المركزية في حياة الإنسان

  • محاضرة في الأردن
  • 2024-04-29
  • عمان
  • الأردن

المركزية في حياة الإنسان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المركزية في حياة الناس هي الوحي، كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله:
وبعد أيُّها الإخوة الكرام: قامت الحضارة الإسلامية على فكرة أنَّ المركزية في حياة الناس وفي حياة المخلوقات هي الوحي، كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بينما قامت الحضارة الغربية وكثير من الحضارات الشرقية على أنَّ المركزية هي للإنسان، ما معنى المركزية للإنسان؟ بمعنى أنَّ كل شيء يدور في فلَك رفاهيّة الإنسان، لا أقول إسعاد الإنسان، ولكن رفاهيّة الإنسان، فنشأ عندنا دعوات لتحرير الإنسان من كل القيود، بُغية تحصيل رفاهيته، نشأ عندنا بُعداً عن كل تديُّن، لا نُريد شيئاً يُحدّد حركة الإنسان، لأن الإنسان هو المركز، فالحياة كلها ينبغي أن تكون في سبيل رفاهيته، فأصبح عند الحضارة الغربية الهدف هو إصلاح الأشياء للإنسان، أي هو عصر الأشياء، كيف نُحقّق له أعلى رفاهيَّة ممكنة؟ الجوَّال، الحاسوب، وسائل الراحة، البيوت الكبيرة، السيّارة الفارِهة، الفِراش الوثير، عصر استهلاكي من أعلى مستوى، استهلاك، هذا يُسمّونه المجتمع الاستهلاكي.
نزل أحدهم إلى السوق فقال: ما أكثر الأشياء التي لا نحتاجها، العصر الاستهلاكي أو بالمجتمع الاستهلاكي، تدخل إلى السوق، الأشياء أكثرها لا تحتاجها، تحتاج الطعام والشراب والكساء، لكن ليس حاجةً، كله كماليات، وجميعنا وقعنا في هذا الفخ بطريقةٍ أو بأُخرى، لأن العصر يؤثِّر في جميع الناس كلٌ بحسب إمكانياته، الإسلام حدَّد أنَّ المركزية هي للوحي، بمعنى أنَّ كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، هي مَن تُحرِّك الإنسان، هي المُعوَّل عليه في حركة الإنسان في الحياة، فالمؤمن عنده يجوز لا يجوز، حلال حرام، أي هو يتقيِّد بقيود الشرع، يلتزم بما أمر الله تعالى به، وينتهي عمّا نَهى الله تعالى عنه، فالمركزية عنده للوحي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يعني بتعليمات الخبير أو بتعليمات الصانع.

إذا تحرَّك الإنسان بلا منهَج سيُفسِد:
هبّ أنك اشتريت آلةً غالية الثمَن عظيمة النفع، لكن لم ترسل معها الجهة الصانعة كُتيِّب صغير يُسمّى الكاتلوك، فيه تعليمات التشغيل والصيانة، الآن أنت أمام خيارين، إمّا أن تستخدم الآلة بخلاف التعليمات فتُعطِبها، أو أن لا تستخدمها فتُعطِّلها لم تستفيد منها شيئاً، ليس هناك حالة ثالثة، هنا نقول هل الآلة أفضل أم التعليمات؟ التعليمات، لأنك بغير التعليمات لن تستطيع تشغيل الآلة، أو ستُعطِب الآلة، ولأن الإنسان كائن حركي، سيتحرَّك، وإذا تحرَّك بلا منهَج سيُفسِد، هذا هو الفساد في الأرض، الفساد في الأرض ما هو؟ هو كائن إذا أردت تعريفاً جامعاً مانعاً له، هو كائن مُكلَّف تحرَّك من غير منهَج، فأصبح هناك فساد، فسَد وأفسَد، يُريد أن يحقق شهوته بالنساء مثلاً الزِنا، الاغتصاب، بيع الإماء، كما يحصل الآن بين أوروبا الغربية والشرقية، ليُحقق رغباته، يُريد أن يُحقِّق أعلى قدر من المال، غش الناس، ابتزَّ أموالهم، عمل بالرِبا، احتكر البضائع ليبيعها عند غلاء ثمنها، كائن يتحرك بغير منهَج، سيُفسِد في الأرض، أمّا إذا تحرك وفق منهَج الله عزَّ وجل سيُصلِح، فصحيح أنَّ الديانات أو الشرائع السماوية التي جاءت من عند الله، وناسِختُها وخاتمتها شريعة الإسلام، وديننا دين الإسلام، جاء والمركزية فيه الوحي، لكن لأنَّ المركزية فيه للوحي أصلح الإنسان، بينما الحضارة الغربية لأنَّ المركزية فيها للإنسان، اعتنت بأشيائه فأفسدته.
الغرب قال المركزية للإنسان، إذاً يجب على الإنسان بالنتيجة أن يسعد، لكن في الواقع هل سعِد الإنسان؟ لا لم يسعَد، أعلى نسب انتحار بأغنى الدول في العالم الغربي، هل يشعر بالسعادة بعد أن تُهيئ له الكحول والخمور في عطلة نهاية الأسبوع؟ هو لا يشعر بالسعادة، فهُم أرادوا أن يجعلوا المركزية للإنسان ليُسعِدوه، فأصلحوا له أشيائه، لكن لم يُصلحوه، فشقيَ وأفسد في الأرض، بينما الإسلام قال المركزية للوحي، نحن نتحرَّك بضوء الوحي، بنور الوحي، ويتحرَّك الإنسان في فلَك الوحي، فصَلُح الإنسان، فأصبحت الأشياء صالحة حُكماً، لأنه هو صالح فأصلحها، استثمر الأرض، استثمر الخيرات

