كل إنسانٍ محاسبٌ على عمله

  • اللقاء الثاني من تفسير سورة الزمر - شرح الآيات 6-8
  • 2022-01-01

كل إنسانٍ محاسبٌ على عمله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا رب العالمين، وبعد.


الفرق بين خلق وجعل:
سورة الزمَر موضوعها العام هو التوحيد
مع اللقاء الثاني من لقاءات سورة الزمَر، هذه السورة المكية ذات الخمسة والسبعين آية، والتي بدأنا الحديث عنها في اللقاء السابق، واليوم نحن مع الآية السادسة من هذه السورة وقد أسلفنا سابقاً أن سورة الزمَر موضوعها العام هو التوحيد.
الإمام الشاطبي رحمه الله يقول في الموافقات: إن السورة الواحدة مهما تشعبت موضوعاتها فهي تعود في المحصلة إلى موضوع واحد، الوحدة الموضوعية، كل سورة لها موضوع، لكن فيها مشاهد، قصص، وجنة ونار، آيات كونية، آيات أحكام، لكن كل هذه المشاهد تعود في المحصلة إلى موضوع واحد للسورة.
فسورة الزمر للتوحيد، لإثبات الوحدانية لله تعالى، كل الآيات فيها بطريقة أو بأخرى ترجع إلى هذا الموضوع، الآن الآية السادسة، يقول تعالى:

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)
[ سورة الزمر]

(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) خلقكم أيها البشر، يخاطب الناس (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) آدم عليه السلام، نحن كلنا أولاد آدم، الخلق كله جاء من نفس واحدة في الأصل.
(ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) في القرآن؛ عندنا خلق، وعندنا جعل، خلق وجعل.

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)
[ سورة الروم]

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)
[ سورة النساء]

هذه ليس فيها جعل، لكن كثيراً من الآيات خلق، وجعل (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) وفي آية أخرى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96)
[ سورة مريم]

سيجعل، الجعل غالباً يأتي بعد الخلق، الخلق من عدم، ثم يجعل، يخلق ويجعل، فهنا (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فهذا الفرق بين الخلق والجعل.
طبعاً دائماً نقول في القواعد اللغوية: القاعدة أغلبية، غالب استخدام القرآن، لكن قد يستخدم الإنسان في حياته الجعل خلقاً، فيقول: جعلني الله كذا، أي خلقني ابتداءً لكن نتحدث عن الأغلبية في القرآن الكريم، خلق ثم جعل، يخلق ثم يجعل جلّ جلاله.

نظام الزوجية:
(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) هذا نظام الزوجية.

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)
[ سورة الذاريات ]

ولما أمر الله نوحاً عليه السلام أن يبني، أو ينشئ السفينة، قال له:

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
[ سورة هود ]

