مؤشر السعادة

  • خطبة جمعة
  • 2025-07-11
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

مؤشر السعادة

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

مؤشِّر السعادة العالمي:
وبعد فيا أيُّها الإخوة الأكارم: قبل فترةٍ من الزمن، قرأت خبراً مفاده صدور تصنيف الدوَل بحسب مستوى سعادتها، يُصنِّفون الدوَل بحسب سعادة شعوبها، ضمن ما يُعرَف بمؤشِّر السعادة العالمي، ويصدر هذا المؤشِّر كل ثلاث سنوات، وصَدَرَ في عامنا الحالي، عن الأعوام الثلاثة السابقة إلى عام 2024، وذلك التقرير يصدُر عن عدة جهاتٍ، منها مركز إكسفورد للأبحاث وللرفاهية، ويصدرونه في يوم السعادة العالمي، في العشرين من آذار من كل عامٍ، لفتَ الخبر نظري، بحثت عن بلدنا الغالي، عن سورية في مؤشِّر السعادة العالمي، فلم أجد له أي مرتبة، بلدنا خارج التصنيف، ليس فينا سعيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نظرت في البلدان العربية والإسلامية الأُخرى، فكانت المفاجأة أننا في ذيل التصنيف، في معظم الدوَل المُجاورة لنا، كلنا بعد المئة الأولى، إلا دولتين أو ثلاثة من الدول العربية التي يكثر فيها المال، احتلَّت مراتب مُتقدمة، لكنها لم تصل إلى العشرين الأوائل.

ستة مُتغيرات لتحديد الدوَل الأكثر سعادةً:
أيُّها الإخوة الأكارم: بحسب تقريرهم فنلندا أسعد دولةٍ في العالم، وبعدها تأتي دول شمال أوروبا، النرويج والسويد والدنمارك وغيرها، تابعت الخبر كيف تمَّ تصنيف تلك الدول؟ كيف عرفوا أنَّ شعب فنلندا هو أسعد شعب في العالم؟ وكيف عرفوا أننا من الشقاء بحيث لا يمكن أن نحتل مكاناً في تلك الدوَل الراقية؟ كيف عرفوا؟ ما المقياس الذي اعتمدوه؟ فوجدت أنهم قد اعتمدوا ستة مُتغيرات لتحديد الدوَل الأكثر سعادةً، على رأسها وهو المقياس الأهم فيها، نصيب الفرد من المال، كم يُحصِّل الفرد من المال، ثم يأتي متوسط العُمر المتوقع، بحسب الخدمات الصحية يتوقعون متوسط العُمر، ثم يأتي الدعم الاجتماعي، والحرية، ومدى إدراك الفساد في المجتمع، والكرامة، هذه المعايير الستة اعتُمِدت وصُنِّفت عليها دوَل العالم في مؤشِّر السعادة العالمي.
معظم الشروط تتصل بشكلٍ مباشر أو بغير مباشر بمدى الرفاهية، وأعني ما أقول، الرفاهية التي يحصل عليها الفرد من الخارج، ليس هناك أي مؤشِّر لسعادةٍ تنبُع من الداخل أبداً، هُم يدركون أنَّ الفرد يكون أكثر سعادةً بمقدار ما يأتيه من الخارج، هذه معاييرهم، عندها فكّرت في وضع مؤشِّر السعادة الإسلامي، حتى نُدخِل سورية به حتى لا نبقى خارج التصنيف، مؤشِّر السعادة العالمي.