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)
(سورة البقرة)

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)
(سورة البقرة)

(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ) ارجع للوحي، إلى أصل المركز الذي في ديننا (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).

لا يُسمح للإنسان أن يتحرك بغير مرجعية:
فإذاً أيها الكرام، هذه مقدمة أقصِد منها بيان شيء مفهوم عندكم جميعاً، لكن نؤصِّله من خلال الوحي، وهو أنَّ الإنسان في الشرائع السماوية، وفي ديننا دين الإسلام حُكماً، لا يُسمح له أن يتحرَّك بغير مرجعية، فكل شيء مُتعلِّق بمرجعيته التي هي الوحي.
مثال: في عالم الناس يكون العقد شريعة المتعاقدين، يعني وفق هذا المبدأ إذا أنا عملت عقد مع بنك رِبوي، أو مع أي شخص بلا بنك، أقرضت شخص ألف وقلت له ترُدَّها لي ألف ومائتان بعد سنة، عشرون بالمائة فائدة، أنا راضي وهو راضٍ كذلك، والعقد شريعة المتعاقدين، المرجعية هي الإنسان، أنا المرجِع، وأنا قررت أنه لا يوجد لدي مشكلة وهو أيضاً لا مشكلة لديه، ومثلها تماماً رجُلٌ التقى بامرأة، لا يوجد اغتصاب نهائياً، هو رضيَ بقضاء شهوته، وهي رضيَت أن يقضي شهوته معها، هو راضٍ وهي راضية أين المشكلة؟
العقد شريعة المتعاقدين، هذا في مبدأ الحضارة الغربية، أو الحضارة الغير إسلامية، أي إن كانت غربية أو شرقية، أمّا في الإسلام لا ، العقد شريعة المتعاقدين نعم، لكن مالم يُخالف نصّاً شرعياً، لأن المرجعية للشرع للوحي، فالعقد بين الرجُل والمرأة يحتاج كتاب الله وسُنّة رسوله، أي تزوجت، قبلت، فأصبح حلالاً، لا يوجد لقاء خارج هذا الإطار حتى لو كان بالتراضي، الموضوع ليس تراضي، الموضوع أنني أرجِع لشرع الله عزَّ وجل، عندي مرجعيِّة، عندي مركزية، أنا لست مركز الكون.
فإذاً ما المشكلة أن يكون الإنسان مركز الكون؟ قلنا إنه يُفسِد في الأرض، المُشكلة الثانية أنه إذا كل إنسان سيعتبر نفسه مركز الكون، فأنا عندي اليوم ثمان مليارات مركز في الكون، لأن كل إنسان يُعدّ نفسه هو محور الحياة، هو يقول لك أنا ما عندي مشكلة، لكن الآخر يرى في فعله مشكلة، والثالث يقول لك أنا عندي مشكلة ثالثة، والرابع عنده مشكلة في شيء رابع ليس عند الثاني والثالث والأول، وهكذا..

