أحسن القصص

  • قناة الحقيقة - الحلقة الثانية
  • 2021-02-07

أحسن القصص


مقدمة وترحيب:
الدكتور مراد نواف الرفاعي:
الحمد لله رب العالمين أحمدك يا ربي حمد الشاكرين وأصلي وأسلم على نبينا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الغر الميامين،
بَلَغَ العُلا بِكَمالِــــــــــــــــهِ كَشَفَ الدُّجى بِجَمالِـهِ عَظُمَت جَميعُ خصالِهِ صَلُّوا عَلَيهِ وَآلِــــــــــــــهِ
{ سعدي الشيرازي }
مشاهدينا الكرام أسعد الله مساءكم في هذه الليلة الطيبة المباركة في برنامجكم الجديد رِحْلَة الصِّدِّيْق، رِحْلَة الصِّدِّيْق النبي يوسف عليه السلام، قصة سيدنا يوسف عليه السلام قصةٌ حقيقيةٌ واقعيةٌ معبرةٌ ليست مِنْ نسج الخيال أو مِنْ وحي الخرافات لأن القصص القرآني هو خير عبرة، وخير عبرةٍ كما قال الله تعالى في كتابه:

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
(سورة يوسف)

إنها تتناول قصة نبي من الأنبياء عليهم السلام، لتكون أنموذجاً للشباب الذين تربوا على مائدة القرآن الكريم، هذه القصة تمثل أنموذجَ الشاب الصابر المُتعالي على الشهوات، المترفِّع عن إغراءات الشيطان، قصةٌ تُقدِّم المثل العظيم في الدعوة إلى الله لإعلاء كلمة الله، فقد كان سيدنا يوسف عليه السلام يستثمر المواقف والمناسبات ليُعرِّفَ الناس على الدين، يُوسُف الصِّدِّيق عليه السلام صاحب العِلم الكبير الذي مرَّ بمجموعةٍ مِنَ الابتلاءات بدءاً مِنْ إلقائه في البئر وانتهاءً باتهام أخيه بالسرقة في تلك المِحَن التي عاشها التي تهتز منها الجبال، رِحْلَةُ الصِّدِّيْق، نسعدُ بكم اليوم مع هذه الرحلة الطيبة ومع ضيوفٍ أكارم أكرمنا الله بهم عزَّ وجلَّ في هذا اليوم أستاذنا الكبير الدكتور محمد الجمل أستاذ التفسير في جامعة اليرموك أهلاً وسهلاً بك.

الدكتور محمد الجمل:
حياكم الله، جزاكم الله خيراً.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
الدكتور محمد الجمل له العديد مِنَ الأبحاث والمؤلفات وشارك في العشرات من المؤتمرات الدولية والمحلية، درَّس في عدة جامعات في الأردن وفي قطر والإمارات، وهو مختصٌ في التفسير وأيضاً في الأمور اللغوية والأدبيات فأهلاً وسهلاً بكم يا دكتور، وحياكم الله معنا في رِحْلَة الصِّدِّيْق.

الدكتور محمد الجمل:
حياكم الله، أكرمكم الله، جزاكم الله خيراً.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
والصديق العزيز الدكتور بلال نور الدين هو ضيفي الدائم أهلاً وسهلاً بك دكتور بلال.

الدكتور بلال نور الدين:
حياكم الله ونِعَم الصديق أنت.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
حياكم الله يا سيدي، أهلاً وسهلاً بكم، ما الحكمة من تسمية قصة يوسف بأَحْسَنَ الْقَصَصِ؟ وما هو المُميز في هذه السورة؟ التركيز على شخصيات القصة بشكلٍ عام، والتركيز على قصة يوسف عليه السلام بشكلٍ خاص، سنبقى مع هذه المحاور في حلقتنا لهذا اليوم.
الدكتور بلال حياكم الله مِنْ جديد وأهلاً وسهلاً بك نريد أن نبدأ معك ورد في الحديث:

{ عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ الله عنه، قال:أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فقالوا: يا رسولَ الله، لو قَصَصتَ علينا، فأنزل الله:(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسُف: 1) إلى قولِه تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسُف: 3) فتلاها عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زمانًا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو حَدَّثتَنا، فأنزل الله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا)(الزمر: 23) قال: كلُّ ذلك يُؤمَرونَ بالقُرآنِ }

(رواه ابن حبان)

بدايةً دكتور ونحن نعيش مع رِحْلَة الصِّدِّيْق نريد أن تُعرِّفنا على معنى القصة في اللغة وفي الأدب وفي القرآن الكريم ونريد نفحاتٍ جميلةً من الدكتور بلال نور الدين اليوم.

الدكتور بلال نور الدين:
أكرمكم الله يا سيدي، بارك الله بكم وبالدكتور محمد لحضوره الطيب لهذا اليوم.

معنى القصة وأهميتها:
القصة حقيقةٌ مع البرهان عليها
سيدي بادئ ذي بدء؛ قالوا: القصة حقيقةٌ مع البرهان عليها لذلك جرِّب أن تكون في مجلسٍ يُدار فيه حديثٌ أو في خطبة جُمعة أو في مجلس عِلمٍ، ثم تخرج منه وتسأل ابنك الصغير أو الشاب: ماذا تتذكر مِنْ هذا الدرس؟ فيُحدِّثك أول ما يُحدِّثك عن القصة، لأن القصة تعلَقُ في الأذهان وتستقر في الفكر لماذا؟ لأن الحقائق المجردة غالباً تبقى أفكاراً، فإذا ما رَوَيت القصة أنزلت هذه الأفكار على الواقع، فهي حقيقةٌ مع البرهان عليها، يُمكن أن تُحدِّثَ ابنك مثلاً عن حوادث السير ومخاطر السرعة حيناً مِنَ الزمن بأفكارٍ مجردةٍ، لكن يمكن أن تروي له قصةً قصرةً عن شخصٍ أسرع في سيارته فحصل معه ما حصل بسبب السرعة الزائدة فتستقر الحقيقة في ذهنه في المرَّة الثانية، القصة تستقر وتبقى، تستقر في الأذهان، وهذا أسلوبٌ قرآنيٌّ مُتَّبعٌ، فالله تعالى قصَّ القصص كما تفضلت، القصة في الأصل مِنْ قصَّ الأثر إذا تتبعه فتتبُّع الأثر هو القصّ ومن ذلك قوله تعالى:

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ
(سورة القصص/11)

أي تتبَّعي أثره.

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا (64)
(سورة الكهف)

لما نسي موسى وفتاه الحوت فعادا يَقُصَّانِ آثارَهما وكأنهما يتتبعان آثار أقدامهما، والله تعالى قال:

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
(سورة البقرة)

و(الْقِصَاصِ) مِنْ تتبُّعِ الأثر؛ لأنك تتبَّعُ القاتل أو مَنْ صنع الجرم لتُوقِعَ به مثلما أوقع بالضحية، فهذا معنى القصة في اللغة، القصة عموماً كما قلنا هي حقيقةٌ مع البرهان عليها، والقصة القرآنية كما تفضلتم في مقدمة البرنامج ليست مِنْ نسج الخيال فهي صادقةٌ مئةً بالمئة ليس فيها زيادات، القصص الأدبية قد تكون واقعيةً وقد تكون غير واقعية، والواقعية لا تعني أنها حدثت ولكن يمكن أن تحدث لكن القرآن عندما يقصُّ القصص فإنه يقصُّ القصة التي حدثت مئةً بالمئة كما وردت دون زيادةٍ، لذلك تعدُّ القصة مِنْ أروع الفنون الأدبية على الإطلاق لما تتضمنه مِنْ شخصياتٍ وكل شخصية لها صفاتها وهناك أحداث، وبالمناسبة القصص عموماً إما أن تتناول شخصيةً تدور حولها الأحداث أو تتناول حدثاً تدور حوله الشخصيات.
وقصة يوسف كان فيها شخصية دارت حولها الأحداث وهي شخصية يوسف، وكان فيها حدثٌ دارت حوله الأشخاص وهو فقدان يوسف، فدارت الأحداث حول الشخص ودارت الأشخاص حول الحدث، فجُمِعَ فيها الأمران، كلُّ قصةٍ في الأدب إما أن تركِّز على الشخصية والأحداث تدور في فلكها أو تركِّز على الحدث ويكون الأشخاص في خدمة الحدث، وجمعت قصة يوسف بين الأمرين معاً.

