الإيمان عطاء

  • لقاء مع مجموعة هذه حياتي التطوعية
  • 2021-11-04

الإيمان عطاء


مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، شيخنا وحبيبنا الغالي فضيلة الدكتور بلال نور الدين حَفظهُ الله ورعاه، باسم هذه حياتي المجموعة التطوعية و باسم القائمين عليها وفريقها التطوعي أرحب بكم أجمل ترحيب وأشكرك على قبول هذا اللقاء مع فضيلتكم ووقتكم الثمين وبرنامجكم الممتلئ فجزاكم الله خيراً يا دكتور بلال.


الدكتور بلال:
وإياكم يا سيدي أقل واجب.

الدكتور رحابي:
أكرمكم الله؛ هذه حياتي التطوعية التي ربما لا تخفى على الكثير من الإخوة المُتابعين تأسست قبل اثني عشر عاماً تقريباً، تهتم باحترام الإنسان وكرامة الإنسان وتقضي الأوقات الكثيرة في إسعاف جراح المَنكوبين وتقديم ما يمكن تقديمه لهم، طبعاً هذه المؤسسة الخيرية الطيبة المباركة لها توجهٌ واحد ولها هدفٌ واحد وهو إسعاد الإنسان بل إن شعارها " شارك..ساعد..ابتسم".
اليوم موضوعنا موضوع طيب ومبارك مع فضيلة الشيخ الدكتور بلال وهو الغني عن التعريف والذي له باعٌ كبيرٌ في خدمة الدعوة الإسلامية وفي خدمة المجتمع المسلم، يحمل شهادة الدكتوراه في الفقه المُقارَن، وهو مدير ثانوية النابلسي الشرعية في دمشق وقد لزِمَ فضيلة الشيخ راتب النابلسي في مسيرته الدعوية لسنين طويلة وأخذ منه الكثير، وهو أيضاً المُشرف العلمي والمسؤول عن قسم الفتاوى في موقع الدكتور محمد راتب النابلسي؛ الدكتور بلال له جهودٌ كبيرةٌ في خدمة الدعوة وخدمة الإسلام وله تآليف وله برامج مميزة ولعل الله عز وجل يبارك له في العمر وفي الوقت حتى يكون إن شاء الله من أعلام الإسلام في هذا الزمان.
دكتورنا الحبيب الإيمان عطاء، ما مفهوم العطاء؟ وكيف نربط بين الإيمان والعطاء؟

مفهوم العطاء:
الدكتور بلال:
حياكم الله بارك الله بكم وشكراً لمجموعة هذه حياتي التطوعية؛ وشكراً لكم دكتور رحابي على هذا التقديم الطيب الجميل وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم.
بادئ ذي بدء أخي الحبيب الإيمان عطاءٌ لأن الله تعالى في سورة الليل يقول:

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)
[ سورة الليل]

سعيَ الناس مختلف
ما معنى (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)؟ يُقسم الله سبحانه وتعالى أنَّ سعيَ الناس مختلف، أهدافه مختلفة، وبواعثه مختلفة، ومقاصده مختلفة، فلو كان في الأرض سبع مليارات إنسانٍ فكل صباحٍ عندك سبعة مليارات توجه، فكل إنسانٍ يتوجه بباعثٍ معّين ولهدفٍ معّين، له باعثٌ في تحركه، ويَهدف في تحركه إلى هدف -إلى تحقيق مَقصد- كل الناس(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى).
الآن هل يمكن أن يُضغط هذه السعي المختلف المتنوع المتباين في بواعثه وفي غاياته هل يمكن أن يُضغط كله في حقلين اثنين؟ هذا ما فعله المولى جل جلاله، السعي على مختلف أشكاله سيكون ضمن سعيين لا ثالث لهما:

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)
[ سورة الليل]

الحقل الثاني:

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)
[ سورة الليل]

كل الناس في سعيهم الشتى، السعي المُتفرق المُتنوع سيدخلون ضمن حقلين اثنين: الحقل الأول هو حقل العطاء، والحقل الثاني هو حقل الأخذ، لذلك بدأ فأما من أعطى، وأما من بخل، فإما أن تكون ممن أعطى وإما أن يكون الإنسان نسأل الله السلامة ممن أخذ وبخل ولم يُعطِ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6))، قالوا الحُسنى هي الجنة من بعض تفاسيرها لقوله تعالى:

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ(26)
[ سورة يونس]

العطاء المقبول يكون ضمن المنهج الشرعي
فالحُسنى هي الجنة والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم، فلو قلنا الحُسنى هي الجنة فهذا الإنسان صدَّق أنه مخلوقٌ للجنة، صدَّق بالجنة صدَّق باليوم الآخر فاتقى أن يَعصي الله فأعطى، والصنف الثاني كذَّب بالحُسنى لم يؤمن بالجنة فاستغنى عن طاعة الله وبَخِل أي امتنع عن العطاء، الآن فأما من أعطى جاءت مُطلقةً لم يقل فأما من أعطى من ماله من أعطى من وقته ولا من جهده ولا من خبرته ولا من جاهه، قال فأما من أعطى لأن العطاء متنوعٌ وكل عطاءٍ عند الله تعالى مادام ضمن المنهج الشرعي فهو عطاءٌ مقبولٌ مهما كان هذا العطاء فمن الناس من يعطي ابتسامةً لا يملك غيرها:

{ تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة }

[رواه الترمذي]

ومن الناس من يُعطي مالاً، ومن الناس من يُعطي عِلما،ً ومن الناس من يُعطي خبرةً، ومن الناس من يعطي جاهاً فيشفع شفاعةً تؤدي إلى إصلاحٍ بين متخاصمين إلى ما هنالك من العطاء..
فربنا جلَّ جلاله صنّف الناس إلى صنفين ووضعهم في حقلين، الحقل الأول حقل المعطين والحقل الثاني حقل البخلاء، فلذلك أخي الحبيب لمّا يُعطي الإنسان يكون رد الفعل الإلهي على عطائه قال:

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)
[ سورة الليل]

سيُيسر لِما خلق له في الدنيا وفي الآخرة ، أموره ميسرةٌ إن شاء الله.
وأما الذين بَخِلوا واستغنوا عن طاعة الله وكذّبوا بالجنة التي خُلقوا من أجلها فهؤلاء سيكون ردّ الفعل الإلهي على تصرفهم أنه:

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)
[ سورة الليل]

فأمورهم مُعسّرة.