هل يمكن للقانون أن يحلّ محل الشريعة؟
فما دام لا يوجد تعليمات واضحة صارمة، يلتزم بها الجميع، إذاً كل إنسان يُشرِّع لنفسه، فهل القانون ممكن أن يحلّ محل الشريعة؟ إلى حدٍّ ما، يعني حتى أكون منطقي، الشريعة هي قانون إلهي، لكن القانون في النتيجة يجتمع عليه عدد كبير من البشر، لكنه يبقى قانوناً وضعيّاً بشرياً، فيتحايل عليه الناس، كما لو أنك تريد أن تضبط حركة السير في الطريق، فتضع كاميرا للمراقبة، السرعة فوق الثمانون ستصوِّر المركبة، فيأتي سائق المركبة يُحدِّد أماكن الكاميرات على جوجل، وقبل أن يصِل إلى الكاميرا، يُعطيه جوجل تنبيه بأنك قد وصلت، فيُخفِّف السرعة، وبعد تجاوز الكاميرا يعود لزيادة السرعة، فالقانون عندما يكون بشرياً، يسعى الناس دائماً للتحايُل عليه، لكن عندما يكون إلهيِّاً، يُصبِح الوازِع داخلي، وليس رادعاً خارجياً.
في فترةٍ ما قرر الاتحاد السوفيِّتي، قرأت عن ذلك، أن يُنهي بيع الخمور، وجَد أنَّ لها آثار سلبية ضارة جداً، فوجد بالقانون أن يمنعها، ويتحدثون عن كم شخص أُعدِم بتهمة إدخال الخمور بطرُقٍ غير شرعية، وعن عدد الصحُف التي طُبِعت والمنشورات التي نُشِرت، واستمر الأمر سنة أو سنتين فيما أذكُر، ثم أباحوها من جديد، بالمركزية للشرع

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)
(سورة المائدة)

قالوا انتهينا، اجتنبنا

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91)
(سورة المائدة)

قالوا انتهينا، يقول كُتّاب السيرة فأصبح أزِقّة المدينة فيها أنهار من الخمر، أفرغوا ما في آنيتهم بلحظةٍ واحدة.
إذاً القانون ممكن أن يُسيطر على عدد مُعيَّن من البشر بعدد لا بأس به من القضايا، ويضبِطهُم، لكنه يبقى تشريعاً أرضياً ناقصاً قابلاً للتعديل، قابلاً للتحايُل، ليس فيه وازِع داخلي، إنما يعتمد على الرادع الخارجي، والرادع الخارجي يمكن أن يُحقِّق نسبة مُعيَّنة من الالتزام، لكن الإنسان إذا أغلق بابه ودخل بيته، فعل ما يحلو له، إذ لا رقيب ولا حسيب.

المركزية في التصوُّر الإسلامي هي للوحي ومركزيتُنا هي الوحي:
أحبابنا الكرام، من هذا المُنطلَق، أن المركزية في التصوُّر الإسلامي، هي للوحي، وأننا جميعاً ندور في فَلَك الوحي، ومركزيتُنا هي الوحي، وعودتنا إلى الوحي.
نقول على سبيل المثال: العلاقات بين الناس، الحُب، نحن عندنا حبٌّ في الله، بمعنى أنني أنا أُحبك، محبتي لك ما الرابط الذي يربطني بك؟ هو الله، بهذا المعنى يمكن أن يكون أخٌ لي في غير النسَب، يعني أخٌ لي في الله في الدين، أُخوُّتي معه أعمق من أخي النَسَبي، إذا كان أكثر التزاماً بدين الله تعالى، مُحافظاً على الصلوات، مُقيماً لها، مُحافظاً على الفرائض، فتصبح علاقتي به أوثق من علاقتي بأخي النَسَبي، إذا كان لا سمح الله بعيداً عن الله، شارداً يفعل المُنكرات مثلاً.
فالحُب في الله، يعني كل علاقةٍ تربط بين شخصين ترجع إلى الله، بر الوالدين في الله

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
(سورة لقمان)

إني أُحبِّهم، نعم حبّهم لكن في الله، يعني طالما أنت وهُم تحت مِظلة منهَج الله، فالبِر واجب، والعقوق إثمٌ كبير، والطاعة مطلوبة، فإذا خرجا عن منهَج الله وأرادا منك فعل شيءٍ لا يرضي الله، (فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ ).