القصة والحديث والحكاية:
الدكتور مراد نواف الرفاعي:
جميل، جميل، لطيفةٌ جميلةٌ جداً، أنا أريد أن أعقب على كلام دكتورنا بلال عن القصة تكلمت أنها تتبُّع الأثر (قُصِّيهِ) ولكن نريد أن ننبه أيضاً أن هناك القصة، والحديث، والحكاية، كثيرٌ من الناس أراهم ممن يكتب حكايات النبي صلى الله عليه وسلم، أو حكايات القرآن وهذا فيه خطأ، لنقسِّم القصة هي تتبُّع الأثر كما أشرت وهي حقيقية، والحديث هو كلُّ أمرٍ استُحدِث على غير سابقٍ يسمى حديث، نقول: عن الحدث (الغلام) أي استُحدِثَت رجلوته مِنْ غير سابق، والحديث حتى يتميَّز عن كلام الله القدير، والحكاية هي نسْجٌ مِنَ الخيال وقد يكون فيها شيءٌ مِنَ الكذب قد تأتي أمٌّ فتتكلم بكلام حكاية تُؤلِّفها حتى ينام هذا الولد، فالحكاية لا يجوز أن نقول حكايات النبي صلى الله عليه وسلم أو حكايات القرآن الكريم لأن الحكايات هي نسجٌ مِنَ الخيال، أما الحديث والقصة هي واردةٌ في القرآن الكريم، دكتورنا العزيز ماذا تُعقِّب على القصة ولطائفها إذا سمحت.

الدكتور محمد الجمل:
حياكم الله؛ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده.
بادئ ذي بدء؛ أتوجه بالشكر الجزيل لقناة الحقيقة الدولية على هذه الاستضافة الكريمة والشكر الخاص إلى فضيلة الدكتور مراد الرفاعي، شاكرُ هذه الاستضافة الكريمة بمعيَّة أخينا الفاضل الدكتور بلال فأشكر هذه الاستضافة الكريمة في رحاب القرآن وفي رحاب أَحْسَنَ الْقَصَصِ مع قصة سيدنا يوسف عليه السلام الصِّدِّيق، تفضلتم بكلامٍ لطيفٍ وجميلٍ والدكتور بلال توسَّع في مجموعة محاور.

القصة في القرآن الكريم:
الحقيقة أولاً يعني القصة في الأدب أنواعٌ متعددةٌ ومتباينةٌ فهناك القصة القصيرة، وهناك القصة الطويلة، وهناك القصص المجتزأ، وهناك الخاطرة كذلك، القصة في الأدب منها الأسطورة، ومنها الملحمة، أنواعٌ كثيرةٌ من القصة في الأدب العربي، والقصة وُجِدت منذ وُجِد الإنسان على هذه البسيطة، فالإنسان هو قصةٌ بوجوده وخلقه عبارةٌ عن قصة، فحياة الإنسان مِنْ آدم عليه السلام إلى أن يرِث الله الأرض ومن عليها هذه قصة، ولادة الإنسان إلى موته يُولد ثم يشب، يدرس، يتخرج، يتزوج، يعمل، يموت هذه قصة الإنسان القصيرة في الحياة الدنيا، فحياة الإنسان عبارةٌ عن قصة قصيرة.
القرآن الكريم هو النموذج الأعلى للبلاغة
القرآن الكريم هو النموذج الأعلى والأرقى للبلاغة وللأدب اللغوي ولذلك احتوى القرآن الكريم على أهم نماذج وأنواع القصص القرآني، فالقصة القصيرة موجودةٌ في القرآن الكريم، وهناك العديد من القصص القصيرة كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الرجل الصالح، أو هو جزءٌ ومشهدٌ مِنْ قصةٍ طويلةٍ مِنْ قصة سيدنا موسى عليه السلام، وقصة ذي القرنين، بعض هذه القصص تكرر في أكثر من سورة وبعضها جاء في مكانٍ واحدٍ في القرآن الكريم كقصة أصحاب الجنة، قصة صاحب الجنتين، قصصٌ كثيرة..
الأنبياء عليهم السلام منهم مَنْ ذُكر مرَّة واحدة في القرآن في قصةٍ قصيرة، ومنهم من توزعت قصته على سورٍ كثيرة وأطول هذه القصص التي توزعت قصة سيدنا موسى عليه السلام فجاءت في أكثر مِنْ مئة موضعٍ مِنَ القرآن الكريم هذا نموذجٌ آخر أيضاً على القصة، يعني القصة التي هي قصةٌ طويلة ولكنها لا تُعرَضُ في مكانٍ واحدٍ مرَّةً واحدة وإنما تتوزع بحسب غرض القرآن وغرض السورة، فيُأخذ مشهدٌ معينٌ يليق بموضوع وبمقام هذه السورة فيُأخذ هذا الجانب فيُوضَعُ في هذه السورة الكريمة، وهناك القصة الطويلة، القصة الطويلة طبعاً ليس مِنْ مقصِد القرآن الكريم وأغراض القرآن في عرض القصص هو المتعة التسلية كما تفضلتم وإنما أغراض القصة هي أغراض القرآن الكريم، تبدأ مِنَ العقيدة وتنتهي بالقضايا التفصيلية الدقيقة التي قد تكون في الأسرة وفي حياة الإنسان الشخصية، فأغراض القرآن الكريم هي مخاطبة الإنسان حيث هو إنسانٌ بكلِّ تفاصيل هذا الإنسان يعني بكلِّ ما يحتاج إليه الإنسان مِنْ فكرٍ ومِنْ عقلٍ ومِنْ علمٍ ومن حياةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ فكل هذا وجدناه في القصص القرآنية، أغراض القرآن الكبيرة والعامة التي تتلخص في غرضين رئيسين وهما الهداية والإعجاز متمثلةً في القصة القرآنية، لأن الله سبحانه وتعالى قال:

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (185)
(سورة البقرة)