علاقة العطاء بالإيمان:
الهرم البشري اليوم رُبما يَعُد ثمانية مليارات إنسان، يقع على رأسه زمرتان الأنبياء والأقوياء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يُمدَحون في حضرتهم وفي غَيبتهم لكن الأقوياء لا يُمدَحون إلا في حضرتهم، والناس جميعاً من آدم إلى يوم القيامة تَبَعٌ لنبيٍ أو لقوي، وبطولتنا جميعاً أن نَتخلق بأخلاق الأنبياء فنكون ممن يُعطي، يَبني حياته على العطاء، يَبني حياته على الخير، يَبني حياته على الإنفاق:

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ(3)
[ سورة البقرة]

رزقناهم مالاً أنفقوا منه، رزقناهم علماً أنفقوا منه، رزقناهم صحةً أنفقوا منها، رزقناهم جاهاً أنفقوا منه وهكذا.. (وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ).
المؤمن يبني حياته على العطاء
فالعطاء أو الإنفاق أو الزكاة أو مُطلق العطاء كلها مدلولاتٌ لشيء واحد وهو أن المؤمن يبني حياته على العطاء ويفرح بالعطاء ويُسرُّ بالعطاء، الإنسان المؤمن نسأله أو نسأل الإنسان عموماً: قل لي ما الذي يفرحك أقُل لك من أنت، فإن كان يُفرحك أن تعطي فأنت من أهل الإيمان، وإن كان يُفرحك أن تأخذ فقط لا يُهمك إلا أن تأخذ فهذا من أهل الدنيا لأنه يُريد أن يأخذ، أما المؤمن فيريد أن يُعطي ، بل يَسعد بالعطاء، وفي هذه المجموعة الطيبة إن شاء الله كلكم أهل خيرٍ، وأهل عطاء، وأهل إنفاق، وأهل حبٍّ ولله الحمد والمِنّة.

الدكتور رحابي:
أكرمك الله يا دكتور بلال جزاك الله خيراً وأحسن الله إليك، وزادك الله عِلماً أنا أحبك في الله ونتعّلم من عِلمك وأدبك وسمتك وهديّك، أسأل الله أن يزيدك عِلماً وفهماً ما شاء الله، الحقيقة مادمنا نتحدث ونحن في هذه حياتي التطوعية التي أرجو الله تعالى أن يُبارك في كل من يُساهم ومن يُساعد ومن يُشارك ومن يَبتسم ومن يُنفق مما أعطاه الله عز وجل في هذه المجموعة وكل من يُساعد هؤلاء الناس المحتاجين، كما ذكرت المجموعة تأسست قبل حوالي اثني عشر عاماً والحمد لله توسعت الآن وتراخيصها في الأردن وتركيا وسويسرا وكندا وفي أمريكا أيضا،ً طبعاً سعَت المجموعة إلى تحقيق طموحاتٍ كثيرة وأهدافٍ كثيرة وأطلقت مشاريع متنوعةً لدعم المجتمع ودعم اللاجئين في دول اللجوء والنازحين أيضاً في الداخل السوري وعلى الحدود التركية.
بعض مشاريع مجموعة هذه حياتي
في حديثنا عن العطاء سنسمع أرقاماً ربما تعجبك يا دكتور بلال في المشاريع التي قُدِّمت للتعليم، ولإيواء النازحين، ولبرامج التغذية، وبرامج الطوارئ، والمِنح، والقطاع الغذائي، القطاع التعليمي التنموي، المشاريع الصغيرة، القطاع الطبي، الإيواء، الحماية، ستة وثمانين وجبةً غذائية قُدِّمت وسِلل غذائية قُدِّمت في خلال هذه الفترة الفائتة، هناك أكثر من مطبخٍ إنتاجي خيري يُقدم الوجبات للمحتاجين، ثلاثة آلاف وستمئة فرصةً تعليميةً وفِّرت لمن حُرمها، تخيل ثلاثة آلاف وستمئة طالب ابتدائي أو ثانوي أو جامعي تهيأت لهم ظروف التعليم بسبب العطاء الذي تتحدث عنه فضيلتك، بهذه المناسبة من يتابع معنا أرجوكم شاركونا هذا اللقاء الطيب على صفحاتكم حتى يصل عطاءكم إلى الناس جميعاً ويصل كلام الدكتور بلال نور الدين نوراً إلى قلوب الناس ويتحول إلى عطاء يُترجم إيمانهم ويُترجم إسلامهم الجميل الذي يُعبر عن حبهم لله ولنبيه صلى الله عليه وسلم، أُنشئ صندوق غذاء الروح لتعليم القرآن الكريم ومكارم الأخلاق وبنيت مساجد ونُظّمت حلقات القرآن الكريم، أكثر من ألف مستفيدٍ في القطاع التنموي والتدريبي، أرقامٌ كثيرةٌ جداً: خمسة آلاف مستفيد من النقاط الطبية التي قامت بها مجموعة هذه حياتي حتى الآن، تسعة وخمسون ألف وثمانمئة مستفيد حوالي ستون ألف مستفيداً من السِلل والمواد الغذائية.
دكتور بلال الله سبحانه وتعالى اسمه المُعطي سبحانه وتعالى وسيدنا موسى ذكر ووصف ربنا سبحانه وتعالى قال:

قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (50)
[ سورة طه]

هذا العطاء والذي يرتبط تماماً بإيمان العبد، كيف نستطيع أن نجد السعادة، مفهوم السعادة لو نستطيع أن نقدمها مرةً ثانيةً للإخوة المتابعين والمشاركين، كيف يستطيع أن يُقدم ويُعطي ويَحصل على السعادة؟ الآن سمعنا وفهمنا من فضيلتك الإيمان مرتبطٌ تماماً بالعطاء والعطاء، يعني:

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ (3)
[ سورة البقرة]

الصحة والوقت والمال وهكذا.. لكن الآن كيف يرتبط مفهوم العطاء بالسعادة؟ كيف أجد السعادة عندما أُعطي؟