الحُبّ في الله عين التوحيد والحُبّ مع الله عين الشرك:
زوجتي أُحبُّها في الله، لكن عندما تطلب منّي شيئاً فوق إمكانياتي الماديَّة، فألجَأ إلى الرِشوة من أجل تحقيق مطالبها، هذا الحُبّ أصبح مذموم لأنه ليس في الله، يُسمّيه ابن القيِّم رحمه الله "حبٌّ مع الله" أصبحت تُحبُّها مع الله، أي أنت تُحبّ الله لكن تُحبّ زوجتك أيضاً معه، فيمكن في حالة مُعيّنة أن تُمايز فتقول: لعلها تغضب منّي سأُحقِّق لها رغبتها في معصية الله، إذاً هذا حُبّ مع الله وليس في الله.
شريكي، أنا وهو في شراكة، وهناك محبَّة ناتجة عن صُحبة طويلة، وأسفار مشتركة، وإقامة بالفنادق مشتركة، فهناك صُحبة مُعيّنة، هذا الشريك أراد أن يستورد مادة مُحرّمة، نُضيفها للبضائع التي نتّجر بها، فحتى لا أُغضبه، ولا يفُضّ شراكته معي، وكي لا ينزعج منّي، فتكون العلاقة متوترة دائماً، سكتّ له عنها، يُريد أن يستورد شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، فاستوردته معه، ووقعت العقود وأتيت به، هنا العلاقة ليست في الله، أصبحت مع الله، أمّا إذا قلت له لا يا شريك، لقد بنينا العلاقة في الله، وهذه المادة مُحرّمة، وأنا لن أغش المسلمين، ولن أبيعهم بضاعة أربح منها ربحاً شديداً لكن فيها مواد مُسرطنة مثلاً، امتنعت، إذاً أنا أحبه في الله وليس مع الله.
سيدنا عُمير بن وهب الجُمحي رضي الله تعالى عنه، قبل أن يُسلِم، جلس بفناء الكعبة هو وصفوان بن أمية، عقب غزوة بدر، وجلسا يتذاكران هزيمة بدر، ويتحدثان عن قتلاهم في المعركة، وعن المُصاب الأليم الذي ألمَّ بهم، فعُمير بن سعد بلحظة انفعال شديدة قال: " والله لولا ديونٌ ركبتني، وأولادٌ أخاف عليهم الفقر من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه".
صفوان بن أمية ذكي، اقتنص الفرصة وقال له: "ديونك عَلي مهما بلغت، وأولادك أولادي مهما امتدّت بي الحياة، فاذهب واقتل محمداً، وأرحنا منه".
فسقى سيفه سُمّاً، وسافر من مكّة إلى المدينة، فلمّا دخل رأه سيدنا عمر، فأخذه من تلابيبه وربطه بقلادة سيفه، وأدخله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: << هذا عدو الله عُمير ما جاء يريد إلا شرّاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر أطلقه، فأطلقه، فقال عُمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عِمت صباحاً، فقال له رسول الله: أبدلنا الله تحيةً خيراً من تحيتك، فقال له عُمير: وما أنت ببعيد عهدٍ عن سلامنا، بكل جفاء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي جاء بك يا عُمير، فقال: جئت أفتدي ابني من الأسر، فقال له: وهذا السيف الذي في عنقك، قال له: قبّحها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر، فقال له صلى الله عليه وسلم: يا عُمير ألم تجلس في فناء الكعبة أنت وصفوان بن أمية، وتذاكرتما قتلى بدر، ثم قلت له والله لولا ديونٌ ركبتني وأولادٌ أخشى عليهم الفاقة من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، فتكفَّل لك بديونك، وبأولادك، وجئت لتقتلني، فأطرق عُمير هُنيهةً ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لأنَّ هذا الذي دار بيني وبين صفوان لا يعلمه أحدٌ إلا الله، وهو الذي أعلمك، أنت موحى إليك>>. ورد في سيرة ابن هشام
موطن الشاهد، الآن سيدنا عمر يراقب المشهد، فقال عمر رضي الله عنه: " والله لقد دخل عُمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجه الخنزير أحبُّ إليَ من وجهِه، وخرج من عنده وهو أحبّ إليَ من بعض أبنائي".