فالهداية هي المقصَد الأول للقرآن الكريم، والثاني هو الإعجاز وإثبات أن هذا الكتاب هو الرسالة والمُتحدَّى به، فلذلك القصة مِنْ أغراضها الرئيسية والأساسية هي تحقيق الأغراض والمقاصد الكلية للقرآن الكريم فنجد هذه الأغراض متحققة، فليس مِنْ هدف القرآن الكريم أن يعرض القصة لذاتها وإنما لهذه الأغراض، فلما يكون هناك قصةٌ طويلةٌ تستغرق سورةً كاملةً مِنَ السور التي تُصنَّف على أنها مِنَ الطوال مثل سورة يوسف عليه السلام، طبعاً هذا نموذجٌ لا يتكرر لأن كما قلنا ليس مِنْ غرض القرآن هو أن يسرد القصص ولكن من نماذج القصة الأدبية الرائعة القصة الطويلة، فهل وُجِدت في القرآن؟ نعم وُجِدت في سورة يوسف عليه السلام فكانت سورةً متكاملةً في القرآن وحيدةً وهذه القصة فيها كلُّ عناصر القصة الطويلة وكلُّ خصائص ومقومات القصة الأدبية المتميزة الموجودة في القصص التي يطرُقُها الناس أو يتحدثون عنها، طبعاً نحن عندما نقول: كلّ خصائص ومقومات القصة الأدبية لا يعني مساواة القصة في القرآن بالقصص التي تكون من الإنتاج البشري أو الإنساني لأن القصة القرآنية تتميَّز على القصص بأنها مِنَ الله سبحانه وتعالى، يعني القرآن كلام الله وكلام الله صفةٌ مِنْ صفاته كصفة السمع والبصر والإرادة وغيرها من الصفات الإلهية، الإنسان يوصَفُ بالعِلم وبالسمع وبالإرادة وبغيرها من الصفات، وكذلك يوصَفُ بالكلام، لكن صفات الله تعالى هي صفات كمالٍ مطلق، وصفات البشر صفاتٍ محدودة، فالكلام في القرآن الكريم كلام الله تعالى، كلامٌ، كذلك يشترك الناس في هذه الصفة مع الله تعالى في المُسمَّى ولكن في الحقيقة أين صفات المخلوق مِنْ صفات الخالق؟ فالقرآن هو كلام الله وبالتالي فضل القصص القرآنية على باقي القصص كفضل الله تعالى على الخَلْق لأن هذا كلام الله وهذا كلام البشر.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
جميل، جميل، يا دكتور محمد، الدكتور بلال إضافاتٌ جميلةٌ أضافها الدكتور بموضوع القصة، ننتقل إلى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، (نَحْنُ) فيها تعظيم، لما ذكر الله عزَّ وجلَّ هذا الأمر وسُمِّيت بأَحْسَنَ الْقَصَصِ، ما الحكمة بتسميتها بأَحْسَنَ الْقَصَصِ؟ هناك أقوالٌ كثيرةٌ نريد أن نسمع منك مُلخصاً عن هذه النقطة.

تسمية سورة يوسف بأحسن القصص:
الدكتور بلال نور الدين:
أولاً: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) فما دام الله تعالى هو الذي يقصُّها فهي أَحْسَنَ الْقَصَصِ، لأن ربنا جلَّ جلاله العظيم هو الذي يقصُّ هذه القصة، فقيمة الكلام من قيمة المُتكلِم، وأنت إذا جلست في مجلسٍ وتكلَّم فيه أهل العِلم أنصت، فكيف إذا كان الله جلَّ جلاله هو المتكلِّم؟
تكلم الله فليصغ الوجود له الله مـــن عرشه الأعلى ينادينا
{ أحمد الغنام }
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) لو بدأنا من البداية بما أن الله تعالى هو الذي يقصُّ القصة فهي أَحْسَنُ الْقَصَصِ.
وهناك حَسَنٌ وهناك أحسَن وهذا اسم تفضيلٍ في اللغة العربية وهو مِنَ المشتقات، أَحْسَنُ الْقَصَصِ كما قلت فيها أقوالٌ كثيرة لكن انتقي بعضها ونسمع منكم شيئاً آخر.
العبر والدروس التي تضمنتها سورة يوسف
أقول: ليس في القرآن قصةٌ كما قال أهل العِلم تضمنت مِنَ العِبَر والدروس ما تضمنته قصة يوسف فهي أَحْسَنُ الْقَصَصِ، ودليل ذلك أن الله تعالى في ختامها قال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) فأكَّد على هذا المعنى في الختام فهي أَحْسَنُ الْقَصَصِ لأنها تضمنت مِنَ العِبَر والدروس ما لم تتضمنه قصةٌ أخرى كما قال كثيرٌ من أهل العلم.
وقالوا: هي أَحْسَنُ الْقَصَصِ لحُسن تجاوز يوسف عن إخوته ولكرمه ولعفوِه ولصبره على أذاهم:

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)
(سورة يوسف)

فهذه أحسَن قصة، نحن نتغذَّى بالمواقف النبيلة، عندما تكون في مجلسٍ وتسمع عن مُحسنٍ دفع ماله صدقةً لوجه الله لرعاية يتيم أو لإنشاء مسجدٍ، فإنك تتغذَّى بالقصة الجميلة التي فيها حُسن عملٍ لأن الإنسان يحب الكمال، فسيدنا يوسف عليه السلام لما (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) تشعر وكأنك تتغذَّى بهذه المواقف فهي أَحْسَنُ الْقَصَصِ.
وقالوا: أَحْسَنُ الْقَصَصِ لأن كُلَّ مَنٍ ذُكر فيها كان مآله إلى الخير، وهذا حَسَن، يوسف عليه السلام كان مآله أن أصبح مُمكناً في الأرض بعد هذه المِحَن التي مرَّ بها والتقى بأبيه، ويعقوب عليه السلام ارْتَدَّ إليه بصره وعاد إليه ابناه، والملِك - كما يقال في التاريخ - أسلم، والإخوة غُفِر لهم، والمرأة أقرَّت بذنبها وتابت، فهي أَحْسَنُ الْقَصَصِ؛ لأن كلَّ مَنْ كان فيها مِنْ شخصياتٍ كان مآلهم إلى الخير والسعادة والفرح، وقيل هي أَحْسَنُ الْقَصَصِ لأنها القصة الطويلة الوحيدة التي وردت في القرآن مِنْ مبدئها إلى مُنتهاها وخُصص لها سورةٌ كاملةٌ بخلاف القصص الأخرى وكل كلام الله حَسَنٌ وأحسَن لكن افتتحت السورة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) لأن هذه القصة ستُروى مِنْ مبدئها إلى مُنتهاها بعبرٍ ودروسٍ لم يُسبق إليها.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
جميل، جميل، هناك قولٌ للإمام ابن الجوزية نضيفه لهذه الأقوال، يقول: قيل من وجه حُسنها أنها اشتملت على حاسدٍ ومحسود، ومالكٍ ومملوك، وشاهدٍ ومشهود، وعاشقٍ ومعشوق، وحبسٌ وإطلاق، وخصبٌ وإجذاب، وذنبٌ وعفو، وعزٍ ووصال، وسقمٌ وصحة، وحِلٌّ وترحال، وذلٌّ وعزّ، وقيل أيضاً من حُسنِها أنها اجتمعت على موضوعاتٍ متعددةٍ:

لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7)
(سورة يوسف)

عالجت الأمور الاجتماعية، النفسية، التربوية، الاقتصادية، حتى الطبية، وكان مآلها إلى سعادةٍ بلقاء الأحبَّة يوسف وإخوته ووالديه، وقيل لأنه ذُكِرَ فيها الحبيب المحبوب وسيرهما يعقوب عليه السلام وأيضاً يوسف عليه السلام.
دكتورنا العزيز ضيفنا الكريم الدكتور محمد الجمل الذي نعتزُّ به ونفرح عندما يذكُرك طلابك بأنك مِنَ العُلماء الأجلاء ونحن نفرح في بلدنا يا دكتور بلال أن قاماتٍ علميةً نرغب أن نسمَع منها على شاشة التلفاز، هي طبعاً بين يدي طلابه معروفٌ الدكتور حقيقةً بعِلمه ومن يدرُس عنده يفرح لعِلمه الغزير، دكتورنا قصة يوسف اشتملت على عناصر مكتملة، تأذن لنا دكتور أن نتناول هذه العناصر عنصراً عنصراً ونتحدث عنها ويُعقِّب عليها أيضاً أخي الدكتور بلال.