مطلب الكفاية للإنسان مطلبٌ شرعي قبل أن يكون مَطلباً وطنياً:
نحن ندرس الآن مؤشِّر السعادة الإسلامي، لعلَّ بلادنا على ما فيها من مشكلاتٍ تحتل مواقع مُتقدمة في هذا المؤشِّر، وقبل أن أَذكُر المُحدِّدات التي اعتمدتها، لا بُدَّ أن أُبيِّن أنني، وأظن أنَّ معي كل مواطنٍ سوري، فالجميع يتمنَّى أن يعود لبلادنا أمنها وخيرها المسلوب، وكرامتها المُغتصبة، وأن يُحقِّق أبناء الوطن حريتهم وكرامتهم، ولا يتحقق ذلك إلا بالكفاية، أن يأخذ الفرد نصيبه لا أقول من الرفاهية بل من الكفاية، أن يكفي نفسه وأهل بيته، وهذا لا شكّ مُهمٌ جداً، وهو مطلبٌ شرعي قبل أن يكون مَطلباً وطنياً، فأنا هُنا لا أُقلل أبداً من شأن الكفاية، التي يجب أن تتحقق للفرد والحرية والكرامة، التي تجعله يرتاح ويكون في وطنه آمناً مُطمئناً.
سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: <<إنَّ الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونؤمِّن لهم حرفتهم، فإن وفّينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إنَّ هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التَمَست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية>>.
هذه هي الكفاية، مشكلاتنا كثيرة، نرجو الله تعالى في سورية الجديدة، أن يتحقَّق لأبنائنا من بعدنا ولأحفادنا، حياةٌ كريمةٌ في وطنهم، لا تضطرهم إلى أن يملؤوا وقتهم بالعمل، فيتركوا أُسرهم ويتركوا سعادتهم، لكن أن يُربط مفهوم السعادة بالرفاهية فهذه مشكلةٌ كبيرةٌ جداً.
أيُّها الإخوة الأكارم: لا معنى أبداً لمُتعٍ آنيةٍ تنتهي بالموت، أن تُجعَل مقياساً لسعادة الإنسان، كل متعةٍ آنيةٍ نهايتها الموت، لا يمكن أن تكون مُحدِّداً لقياس سعادة الإنسان، قال تعالى:

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(106)
(سورة هود)

ثم قال تعالى:

وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)
(سورة هود)

وهذه المرة الوحيدة التي ورد فيها لفظ السعادة في كتاب الله تعالى، (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير مُنقطع، لا يمكن أن يسعَد الإنسان بعطاءٍ مُنقطع، لأنه خُلق للخلود في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفَذ عذابها، فلن يهنأ ولن يسعد، ولن يكون في سرورٍ وحبور، ما لم تكن السعادة مُستمرة، لذلك قال تعالى: مع السعادة (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مُنقطع، فالسعادة لا تأتي من المُتع الآنية، لأنَّ المُتعة الآنية تنقطع عند انقطاع أسبابها، تجلس في مكانٍ جميل، تُسرُّ برائحة الأزهار العطرة، تنعُم بهواءٍ عليل، يروق نظرك جدول الماء وهو يتدفق، ثم تتركه وتمضي، فمتى انقطعت الأسباب عنك انقطعت المُتعة.
يقطعها الفقر أحياناً، يقطعها المرض، كم من إنسانٍ قطع المرض سعادته التي كان يظنها سعادة، فإذا بها مُتعةٌ قطعها مرضٌ طارئٌ عُضال، فمنعه من أحبّ الأشياء إليه، أمّا السعادة فتملأ جوانح النفس من الداخل، فهي لا تحتاج إلى المؤثرات الخارجية، وجد تلك السعادة يوسف عليه السلام في السجن، ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(87)
(سورة الأنبياء)

وهو يُنادي ربّه ويستشعر قُربه، وجدها الكليم موسى عليه السلام في الصحراء الموحشة الباردة، والله تعالى يُكلِّمه ويقول له:

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)
(سورة طه)

وجدها إبراهيم عليه السلام في النار، والله تعالى يقول لناره:

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ(69)
(سورة الأنبياء)

ووجدها نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم في الغار:

{ أوَّلُ ما بُدِئَ بالرَّسولِ الوحيُ، قالت: كان يَتحنَّثُ في غارِ حِراءٍ ، والتَّحنُّثُ: التَّعبُّدُ اللَّياليَ ذواتِ العدَد }

(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي)

بعيداً عن الناس يستأنس بالله تعالى وحده.
كان ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: <<ماذا يفعل أعدائي بي بُستاني في صدري، إن أبعدوني فبُعدي سياحة، وإن سجنوني فسجني خلوة مع الله، وإن قتلوني فقتلي شهادة في سبيل الله، فماذا يفعل أعدائي بي؟>>.
هذه هي السعادة التي تنبع من الداخل، وهي التي تدوم وتبقى، أمّا التي تحتاج إلى شيءٍ من الخارج، فلا بُدَّ أن تغادر هذا الشيء أو أن يُغادرك، لا يوجد شيءٌ يستمر معك دائماً، إمّا أن تغادره أو أن يُغادرك هو.

