هزيمة الأمة من الداخل

  • الحلقة الأولى
  • 2016-06-17
  • عمان

هزيمة الأمة من الداخل


الهزيمة النفسية أخطر أنواع الهزائم :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأُصَلّي وأُسَلِّم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أخوتي الأكارم؛ أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وبارك لكم في أعماركم وأوقاتكم.
المهزوم من داخله لا يمكن أن يواجه عدوه
أخوتي الأكارم؛ لا شك أن للهزيمة أنواعاً، هناك هزيمةٌ عسكريةٌ في أرض المعركة، هناك هزيمةٌ فكرية، هناك هزيمةٌ اجتماعية، هناك هزيمةٌ تربوية، ولكن لا شك أن أخطر هذه الهزائم وأشدّها على الأمة فتكاً هو أن تهزم الأمة من الداخل، أو ما يمكن أن نسميه: الهزيمة النفسية، ذلك لأن الهزيمة النفسية تؤدي إلى الهزائم الأخرى تباعاً، والمهزوم من داخله لا يمكن أن يواجه عدوه بل إنه لا يمكن أن يقاوم نملةً فكيف يواجه عدواً؟!
أخشى ما أخشاه، وأخشى ما نخافه على هذه الأمة أن تصاب بهزيمةٍ من الداخل لأنها أقوى عليها من أعدائها.

أعراض الهزيمة النفسية :
1 ـ التقليد الأعمى :
ما أعراض الهزيمة النفسية؟ ما أسبابها؟ كيف نعالجها؟
أولاً: أعراض الهزيمة النفسية وأولها وأكثرها انتشاراً هو التقليد الأعمى.
لا شك أن الأيام دولٌ بين الناس، قال تعالى:

وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
[ سورة آل عمران: 140]

التقليد الأعمى أول أعراض الهزيمة النفسية
ولا ريب أن الجولة الآن ربما لا تكون بشكلٍ كاملٍ للمسلمين، بل هي لأعداء الدين في كثيرٍ من الأحيان في بلاد المسلمين. لكن هل يعني ذلك أن نقلد الغرب تقليداً أعمى؟! هل يعني ذلك أن ننصاع للمنتصر بثقافتنا وفكرنا؟! إن فعلنا ذلك فهذا أول أعراض الهزيمة النفسية.

2 ـ اليأس والقنوط من رحمة الله :
ثم من أعراض الهزيمة النفسية: اليأس والقنوط من رحمة الله.

إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[ سورة يوسف: 87]

لا ينبغي لليأس أن يتسرب إلى نفوسنا، لا ينبغي أن نقول: انتهت أمتنا، انتهت معركتنا، خسرنا، أبداً. فلا بد أن نصبر، و نحتسب، ونرجو رحمة الله عز وجل، ونسأله نصره، ونعد العدة لهذا النصر الذي نرجوه من الله تعالى.

3 ـ السلبية القاتلة :
ثم هناك عرضٌ آخر من أعراض الهزيمة وهو السلبية القاتلة؛ تجد إنساناً بسبب ما حلّ بأمته من مصائب وهزائم ونكبات لا همّ له، ولا عمل له، وإنما دائم السلبية، لا يأمر بمعروفٍ، لا ينهى عن منكرٍ، وكلماته الدائمة هي كلمات العوام، ضع رأسك بين الرؤوس، لا تلتفت، الأمة انتهت، لا ينبغي أن تتدخل، لا تؤلم رأسك بمشاكل الناس، هذه السلبية القاتلة أحد أعراض الهزيمة النفسية.

4 ـ تعامل المسلم مع دينه على أنه دين متهم دائماً :
أخيراً من أعراض الهزيمة النفسية أن يتعامل المسلم مع دينه على أن دينه متهم دائماً.
حينما تنظر إلى دينك أنه معرضٌ لسهام النقد فتقف لتجيب عليها فتأتي الردود غالباً هزيلةً ضعيفةً لا قيمة لها. نحن أصحاب قضية، نحن خير أمةٍ أخرجت للناس، صحيحٌ أنه قد كبا بنا الجواد لأخطاءٍ ارتكبناها عبر عقود، ولكن هذا لا يعني أبداً أن نحاكم ديننا.
يجب أن نواجه بنفسية القوي المنتصر
يتهمون ديننا بأنه دين الإرهاب، نعم هذا اتهام، لكن أنا لا أقف بموقفٍ ضعيف لأرد عليهم، بل أقف بموقفٍ قوي يعلم خططهم، ويعلم مكرهم، ويعلم حقيقة ديننا وقوته وقوة الحق، كل يوم يخرجون علينا بشيء جديد، الإسلام ظلم المرأة ثم ننبري جميعاً دون انتباه، ودون وعي فنتهم ديننا معهم، ونحاول أن نبرئه، إلى متى ننساق وراء تهمهم الجاهزة، من الحدود إلى ظلم المرأة إلى تعدد الزوجات ونقف لنحارب أو لنواجه هذه التهم ولكن بنفسية الضعيف المنهزم؟ هذه أعراض الهزيمة النفسية. فما أسبابها؟

أسباب الهزيمة النفسية :
1 ـ ضعف الإيمان وانتشار المعاصي :
أول أسباب الهزيمة النفسية ضعف الإيمان وانتشار المعاصي، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ }

[رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني]

العِينَة: نوعٌ من أنواع البيوع الربوية.
فانتشار المعاصي وغياب الإيمان الصحيح سببٌ أساسيٌ في ضعف الأمة، وفي الهزيمة النفسية.