كلُّ قصص القرآن حَسَنة:
الدكتور محمد الجمل:
أَحْسَنَ الْقَصَصِ وصفٌ لكلِّ قصص القرآن الكريم
الله يجزيكم الخير، سيدنا الكريم تعقيباً على ما تفضل به الدكتور بلال مِنْ كلامٍ طيبٍ ورائعٍ وجميل، الحقيقة أنا سأعرض وجهة نظرٍ أخرى في أَحْسَنَ الْقَصَصِ، في هذا الموضوع، أنا أعتقد بأن وصف أَحْسَنَ الْقَصَصِ هو لكلِّ قصص القرآن الكريم، وأنه ليس مختصاً بقصة يوسف عليه السلام تحديداً، وإن كانت قصة سيدنا يوسف عليه السلام فيها مِنَ الحُسن والجمال والمواقف الكثيرة الرائعة التي تفضل الدكتور بلال وذكَرَ بعضها، والدكتور مراد ذكر بعض المتناقضات الموجودة وهذه فعلاً هي عنصرٌ رئيسيٌّ مِنْ عناصر القصة أو نقول جدليةٌ واضحةٌ في شخوص القصة، كذلك عندما نقارن بينها في هذا المتناقضات الكثيرة التي جمعت بين التناقض وبين التماثل، ولكن وصف أَحْسَنَ الْقَصَصِ أنا أعتقد بأنه هو لكلِّ قصص القرآن الكريم وقصة يوسف عليه السلام على رأسها ومِنْ أوائلها فكلُّ القصص التي جاءت في كتاب الله سبحانه وتعالى هي أَحْسَنَ الْقَصَصِ على الإطلاق، طبعاً كما تفضل الدكتور بلال أن أحسَن هو من أفعُل التفضيل، والمقارنة ليست بين قصص القرآن بعضها مع بعضٍ وإنما مقارنةً مع القصة القرآنية والقصص الإنساني الآخر.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
دكتور لا أريد أن أقاطعك؛ ولكن الذي وَرَد أقوالٌ في هذا، يعني يُقال حتى أن قصة آدم هي أَحْسَنَ الْقَصَصِ، قصة موسى أَحْسَنَ الْقَصَصِ، قصة إبراهيم أَحْسَنَ الْقَصَصِ.

الدكتور محمد الجمل:
لذلك مِنْ هنا أحياناً لما نقول: أن هذه قصة أفضل مِنْ غيرها، فالقصة إذا قلنا أنها أفضل فمن أي النواحي أفضل؟ مِنْ غيرها من قصص القرآن الكريم، هل هي سبكاً؟ هل هي بلاغةً؟ هل هي أسلوباً؟ إن كان كذلك فكلُّ قصص القرآن في مرتبةٍ واحدة، يعني لا يمكن أن ينزل عن هذه المرتبة.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
يعني هل يمكن أن نخرج منها في اسم هو أحسن أعجب؟ في معنى أحسن أعجب.

الدكتور محمد الجمل:
أحسن مِنَ الحُسن والجمال والروعة، فإذا قلنا كذلك من حيث الموضوع الذي تناولته السورة فكلُّ القصص تناولت موضوعاتٍ في غاية الأهمية وفي غاية الروعة، لذلك نحن حتى لا نحصُر أن هذه القصة هي أفضل مِنْ غيرها فكأن كلام الله تعالى يتفاضَل في الحُسن والبيان مِنْ حيث الأقوال، طبعاً قصة يوسف هي أَحْسَنَ الْقَصَصِ.

الدكتور بلال نور الدين:
هل يمكن أن نقول يا دكتور محمد بعد إذنك فأنت مختص، مناسبة ورود قوله تعالى: (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) في بداية سورة يوسف وليس على أنها تزيد على قصصٍ أخرى في القرآن، لكن مناسبة أن القرآن بدأ بقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) في مطلَع السورة تحديداً لمناسبة ذلك هذه بعض الحِكم التي يمكن أن نستفيدها.

الدكتور محمد الجمل:
الغرض من الحروف المقطعة في القرآن الكريم
هنا يوجد قضيةٌ بلاغيةٌ أحب أن أشير إليها هي أن مطلع السورة الكريمة وبكثير من السور وهي (29) سورةً في القرآن الكريم افتُتحت بالحروف المقطعة في فواتح السور، وكلُّ السُّور التي افتتحت بالحروف المقطعة كان الغرض منها إظهار بلاغة القرآن وعظمة هذا البيان، وبالتالي هذه الحروف المقطعة في هذه السُّور في معظمها مباشرةً يأتي الانتصار للقرآن الكريم وذِكْرُ عَظَمَة القرآن الكريم:

الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1)
(سورة يوسف)

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) أَحْسَنَ الْقَصَصِ هنا منسجمٌ مع هذا المطلع لأن براعة الاستهلال في السورة بحثها علماء البلاغة والبيان كما يبحثون علماء الأدب براعة الاستهلال في القصيدة، طبعاً شتانَ بين مطلع براعة الاستهلال في القصيدة وفي السورة، فالسُّور القرآنية لما تتفتح بمثل هذه المقاطع التي تدلُّ على عَظَمَة القرآن كلُّ القرآن الكريم فيُناسبها أن يكون أَحْسَنَ الْقَصَصِ يتعلق بمُجمل القرآن الكريم وكلِّ قصص القرآن الكريم.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
جميل، الآن نريد أن نركِّز على العناصر التي هي المكان والزمان والأحداث والأسلوب والشخصيات ما رأيك أن ندخل فيها؟

المكان والزمان في قصة يوسف:
الدكتور محمد الجمل:
أولاً المكان: تراوَح بين فلسطين ومصر، سيدنا يعقوب عليه السلام وأبناؤه يعيشون في فلسطين، فبدأت القصة مِنْ فلسطين ثم انتقلت بانتقال سيدنا يوسف عليه السلام الذي هو الشخصية المحورية والرئيسية والمركزية في القصة إلى مصر، فانتقلت القصة مع سيدنا يوسف عليه السلام إلى مصر ثم كانت أحياناً قليلةً تعود إلى فلسطين، ثم معظم أحداث القصة دارت في مصر، وإخوة يوسف ذهبوا إليه ثم سيدنا يعقوب عليه السلام أيضاً ذهب إلى مصر، فأحداث القصة بمعظمها كانت في مصر الكنانة.
بالنسبة إلى الزمان: الزمن قديم في تاريخ سيدنا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء إسحاق، يعقوب، يوسف:

{ الْكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ ابنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحاقَ بنِ إبْراهِيمَ - عليهمُ السَّلاَمُ }

(صحيح البخاري)

فهذا الزمان وهذا المكان الإطار العام للقصة.