ستة مُحدِّدات لمؤشِّر السعادة الإسلامي:
أيُّها الإخوة الأكارم: مؤشِّر السعادة الإسلامي له ستة مُحدِّدات كما هو مؤشِّر السعادة العالمي، ستة مُحدِّدات إن وجِدَتْ وجِدَتْ السعادة.

المُحدِّد الأول حُسن الصِلة بالله:
المُحدِّد الأول حُسن الصِلة بالله، كلما كنت قريباً من الله أكثر كنت أكثر سعادةً، لماذا؟ ما فلسفة ذلك؟ ما الذي يُسعد الإنسان؟ يُسعده الجمال والكمال والنوال، أي العطاء، يرى شيئاً جميلاً فيسعَد، يرى موقفاً كاملاً فيُسرّ، يُعطيه أحدٌ شيئاً يأخُذ فيُسرّ بما أخذ، عبَّروا عنها الجمال والكمال والنوال، وهذه كلها عند الله تعالى، فما الكون بما فيه من جمالٍ، إلا مسحةٌ من جمال الجميل جلَّ جلاله، مَن الذي خلق الجمال في الأرض؟ الجميل.

{ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ }

(صحيح مسلم)

فإذا كنت قريباً منه فأنت قريبٌ من الجمال.
وما الذي يُسعدك؟ الكمال، موقفٌ كاملٌ يأسِرُك، الله تعالى أصل الكمال، خلق الكون كاملاً، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، ويتعامل مع عباده أحسن معاملة، يؤدِّبهم ويربِّيهم ويؤهِّلهم لجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، يأخذ بأيديهم إليه، تارةً بالثواب وتارةً بالعقاب وبالتنبيه، حتى يرجعوا إليه كيوم ولدتهم أُمهاتهم، ما هذا الكمال؟!
ويُسعدك العطاء النوال، كل ما تُعطاه في الدنيا إنما هو عطاءٌ من الله تعالى، مَن أعطاك الزوجة؟ مَن أعطاك الولد؟ من رزقك الطعام والشراب؟ الله، فهو أصل الجمال والكمال والنوال، فأيُّ سعادةٍ أعظم من القرب من الله تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)
(سورة البقرة)

كانوا يظنون أنَّ القوة بيد فلانٍ أو فلانٍ من أهل الأرض، والجمال قوة، والكمال قوة، والعطاء قوة، كانوا يظنون الأقوياء يملكون الجمال والكمال والنوال، فتعلَّقوا بهم وأفنوا حياتهم في خدمتهم، يقول تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
ليست بيد هؤلاء، فلو اقتربتم من الله في الدنيا لأخذتم ما أردتم، ثم أخذتم جنَّة ربكم الدائمة المستمرة.
كان ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما نقل عنه ابن القيِّم يقول: <<إنَّ في الدنيا جنَّة مَن لم يدخلها لا يدخل جنَّة الآخرة، قالوا ما هي يا إمام؟ قال جنَّة القُرب من الله>>، القريب من الله في أُنسٍ، هذا الأُنس العظيم بالله تعالى يؤهله لجنَّة الآخرة.
إبراهيم بن أدهم المدفون في جبلة السورية، أصله من أفغانستان ودفن في جبلة، ومضى حياته مُجاهداً، وكان رجلاً ثرياً، وكان من أبناء الملوك، ثم إنه تركَ المُلك والتفَتَ إلى العِلم والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله تعالى، لذلك يُصدّقه الجميع فيما يقول، ماذا يقول؟ يقول إبراهيم بن أدهم: <<لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم، إذاً لجالدونا على ما نحن فيه بأسيافهم>>.
هذا ما يفعله حُسن الصلة بالله تعالى.

المُحدِّد الثاني في مؤشِّر السعادة الإسلامي هو الرضا عن الله:
إذاً المُحدِّد الأول هو حُسن الصِلة بالله تعالى، المُحدِّد الثاني في مؤشِّر السعادة الإسلامي هو الرضا عن الله، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَضِ ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