العلاقة بين السعادة والعطاء:
الدكتور بلال:
إذا أردت أن تَسعد فأسعِد الآخرين
بارك الله بكم، سيدي قالوا: إذا أردت أن تَسعد فأسعِد الآخرين، وسُئل حكيمٌ: من أسعدُ الناس، فقال: من أسعَد الناس، أسعدُ الناس من أَسعدَ الناس، للعطاء سعادةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، إخوةٌ كثر يحدثونني عن لحظات سعادتهم التي كانت في التخلي عن شيءٍ يملكونه! قد يسمعنا بعض الناس الذين لم يَستمتعوا بهذا المعنى فيستغربون، يا أخي كيف أتخلى عن شيء وأسعَد بالتخلي عنه؟! أنا يُسعدني أن آخذ لا يُسعدني أن أعطي، لأنه لم يُجرب، لم يُجرب معنى العطاء وكيف يُدخِل الله تعالى على قلب المُعطي من السعادة ما لو وزِّع على أهل بلد لكفاهم.
أنا أريد هنا أن أفرق بين شيئين بين السعادة واللَّذة، اللَّذة طارئة لكن السعادة مُستمرة، اللَّذة متناقصة لكن السعادة متنامية، اللَّذة تأتي من عوامل خارجية لكن السعادة تنبع من داخل النفس، اللَّذة تحتاج إلى بيتٍ كبير أو تحتاج إلى امرأةٍ جميلة مثلاً أو بالعكس أو تحتاج إلى مركبةٍ فارهة أو منظرٍ جميل، فاللَّذة مرتبطةٌ بالمحسوسات، السعادة شيءٌ آخر؛ السعادة مرتبطة بالمعنويات وليس بالماديات أبداً، اللَّذة تحتاج دائماً إلى ثلاثة عناصر لابد أن تتوافر معاً لتتحقق اللَّذة، فيحتاج من يريد اللَّذة إلى وقتٍ وصحةٍ ومال، فإذا غاب المال فلا لذة، وإذا غاب الوقت فلا لذة، وإذا غابت الصحة فلا لذة، ومن الطريف أن الإنسان في كل مرحلةٍ من حياته ينقصه واحدةٌ من تلك الثلاث، ففي مُقتبل حياته يملك وقتاً وصحة لكنه لا يملك مالاً ليحقق لذائذه، فإذا ما انتصف العمر انشغل فغاب الوقت وبقي الصحة والمال ولا وقت ليستمتع باللَّذائذ، فإذا أصبح في خريف العمر جمع مالاً ومعه وقتٌ بعد أن سلَّم العمل لأولاده لكن ليس لديه صحةٌ فإذا أراد أن يأكل و يستمتع بالحياة أو يسافر دائماً يربط الأمور بصحته التي تحتاج إلى ضبطٍ معين وإلى طعامٍ معين وإلى ألا يسافر وإلى وإلى..
فشاءت حكمة الله تعالى أن الدنيا لا يمكن أن تمدَّك بالسعادة المُستمرة بل إنها تَمدَّك بلذائذ متناقصة، وليجرب كل واحد منا يوم ملَكَ سيارته في اليوم الأول يظن نفسه قد ملك الدنيا بهذه السيارة وربما يتفقدها كل خمس دقائق ويخرج إلى الشرفة لينظر هل هي على حالها أم لا قدر الله أصابها شيء، بعد يومٍ أو اثنين تتخافت اللَّذائذ، بعد سنة يركب السيارة فقط من أجل أن توصله وقد امتلأت بالكدمات وبالركلات وتحتاج إلى مئة إصلاح ولا يلتفت لها المهم أن المُحرك يعمل ويوصله إلى عمله، هذه طبيعة الدنيا أنها لا يمكن أن تمدَّ الإنسان بشيءٍ مستمرٍ وإنما متناقص، كان أحد الصالحين يقول: ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري، سعادتي من الداخل، فقال: إن أبعدوني فبُعدي فسياحة وإن سجننوني فسجني خلوة وإن قتلوني فقتلي شهادة.
السعادة تَنبُع من الداخل
لأن السعادة تَنبُع من الداخل فلا يملك إنسانٌ أن يَمنعك منها، وجدها يونس في بطن الحوت، وجدها الحبيب صلى الله عليه وسلم في الغار، فإذاً يوم يَسعَد الإنسان ويُعطيه الله تلك السعادة هذه لا تُقاس بالآلة الحاسبة ولا تُقاس بالموازين البشرية، جرّب أن تُعطي، جرّب أن تخرج من ذاتك لإسعاد الآخرين، الله تعالى يُكافئك بسكينةٍ يُلقيها في قلبك لو وُزِّعت على أهل بلدٍ لكفتهم.
أخي دكتور رحابي نحن نقول الإيمان عطاء، أنا أقول أكثر ركنٍ من أركان الإيمان هو الذي يدفع الإنسان إلى العطاء هو الإيمان باليوم الآخر، يعني الإيمان بالغيب انظر إلى قوله تعالى في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة قال:

الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
[ سورة البقرة]

فبدأ بالإيمان بالغيب، لو لم يكن هناك إيمانٌ بالغيب لما كان هناك إنفاق، لكن الإنسان من أين تَنبع سعادته؟ من أنه ينتظر موعود الله تعالى، نحن لسنا أبناء الدنيا، نحن أبناء الآخرة نحن ننتظر شيئاً رُبما لا يراه الآخرون لأنهم لا يؤمنون بالغيب، لكن لمّا نؤمن بالغيب نُسعِدُ الآخرين لأن هناك ما ينتظرنا عند الله تعالى من أجر، لا نُسعدهم بغير مُقابل لكن المُقابل لا يَراه الناس لأنهم يَتعجلون، ولكنكم تستعجلون:

خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ(37)
[ سورة الأنبياء]

متى يرقى الإنسان عند ربه؟ عندما يترك العاجل وينظر إلى الآجل، ينظر إلى ما أعده الله له في الآخرة قال تعالى:

أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)
[ سورة القصص]

المؤمن شأنه شأن الناس جميعاً يذوق الشدائد والصعاب هذه حال الدنيا ويُبتلى وقد يكون أشد بلاءً من غيره:

{ أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ الصالحونَ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ }

[ أخرجه ابن حبان ]

لكن ما الذي يَمتص صعوبات حياته؟ وما الذي يَملأ قلبه سعادةً؟ أنّه ينظر إلى موعود الله، أنّه ينظر إلى شيءٍ ربما لا يراه الآخرون من غير المؤمنين، فهو ينتظر شيئاً عند الله تعالى يمتص متاعبه ويجعله يعيش في عالمٍ آخر لا ينتبه له الناس، إذاً هذه السعادة التي تَملأ قلب المؤمن هي السعادة الحقّة، لأنها سعادةٌ مُتنامية تنبع من الداخل وتتنامى حتى تنتهي بلقاء الله تعالى ثم بجنةٍ عرضها السموات والأرض، أما لذائذ أهل الدنيا الذين يُحبون الأخذ فقط ولا يرغبون في العطاء فإنهم يحصلون على لذائذ آنيةٍ طارئة مُتناقصة ثم تنتهي اللَّذة بانقضاء أسبابها ثم يعود إلى ما كان عليه من الشقاء والتعاسة لأنه لم يخرج من ذاته، ولم يخرج ليُعطي، ولم يخرج ليبني، ولم يخرج من ذاته ليكون مصدر خيرٍ وعطاءٍ للآخرين.