الولاء والبراء:
هكذا عندما تكون المركزية لشرع الله تعالى، العلاقات تُبنى على هذا الأساس، هناك إنسان يقول لك أنتم مُتعصِّبون، ما هذا الولاء والبراء؟ بلحظة واحدة؟! وأنتم لستم مُتعصّبين؟! اليوم أنتم الصهاينة المُعتدين الذين توالون بعضكم على فكرةٍ واحدة وهي إبادة المسلمين هذا ليس تعصُّب؟! والآخرين الذين يوالون بعضهم على فكرة الاشتراكية ليس بتعصُّب؟! وقيام أمريكا كلها على فكرة الولاء لأمريكا هذا ليس تعصُّب؟! وقيام البيض على فكرة الولاء للأبيض والحرب على الأسود هذا ليس تعصُّب؟! إلا إذا المسلم بنى لنفسه مرجعية خاصة بأنه يوالي أولياء الله، ويُعادي أعداء الله، هذه الفكرة تعصُّب وتشدُّد، وأنتم متطرفون، لا، أنا فقط عندي فكرة صحيحة وأنت عندك فكرة مغلوطة، كلنا نوالي ونُعادي، كلنا نجعل المركزية لشيءٍ مُعيَّن، لا يوجد شخص ما عنده مركزية لشيءٍ مُعيَّن، فإمّا أن يقول لك الوطنية أو القوميَّة أو حُبّ الوطن، كل الناس لها مركزية، أنا مركزيتي ومرجعيتي بشرع الله عزَّ وجل، فأنا أُحب من يُحبّ الله، ولا أقتل ولا أظلِم مَن لا يُحب الله، لكن لا أواليه، أنا ما عندي ولاء لأعداء الله،

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)
(سورة المجادلة)

لو كان والده لا يواليه إذا كان يحادّ الله ورسوله، يقف في وجه الله في وجه رسول الله، يُحارب الإسلام والمسلمين، ليس له مودة.

لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)
(سورة الممتحنة)

ما دام هو لم يأخذ موقف عدائي من الإسلام وأهل الإسلام، فأبره وأُقسِط إليه.

إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)
(سورة الممتحنة )

فأنا أبني حياتي على أنَّ مرجعيتي هي شرع الله تعالى، على أنَّ مرجعيتي هي دين الله تعالى، أدين، ما معنى الدين؟ أي أدين إليه، دان إلى الشيء رجع إليه، يرجع إليه، يخضع إليه، الدين رجوع وخضوع إلى المنهَج، فكل الناس لها دين، والدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

{ تعِس عبدُ الدينارِ ، تعِس عبدُ الدرهمِ ، تعس عبدُ الخميصةِ ، تعس عبدُ الخميلةِ ، تعِس وانتكَس وإذا شيكَ فلا انتقشَ }

(أخرجه البخاري)

فالناس تَدين وترجع إلى شيء في مُحصِّلة الأمر، الإسلام يأمرك أن ترجع إلى الله ومنهَج الله، إلى ما يُرضي الله، فما يُرضي الله تفعله، وما يُسخطه نتركه.
إذاً أحبابنا الكرام، هناك حُبٌّ في الله وهو عين التوحيد، وهناك حُبٌّ مع الله، وهو عين الشرك، كما يقول ابن القيِّم رحمه الله تعالى، الحب في الله كل علاقة بين شخصين، بدأً بالزوجين وانتهاءً بأي شريكين، أو أي صديقين، كل علاقة تربط بين شخصين مرجعها إلى الله، هذا الحُب في الله، فما دامت العلاقة وفق منهَج الله، فهي مستمرة ومتنامية، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:

{ ما توادَّ اثنانِ في اللهِ فيُفَرَّقُ بينهما إلَّا بذنْبٍ يُحْدِثُهُ أحدُهما }

(أخرجه البخاري )

الذنب قطيعة

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)
(سورة المائدة)