نظام الزوجية يؤهل لاستمرار الحياة
نظام الزوجية هو الذي يؤهل لاستمرار الحياة، لو لم يكن الخلق من زوج، من ذكر وأنثى لما كان هناك استمرار في الحياة، فنظام الزوجية يقتضي أن يكون هناك ذكر وأنثى وإلا لأبيدت الحياة (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)، لو حملت الذكر فقط أوقفت الحياة، ولو حملت الأنثى فقط أوقفت الحياة، لأنه سيكون هناك طوفان يدمر كل شيء.
هذا نظام الزوجية التي خلق الله عليه الأكوان، كل شيء حتى الكهرباء من نظام الزوجين، حتى الذرة، كل شيء جعل الله منه زوجين اثنين، فيسكن زوج إلى زوج فيؤدي الغاية التي خلق من أجلها.
الله تعالى خلق الذكر وخلق الأنثى في عالم البشرية ليسكن إليها، ولتسكن إليه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) فلا تحصل السكنى إلا بنظام الزوجية، بغير نظام الزوجية يكون التنافر، ذكر وذكر تنافر، أنثى وأنثى تنافر، فالذكر يحتاج للأنثى، وهي تحتاج له، هو يحتاج لها ليكمل نقصه بها، وهي تحتاج له لتكمل نقصها به، ما يحدث اليوم في العالم من محاولة تغيير نظام الزوجية عبث، ونتيجته إلى عبث، وإلى دمار.
قوم لوط عليه السلام، لما أرادوا أن يغيروا نظام الزوجية وجعلوا التزاوج ليس بين ذكر وأنثى دمرهم الله، وجعل عاليها سافلها، لأن العبث بنظام الزوجية عبث بالفطرة وليس بالشرع، الزنا عبث بالشرع، وضياع للأنساب، لكن والعياذ بالله الشذوذ عبث بالفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) هذا القانون الإلهي، القانون الإلهي أن الرجل يتزوج المرأة فيسكن إليها وتسكن إليه، ويكون استمرار النسل والحياة، لكن ليس في نظام الزوجية خلاف ذلك.
(ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) تتمة الكلام (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) فما علاقة هذه الجملة المعترضة (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) إن صح تسميتها معترضة؟ علاقتها أنه لما ذكر نظام الزوجية أراد أن يبين لك أن كل المخلوقات تسير وفق هذا النظام، فإياك أن تعبث به، قال: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) ثمانية أزواج التي هي الضأن، والإبل، والبقر، والماعز، فهذه أربعة ولها إناث فأصبحت (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) كل واحد منها يسمى زوجاً، في اللغة العربية الزوج يطلق على الاثنين، ويطلق على الواحد، فأنا زوج، وزوجتي زوج، فأصبحنا زوجين، فهنا ثمانية أزواج كل واحد اسمه زوج، لأن له زوجاً، فالإبل، البقر، الضأن، المعز(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) هذه الجملة جاءت هنا للدلالة على نظام الزوجية وتأكيده.

على الإنسان أن يؤدي حق الله لأنه سخر له كل شيء:
(وَأَنْزَلَ) هل أنزل من الأعلى إلى الأسفل؟ لا، نقول أحياناً: نزلت على حكم فلان، نزل القوم على حكم فلان، أي خضعوا له، وذُللوا له، فليس معنى النزول دائماً هو الانتقال من الأعلى إلى الأسفل، ومثلها:

وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)
[ سورة الحديد]

وإن كانت هناك أبحاث علمية تشير إلى أن أصل الحديد إنزال من النيازك والشهب، هذا بحث علمي يمكن أن يشير إلى كلمة وأنزلنا، لكن عموماً الإنزال ليس بالضرورة أن يكون شيئاً انتقل من الأعلى إلى الأسفل، وإنما عندما يكون هناك تسخير فيقال: أنزل، نزل القوم على حكم فلان؛ خضعوا له ولحكمه.
خُلِقت الأنعام من أجل الإنسان
(وَأَنْزَلَ لَكُمْ) بمعنى سخرها لكم، ولكم؛ إشارة إلى أن هذه الأنعام خلقت من أجلك، نعم هي تتزاوج وتعيش، وترضع وليدها، وإلى آخره، ولكن الحليب الذي في البقرة لك وليس لوليدها، وليدها يحتاج جزءاً يسيراً منه، واللحم لك، هي تعيش لكن بالنهاية لتذبحها وتأكلها فهذه مسخرة لك، فلما أنزلها لك جلّ جلاله إن أديت حق الله تعالى فيها، وأكلتها بالحلال، ومن مال حلال، ورعيت حق الله في هذه الأنعام فأنت خير منها، بلا شك، لأنها مسخرة لك، لكن عندما تقوم هي بدورها، ولا يقوم الإنسان بدوره:

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)
[ سورة الفرقان]

يكون أضلّ سبيلاً من النعم التي سخرت له، هي مسخرة لك لتقوم بحق الله تعالى فيها، هذا الكرسي مسخر لي، أنا أجلس عليه، ولا يجلس هو عليّ، هو أدى دوره، لما أؤدي دوري في جلوسي عليه فأنا خير منه، لكن عندما لا أؤدي دوري يصبح الكرسي خيراً مني، لأنه قام بمهمته، ولم أقم بمهمتي.
إذاً: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) هذه مسخرة، فكن خيراً منها عندما تؤدي حق الله تعالى فيها.