(العَرَضِ) السيارة والبيت والمزرعة والرصيد في المصرف والأموال (ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَضِ) كما يتوَّهم كثيرٌ من الناس (ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ) أنت غنيٌ بنفسك ولست غنياً بما تملكه، لذلك أقول: السعادة هي قِصَر المسافة بين ما أنت فيه وما تتمنّى أن تكون عليه، بمعنى أنَّ رجُلاً يملِك عشرة لكنه يريد أن يملِك عشرين، فسعادته ناقص عشرة، ورجُلٌ آخر يملِكُ مئة لكنه يطمح أن يملِك ألفاً، فسعادته ناقص تسعمئة، وهناك رجُلٌ كفاه الله وملَكَ كفايته، يملِكُ مئة وهذا ما يطمح إليه، إلّا أن يرزقه الله تعالى شيئاً آخر، فهذا كامل السعادة، فالسعادة هي قِصَر المسافة بين ما تملكه وبين ما تتمنّى أن تكون فيه.
لذلك من يملِك مئةً ولكنه راضٍ عن الله، فهو أغنى ألف مرة ممن يملِك مليوناً، لكنه ساخطٌ لا تُرضيه معيشته ولا يرضى عن ربّه، فالرضا مُحدِّدٌ مُهمٌ من مُحدِّدات مؤشِّر السعادة.

المُحدِّد الثالث هو إسعاد الآخرين:
وأمّا المُحدِّد الثالث فهو إسعاد الآخرين، كان النبي صلى الله عليه وسلم يوزِّع شاةً:

{ عن عائشةَ: أنَّهم ذبَحوا شاةً، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: ما بَقِيَ؟ قالَتْ: ما بَقِيَ منها إلَّا كَتِفُها، قال: بَقِيَ كلُّها غيرَ كَتِفِها }

(صحيح الترمذي)

لأنَّ الذي أعطيناه قد بقي وأمّا الذي أكلناه فقد فني، هذا هو المفهوم الذي يُحقِّق السعادة، أن تُسعِد الآخرين، لذلك قالوا: "إذا أردت أن تَسعَد فأسعِد الآخرين"، وسُئل حكيمٌ مَن أسعدُ الناس؟ فقال: مَن أَسعَدَ الناس.
الذي حصل أنَّ سعادة المرء كثيراً ما تكون فيما يُعطيه لا فيما يأخذه، إذا أردت أن تسعَد فأسعِد الآخرين.
أيُّها الإخوة الكرام: ما نراه اليوم في أرض الرباط، عند أهلنا في غزَّة، من الرضا عن الله تعالى، وهُم يودِّعون شهداءهم أقرب الناس إليهم، ما نراه من الرضا وقد هُدِّمَت بيوتهم، ما نراه من الرضا وقد فقدوا أحبَّ ما يملكون، من أين جاء؟! من أنَّ هناك حلاوةً للفقد لا يستشعرها إلا مَن عرفها، وهي أن يُقدِّم الإنسان شيئاً لربّه.
فَـلَيـتَـكَ تَــحلــو وَالـحَيـاةُ مَـريـرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ وَلَـيـتَ الَّـذي بَـيـني وَبَـيـنَـكَ عـامِـرٌ وَبَيني وَبَينَ العالَمـينَ خَـرابُ إِذا صحَّ مِنكَ الوصفُ يا غاية المُنى فكُلُّ الَّذي فَـوقَ التُرابِ تُـرابِ
{ الحلاج }
الثالث إسعاد الآخرين.

المُحدِّد الرابع الإيمان بموعود الله:
المُحدِّد الرابع الإيمان بموعود الله، نحن نعيش الحياة كما يعيشها غيرنا، نتأثر بالموجة الحارة، ونتأثر بغلاء الأسعار، ونتأثر بضعف الموارد، لكن ما الذي يُلقي في قلبنا روحاً وسكينةً؟ أننا ننتظر شيئاً هو موعود الله تعالى.
هبّ أن إنساناً لا يملِك من الدنيا إلا اليسير اليسير، بيته صغيرٌ قديم، وراتبه لا يكفيه إلا لثلاثة أيامٍ في الشهر، حالته صعبة، مات قريبٌ له في بلدٍ بعيد، ولا وارث له إلا هذا الرجُل، فنُقِلت ثروة المتوفَّى إلى هذا الرجُل، لكن حتى تصل إليه الثروة لا بُدَّ من وقتٍ، لأنَّ البلد بعيد، وقد يحتاج الأمر إلى ستة أشهُرٍ، لماذا يعيش هذه الأشهُر الستة سعيداً؟ هل زاد دخله؟ لا والله، هل كثُر طعامه؟ أبداً، ما الذي حصل؟ أصبح يعيش الوعد، أصبح ينتظر الموعود وهو المال الوفير الذي سيأتيه، اقرؤوا قوله تعالى:

أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ(61)
(سورة القصص)

أي من العذاب، هل يستوي هذا وهذا، كلاهما يعيش، وكلاهما يُعاني، لكن أحدهما موعودٌ والثاني ليس موعوداً إلا بنارٍ والعياذ بالله.
أيُّها الإخوة الكرام: الإيمان بموعود الله تعالى مُحدِّدٌ من مُحدِّدات مؤشِّر السعادة.