الدكتور رحابي:
ليكون مصدر خيرٍ وعطاءٍ للآخرين، الذي أحب الله وأحب رسوله صلى الله عليه وسلم وآمن بالله واليوم الآخر- كما تفضل الشيخ بلال - تنعكس هذه الإيمانيات على عطائه:

{ مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ }

[ رواه البخاري]

{ مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ }

[ رواه البخاري]

هذا الإحسان وهذا الكرم عطاءٌ مرتبطٌ كما تفضّلتم سيدي بالإيمان بالله واليوم الآخر، لعلك تسمح لنا في نهاية اللقاء باقي عندنا محورٌ وسؤالٌ واحدٌ إن شاء الله نستفيد من فضلكم وعلمكم عن ثمرات العطاء، لكن قبل أن نذهب إلى هذا المحور: ما هي ثمرات العطاء في الدنيا وفي الآخرة؟ لكن قبل ذلك لو أحد عنده سؤال أو استفسار الدكتور بلال موجود معنا وهبه وحباه الله عِلماً وحكمةً وهو من الذين يُعطون بلا مللٍ وبلا كلل، يُعطي من وقته وجهده وماله وعِلمه وحكمته أسأل الله تعالى أن يزيده عِلماً وبركة.
كما أطلب مرة ثانية وعادةً أطلب عند البث المباشر ممن يتابع أن يُعطي وأن يُشارك هذا اللقاء على صفحته هذا لعله من أنواع العطاء ومن المشاركة في العِلم النافع إن شاء الله.
إخواننا الكرام؛ العطاء له ثمراتٌ وله نتائجٌ وله أشياءٌ طيبة ينالها الإنسان في الدنيا والآخرة، طبعاً قدوتنا في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود بالخير من الريح المُرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان صلى الله عليه وسلم والذي علّمنا معنى السخاء ومعنى العطاء ومعنى الكرم.
لو نذهب الآن إلى المحور الأخير مولانا الشيخ بلال، أنا سأعطي وسأقدم هل هناك ثمراتٌ ألمسها بيدي أو أراها بعيني؟ أحيانا الإنسان يَشُح:

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)
[ سورة الحشر]

لكن لا أصل إلى درجة الوقاية من شُح نفسي، حتى أرى نتائج ذلك في الدنيا فأتشجع وأحثُّ نفسي على العطاء لأني أرى النتائج أمامي، أو ربما إيماني لم يرقَ إلى درجة أن أعطي وأنتظر العطاء في الآخرة أو النتائج والثمرات في الآخرة.
هل هناك ثمراتٌ للعطاء يمكن للإنسان أن يراها أن يلمسها أن يعيشها في حياته الدنيا؟ طبعاً ذكرتم فضيلتكم السعادة الحقيقية التي تَنبع وتَتنامى في القلب وتَكبر وتَزيد لكن ربما لا أستشعر هذه السعادة، فما هي ثمرات العطاء في الدنيا وفي الآخرة؟

ثمرات العطاء في الدنيا والآخرة:
الدكتور بلال:
حياكم الله يا سيدي وبارك بكم، يا سيدي أبو طلحة الأنصاري لما نزل قوله تعالى:

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
[ سورة آل عمران]

والصحابة الكرام كانوا يتعاملون مع القرآن بشعور التلقّي للتنفيذ الفوري، كلّنا نقرأ القرآن ونتعامل مع القرآن لكن ما الشعور الذي نتعامل به مع القرآن؟ البعض يَتعامل مع القرآن بشعور التبرُّك، والقرآن بركة وقراءته بركة، لكن هل هذا الشعور الوحيد الذي ينتابني وأنا أقرأ القرآن؟ لا.
التعامل مع القرآن بشعور التلقّي للتنفيذ الفوري
البعض يتعامل مع القرآن بشعور الإعجاز والبلاغة فقط، هل هو كذلك فقط؟ القرآن هدى قبل كل شيء فكانوا يتعاملون مع القرآن بشعور التلقّي للتنفيذ الفوري، بمعنى أنه يسمع الآية فيُبادر إلى تطبيقها ويُبادر إلى الالتزام بما فيها، فأبو طلحة الأنصاري سمع قوله تعالى:

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
[ سورة آل عمران]

فقال: إن أحبَّ مالي إليَّ بيرُحاء وهو بستانٌ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل إليه فيستظل بظله ويشرب من مائه، بستان جميل جداّ، فقال: يا رسول الله إنَّ أحبَّ مالي إليَّ بيرُحاء وإنني لأرجو بِرَه:

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
[ سورة آل عمران]

فهم الآية مما تحبون فجاء بأحب ماله إليه وهو بيرُحاء، قال: يا رسول الله اجعله لله تعالى ولرسوله، فقالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: بَخْ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، قد قبلنا صدقتك ورددناها إليك فاجعلها في الأقربين، قال فجعلها في ذوي رحمه.

{ كانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بالمَدِينَةِ مَالًا، وَكانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِن مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا ممَّا تُحِبُّونَ}[آل عمران:92] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يقولُ في كِتَابِهِ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا ممَّا تُحِبُّونَ}، وإنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرَحَى، وإنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو برَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا، يا رَسولَ اللهِ، حَيْثُ شِئْتَ، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: بَخْ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ، قدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ فِيهَا، وإنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ }

[رواه مسلم]

ما معنى ذلك أخي الحبيب معنى ذلك إني لأرجو برَّها من ثمرات العطاء البرّ لن تناول البرّ، والبرّ اسمٌ جامعٌ لكل خير، لكل خير إذا أردت الخير في الدنيا وفي الآخرة فانفق مما تحب:

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
[ سورة آل عمران]

وهذه ( مِن ) في اللغة العربية للتبعيض (مِمَّا تُحِبُّونَ) وهذا من واقعية الإسلام، فما قال: حتى تنفقوا ما تحبون لأن الإنسان يحب على يُحافظ على شيء له ولأولاده فقال (مِمَّا)، يعني لم يأمرك الله تعالى بإنفاق كل شيء وإنما أمرك بإنفاق بعضه (مِمَّا تُحِبُّونَ)، ويتسابق الناس في مقدار هذا الإنفاق فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذلكَ مَالٌ رَابِحٌ)، يعني الإنسان أحياناً يُتاجر حتى يُحقق رِبحاً هذا هدف التجارة أن تأتي برأس مال وفي آخر السنة كان مئة أصبح مئةً وعشرين فأنت قد ربحت هذا في مقاييس البشر.
الإيمان أخي الحبيب يَقلب المقاييس وإن لم تنقلب موازيننا فهناك خللٌ في إيماننا أنا أضرب مثلاً؛ السيدة عائشة رضي الله عنها كما في الترمذي في حديثٍ صحيح كان النبي يوزع شاةً:

{ أنهم ذَبَحُوا شاةً فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما بَقِيَ منها؟ قلْتُ: ما بَقِيَ منها إلَّا كَتِفُها، قال: بَقِيَ كلُّها غيرُ كَتِفِها }

[رواه الترمذي]

فيقول صلى الله عليه وسلم مصححاً للمفاهيم بطريقة لم تخطر على بال، قال: (بَقِيَ كلُّها غيرُ كَتِفِها)، إذاً الذي أُعطيه هو الذي يَبقى والذي أُبقيه هو الذي يَفنى.
رُويَ أن أحد السلف الصالح أمسك تفاحةً بيده قال: أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت فأطعمها، أكلتها ذهبت لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:

{ أَتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَهو يَقْرَأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قالَ: يقولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قالَ: وَهلْ لَكَ، يا ابْنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟ }

[رواه مسلم]

الإنسان عندما يتوفَّاه الله تعالى ويُقال: ترك رصيداً في البنك فهذا له؟ ليس له هو لورثته ليس له، لن يبقَى له ولن يدخل معه القبر لكن ما الذي انتفع به من ماله؟ ما أكله فأفناه لبسه فأبلاه وهذه انتهت إن لم يبتغِ بها وجه الله فلا قيمة لها، بقي الجزء الثالث من المال تصدقت فأبقيت، فالذي يدفعه الإنسان هو الذي يبقى، في هذا المفهوم نعتقد أن العطاء في ذاته هو الثمرة لمجرد أن تُعطي فقد حققت الهدف وحققت المَقصِد.
هناك أخي الحبيب أعمال مُجزئةٌ بذاتها وهناك أعمال مُجزئةٌ بغيرها كيف ذلك؟ يعني إذا وجد الإنسان عملاً صعباً جداً يحتاج منه أن يقف سبع ساعات في الشمس وعلى رافعة من أجل أن يبني بناءً لكن أعطوه مبلغاً جيداً لهذا العمل فهو قبِلَ العمل على الرغم من صعوباته ولكن من أجل أجره لأن له أجراً كبيرا فقبله رغم صعوبته، ولكن لو أنَّ إنسان فرضاً يُحب الكتب همُه وشُغله الشاغل في الحياة أن يَقرأ في الكتب فجاءه أحدهم وعيَّنه أمين مكتبة فهذا الرجل وجد نفسه في المكتبة، الآن قبض الراتب في آخر الشهر خمسة أو ستة ليس عنده مشكلة، فهو قد أجزأه العمل بنفسه لأنه جلس في المكان الذي يُحب، العمل مُجزئٌ لذاته لا لغيره، العطاء مُجزئٌ لذاته لمجرد أن تُعطي فقد أبقيت ولمجرد أن تأخذ فقد أفنيت، كيف يقلب الإيمان هذه الموازين العظيمة؟
الحقيقة شيءٌ يُلفت النظر هذا حرام بن ملحان، حرام بن ملحان أعطى لكنه أعطى أعظم عطاءٍ فقدَّم نفسه لله تعالى، لمَّا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم القرّاء السبعين وقتلوهم وكانت فتنةً عظيمةً فجاء من طعنه من خلفه، قال فلما دخل الرمح كما في الصحيحين قال: فُزتُ وربِ الكعبة، الإنسان الذي ينظر إلى حرامٍ وهو يُطعن، بعض الناس قد يقول: مسكين ذهب شاباً لم يأخذ من الدنيا شيئاً لم يستمتع بالدنيا، حرام بن ملحان الرمح يُغرز فيه وهو يقول: فُزتُ وربِ الكعبة لأنه يعتقد أنه قدَّم شيئاً ثميناً فهو حقق الفوز من لحظة دخول الرمح في جسده.
العطاء مُجزئٌ لذاته
فأنت من لحظة تقديمك لمئة فأنت الآن أخذت الثمن قبل كل شيءٍ بمجرد أنك قدّمت، وهذا مفهومٌ قلَّ من ينتبه إليه أن العطاء مُجزئٌ لذاته، تريد أن أُحدثك عن ثمراته ما أعظمها في الدنيا ثقة الناس، محبة الناس، حفظ الله لك ولأولادك، حفظه لصحتك، لا تدري كم يدفع الله عنك من البلاء في الصدقة ، أحياناً إنسانٌ يأتيه طفلٌ عنده مشكلة يُكلفه مليوناً من أجل أن يعالج هذه المشكلة، الله يرزقك بطفلٍ سليمٍ لا عيب فيه لا يحتاج إلى مشفى تأخذه فوراً مباشرةً ولادة ليلة واحدة ثم إلى البيت لا تدري ما الذي يدفعه الله عنك من البلاء بالصدقات التي تُقدمها في الدنيا محبة الناس، وثقة الناس بك، وإقبال الناس عليك، ورزق الله لك وتعويض الله لك القرش بعشرةٍ كما يقال:

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)
[ سورة البقرة]

في الآخرة:

فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)
[ سورة الواقعة]

في الآخرة:

وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69)
[ سورة النساء]

إذا أردتُ أن أحدِّثك عن ثمرات العطاء لا ينتهي المجلس، لكن يكفي أن أقول لك: إنَّ العطاء مُجزئٌ لذاته، مُثمرٌ بذاته فمتى قدّمت فأنت قد حققت وجودك، وحققت إنسانيتك، وحققت إيمانك، وحققت توجُّهك الصحيح إلى الله عز وجل، لأن الله عز وجل إذا أردت رضاه ومحبته فارحم خلقه وأعطِ خلقه، تعالى الله ولله المثل الأعلى ما أسعدُ ما تقدمه لأبٍ يُحب أولاده؟ أن تُكرم أولاده، يعني إذا جئت من سفرٍ وما أتيت له بهديةٍ وهو صديقك الحميم لكن جئت بقطعة حلوى لابنه الصغير سيدخل على قلب الأب من السرور أضعاف ما لو جئت له ربما بحاسبٍ أو آيفون أو غير ذلك.. لأنك أكرمت ولده، ربنا جل جلاله ولله المثل الأعلى يُحب خلقه، خلقهم ليرحمهم:

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)
[ سورة هود]