خلق الإنسان يشير إلى ربوبية الله تعالى:
قال: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) متابعة الحديث عن الخلق (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) نطفة، علقة.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
[سورة الحج]

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)
[ سورة المؤمنون]

إنسان كامل (خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) وهنا إشارة إلى أن كله يسمى خلقاً، أي من اللحظة الأولى يسمى خلقاً، ومثله قوله تعالى يخاطب النساء المطلقات:

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
[ سورة البقرة]

والمرأة عندما يخلق في رحمها، وتكون قد طلقت قبل يومين يكون مجرد نطفة أو علقة في أحسن الأحوال، فسماه أيضاً خلقاً، وهذا ما دفع المالكية، مذهب المالكية إلى حرمة الإجهاض، إذ من اللحظة الأولى يتخلق الجنين لأنهم يسمونه مخلقاً من اللحظة الأولى، فأنت عندما تنزله تنزل خلقاً من خلق الله، ولو كان نطفة، وهذا مذهب المالكية.
فقال: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) النطفة خلق، العلقة تعلق بجدار الرحم لأنها لا تستطيع أن تأخذ غذاءها بنفسها، فتعلق بشيء آخر، ثم المضغة، التي هي مخلقة وغير مخلقة، يتم التمايز فيما بعد، كل خلية تأخذ مجالاً، خلايا بشكل اليد، خلايا بشكل القدم، خلايا بشكل الدورة الدموية، إلى آخره، يتشكل الهيكل العظمي، تكسى العظام باللحم (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) إذاً (خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) يشير لك إلى ربوبيته جلّ جلاله.
(فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) ظلمة البطن، ظلمة الرحم، ظلمة المشيمة، الكيس، هي ظلمات ثلاث.

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)
[ سورة فاطر]

يحدثك الخالق جلّ جلاله عن الخلق، يقول لك: (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ).

تعظيم الله والتوجه إليه لأنه مالك كل شيء:
الله تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) ذا؛ اسم الإشارة للإشارة إلى الله، اللام لام البعد، الكاف كاف الخطاب، (ذَلِكُمُ) والميم للجمع، فهو: اسم الإشارة ذا، اللام للبعد، الله تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، لكن هنا البعد المعنوي، البعد التعظيمي، أين المخلوق من الخالق؟! (ذَلِكُمُ اللَّهُ) والكاف ليخاطبنا، الكاف والميم لخطاب المجموع من أجل أن يتوجه الخطاب إليك فتلتفت إليه، قال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ربكم؛ هذه هي الربوبية، الله هو الجامع لكل الأسماء الحسنى (ذَلِكُمُ اللَّهُ).
الآن التفصيل؛ انظروا الآن (رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أربعة أمور، (رَبُّكُمْ)؛ الربوبية (لَهُ الْمُلْكُ)؛ من الربوبية، الملك جزء من الربوبية، قلت لكم سابقاً: إن الربوبية هي كل ما يأتيك من الله تعالى خلقاً، خلقك لأنه الرب جلّ جلاله، رزقك فهو الرب، يملك كل شيء لأنه الرب جلّ جلاله (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ)
الآن (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ترجمتها لا إله إلا الله - إن صح التعبير - لا معبود بحق إلا الله، أي لا نتوجه إلا إليه، لا نعلق الآمال إلا عليه، لا ندعو إلا الله، لا نرجو إلا الله، لا نحب الحب الخالص إلا لله (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أيضاً من الألوهية، أي إذا علمت أنه جل جلاله هو الرب والمالك، فلماذا تتجه إلى غيره؟ عطشان وتحتاج شربة ماء، وسبيل الماء هنا، وأنت متجه بالعكس، يقول لك: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) إلى أين أنت ذاهب؟ الماء هنا، وأنت عطشان.
كل شيء بيد الله عز وجل
فهو المالك كل شيء يملكه جلّ جلاله، يملكك، ويملك أجهزتك، ويملك الكلية، ويملك الكبد، ويملك كل شيء في داخلك، ويملك الملك جلّ جلاله مالك الملك، وكل شيء يُملّك يملكه جل جلاله، كل شيء بيده، مديرك بالعمل بيده، وطعامك بيده ورزقك بيده، وشرابك بيده، ولمعة شريانك التاجي بيده، قد تضيق فيكون هناك جُلطة، كل شيء بيده، له الملك، فمن العجيب جداً أن تنصرف إلى غيره (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) الصرف؛ هو الترك، تركت الله وتوجهت إلى غيره، وهو مالك الملك جل جلاله.
تخيل إنساناً في مجلس إنسان له كل هذا المكان، يملكه بكل ما فيه، وهناك شخص موظف حارس على الباب، وقد يكون الحارس خيراً ممن ملك البيت، نتحدث عن مستويات اجتماعية، أنت جئت إلى الحارس تطلب منه فهو لا يملك شيئاً، هو يأخذ راتبه من صاحب المكان، إذا أردت أن تطلب فاطلب من صاحب المكان، هذا مختصر، تجد من الجهل المطبق أن تتذلل إلى شخص لا يملك، يقول لك: أنا ليس بيدي شيء، أنا أمري ليس بيدي فماذا أعطيك؟ هذا المثال قسه على الخالق جل جلاله، أي شيء تنصرف إليه وتترك الخالق جل جلاله فقد ظلمت نفسك، لأنك حرمتها الخير، لأنك ذهبت إلى الجهة التي لا تملك أن تعطيك شيئاً، ولو توهمت أن بيدها ملكاً، لكن الملك لله خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، أما الأشخاص فيملكون ملكاً زائلاً.