2 ـ النظرة الضيقة للزمان والمكان :
ثاني الأسباب: النظرة الضيقة للزمان وللمكان.
لا ينبغي أن تكون نظرتنا ضيقةً
أيها الأخوة؛ نحن أصحاب قضية كبيرة، ديننا دينٌ عالمي، ليس وليد لحظة، ولا وليد يومٍ، نحن أصحاب قضية قديمةٍ مستمرةٍ إلى قيام الساعة، التتار هجموا على المسلمين، ملئت شوارع بغداد بأكوام اللحوم والأشلاء، أربعون يوماً لم تقم صلاة واحدة في مساجد بغداد، كان المسلم يخشى أن يخرج من بيته إلى المسجد كي لا يقتل، لهذا الحد، ثم هزم الله التتار وسلَّط عليهم جنده، وانتهى التتار إلى غير رجعة. بعد ذلك الصليبيون احتلوا القدس، واحدٌ وتسعون عاماً لم تُقَمْ صلاةٌ في المسجد الأقصى المبارك، واحدٌ وتسعون عاماً، ثم ما الذي حصل؟ قيَّضَ الله لهذه الأمة من حرر المسجد الأقصى، وأعاده لأهل الإسلام، هذا واقع.
لو ذهبنا إلى القرامطة، دخلوا بيت الله الحرام، وهاجموا المسلمين في صحن الحرم، وقتلوا منهم وهم يطوفون حول الكعبة، وذهب المجرم أبو طاهر القرمطي إلى الحجر الأسود ونزعه من مكانه، ورفعه، وجعل يصرخ أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ يستخف ويستهزئ، فما الذي حصل بعد ذلك؟ بقي الحجر الأسود عشرين سنةً بعيداً عن الكعبة، ثم قيَّضَ الله لحرمه أمناً، وما يزال المسلمون حتى اليوم يحجون بيت الله الحرام، ويطوفون حوله بأمان.
هذه سنن الله في الأرض، لا ينبغي أن ننظر إلى الزمان والمكان نظرةً ضيقةً تصيبنا بالهزيمة النفسية.

3 ـ عدم الوعي بأن طريقنا طريق محفوف بالمخاطر :
ثم من أسباب الهزيمة النفسية أيضاً أننا لا نعي أحياناً طبيعة الطريق التي نحن فيها، هي طريقٌ محفوفةٌ بالمخاطر، ليست مزروعة بالورود والرياحين، هكذا شاء الله، إنها معركة الحق والباطل المستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
[ سورة العنكبوت : 2]

طريقنا محفوفةٌ بالمخاطر
مستحيل، هذه طبيعة طريقنا، نحن في طريقنا إلى الله، في طريق الحق، في طريق العزة، ينبغي أن نعي أن هذا الطريق طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر، ينبغي أن نعيشه على أنه ابتلاءٌ من الله عز وجل، ونعي صعوبة الطريق.
أخيراً: ما العلاج للخروج من الهزيمة النفسية؟

علاج الهزيمة النفسية :
1 ـ العودة الجادة لكتاب الله وسنة رسوله :
أولاً: العودة الجادة لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

2 ـ التخلص من الَوهَن :
ثانياً: التخلص من الَوهَن: قال صلى الله عليه وسلم:

{ .......... يصيبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت }

[سنن أبي داود]


3 ـ قراءة التاريخ والسيرة :
ثالثاً: قراءة التاريخ والسيرة، وسيرة السلف الصالح لأنها تعطينا دروساً كثيرة.

4 ـ الاعتزاز بديننا و الثقة بوعود ربنا :
رابعاً وأخيراً: ينبغي أن نعتز بديننا، وأن نثق بوعود ربنا:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
[ سورة النور: 55 ]

يجب أن نعود إلى الله
فوعود الله حاصلة، ولكن الكرة في ملعبنا، فينبغي أن نعود إلى الله، وأن نصطلح معه:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
[ سورة الأنفال: 36 ]

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا
[ سورة الإسراء: 81 ]

أسأل الله عز وجل أن ينصرنا على أنفسنا، وأن ننتصر من داخلنا على ذاتنا، حتى نستحق أن ينصرنا على عدونا، وأن يؤهلنا لحمل الأمانة التي عجزت السماوات والأرض عن حملها.
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.