العرض القصصي القرآني:
وبالمناسبة القرآن الكريم مِنْ خصائص أسلوب العرض القصص القرآني أنه لا يهتمُّ بهذه العناصر التي تهتمُّ بها القصة الأدبية اهتماماً كبيراً يعني لا يهتمُّ بالزمان ولا بالمكان ولا بالشخوص ولا بالأسماء إلا ما كان له ضرورةٌ في الغرض وفي الأهداف وفي المقاصِد للقصة القرآنية، ولذلك نجد الأسماء تقلُّ في القصة القرآنية والتركيز عليها يقلُّ والزمان يقلُّ والأعداد تقلُّ وهذه الأشياء.
القصة القرآنية فيها مساحاتٌ مبهمةٌ كثيرة
الصحابة الكرام مثلاً كلُّهم على جلالة قدرِهم لم يُذكر منهم أحدٌ في القرآن الكريم إلا زيدٌ لمناسبة وجود نسبٍ وغيرها، أبو بكر وعمر وغيرهم لم يُذكروا في القرآن الكريم فالمُبهمات في القصة القرآنية مهمٌّ أن نقف معها، القصة القرآنية فيها مساحاتٌ مبهمةٌ كثيرة وفيها انتقالٌ وفجواتٌ في الزمان مِنْ مكانٍ إلى مكان، مِنْ زمنٍ إلى زمن، وهكذا تجاوزها القرآن الكريم لأنها ليست مِنْ أغراض ومِنْ مقاصِد القصة القرآنية، فيأتي كثيرٌ من الناس وبعض المفسرين أو بعض الذين يروون إسرائيليات وغيرها ليسدُّوا هذه الفجوات وهذا ليس مِنْ مقصود القرآن الكريم فمِنْ أهمية دراسة الزمان والمكان في القصة ألا نُركِّز على غير ما ركَّز عليه القرآن في هذا لأنه ليس مِنْ مقاصد القرآن الكريم، فقصص القرآن في هذا المجال أمثلتها كثيرةٌ جداً، في سورة الكهف مثلاً أنفق آيةً طويلةً ليتحدث عن عدد أهل الكهف، وفي النهاية قال:

سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22)
(سورة الكهف)

لو شاء لقال عددهم مباشرةً في كلمتين، لكن هو أنفق هذه الآية الطويلة ليُعلِّمنا منهجاً في التعامل مع البيان القرآني وتحديداً القصص القرآنية، لأن النفس فيها فضولٌ لمعرفة التفاصيل، ولذلك مثلما تفضل الدكتور بلال بأنها تجذِبُ الإنسان والفضول عند الإنسان يدفعه إلى أن يتتبَّع أحداث القصة، ولذلك من أكثر العناصر والأشكال الأدبية المؤثرة في الإنسان هي القصة، القصة بشكل عام، فلذلك لأن الإنسان عنده فضولٌ يحب أن يتتبَّع هذه القضايا، لكن القرآن الكريم يركِّزُ على المفاصل المهمَّة والقضايا الأساسية، هذا بالنسبة لعنصري الزمان والمكان.

وصية سيدنا يوسف عليه السلام:
الدكتور مراد نواف الرفاعي:
نريد أن نذهب إلى الدكتور بلال أيضاً أريد أن أركز على موضوع المكان والقدس، يعني صورة القدس بجانبك يا دكتور وهذه فيها دلالة:

{ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم أَعْرَابِيّاً فَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ لَهُ: (ائْتِنَا) فَأَتَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: (سَلْ حَاجَتَكَ)، قَالَ: نَاقَةٌ نَرْكَبُهَا وَأَعْنُزٌ يَحْلِبُهَا أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: (أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟!، قَالَ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمَّا سَارَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللهِ أَنْ لاَ نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا، قَالَ: فَمَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟ قَالُوا: عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأَتَتْهُ، فَقَالَ: دِلينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قَالَت: حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قَال: ومَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: أَكُونُ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَلِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِهَا حُكْمَهَا، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةِ مَوْضِعِ مُسْتَنْقَعٍ فِي مَاءٍ، فَقَالَتْ: أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاءَ، فَأَنْضَبُوهُ، قَالَتْ: احْتَفِرُوا فَاحْتَفَرُوا، فَاسْتَخْرَجُوا عِظَامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَلَمَّا أَقَلُّوهَا إِلَى الأَرْضِ إِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ }

(رواه ابن حبان)

لما جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والقصة معروفة، عندما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى البادية فاستضافه أحد الرجال وقدَّم الكرم للنبي صلى الله عليه وسلم، والكرم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل لعنده، فقال له: إذا جئت إلى المدينة فزُرنا، بعد فترةٍ جاء هذا الرجل إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه النبي فهشَّ في وجهه واستقبله ثم (سَلْ حَاجَتَكَ)، فقال له: يا رسول الله شاةً أحلِبُها في الصباح وفي المساء، استغرب النبي، قال: شاة؟ أعطُه ما يريد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ممتعظاً من طلبه، النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:

{ ما سُئِلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى الإسْلَامِ شيئًا إلَّا أَعْطَاهُ، قالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فأعْطَاهُ غَنَمًا بيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ، فَقالَ: يا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لا يَخْشَى الفَاقَةَ }

(صحيح مسلم)

فأنت أمام سيدنا النبي فتطلب شاةً تحلِبُها في الصباح والمساء! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: (أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ وهنا موطن الشاهد، سيدنا يوسف أوصى وصيةً أن يُدفن على قرابة المسجد الأقصى على قرابة فلسطين، وهذه الوصية جاء ليُنفذها سيدنا موسى عليه السلام جاء لتنفيذها، فقالوا: لا تعرفه إلا عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فجاء إليها سيدنا موسى فقَالَتْ له: بشرط أَكُونُ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، استثمرت الفرصة، شاهدوا هنا أن المكان سيدنا يوسف أيضاً طلب أن يعود على قرابة المسجد الأقصى ولها دلالةٌ فماذا تقول دكتور في المكان والزمان؟

الحب الديني والحب الفطري:
الدكتور بلال نور الدين:
الأرض المباركة الطيبة أمانةٌ في أعناقِنا
بارك الله بكم؛ حقيقةً مكان القصة كما تفضل الدكتور بدأت في فلسطين وكانت تعود أحياناً إلى فلسطين إلى الأب المكلوم، ونحن جرحنا كبير بفلسطين الحبيبة، نحن مكلُومون، نريد لقاء الأحبة في هذه الأرض المباركة التي هي مسرح الأحداث، بدأت القصة منها وكانت تعود إليها ثم تعود إلى مصر، هذا ربط، وربطٌ أيضاً كما تعلمون في الإسراء والمعراج لما أسري به إلى القِبلة الأولى ثم عُرِج به إلى السماء مِنْ هناك، كلُّ هذا ليقول لنا المولى جلَّ جلاله: إن هذه الأرض المباركة الطيبة أمانةٌ في أعناقِكم، فمتى كنتم متمسكين بمنهج الله تعالى مُعتزين بدين الله فهي لكم، ومتى حِدْتم عن المنهج خرجت مِنْ أيديكم ولن تعود إليكم إلا بعودتكم إلى بارئكم، هذا قانونٌ يرسمه الله تعالى ويرسمه نبيه صلى الله عليه وسلم، لو نظرنا في التاريخ في كلِّ لحظات التألق التي عاشها المسلمون كان الأقصى بين أيديهم، يوم فتحها عمر رضي الله عنه ويوم حررها صلاح الدين، كل انتكاسات الأمة كانت ترتبط ببُعدها عن المسجد الأقصى وبُعدها عن أرض فلسطين، وبعدها عن الأرض المباركة التي بارك الله حولها، والأردن من الأرض المباركة، فيوسف فضلاً عن أنه يُريد أن يعود إلى الموطن ودائماً الحنين لأول منزل، لكن ليس هذا فقط فكلُّنا نحنُّ لأول منزلٍ، لكن اليوم إذا قيل لي: تكون هنا أو في مدينة رسول الله ؟ أختار مدينة رسول الله لأن الحب الديني أقوى مِنَ الحب الفطري، أنا أحب وطني فطرياً لكن لما أحب فلسطين ومكة والمدينة فهذا ليس حباً فطرياً فحسب، أنا لم أولد بها ولكنها وُلِدت بي، هي عاشت بي وإن لم أعِش بها؛ لأنها مرتبطةٌ بديني وبعقيدتي، فهذا شيءٌ يستمدُّ مِنَ المكان الذي تفضلتم به وهو فلسطين وأرض مصر.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
دكتورنا العزيز الدكتور محمد، أسأل الله أن يكتب لنا صلاةً في الأقصى بعد تحريره، وما بعد العُسر إلا اليُسر وقصة سيدنا يوسف دليلٌ على ذلك، وما بعد الضيق إلا الفرج بإذنه تعالى، دكتور تكلَّمت لنا عن المكان والزمان، الآن الأحداث والأسلوب والشخصيات.