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً (3)
[ سورة الفرقان]

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
[ سورة الزمر]

هنا انصرفوا (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)، (إِنْ تَكْفُرُوا) كأن هنا سائلاً يسأل: لماذا يقول لنا الله تعالى (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)؟ هو يريدنا، قال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) هو يريدك محبة بك، لا يريدك أن تنصرف عنه من أجلك، انتبه، حتى لا تظن (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) فيقول قائل: لماذا يريدنا أن نتجه إليه؟ لأن بعض البشر لحاجة في أنفسهم يريدون الناس أن تتوجه إليهم، وينزعج جداً إن طلبت من غيره، مثلاً يقول لك: أنا هنا مدير الشركة لماذا ذهبت إلى فلان؟ كبراً مثلاً، يريد كل الناس عنده كروتين، يسمونها مثلاً: مركزية، أو أنه يريد حاجة منك، فيريد أن تلجأ إليه حتى يطلب هو منك مثلاً.
الخالق جل جلاله عندما قال لك: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) من أجلك لا من أجله، فقال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) هو الغني جلّ جلاله.

{ عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله: عن أبي ذَرّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: - فيما روى عن الله تبارك وتعالى - أنه قال: ' يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا، يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم، يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه، فاستكْسُوني أكْسُكُمْ، يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي، إنَّكم لن تبلغُوا ضَرِّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، [ كانوا ] على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ }

[أخرجه مسلم والترمذي ]

عطائي كلام، ومنعي كلام جل جلاله.

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
[ سورة البقرة]

فهو غني عنا، لكنه يريدنا من أجلنا.

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)
[ سورة النساء]

من أجلك أنت لا من أجله هو (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ).

الله تعالى غني عنا لكنه خلقنا ليرحمنا:
قلنا سابقاً: الكفر هو الغطاء.

الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101)
[ سورة الكهف]

الله عز وجل خلقك ليرحمك
(وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) انظر كيف يجيبك القرآن على أسئلتك قبل أن تسألها، عندما قال: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) كأن متوهماً توهم أن الله يريد عباده أن يؤمنوا به من أجله، فقال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) فلما قال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) قد يتوهم متوهم أن الكفر والإيمان عند الله سواء، أي لا يوجد مشكلة، لا، ليسوا سواءً، قال: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) هو غني عنك لكن لا يرضاه لك لأنه يحبك، لأنه خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض، لأنه خلقك ليرحمك.

إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)
[ سورة هود]

فهو لا يرضى لعباده الكفر، إذاً هناك شيء يريده الله ولا يرضاه، وهناك شيء يريده الله تعالى ويرضاه، فهو أراد إيمان أبي بكر ورضيه، وأراد كفر أبي لهب ولم يرضه له، إذاً الإرادة الإلهية مفهومها الحقيقي لما نقول الله تعالى أراد هذا الشيء بمعنى أن الله عز وجل سمح بوقوعه، أراده، لأنه لا يقع في ملك الله شيء لا يريده الله، مدير شركة لا يرضى أن يحدث في شركته شيء لا يريده، مبدئياً لا يريده، بغض النظر يرضاه أو لا يرضاه.

الشكر علامة الإيمان:
كل شيء يقع في ملك الله يقع بإرادة الله
الآن ربنا عز وجل: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) فالشكر يريده ويرضاه، والكفر يريده ولا يرضاه، بمعنى آخر ربنا جلّ جلاله له إرادتان، إرادة كونية، وإرادة شرعية، كل ما يقع وفق رضاه فهي الإرادة الشرعية، وكل ما يقع في الكون مما يرضاه أو لا يرضاه فهو ضمن الإرادة الكونية، فلما يقتل القاتل يقتل بإرادة الله الكونية، ولما يحسن المحسن يحسن بإرادة الله الشرعية، لكن كله ضمن إرادته، فهو يريد جل جلاله من صفاته العليا الإرادة، هو الذي يريد جلّ جلاله، العبد يندفع ويكسب، لكن الله تعالى يخلق الفعل ويريده:

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286)
[ سورة البقرة]

فالعبد يكسب السيئة، ويكسب الخطيئة، فهو مخير فيها، لكنه يكسب ويكتسب بخلق الله تعالى لفعله، وبإرادة الله تعالى لفعله، فلا يعقل أن يحدث شيء في ملك الله لا يريده الله، فهو لا يقع بملكه شيء لا يريده حاشاه جل جلاله، كل شيء يقع في ملك الله يقع بإرادة الله إما الكونية، أو الشرعية، لكنه بإرادته.
نحن في دنيانا، حتى أوضح المثل فقط، لأنه عندما يكون الحديث عن الخالق يكون ضرب المثل صعباً جداً، الأمثال لا تنطبق مئة بالمئة، لكن هي فقط للتوضيح انتبهوا:
أحياناً عندي مكان راقبته بالكاميرات، وأنا جالس في بيتي، دخل السارق، أو أنا جالس بالسيارة قريب من المكان وفتحت الهاتف، وراقبت المكان، دخل السارق إلى البيت أستطيع فوراً أن أنهض وأمنعه أن يسرق، الآن أردت له أن يسرق، تركته، دخل، أنا أنظر له نصف ساعة حاول بالخزنة ولم تنفتح، أحضر مثقبًاً، ثقب الخزنة، أخرج المال، أنا أراقبه، ما يحدث الآن بإرادتي، لكن هل يحدث برضائي؟ أبداً، واضحة؟ ما يحدث يحدث بإرادتي لكنني لا أرضى، أن يسرق بيتي لا أرضى عن ذلك، لكن هو يحقق اختياره الآن.
الآن تعالى الله، الله له المثل الأعلى جلّ جلاله، كل ما يحدث في الكون يحدث بإرادته لأن الإنسان مخير فيترك له الاختيار، أن يفعل ما يشاء ضمن مشيئة الله.

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)
[ سورة الإنسان ]

لكن عندما يوقع حركته وفق منهج الله فهذه إرادة شرعية، وعندما يوقعها خارج منهج الله فهذه إرادة كونية، أراد ولم يرضَ، ولم يأمر، وهناك أراد ورضي وأمر.
الشكر علامة الإيمان
فهذه الآية من أعمق الآيات في العقيدة، والتي تفسر كثيراً من الأسئلة التي تدور في الأذهان: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) لا يريد الله منك شيئاً، لكن ليس الكفر والإيمان عنده سواء: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) أي يريده ويرضاه لكم، هنا الشكر جاء مقابلة للكفر، ما قال: وإن تؤمنوا يرضه لكم، قال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا) كثيراً ما يأتي الشكر مقابل الكفر، قال تعالى:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)
[ سورة إبراهيم]

وقال تعالى:

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)
[ سورة النحل]