الذنب يُحدِث فُرقة والطاعة تُحدِث تجمُّع:
فالذنب يُحدِث فُرقة، والطاعة تُحدِث تجمُّع، يعني مثلث حاد الزوايا، رأسه منهَج الله، وطرفاه الزوج والزوجة، الشريك شريكه، الأخ أخاه، الصديق صديقه، هذان كلما اقتربا من منهَج الله تعالى، فهما يقتربان من بعضهما حُكماً، وكلما ابتعدا عن منهَج الله، رأس المثلث، فهما يبتعدان عن بعضهما حُكماً، هذا معنى المركزية، كل ما اقتربنا من منهَج الله اقتربنا من بعضنا، وكل ما ابتعدنا نبتعد عن بعضنا، هذا سرّ قول عمر رضي الله تعالى عنه " نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره، أذلَّنا الله ".
حسناً الأمريكان قوم لم يعزهم الله بالإسلام، عزَّهم بالطرقات الواسعة، ونظافة الطرقات، وسيادة القانون، اليوم هناك معادلة، اليوم أنت تقول لأحدهم، نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، ونحن قوم سبب تخلفنا اليوم وعدم نصرنا هو بعدنا عن الدين، فيقول لك فوراً، وهل هُم قريبين من الدين حتى أنَّ الله ينصرهم علينا؟ لا، هُم ليسوا قريبين من الدين، لكن هُم قانونهم غير قانونك، المعادن تتمدَّد بالحرارة، أمّا الأخشاب لا تتمدَّد بالحرارة، لا تستطيع أن تضع الخشب مكان المعدن، المعدن له قانون والخشب له قانون، أو أنَّ المعادن لا تطفو على سطح الماء، أمّا الأخشاب تطفو مثلاً، يعني قانونهم غير قانوننا، فهم قومٌ لم يُعزّهم الله بالإسلام، وهُم لم يدَّعوا الإسلام أصلاً، ساروا على سُنّة الحياة الطبيعية، أنشؤوا التأمين الطبي، التأمين الاجتماعي، وحقوق الإنسان... إلى أخره، فنالوا رِفعةً في الدنيا، وليس لهم في الآخرة من نصيب، حالهم أو قانونهم

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)
(سورة الأنعام)

كل شيء، الدنيا كلها مفتوحةٌ أمامهم، أمّا نحن قوم نقول نحن مسلمون، إذاً أنت الآن تتّبِع قانون المسلمين، قانون المسلمين أنك كلما ابتعدت عن منهَج الله، فنحن في فرقة وخِصام وشقاء وتخلُّف، وتشرذم والنصر بعيد عنّا، وكل ما اعتصمنا بحبل الله جميعاً، اقتربنا من بعضنا، واقتربنا من منهَج الله، وحقَّقنا مع بعض النصر والتوفيق والسداد والرشاد.
فهما قانونان مختلفان تماماً، لا يُطبَّق قانونهم علينا ولا قانوننا عليهم.
فتقول لي أليس من الأفضل أن نترك ونذهب إلى قانونهم ونرتاح، لا، لأن هناك آخرة، ولو لم يكن هناك آخرة لكان أحسن، لأنه تصبح المعادلة مختلفة، كما لو أنَّ أحدهم بالعناية المُركّزة، لأن وضعه صعب جداً جداً، وواحد آخر جالس بغرفة عادية خمس نجوم، فالذي في العناية المُركّزة إذا قال لك: ممكن أن أجلس خارج غرفة العناية، فتقول له لا، غير ممكن لأنك دخلت للعناية المُركّزة ليتم الشفاء إن شاء الله تعالى، فنحن في العناية المُركّزة، صحيح عندنا هموم ومشكلات طاحنة، ونشعُر بأنَّ النصر بعيد عنّا، وأعدائنا تكالبوا علينا، ومن كل قطب، لكن نحن في العناية المُركّزة عند الله تعالى، لأن الأمل موجود في شفائنا، لأن الأمل موجود في نهضتنا، لأن الله تعالى جلَّ جلاله، عَلم بعلمه الأزلي، أننا إن شاء الله سننهض من كبوتنا، هي سنواتٌ عجاف مريرة، سببها بُعدُنا وتقصيرنا في ديننا، وتقصيرنا في حق ربّنا، لكن إن شاء الله سنعود كما كُنّا من جديد وهذه سُنّة الحياة

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
(سورة آل عمران)

اللهم اجمعنا عليك، وفرّقنا عليك، ولا تجعل حوائجنا إلا إليك، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.