فإذا مددت يد العون لخلق الله عز وجل وأعطيتهم مما أعطاك الله ووهبتهم ورعيتهم وعلّمتهم وأعطيتهم فإن الله عز وجل يفرح بعطائك ويحبك لأنك خدمت خلقه، فخدمة الخلق من أعظم أبواب البر، ومن أعظم ما يستجلب به العبد محبة الله تعالى:

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
[ سورة آل عمران]

الإحسان مُطلق العطاء والخير والبر
والإحسان مُطلق العطاء، والإحسان مُطلق الخير، والإحسان مُطلق البر، فلذلك ثمرات العطاء أخي الحبيب كثيرةٌ جداً يعرف من ذاق أن أول ما يأخذه من ثمرات العطاء تلك السَكينة التي يقذفها الله تعالى في قلبه فيسعد بها ولو فقد كل شيء ويَشقى الناس بفقدها ولو مَلكوا كل شيء، والسكينة ليست بالمال وليست بالجاه وليست بالمنصب وإنما السكينة تكون بتجلياتٍ من الله عز وجل ربما لا ندرك كنهها، لكننا نستشعرها عندما نشعر برضا الرحمن الرحيم ونشعر بأن هذا العطاء لا يضيع عند الله وأن الله عز وجل قد قبِلَ منا هذا العطاء.
ما الذي يحرص عليه الإنسان حينما يُعطي أخي الحبيب بالمفهوم العام؟ إذا أعطيت إنساناً شيئاً ما الذي تحرص عليه؟ الإنسان العامي لا أتكلم عن المؤمن أو الكافر بشكلٍ عام، تحرص على شيئين أن يعلم أنك أعطيت وأن يُجازيك على عطائك، من أجل ذلك إذا أخذت هديةً إلى إنسانٍ بمناسبة مولود تدخلها وقد وضعت عليها بطاقة صغيرةً: مبارك المولود فلان، حتى لا تختلط بين الهدايا فلا يَعلم الشخص وهذا شيءٌ طبيعيٌّ وفطري فأنا أهديت هديةً أريد للأخ الكريم أن يعلم محبتي له بأنني أهديته، ثم بعض الناس يتخيل أنه في المستقبل إذا رُزقت بمولود أو حققت شهادةً أو كذا يأتي فيعطينا هديةً في المقابل:

{ تهادَوْا تحابُوا }

[ أخرجه البخاري]

يعني ليست الهدية من طرفٍ واحدٍ وإنما من طرفين، يُطمئنك المولى جلَّ جلاله عن الأمرين فيقول:

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ(39)
[ سورة سبأ]

يعني أنا أعلم نفقتك وسأعوضك عنها فلماذا لا نُعطي إذا كان الله يعلم؟ ربنا عز وجل الوحيد لا يحتاج إلى إيصال، الإيصالات للتنظيم، مرةً حدثني شيخنا كان هو دائماً يحتفظ بالإيصالات هو منظم حياته جداً فأيَّ وصل حتى في يوم من الأيام يُسأل فيقول هذا الإيصال فعنده مجلدٌ ينظم به أوراق الإيصالات، قال لي مرةً كنت في الحج فذبحت هديَّاً فأعطوني إيصالاً فهذا الوحيد الذي مزقته فوراً لا أريده لا حاجة لإيصالٍ مع ربنا عز وجل الإنسان يحتفظ بالإيصالات للبشر أما مع الله عز وجل فهو يعلمه وهو يخلفه فإذاً تصدق وأعط وأنفق وأنت مرتاحٌ مطمئنٌ لِما سيعوضك الله به من الخير.

الدكتور رحابي:
رضي الله عنك وعن شيخك، نحن نحبك ونحب شيخك يعني محبتك في قلبنا توازي محبة شيخنا الدكتور راتب النابلسي، لكن أنت ترتقي الآن لتأخذ مكانةً عاليةً في قلوبنا، أسأل الله تعالى أن يزيدك حباً ووداً في قلوب العباد وأن يَعمَّ نفعك مثل الشيخ راتب وأكثر إن شاء الله.
الحقيقة عندي بعض الأسئلة نحن وعدنا الإخوة من عنده سؤال يضعه في التعليقات والبعض وضع أسئلةً يا دكتور بلال.
وأنا أشكر الإخوة المتفاعلين والذين يُلخّصون ويكتبون الدُرر، الكلمات الجميلة والحِكَم خلف الدكتور بلال لأنه بالفعل العِلم صيدٌ والكتابة قيده، فتقييد هذه الجمل والعبارات يستفيد فيها من يأتي إلى اللقاء ويقرأ التعليقات، فجزاكم الله خيراً وأحسن الله إليكم جميعاً.
من الأسئلة: أخي الحبيب الشقيق محمد رحابي مؤسس هذه حياتي ومؤسسة هذه حياتي قدَّمت الكثير جداً جزاهم الله خيراً آلاف ومئات الحالات الإنسانية التي قدّمت وساعدت وانتشرت، انتشر خيرها وعمَّ نفعها في بلدان عديدة جداً ومشاريعها كثيرة جداً، يعني كما ترون الأرقام هنا شيخنا الحبيب لكن نريد أن نجيب أخي الدكتور محمد رحابي أبو قصي يشعر أحياناً هو وإخوانه وأخواته المتطوعون كلهم متطوعون لا يوجد عندهم أجور للعاملين في هذه حياتي كلها لوجه الله سبحانه وتعالى، عطاءٌ بلا حدود بالرغم من هذه الأرقام المُسعدة لقلب من يُتابع، هذه الأرقام التي تدل على العطاء الكبير والتي تدل على الإنجازات الكثيرة التي تقدمها هذه حياتي، ماذا نقول دكتور بلال؟ مثلاً القطاع التنموي ألف مستفيد، مشغل العفة، مركز هذه حياتي للتدريب والتطوير، ورشات الصوف والخياطة والفسيفساء، ودورة صناعة الصابون والعطور الكريمات، وسِلل القش، والحلاقة النسائية، ودورات تدريبية وتعليمة وكذا بازار دكاكين، خمسة آلاف مستفيدٍ من القطاع الطبي كما ذكرنا في بداية الحلقة تقريباً ستين ألف مستفيد من المواد الغذائية، سوق الخير كان له أيضاً أثر وصدى كبيرٌ وواسعٌ جداً، ألفان وخمسمئة مستفيدٍ من قطاع الإيواء، وقرية هذه حياتي، قرية الحياة، ومسجد الحياة، ومدرسة الحياة الآن مازالت قائمةً على قدم وساق والشتاء قادم والمدرسة أيضاً تحتاج إلى دعم لإيواء المتعلمين ماذا تنصح بكلمة شيخنا الحبيب لمحمد رحابي وللمتطوعين العاملين في الإغاثة لمّا يرون أحياناً بأنفسهم العجز من التقديم ما يجب تقديمه والعدد والطلب كبير والحاجة والدمار حولهم ويركضون من هنا إلى هناك يقول ما نصيحتكم لتبقى المعنويات قائمة ويبقى العطاء مستمراً؟