أي الشكر علامة الإيمان، الذي يشكر هذه علامة إيمان، لأنه مقر، الشاكر مقر بأن هذه النعمة من الله، هذا هو الإيمان، ويتوجه إلى الله بالشكر فحقق الربوبية والألوهية فهو مؤمن، الشاكر حقق مفهوم الربوبية، ومفهوم الألوهية، فلما شكر الله على نعمه هو مقر بأن هذه النعمة من الله، ولما شكر أحسن التوجه إلى الله فهو مؤمن.
فلذلك يأتي الشكر مقابل الكفر، انتبهوا، عدم شكر النعمة والعياذ بالله كفر، ليس الكفر الاصطلاحي الذي يخرج من الملة، إذا كان الإنسان مؤمناً لا يخرج من الملة لأنه لم يشكر نعمة مثلاً، لكن الله وضع الكفر مقابل الشكر (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ).

الابتعاد عن تحميل الإنسان أوزار إنسان آخر:
(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والله يا أخوان هذه القاعدة يجب أن تكتب بماء الذهب وأن يعلقها كل منا في ذهنه، لأن هذه القاعدة يتفرع عنها مئات الأمور في حياتنا اليومية، كم من الناس يحملون أوزار الآخرين؟! الوزر في الأصل هو الثقل.

وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)
[ سورة الشرح ]

لا يوجد في الإسلام عقوبة جماعية
ما أثقلك! الثقل؛ ثم أطلق الوزر على ما يتبع الثقل من الإثم، فيقال: فلان حمل وزراً أي إثماً، لأن الإثم ثقيل عليه حساب، فالثقل وما يتبعه من الإثم يسمى وزراً (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) لا يوجد بالإسلام عقوبة جماعية، تقول لي: المدرس دخل إلى الصف، فصاح أحد الطلاب فعاقب هذا المدرس الصف كله، هذا ما وعى قول الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) إذا كنت لا تستطيع أن تكشف المسيء فدعه لوقت آخر حتى تكشفه، لكن الصف كله يعاقب، وكله يكتب النص خمس مرات لأن واحداً أخطأ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
فتاة صالحة، محجبة، أبوها شخص سيئ، لا أحد يخطبها، لماذا؟ لأن والدها سيئ، قد يكون هذا الموقف شخصياً، مسموح، يقول لك إنسان: والله لا أريد هذه العائلة، لكن أن يحمّل المجتمع البنت وزر أبيها، وهي صالحة ومحجبة، لماذا؟
بالمناسبة هذا الحديث: إياكم وخضراء الدمن، المرأة الصالحة في منبت السوء، لا يصح، ليس له أصل أبداً كما يستشهد به البعض، أو هناك من يقول: إذا إنسان زنى، سوف يزنى بأهل بيته، معاذ الله، لماذا يزنى بأهل بيته؟ إذا كانت زوجته صالحة، ومؤمنة، وتقية، وهو فاجر ذهب وزنى! معاذ الله (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) لا تحمل أحداً جريرة أحد، لا تقل: هذا فلان كان جده يعمل بالربا، هو الآن يعمل بالربا أم يعمل بالحلال؟ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) كثيراً في حياتنا ما نحمل آثام إنسان لا يفعل شيئاً آثام شخص آخر لأنه لصيق به، اللصوق لا علاقة له به، أحياناً أنت تحمل وزر صديقك لأنك تمشي معه دائماً، وهو سيئ، لك أن تتركه ولم تتركه، فأنت جعلت للناس عليك حجة أن يحملوك وزره، لكن أحياناً الإنسان لا يملك هذا، هو ابن فلان، جده كان فلاناً، هو يعيش في هذا المكان، هو يعمل في هذا المكان، شيء خارج عن إرادته فإياك أن تحمل إنساناً وزر إنسان آخر (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) نفس مثقلة بالآثام لا تحمل أثقالاً أخرى، كل إنسان يحمل إثمه وحده.