عنصر الرؤى في القصة:
الدكتور محمد الجمل:
الحقيقة قصة سيدنا يوسف عليه السلام هذه القصة الطويلة المسبوكة الرائعة التي تتجلَّى فيها البلاغة القرآنية وجوانب الأدب الكثيرة المتنوعة في القصة، يلفِتُ النظر أنها أُقيمت وابتُدأت على موضوع الحُلم والرؤيا فأول ما تبدأ القصة تبدأ برؤيا، سيدنا يوسف عليه السلام أول ما تبدأ القصة:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)
(سورة يوسف)

الرؤيا موضوعٌ أساسيٌّ وجوهريٌّ في السورة
فهذه الرؤيا العجيبة أو السُّورة كلها نلاحظ فيها موضوع الرؤيا والحُلم أساسيٌّ وجوهريٌّ في موضوعات السورة، أربع مرات، وثلاث مرَّات في الموضوعات العامة، الرؤيا أنواعٌ منها ما يتعلَّق بشخص الرأي، ومنها ما يتعلَّق به وبالمجتمع الصغير حوله، ومنها ما يتعلَّق بالأمة، فهذه الرؤى المتعددة أربعة رؤى: رؤيا الصِّدِّيْق عليه السلام، رؤيا السجينين، رؤيتان، ورؤيا الملك، رؤيا الصِّدِّيْق تتعلق به وبمستقبله النبوي فالنبي مُشرِّعٌ أيضاً، كذلك فهي دروس، وقصص صاحبي السجن قصصٌ خاصةٌ ولكن لها علاقةٌ بالمجتمع الضيق الذي يعيشون فيه، قصة رؤيا الملك كانت تتعلق بالإنسانية أو بالمجتمع فيلفِتُ النظر أن الرؤيا أو الحلم هذا جاء في ثنايا القصة يعني القصة قامت عليه في أكثر مِنْ محورٍ مِنْ محاور القصة.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
يعني نستطيع أن نقول في بدايتها رؤيا وفي الوسط رؤيا ونهايتها رؤيا.

الدكتور محمد الجمل:
وخُتمت بتأويل الرؤيا الكبيرة، بدأت برؤيا وخُتمت بتأويل الرؤيا، هذه الرؤى، طبعاً الرؤيا في القصة في الحُلم كونها تتعلق بجانب اللاشعور في الشخصية الإنسانية مُهمةٌ جداً ويركز عليها الأدب كثيراً، ففي قصة يوسف عليه السلام الرؤيا بما تعرِضُه مِنْ جوانبٍ متعلقةٍ باللاشعور عند الإنسان وبجوانب الشخصية المهمة نجد أنها حاضرةٌ في الدرس القصصي، حاضرةٌ في الأدب من الجانب الأدبي، ثم إنها قصصٌ فيها مِنَ الغموض وفيها مِنَ الغرابة الشيء الذي يلفِتُ الأنظار، سيدنا يوسف عليه السلام (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) نحن لأننا تعودنا على سماع هذه الرؤيا فلم نستغرب مِنْ هذا المشهد العظيم، لكن تخيَّل كيف أن الشمس والقمر والكواكب تسجِدُ لسيدنا يوسف عليه السلام؟ هذا الملِك لما يرى:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)
(سورة يوسف)

فهذه أشياءٌ غريبةٌ وتلفِت النَّظر فهي تتعلَّق بها شخصية القارئ حتى يجد الحلول، وتتعلق كما قلت بجوانبٍ كثيرةٍ مِنَ الشخصية الإنسانية، ففي البداية الموضوعات لما تقوم على هذه الرؤيا التي لها تفسيرٌ عظيمٌ جاء فيما بعد، يلتقطها سيدنا يعقوب عليه السلام ويبدأ بالتوجيهات الإنسانية والشخصية، لأن سيدنا يعقوب عليه السلام علِمَ بأن يوسف ستكون له المكانة العظيمة والكبيرة وأن أقرب الناس له سيحسدونه على ذلك، وبالتالي نبَّه يوسف بأن لا يتحدث بهذا الموضوع.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
وهذه لها دلالة:

{ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ }

(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ)


تركيز القصة على الحسد والانفعالات الشخصية:
الدكتور محمد الجمل:
الحسد والغيرة قضيةٌ جوهريةٌ في حياة الإنسان
ثم بعد ذلك تبدأ القصة بمشاهدها وبأحداثها المثيرة الكثيرة، كيف أن الإخوة هم الذين يمكرون بسيدنا يوسف عليه السلام وهنا تأتي قضية الحسد والغيرة وهي قضيةٌ جوهريةٌ في حياة الإنسان، أول ما عُصي الله تعالى به موضوع الحسد من إبليس، أول جريمةٍ في الأرض كانت بسبب الحسد (قابيل وهابيل)، فقضية الحسد في العلاقات الإنسانية قضيةٌ مهمةٌ جداً ركزت عليها قصة يوسف عليه السلام، هذه الانفعالات عند الإنسان، الدوافع، ما يُركِّب الشخصية الإنسانية أكثر مِنْ جانبٍ في سورة يوسف ركزت عليه فأبرزته السورة في تفاصيل مختلفة، بعد ذلك قضية المرأة، الحدث الذي بعده، إذ جاءت قضية انفعال الغريزة، انفعال الجنس وكذا، أيضاً هذا مشهدٌ مهمٌّ في حياة الإنسان فركزت عليه القصة، بعد ذلك جاء جانب المال وجانب الاقتصاد أيضاً السورة أعطته جانباً مهماً وركَّزت عليه وأبرزت جوانبَ تتعلَّق بهذه القضايا في حياة الإنسان.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
نحن بإذن الله دكتور مِنْ خلال حلقاتنا القادمة سنُركِّز على جميع مفاصل هذه القصة، نعود للدكتور بلال حياكم الله مِنْ جديد مشاهدينا الكرام ونُجدد الترحيب بأخي العزيز الدكتور بلال وأخونا الدكتور محمد الجمل حياكم الله مِنْ جديد ونحن نعيش مع رِحْلَة الصِّدِّيْق أسأل الله أن يُفرِّجها على الأمة كما فرَّجَها على سيدنا يوسف ويعقوب بإذنه تعالى.
دكتورنا أشار الدكتور محمد إلى موضوع المكان والزمان والأحداث وأن القصة بدأت برؤيا وتوسطت برؤيا وانتهت برؤيا وانتهت بتحقيق الرؤيا أيضاً، هذه أحداث، لكن أريد أن أوضح أمراً مهماً جداً للسادة المشاهدين بين الرؤيا والحلم، الحلم: اعتدنا أنه قد يكون من الشيطان، لكن الرؤيا: النبي صلى الله عليه وسلم كان يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ:

{ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ }

(صحيح مسلم)

فهذا أمرٌ مهمٌ جداً في الرؤيا، ماذا تُعقِّب على موضوع المكان والزمان والأحداث وهذه الألفاظ دكتور بلال؟

الابتلاء والتمكين:
الدكتور بلال نور الدين:
بارك الله بكم، المكان والزمان إن شاء الله أوفيناهم حقهم من أجل الوقت، لكن أريد في الأحداث أن أنظر من زاويةٍ أخرى لو سمحتم، والقرآن بحرٌ لا ينفَد، فمن زاويةٍ أخرى أحداث القصة يمكن أن تكون بعد الرؤيا التي عُبِّرت في النهاية أربعُ امتحاناتٍ ليوسف عليه السلام: امتحان الجب، وامتحان القصر، وامتحان السجن، هذه امتحاناتُ الشدة، ثم جاء امتحانُ التمكين وهو امتحان اليُسر، وكلٌ مِنا يخوض في حياته امتحاناتٍ تشابه هذه الامتحانات، فيوسف في الجب خاض هذا الامتحان وخرج منه، ثم خاض امتحاناً آخر شديداً وهو امتحان القصر يوم اتهم في أنه يُراود وهي التي راودته عن نفسه لكنه اتُّهم، ثم أدخل السجن فخاض الامتحان الثالث، وثم جاءه امتحان التمكين.
لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى
الإمام الشافعي سُئل يوماً: أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فلم يقُل: بالتمكين ولا بالابتلاء، أجاب إجابةً رائعةً مذهلةً قال: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى، لن أقول لك بماذا تدعو، كلنا ندعو بالتمكين، مَنْ يدعو بالابتلاء؟ لكن هي سُنَّة الحياة، كأن يسأل طالبٌ: أأدعو الله تعالى بالنجاح أم أدرس؟ نقول له: لن تنجح قبل أن تدرس، أنت تدعو بالنجاح طبعاً لكن طريق النجاح هو الدراسة، ففي المقابل يمكن أن أختصر أحداث القصة بأنها أربعة امتحانات خاضها يوسف عليه السلام خرج منها منتصراً لنفسه منتصراً لربه، خاض هذه الامتحانات وانتصر على داخله وانتصر لخالقه جلَّ جلاله في الجب وفي القصر وفي السجن ثم يوم مُكِّنَ في الأرض فما تغير يوم كان في امتحان العُسر ولا عندما أصبح في امتحان اليُسر، كثيرٌ من الناس دونَ أن ينتبه يُطغيه المال أو المنصب أو المكانة وهناك مَنْ هو على العكس تماماً، لكن أن يكون الإنسان في امتحانين على نقيضين ثم يقف في كلٍّ منهما الموقف الأمثل فهذا للأنبياء ولأتباع الأنبياء، الناس ينظرون إلى مَنْ هو في السجن على أنه مُبتلى، وينظرون إلى مَنْ هو في الجب على أنه مُبتلى، وعلى مَنْ في القصر يُتَّهم تهمةً على أنه مُبتلى، لكن لا ينتبهون أيضاً أنه بعد ذلك هناك امتحانٌ وابتلاءٌ آخر قد يكون أشدَّ مِنْ سابقه وهو يوم تُمكَّن في الأرض ويكون كلُّ شيءٍ طوعَ أمرك ولكنك تبقى ثابتاً على مبادئك وقيمك وإحسانك.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
الدليل على ذلك أن سيدنا يوسف بقي الصِّدِّيقُ في البداية وعند الابتلاء وفي النهاية يا (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) خوطب بنفس اللفظ الصِّدِّيقُ.

الدكتور بلال نور الدين:

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)
(سورة يوسف)

في السجن.

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)
(سورة يوسف)

وهو في القصر، لم يتغيَّر.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
وهذه لها دلالاتٌ وأبعادٌ حتى مع القياديين يعني التمكين في البداية التمكين الإيماني يُعينك على هذا الأمر، أيضاً دلالةٌ أخرى أشرت لها دكتور وهي مِنْ خلال أنه لا يوجد ابتلاءٌ إلا بعده فرج، هكذا حصل مع سيدنا يوسف مِنَ البئر إلى القصر، مِنَ القصر إلى السجن، ومِنَ السجن إلى التمكين، وهذا فيه جماليةٌ عاليةٌ جداً:

{ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً قَالَ:‏ الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ }

(صحيح الترمذي)

وهذا دليلٌ أن الأنبياء حتى يتم التمكين لهم.

الدكتور محمد الجمل:
السورة خُتمت بقوله أو مِنْ أواخر الآيات الكريمة:

حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)
(سورة يوسف)


الدكتور مراد نواف الرفاعي:
دكتور محمد نريد أن نتكلَّم عن الشخصيات، وشخصية سيدنا يوسف هي الأساس لكن مرَّت شخصياتٌ فرعيةٌ كثيرةٌ لكن نحن نُركِّز أكثر على سيدنا يوسف.

تفسير القرآن وتأويل الرؤى:
الدكتور محمد الجمل:
تفسير القرآن والسنة يعتمد على دلالاتٍ لغوية
ما تفضلت به من موضوع الرؤيا في السنَّة النبوية كذلك موضوعٌ مهمٌ جداً، لذلك الإمام البخاري ترجم لكتابٍ عنده كتاب التعبير، الإمام مسلم ترجم كتاب الرؤيا وتحته جاءت كثيرٌ من التأويلات التي كانت تحصل مع الصحابة ويُأولها ويُعبِّرها لهم النبي صلى الله عليه وسلم، أمثلةٌ كثيرةٌ وجميلة، هنا يعني أيضاً لفتةٌ سريعةٌ قبل الدخول في الشخصيات، تفسير الرؤى أيضاً إشارة إلى الناس، موضوع تفسير الرؤى ليس كتفسير القرآن الكريم، تفسير القرآن وتفسير السنَّة وتفسير النصوص يعتمد على دلالاتٍ لغويةٍ محددةٍ ومعروفة، لكن تفسير الأحلام هذا لا يخضع إلى منطق الدلالات اللغوية المباشرة لأن فيه تأويل، لذلك يسمَّى تأويلاً وليس تفسيراً، فالقرآن الكريم يُفسَّر بمعطياتٍ لغويةٍ محددةٍ فيها دلالاتٌ واضحة، لكن علم تأويل الرؤى هو فتحٌ من الله سبحانه وتعالى، هو علمٌ لدنّي، الإشارات هذه ليست منطقيةً وإنما هي فتوحٌ ولذلك الله سبحانه وتعالى لما تحدَّث عن سيدنا يوسف عليه السلام في البداية قال:

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
(سورة يوسف)

فالتأويل جاء بين اجتباءٍ وبين إتمامٍ للنعمة، فالاجتباء خصوصيةٌ من الله سبحانه وتعالى، والتأويل كذلك فتحٌ من الله سبحانه وتعالى، لكن لا نلجأ إلى أي إنسانٍ، وليس تأويل الرؤى متعلقاً بالعِلم وإنما هو متعلقٌ بالصفاء وبالروحانية، وإلخ..

