ لك (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ) المُستشار مؤتمن، فمن استشارك يجب أن تُعطيه الحقيقة الكاملة كما تعرفها.

التطفيف عند البائع وعند المشتري:
البائع يُطفِّف والمشتري يُطفِّف، البائع يُطفِّف واضحة، يُنقِص الكَيل والميزان كما قلنا، لكن هناك أنواعٌ أُخرى للتطفيف عند البائع، يكتُم العيب، يقول لك هذه السيارة كما هي، تقول له: هل فيها حادث؟ يقول لكَ لا أعرف، أنت تعرف أن السيارة هذه فيها حادثٌ خطير، وأنه قد غُيِّر فيها أجزاءٌ كثيرة، يجب أن تُخبِر بالعيب لا تكتُم العيب أبداً، فالبائع يُطفِّف في بيعه يكتُم العيب، يُغيِّر المواصفات، يُنقِص من الوزن، من الكَيل، يُطفِّف.
والمشتري أحياناً يُطفِّف، يقف عند بائعٍ بسيطٍ جداً، والناس لا يتجرؤون على المولات الكبيرة لأنه كله مضبوط على الحاسوب، لكن عامل بسيط يشتري منه شيئاً فيقول: زِد هذه وهذه دون أن يكون سمحاً فيها، طفَّف المشتري، قال صلى الله عليه وسلم:

{ رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقْتَضَى }

(أخرجه البخاري)

تنازل عن شيءٍ من حقك إن اضُطرَّ الأمر، وإيّاك أن تأخذ فوق حقك، هذه قاعدةٌ مهمة.

التطفيف عند الزوج والزوجة:
أيُها الإخوة الكرام: الزوج يُطفِّف والزوجة تُطفِّف، الزوج يُطفِّف عندما يقرأ كل الأحاديث التي تأمُر المرأة بطاعة زوجها، ويُسمِعُها لزوجته كل صباح، اسمعي ماذا قال صلى الله عليه وسلم، يُخبرها بكل الأحاديث التي تأمرها بطاعة الزوج، ثم ينسى قوله تعالى:

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(228)
(سورة البقرة)

فهو يريد حقوقه كاملةً، فإذا جاءت حقوقها تملَّص منها فهو مُطفِّف.
يُمضي زوجٌ السهرة كاملةً وهو يتندَّر ويستهزئ بأُمّ زوجته، انظري ماذا فعَلَتْ، وهي أُمها كما لكَ أُم هي أُمها، تسكُت الزوجة لأنه أقوى منها في البيت، ثم يوماً ما تتجرأ وتتكلم كلمةً عن أُمه يلمح فيها استهزاءً، فيُقيم الدنيا ولا يُقعدها هذا الزوج مُطفِّف، إذا كان الحق له يريده كاملاً، عندما يتعلَّق الأمر بزوجته لا يُعطيها حقوقها.
والزوجة تُطفِّف تطلب حقوقها كاملةً، النفقة والكسوة:

{ يا رسولَ اللَّهِ، ما حقُّ زَوجةِ أحدِنا علَيهِ؟ قالَ: أن تُطْعِمَها إذا طَعِمتَ، وتَكْسوها إذا اكتسَيتَ، أوِ اكتسَبتَ، ولا تضربِ الوَجهَ، ولا تُقَبِّح، ولا تَهْجُرْ إلَّا في البَيتِ }

(الألباني صحيح أبي داوود)

صحيح مئةً بالمئة، حقوقها في كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تقول لزوجها مساءً: قرأت على الإنترنت، أو سمعت مقطعاً لأحد الشيوخ، أو قرأت في كتابٍ من كتُب الفقه، أنَّ المرأة ليست مُلزمةً بخدمة بيتها وزوجها، ومَن يخدمكِ؟! ائتِ بخادمة، وفي سوريا كم شخص يستطيع أن يأتي لزوجته بخادمة؟ واحد بالمئة في أحسن الأحوال، ومن يخدم البيوت؟! هذا ليس فقهاً هذا انفصالٌ عن الواقع.
هو مساءً يجب أن يأتي بالطعام والشراب، إذا جاء يوماً ولم يُطعِم أهل بيته تقوم الدنيا، لكن هي لستُ مُلزمةً بالخدمة كما يحلو لبعض الدُعاة اليوم، الذين لم يفهموا الفقه على حقيقته، وهو فقه الواقع وحياة الناس، أن يخربوا بيوت الزوجات بقول أحدهم ليست المرأة مُلزمةً، قرأت ذلك للإمام الفلاني في كتاب الفقه، ليست مُلزمةً بالخدمة، ومن يخدم البيوت؟! والرجال اليوم لا يجدون إلا قوت يومهم، فكيف يأتون بالخادمات لخدمة البيوت؟ هذا تطفيفٌ من الزوجة وتطفيفٌ من الداعية الذي قال لها ذلك.
أيُّها الإخوة الكرام: النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعض النساء من هؤلاء فقال:

{ أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

هذا هو التطفيف.
وحتى لا نتكلم عن النساء فقط، يفعل ذلك بعض الرجال، زوجته مُطيعة، تقوم بواجبها، عفيفةٌ طاهرة، تُنظِّف البيت وترعى الأولاد، ثم يعتريها ما يعتري النساء، فتغضب يوماً وقد غضبت أُمهات المؤمنين، فيقول لها أنتِ غير صالحة تربيتك لا تنفع (يَكْفُرْنَ العَشِيرَ).

النبي صلى الله عليه وسلم لم يُطفِّف حتى في الكلمة:
النبي صلى الله عليه وسلم لمّا دخل رجُلٌ إلى المسجد فأحدث جَلبَةً في المسجد حتى يلحق الصلاة:

{ عن أبي بَكْرَةَ أنهُ جاء ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ راكعٌ دونَ الصَّفِّ ثم مشى إلى الصَّفِّ فلمَّا قضى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صلاتَهُ قال أيُّكم الذي ركعَ دونَ الصَّفِّ ثم مشى إلى الصَّفِّ قال أبو بَكْرَةَ أنا فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ زادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ }

(أخرجه البخاري وأبو داوود)

هذه هي الموضوعية، لم يُطفِّف صلى الله عليه وسلم حاشاه، حتى في الكلمة لم يُطفِّف، أنت جئت واضح أنك حريصٌ على أداء الصلاة، من أجل ذلك استعجلت (زادَكَ اللهُ حِرْصًا) حفظها له ودعا له بالزيادة ثم قال له: (ولا تَعُدْ) لأنك أحدثت جَلبَةً.

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ(2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ(4) لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ(5) يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ(6)
(سورة المطففين)

حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين.
وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنَّتِك، ومن اليقين ما تُهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علّمنا، ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم أهلنا في غزَّة، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، وأنزِل عليهم من الصبر أضعاف أضعاف ما نزل بهم من البلاء، فأنتَ وليُّ ذلك والقادر عليه.
اللهم املأ قلوبهم بالرضا والسكينة، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
اللهم مُجري السحاب، مُنزِل الكتاب، هازِم الأحزاب، سريع الحساب، اهزِم الصهاينة المُعتدين ومَن أيَّدَهم ومن وقف معهم في سرٍّ أو علن.
اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم اجعل دائرة السوء تدور عليهم، اللهم أريتنا مكرهم بنا فأرِنا مكرك بهم وأنتَ خير الماكرين.
اللهم اجعل هذه البلاد أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، ووفِّق القائمين عليها لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.