نصيحة للمتطوعين في العمل الخيري:
الدكتور بلال:
نية المؤمن خيرٌ من عمله
حياكم الله سيدي؛ نحن سيدي جميعاً نملك النوايا الطيبة، نحن لا نملك إلا أن ننوي والله تعالى يتكفل بكل شيء، قد قيل "نية المؤمن خيرٌ من عمله" فدائماً المؤمن ينوي أن يطعم ألفاً فيُطعم مئة مثلاً لكن نيته أكبر من عمله دائماً، فمن أجل ذلك لمَّا نجد هذا الفارق بين ما ننويه وما نستطيع تحقيقه، بين ما نطمح إليه وبين ما هو ممكن يصاب الإنسان أحياناً بلحظات الضعف وهذا من طموح الإنسان ومن إيمانه ومن شعوره بالآخرين، لكن في الوقت نفسه ينبغي أن ننظر دائماً إلى ما أنجزنا وإلى ما تبرأ به ذمتنا عند الله تعالى فنحن ما كلّفنا الله تعالى بالقوة المكافئة ولكن كلّفنا بالمُتاحة حتى في الجهاد قال:

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
[ سورة الأنفال]

ويمكن أن نقيس أيضاً وأعطوا ما استطعتم، يعني استنفدوا الوسع فأنا متى استنفدت الوسع فقد أديت ما علي، لا يكفي العباد إلا رب العباد، أنا الواجب عليَّ أن أكون عند حسن ظن الله تعالى بي فأبذل ما أستطيع بأمانةٍ وصدقٍ وإخلاص، وأحقق الذي ينبغي أن أقوم به ويبقى أن الله تعالى عز وجل هو الذي يتكفل بعباده وهو الذي يُطعم ويسقي جلَّ جلاله فنحن كلنا وسائط نؤدي دوراً وسيطاً بين الله وخلقه لكن المُعطي هو الله وله حكمٌ جليلةٌ يُؤخر العطاء حيناً ويكثره حينا لحكمٍ لا نعلمها، إنما نحن يكفي أن نلقى الله عز وجل ونحن على الطريق ثابتون لا غيَّرنا ولا بدَّلنا.
لمَّا رجع الرسول من معركة نهاوند سأله عمر -رضي الله عن عمر- قال له: من استشهد من الناس؟ قال: مات خلقٌ كثيرٌ يا أمير المؤمنين فقال عمر رضي الله عنهم: من هم؟ عددهم لي أريد أن أعرف، فقال الرسول يا أمير المؤمنين لا تعرفهم! فبكى عمر رضي الله عنه، قال: وما ضرَّهم أن لا يعرفهم عمر إذا كان ربُّ عمر يعرفهم، فيكفي أن الله مُطّلعٌ علينا ويكفي أن الله يعلم أننا نعمل وأننا مخلصون فيما نعمل ولا نبتغي إلّا وجه الله الكريم فهذا فقط يكفينا ليُدخل السعادة إلى قلوبنا ثم بعد ذلك ندع الأمر لله إلى فهو جلَّ جلاله المُتكفِّل بخلقه والكافي لهم جل جلاله.

الدكتور رحابي:
جزاك الله خيراً من الإجابة وهذه الكلمات الطيبة التي إن شاء الله ستصل إلى قلوب المتطوعين جميعاً في هذه حياتي وغيرها وتكون لهم بلسماً إن شاء الله.
الأخ محمد عز الدين يقول إذا دخل الخوف لقلب أحدٍ ما بأن العطاء والعمل الذي يعمله غير مقبول أو النية ليست خالصةً لوجه الله فما الحل؟

الضوابط التي تدل على أن عملي لا يوجد فيه رياء:
الدكتور بلال:
والله يا سيدي الجواب ما قاله بعض السلف الصالح "ترك العمل خوفاً من الرياء رياء"، يعني نحن لا ننظر إلى الناس -لا ننظر إليهم أقصد بمعنى أننا نراقبهم في أعمالنا- أحياناً الإنسان يسيطر عليه الخوف من أن يكون عمله غير خالصٍ لوجه الله الكريم وهذا خوفٌ محمود، ولكن لمّا يسيطر عليه كثيراً فكأنه أصبح همه الناس فلما ترك العمل خوفاً من أن يراه الناس فهذا بحد ذاته رياءً لأنه يراقب الناس في ذلك، أقول: هناك شعرةٌ فاصلة بين الرياء الحقيقي وبين الخوف من الرياء دون ما يكون موجباً له.
الإنسان يعمل لوجه الله تعالى
الأصل أنَّ الإنسان يعمل لوجه الله تعالى لا يبتغي بذلك حمداً ولا جزاءً ولا شكوراً ولكن حينما يأتيه الحمد من الخلق، أو المدح من الخلق، أو الشكر من الخلق، أو الجزاء من الخلق فإنه يدخل إلى قلبه السرور، نحن بشرٌ في النهاية أخي محمد نحن لسنا ملائكة تمشي على الأرض نحن بشرٌ من لحمٍ ودم، اليوم في محاضرتك الطيبة لمّا قلت لي: جزاك الله خيراً وشكراً، أدخلت السرور إلى قلبي، هل تظن أني لا أُسرّ بكلمةٍ طيبةٍ من أخٍ حبيب أُسرّ، وأنت أخي الحبيب الذي تعمل في الأعمال التطوعية ما دمت في الأصل قد اتجهت إلى هذا العمل ابتغاء وجه الله فمهما يأتك بعدها من الخواطر فتقول: أنا سُررت لأنهم مدحوني، أنا سُررت لأنه تصورنا هذا وضعٌ طبيعي أخي الحبيب نحن بشرٌ جميعاً نسعد بثناء الناس وننزعج من ذمهم، لكن الضابط في الموضوع الذي يُريحنا من هذه المسألة بِكليتها هما شيئان الأمر الأول: إذا كنت أمام الناس أو أمام المُصورة ( الكاميرا ) أو أمام جمهورٍ من الخلق تعمل فإذا لم يركَ أحدٌ تترك العمل!! هنا أقول لك: هذا رياء انتبه، المعيار الثاني: يمدحك الناس فتعمل فلو ترك الناس مدحك هل تترك العمل؟ تقول لا والله أنا أعمل إذا مدحوا أُسرُّ وإذا لم يمدحوا أعمل إذاً أنت ليس عندك رياء، هذان الضابطان الإنسان يقيس نفسه:

بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)
[ سورة القيامة]

أنا عندما أعمل هذا العمل هل أعمله ولو لم يشاهدني أحد أم أتركه؟ ثم إذا مدحني الناس أزيد في العمل؟ إذا ذمَّني الناس أو لنفترض لم يعد هناك تصويرٌ ولم يعد هناك مدحٌ من أحد والناس بالعكس أعطيت فربما أحدهم ذمَّني على عطائي لماذا تعطي، فهل أترك العطاء لذمٍ أو مدحٍ أم أستمر فيه على جميع الأحوال، هذان الضابطان هما مما يُريح في قضية الرياء، والله أعلم.