شخصية سيدنا يعقوب في القصة:
الشخصية المركزية والمحورية في السورة
بالنسبة للأشخاص: هناك شخصياتٌ محوريةٌ كثيرةٌ دارت حول الشخصية المركزية الرئيسية، أولها سيدنا يعقوب عليه السلام وثانيها إخوة يوسف، وثالثها امرأة العزيز، وهناك شخصياتٌ مرَّت سريعاً لا يُلتفت لها كأصحاب القافلة والعزيز، وصَاحِبَا السِّجْنِ مع يوسف أيضاً كانت وقفةً دعويةً في السورة الكريمة، وبعد ذلك عاد إخوة يوسف إلى المشهد وهكذا، طبعاً السورة سميت سورة يوسف عليه السلام لأنه هو الشخصية المركزية والمحورية، الشخصيات الأخرى لها أهميةٌ وضرورةٌ في القصة ولكن أهميتها تنبثق مِنْ مواقفها التي تتعلَّق بهذه الشخصية المركزية فتُبرِزُ صفاتٍ معينةٍ عند هذه الشخصية المركزية، لذلك سيدنا يعقوب عليه السلام صحيحٌ أنها شخصيةٌ نبويةٌ كريمةٌ ولكن في السورة الكريم لم تُعرض شخصية النبي سيدنا يعقوب عليه السلام الداعية النبي المُرسل، وإنما عُرضت شخصية الأب، شخصية الأبوة هنا وموضوع الأبوة بكل انفعالاتها ودوافعها وهكذا، فسيدنا يعقوب عليه السلام أبرز ما يُميِّز هذه الشخصية الصبر والصبر في السورة طبعاً محور مهمٌّ وأساسي، فسيدنا يعقوب لو نتحدث عنه الآن ربما نحتاج إلى حلقةٍ كاملةٍ عن شخصية يعقوب لأن فيها الغرائز والانفعالات والدوافع، وهذه قضيةٌ تدخل في جدلية العلاقة الأسرية في كلِّ المجتمعات والقرآن الكريم أبرز في علم النفس هذه المواقف بطريقةٍ رائعة.

شخصية أخوة سيدنا يوسف:
شخصية إخوة يوسف قامت على موضوع يتعلَّق أيضاً بالجانب التربوي والاجتماعي والحسد والغيرة وغيرها، فالشخصية هنا -شخصية الإخوة- شخصية الإنسان الغيور الحاسِد الحاقِد حتى على أقرب الناس إليه وهو أخوهم مِنْ صُلبهم ولحمهم ودمهم لكن مع ذلك لم يتوانوا حتى على أن يشرعوا في قتله، لأن المقترح الأول كان هو القتل، إذاً هذه شخصيةٌ متآمرة، شخصيةٌ تطرح كلَّ المبادئ والأخلاقيات والجوانب الإنسانية جانباً لأنها تريد أن تُحقِّق شيئاً ذاتياً، وهذا في المجتمعات ما أكثره، ما الذي يُوقع المشكلات الاجتماعية بين الناس وفي الأسر؟ هو الحسد.

شخصية امرأة العزيز:
الشخصية التي بعدها شخصية المرأة، امرأة العزيز التي تمثِّل الثراء والجاه والجمال أيضاً، الدافع هنا دافعٌ مهمٌ جداً أيضاً يمرُّ في حياة الناس، أنا كتبت في الماجستير عن موضوع غرائز النفس البشرية في المنظور القرآني وتناولتها بالتفصيل، فالغرائز مِنْ مظاهرها مِنْ الدوافع والانفعالات المعينة مِنْ أهمها الغريزة الجنسية التي أودعها الله في الإنسان كي يستمر هذا النسل فأوجدها الله لتُشبَع لا لتُكبَت ولكنه بيَّنَ طرق الإشباع الصحيحة، فهناك إشباعٌ صحيحٌ هناك إشباعٌ خاطئ هناك إشباعٌ شاذ، فهذه المرأة مثَّلت جموح المرأة عندما تنعتِقُ مِنَ الضوابط والمبادئ الأخلاقية والإسلامية.

الدكتور مراد نواف الرفاعي:
دكتور وقتنا ضيِّق هل نستطيع أن نقفز بالشخصيات أو نسمع مِنَ الدكتور بلال ثم نعود لك؟ الآن مِنَ الشخصيات المرأة هل تضيف أي شخصيةٍ أخرى؟ حتى نعود أيضاً للدكتور.

الشخصية التي يحب الإنسان أن يكونها:
الدكتور بلال نور الدين:
القدوة هي الشخصية التي أحبُّ أن أكونها
الشخصيات ثلاث؛ شخصيةٌ تكونها وشخصيةٌ تكره أن تكونها وشخصيةٌ تُحب أن تكونها، فالشخصية التي أكونها هي أنا على ما أنا عليه مِنْ إيجابياتٍ وسلبيات، لكن القدوة هي الشخصية التي أحبُّ أن أكونها، فأنا أحبُّ أن أكون كيوسف صبراً وحلماً وتواضعاً وإحساناً وكرماً، وحفظاً وعلماً:

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)
(سورة يوسف)

أحبُّ أن أكون كيوسف عليه السلام، وأكره أن تُثيرني الغرائز والشهوات كامرأة العزيز، وأكره أن أكون كإخوة يوسف حسداً، وأكره أن أكون كإخوة يوسف تآمُراً، نحبُّ أن نكون شخصيةً ونكره أن نكون أخرى، لكن ما الذي تحب أن تكونه؟ قالوا: قُل لي الشخصية التي تُحب أن تكونها لأقول لك مَنْ أنت، نحن نُحب أن نكون كأنبياء الله وكرسل الله:

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)
(سورة الأحزاب)


شخصية سيدنا يوسف:
الدكتور مراد نواف الرفاعي:
دكتور محمد هل تتكلَّم عن شخصية سيدنا يوسف في دقيقة؟

الدكتور محمد الجمل:
شخصية سيدنا يوسف عليه السلام أبرز ما ميَّزها في القصة ملامحٌ معينةٌ: أولاً الصبر، الصبر على الألم:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ
{ طرفة بن العبد }
وإلقائه في الجب والتآمر على قتله من إخوته، وفراق الأب، وفراق الأحباب، الصبر في كلِّ مشاهد القصة، الصبر على السجن، الصبر على الابتلاء بالفتنة، الصبر على المسؤولية، وهكذا.. قضيةٌ ثانية: موضوع السماحة والكرم، قضيةٌ ثالثة: الإرادة والتصميم، في كلِّ المآسي التي حصلت مع سيدنا يوسف عليه السلام بقي عنده الإرادة والتصميم حتى أصبح هو عزيز مصر، المواقف كثيرة.

خاتمة وتوديع:
الدكتور مراد نواف الرفاعي:
دكتورنا العزيز دكتور محمد الجمل نشكرك جزيل الشكر على هذا الكلام الطيب، أخي الدكتور بلال جزاك الله عنا كلَّ خير، وأما محطتنا الأخيرة وهي تعلَّمت من سورة يوسف عليه السلام أن ما جاء به الأنبياء إنما نَزَلَ مِنْ مشكاةٍ واحدةٍ ويُعزِّزُ بعضه بعضاً، فقصة نبي الله يوسف عليه السلام كانت دليلاً على صِدق نبوَّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
نلقاكم في الأسبوع القادم مِنْ برنامجكم رِحْلَة الصِّدِّيْق السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.