المُحدِّد الخامس التوكل على الله:
الخامس التوكل على الله، التوكل سعادة، أن تضع الأمور كلها بيد الله.
هبّ أنَّ شخصاً جاءه رجُلٌ وقال له: أمورك عندي لا تخف من شيء، وكان هذا الرجُل قوياً وغنياً وعنده القُدرة، قادر، فيرتاح لأنَّ أموره أصبحت عند فلان، التوكل يعني أنك وضعت الأمور عند الله، فإن شاء زادَ في الرزق وإن شاء قتَّر، أسعى وأمشي على الطريق وأدع الأمر لله تعالى وحده، التوكل يُريح النفس، قال صلى الله عليه وسلم:

{ عن ابنِ مسعودٍ قال لو أن أهلَ العلمِ صانوا العلمَ، ووضعوه عند أهلِه، لسادوا به أهلَ زمانِهم، ولكنهم بذلوه لأهلِ الدنيا؛ لينالوا به من دنياهم؛ فهانوا عليهم، سمعت نبيَّكم صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: من جعل الهمومَ همًا واحدًا همَّ آخرتِه، كفاه اللهُ همَّ دنياه، ومن تشعبت به الهمومُ في أحوالِ الدنيا، لم يبالِ اللهُ في أي أوديتها هلك }

(الألباني هداية الرواة)

اجعل همَّك واحداً وهو الآخرة، أن تنجو مع أهلك يوم القيامة، هذا همُّك والله يكفيك الهموم كلها، تتمّة الحديث: (ومن تشعبت به الهمومُ في أحوالِ الدنيا، لم يبالِ اللهُ في أي أوديتها هلك) فعندما تضع الهموم عند الله وتجعل همَّك واحداً وهو رضا الله، فهذه سعادةٌ ما بعدها سعادة، لأنَّ الأمر بيده وحده.

المُحدِّد السادس الأخوُّة في الله:
المُحدِّد السادس والأخير من مُحدِّدات مؤشِّر السعادة الإسلامي، الأخوُّة في الله، أن يكون لك أخٌ في الله تُحبُّه ويُحبُّك، لا يجمعك معه لا نسبٌ، ولا مالٌ، ولا تجارة، وإنما أحببته لله.

{ ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ؛ كَما يَكرَهُ أنْ يُلْقى في النارِ }

(أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي)

وإذا وجدت حلاوة الإيمان في قلبك، فهذه قمة السعادة، يقول سيدنا عُمر رضي الله عنه: <<والله لولا رُكيعاتٌ في جوف الليل، وإخوةٌ يُلتَقَط معهم طيِّب الكلام كما ينتقي آكل الثمر أطايبه، لآثرت الموت على الحياة>>.
ماذا في الدنيا إلا علاقةٌ بالله طيبة، وعلاقةٌ مع الإخوان حميمةٌ طيبةٌ ابتغاء وجه الله تعالى.
أيُّها الإخوة الكرام: هذه المُحدِّدات لمؤشِّر السعادة الإسلامي، الإيمان، حُسن الصِلة بالله، والرضا عن الله، إسعاد الآخرين، الإيمان بموعود الله، التوكل على الله، والأخوُّة في الله، وأظن أنها خيرٌ من مُحدِّداتهم التي تُصنِّف الدول بسعادتها بناءً على ما تملِك.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم أهلنا في غزَّة، كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً يا أرحم الراحمين، واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
اللهم مُجري السحاب، مُنزِل الكتاب، هازِم الأحزاب، سريع الحساب، اهزِم الصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدَهم ومن وقف معهم، وأنجِ المُستضعفين من المؤمنين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل بلادنا أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، ووفِّق القائمين عليها لما فيه مرضاتك، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، والحمد لله ربّ العالمين.