الله تعالى يعلم السر وأخفى فينبئ كل إنسان بما عمل:
(ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) كفر من كفر، وشكر من شكر، وفي نهاية المطاف المرجع والمآل سيكون إلى الله تعالى (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) طبعاً نحن نعلم ما كنا نعمله.
الله جلّ جلاله يعلم السر وأخفى
في الدنيا يعلم الإنسان لكن ينبئه الله بما كان يعمله بمعنى أنه يثيبه عليه، ويعاقبه عليه، أحياناً طالب كل العام الدراسي كان مقصراً، لم يداوم كما يجب، لم يكتب الواجبات، لم يقدم الامتحان جيداً، هذه أعماله، لكن عندما تصدر النتيجة نقول: نبأت الإدارة الطالب بما عمل، أي جاء وقت العقاب والثواب (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ذات الصدور إشارة إلى القلوب وهي نفس الإنسان التي بين جنبيه، هو يعلم جلّ جلاله السر وأخفى.

وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)
[ سورة طه]

وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)
[ سورة الزمر]

فتح الشاشة على ما لا يرضي الله، إلى آخره، الآن عندما يقولون: مطب هوائي، الكل يقول: يا رب، وإذا كان هناك شخص ملحد يقول: يا رب، من غير أن يشعر الإنسان، متى تظهر فطرته؟ عند الشدة.
لذلك (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ) منيباً؛ أي راجعاً إليه، العودة (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ).

طبيعة النفس في الرخاء تنسى وفي الشدة تجأر إلى الله بالدعاء:
(ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ) إذا خوله؛ أي أعطاه (خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) هنا ما جاءت بمعنى من، (نَسِيَ مَا كَانَ) أي من كان يدعو الله تعالى، لكن استخدم ما للدلالة على التهويل والتفخيم، ما تدل على تعظيم الشيء، من يدعو إليه، أي نسي الله، أنت قبل قليل كنت تجأر إلى الله بالدعاء: يا رب نجنا، ويا رب، ويا رب، بالبحر.

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً (67)
[ سورة الإسراء]

فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)
[ سورة العنكبوت]

فطبيعة النفس أنها في حالة الرخاء تنسى، في حالة الشدة تجأر إلى الله بالدعاء فينبهنا الله إلى هذا المعنى (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).

توجيه الشكر والنعمة لله عز وجل دائماً:
(وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً) هو الشريك المماثل، فلان ند فلان، يماثله في أشياء فهو نده، أنت لك أنداد، رفاقك معك بالمدرسة أندادك، بالعمل الموظفون أنداد، المدير ليس نداً، وهكذا.
لا تنسب النجاح لنفسك والفشل لخالقك
(وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً) أي شركاء فيما خلق، لما جاءت النعمة هو كان مريضاً، يا رب اشفنِي، يا رب اشفنيِ، جاء الشفاء، الحمد لله الله شفاك، يقول: الطبيب ممتاز، دلوني عليه، قال لي شخص: هذا الدكتور خمس نجوم، فعلاً ذهبت لعنده من أول دواء شفيت فوراً!! (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً) يا رب ترزقني مالاً، جاءه مال، يا أخي! التجارة شطارة، يقول: يجب أن يعرف الشخص من أين تؤكل الكتف (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً) هذه طبيعة الإنسان، الآن يوجد طبيعة أسوأ أيضاً من ذلك، أنه في حالة النجاح ينسب النجاح إلى نفسه، في حالة الفشل يقول لك: من الله، ماذا نفعل؟ كله بيد الله، عندما ينجح يقول له: أنا تعبت، أنا بنيت، لأننا عملنا بشكل صحيح، عملنا تمويلاً صحيحاً، وتسويقاً صحيحاً، إلى آخره، عندما يفشل يقول لك: يا أخي هكذا أراد ربك، هو على الحالتين ربك هكذا أراد، لكن لا تنسب النجاح لنفسك والفشل لخالقك، هذا لا يجوز، فهنا يحدثك عن حالة نفسية (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ)هل هو يريد أن يضل الناس عن سبيل الله؟ ربما، ربما يكون جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، يوجد أناس هدفهم الإضلال، هدفهم إضلال الناس، يجلس في مجلس يقول لك: كفى لا تقولوا: استغفروا ينزل المطر، ادعوا ينزل المطر، استقيموا ينزل المطر، لا يا أخي هذا المطر ظاهرة كونية بحتة، ليس لها علاقة بالاستقامة أبداً إن استقمنا أم لم نستقم، يريد أن يضل الناس عن سبيل الله، أي بدل أن يكون الناس متعلقين بالله يريد أن يضلهم، أن يأخذهم بطريق آخر، أن يتعلقوا بالظواهر الكونية، قد لا يكون هذا هدفه، لكن هذا ما يحصل (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) فاللام إما لام التعليل، وإما لام العاقبة والمآل، لام العاقبة والمآل:

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)
[ سورة القصص]

هم عندما التقطوه ما أرادوا أن يكون لهم عدواً وحزناً، بل أرادوا أن يكون لهم عزاً وفخراً مثلاً، لكن كان لهم عدواً وحزناً، هذه اسمها لام العاقبة، بالعمل النحوي نفس العمل، كلاهما ينصب الفعل المضارع بعده، لكن بالمعنى لام التعليل ما قبلها سبب لما بعدها، وما بعدها نتيجة لما قبلها، أما لام العاقبة والمآل حصل ذلك لكن لم يكن ما قبله سبباً لوقوعه.
فلما يجعل (لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) إما أنه لام التعليل، بمعنى أنه أراد ذلك في جعله، وإما أنه شخص لا يريد الشر، لكن هو من غير أن يشعر لما شفاه الله، الحمد لله لكن أخي الطبيب جيد، فصرف الناس عن الله إلى الطبيب، بدل أن يقول: يا ربي لك الحمد، يا ربي لك الحمد، كله من الله، والله لولا ربنا عز وجل يسر وذهبنا إلى الطبيب، وهيأ الدواء المناسب لما شفينا، لولا ربنا عز وجل أكرمنا لما شفينا، فهنا صرف الناس إلى الله، ثم يبدأ بمدح الطبيب، أما أن يصرف الناس إلى الطبيب، يقولون له: أعطنا عنوان الطبيب، بدل أن يقول: والله أنا دعوت ربنا عز وجل، وربنا استجاب، الشافي جل جلاله، يشكر الطبيب والحمد لله أن الله ألهمنا لطبيب جيد، وما قصر والله الطبيب، لكن الفضل لله وحده، فهذا وجه الناس إلى الله، وذاك أضل الناس عن الله (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).

الإيمان قيد والكفر لا قيود له لأن مصيره إلى النار:
كل شيء في الدنيا متاع
(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) هذا كفر النعمة والعياذ بالله (تَمَتَّعْ) المتاع؛ فترة مؤقتة محدودة، الإنسان عندما يأخذ معه حقائبه، هذا متاع، فترافقه لفترة محددة، كل شيء في الدنيا متاع، أبو هريرة رضي الله عنه دخل رجل إلى بيته فما وجد متاعاً، قال: أين متاعكم؟ قال: لنا بيت هناك، نرسل له صالح متاعنا، نحن نؤسس هناك لا هنا، فالمتاع يمتعك قليلاً ثم يذهب.

قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)
[ سورة النساء]

(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً) أي الكفر لا يوجد فيه ضوابط، سهر سهرة مختلطة، تشرب فيها الخمور، وتعزف فيها المعازف، إلى آخره، حتى الصباح، ورجع لينام من دون أن يصلي صلاة الصبح، أي الكفر انفلات من القيود.

{ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن }

[أخرجه أبو داود]

الإيمان يقيدك، الكفر لا يوجد فيه قيود، لذلك قال: (تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً) سبعون، ثمانون، ستون، خمسون سنة، لا يوجد غيرهم (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) لكن انظر إلى الخاتمة فستعلم أن المتاع كان قليلاً، إذا قيل لإنسان: خذ راحتك وافعل ما تشاء لكن بعدما تنتهي وأنت خارج من الباب يوجد كتلة حديد ستنزل فوق رأسك، يتمتع؟ لا يجد شيئاً من المتاع، يخاف من المصير المحتوم (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) تنتظرك نار جهنم لتكون من أصحابها، هذا تهكم به، وبالمقابل أصحاب الجنة متصاحبون مع الجنة، وهناك صاحب مع النار (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).
والحمد لله رب العالمين