الدكتور رحابي:
الدكتور عبد الفتاح السمان يُهديك التحايا والسلام؛ ويقول: ليت حياتي هذه حياتي، هو من الداعمين لهذه حياتي صراحةً ومن أمثالكم الكرام يُلبي دائماً الطلب ويَدعم بكل ما يستطيع فجزاه الله خير الجزاء.
هناك سؤالٌ وبالفعل وهذا أيضاً حاجةٌ مُلّحة الآن والإخوة في هذه حياتي كلهم يهدونك السلام شيخنا الحبيب ويشكرونك على هذا الجهد الطيب وهذا الدعم الكبير، يقولون الشتاء قادم وعندهم أيضاً حاجةٌ ماسةٌ للتعليم، هناك جيلٌ قادمٌ جيلٌ جديدٌ فقد كثيراً من فرص التعليم وهذه حياتي يُطلب منها كثيراً دعم مشاريع تعليمية ودعم طلاب جامعيين وتأهيلهم ومساعدتهم، والشتاء قادم وقرية الحياة قائمةٌ على قدمٍ وساقٍ في البناء وإيواء الناس تقول الأخت في التعليقات كيف نحثُ الناس ونشجعهم على العطاء وعلى البذل وعلى تقديم ما يجب تقديمه لإسعاف هؤلاء الناس وقضاء حاجاتهم.

حثُ الناس على العطاء والبذل:
الدكتور بلال:
غير المؤمن يريد العاجل
أخي الحبيب باختصار الناس لا يعملون بدون مقابل؛ لا يوجد أحد يقدم من غير مقابل من يقول لك قدمت من غير مقابل فكلامه غير صحيح، لكن هناك من يقدم بمقابلٍ دنيوي وهناك من ينتظر مقابلاً أخروياً، فبطولتنا عندما نحثُ الناس على العطاء والخير أن نُبين لهم ما ينتظرهم من عطاء الله تعالى هذه طبيعة النفس، الإنسان عندما يُتاجر عندما يشتري ويبيع يدفع ويأخذ هذه طبيعة الحياة، ما فرق المؤمن عن غير المؤمن؟ أن غير المؤمن يريد العاجل، ماذا ستعطيني بالمقابل فوراً يسألك أنت ماذا لديك؟ فنحن مهمتنا أن نُذكّر الناس بما ينتظرهم أن نُذكّرهم بموعود الله هذه واحدة، الأمر الثاني هو الثقة أن نبني الثقة وأنتم مجموعةٌ طيبةٌ مباركةٌ ثقةٌ إن شاء الله، لكن أن نبني الثقة دائماً فإذا قدّم ديناراً أن يرى أثره وأن يرسل له تقريرٌ يُثبت أن ما قدمه قد وُضِعَ في هذا المكان، كفلت طالباً هذا اسمه وهذه سيرته وهذا تعليمه وهذا التصوير.. طبعاً أقصد بالتصوير عندما لا يكون هناك كسر لقلوب الفقراء لا أننا أعطينا الفقير وصورناه وهو يأخذ، أقصد المشاريع بشكل عام التعليم وكذا وضعت هنا هذه الإيصالات هذه الأمور.
فالناس يحتاجوا إلى شيئين أن يستذكروا موعود الله لهم لأن الإنسان يغيب عنه الآجل دائماً، معظم الناس يعيشون لحظتهم أخي الحبيب اليوم المجتمع ماديٌّ بحت فرضته وسائل الإعلام والتواصل الحديثة أن الإنسان ينتظر الشيء العاجل، لا ينظر إلى البعيد، فيجب دائماً أن نعزز قضية الإيمان بالغيب في نفوس المُعطين وفي نفوس الناس جميعاً بأنك لا تُعطي مجّاناً وإنما تعطي شيئاً سيقابله سكينةٌ وسرورٌ في الدنيا وحمايةٌ وحفظٌ من الله وسيقابله عطاءٌ أعظم بكثير يوم القيامة، ثم أن نبني معهم جسور الثقة من خلال الوضوح في كل تعاملاتنا وأن يكون كل شيءٍ فوق الطاولة.

الخاتمة:
الدكتور رحابي:
جزاك الله خيراً وأحسن الله إليك؛ ما شاء الله، لا أريد أن أشقَّ عليك أكثر من ذلك لكن إن شاء الله ما قدَّمته لنا من إجابات لهذه الأسئلة لعلها تُغني عن الأسئلة الأُخرى التي تأتي في نفس المعنى وفي نفس المجال.
دكتور بلال لا يوجد عندي كلماتٌ أشكرك فيها صراحة وتليق بمقامك الكريم، أرجو الله تعالى أن يكافئك عنا وأن يشكرك وأن يُعلي قدرك وأن يزيدك مودةً ومحبةً في قلوب عباده وأن يفتح عليك فتوح العارفين ونتمنى لك الخير، أنا أحبك ونحن نفخَر بك ونتعلّم منك دائماً عن بعدٍ وعن قربٍ وأنت من خيرة من أحببناه ومن نتعلّم منه دائماً نرجو الله تعالى أن يجمعنا.

الدكتور بلال:
أكرمك الله يا سيدي وجعلني الله أهلاً لمحبتكم.

الدكتور رحابي:
الله يحفظكم ويسلمكم؛ إن شاء الله نختم كما بدأنا اللقاء بدقيقة أو دقيقتين كذلك نختتم مع فضيلتك إن شاء الله بفيديو من هذه حياتي وبارك الله بكم جميعاً.
جزاك الله خيراً يا دكتور بلال أكرمك الله وأسعد الله أوقاتك ونلقاكم على خيرٍ بإذن الله في مراتٍ قادمةٍ إن شاء الله.

الدكتور بلال:
وأنتم بخيرٍ دائماً يا سيدي حياكم الله.

الدكتور رحابي:
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الدكتور بلال:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.