معجزة العصا واليد البيضاء

  • الدرس السابع - شرح الآيات 30 - 35
  • 2019-03-22

معجزة العصا واليد البيضاء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علماً يا ربّ العالمين.


التكرار أسلوب قرآني لتحديد هدف السور و مقصدها :
قصة موسى الأكثر وروداً في القرآن
مع اللقاء السابع من لقاءات سورة القصص، نحن مازلنا في قصة موسى عليه السلام كما جاءت في سورة القصص، وقلنا سابقاً: إن قصة موسى عليه السلام هي أكثر قصة تكرر ورودها في القرآن الكريم، أحصيتهم مرة أظن بثلاثين موضعاً بين إشارة سريعة وليس بالاسم، بالاسم أكثر، لكن بين إشارة سريعة أو تفصيل طويل، ثلاثون موضعاً تقريباً قصة موسى تكررت في كتاب الله عز وجل إذاً هناك حكمة كبيرة، أي أنت عندما تكرر شيئاً فإنما لتقرره، وما تكرر تقرّر، واليوم مما يصنعه الإعلام أنه يتبع هذه القاعدة، الإعلام الغربي والعربي يتبع هذه القاعدة، لكن الغربي مبدع فيها أكثر منا بكثير، مبدع في الشر طبعاً، وهو أنه ما تكرر تقرر، فيكرر المعلومة حتى تدخل إلى عقلك الباطن من دون أن تشعر، وتصبح أنت بشكل غير واع تعتقد بأن الإسلام مرتبط بالإرهاب، طبعاً ليس عند المثقفين وطلبة العلم، لكن عند الناس عموماً حتى المثقفين منهم بغير الثقافة الشرعية يدخل إلى أعماقه بأن الإسلام مرتبط بالإرهاب، لأنهم يكررون ذلك، مع أن الوقائع مختلفة لكن ما تكرر تقرر، فالقرآن الكريم عندما يكرر في القرآن سواءً قصة في مواضع مختلفة أو آية مثل:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
(سورة الرحمن :الآية 13)

التكرار أسلوب قرآني، لكن ليس التكرار الممل، وليس التكرار الغير مبني على أسس، فلو تتبعت قصة موسى في القرآن الكريم من مبدئه إلى منتهاه تجد أنها في كل سورة ذُكرت بالقدر الذي يكفي لأداء هدف السورة، وبالطريقة التي تحقق مقصد السورة، القدر والطريقة، أي طريقة المعالجة، لأنه أنا يمكن أن أعالج قضية بالطريقة - أ - وبالطريقة - ب - وبالطريقة - ج - ، وكل الدروب تؤدي للطاحونة كما يقول المثل، بالنتيجة تحقق نفس المقصد، في القرآن الكريم ربنا عز وجل قد يذكر المقطع من قصة موسى في مكانين أو ثلاثة، نفس المقطع، نفس الحدث، لكن طريقة المعالجة هي التي تخدم هدف السورة.

إرادة البشر قاصرة و إذا أراد الله إنفاذ أمرٍ أنفذه :
هنا في سورة القصص قلنا من البداية إن الهدف من السورة الوحدة الموضوعية التي ترد في السورة، موضوعات السورة تريد أن تحقق هدفاً واحداً وهو بيان أن الله تعالى ينصر رُسُلَهُ، وبيان أن الله تعالى يحيط أولياءه وأصفياءه بالرعاية، لذلك السورة عندما بدأت قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
(سورة القصص: الآية 5)

إرادة الله هي التي ستتحقق
السورة توضح لك أن هناك إرادة بشرية، إرادة الطغاة، وهناك إرادة إلهية، لكن إرادة الله هي التي ستتحقق، والآن كل ما سيذكر في قصة موسى عليه السلام في سورة القصص إنما ليحقق هذه الغاية، فالموضع الذي لا يحقق الغاية لن يذكر هنا، مثلاً: سيدنا موسى قومه عبدوا العجل، سيدنا موسى يقول :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً
(سورة البقرة: الآية 67)

في قصته مفردات مختلفة، لكن إذا كانت لا تحقق غاية السورة فلن تذكر هنا، فهنا في سورة القصص بدأت القصة بالحديث عن حلقة الولادة، لأنه بالولادة اتضح تماماً معنى كيف أنّ ربنا عز وجل رعى موسى وهو في التابوت، ورباه الذي أراد أن يقتله، فتبيَّنت رعاية الله عز وجل، ثم في طريقه بعد أن خرج من المدينة خائفاً يترقب بعد أن قتل نفساً من بني إسرائيل وذهب، رعته يد العناية كيف أوصلته إلى مدين، وكيف زوّجته من امرأةٍ صالحةٍ حييةٍ، وكيف خدم عند رجل من أهل التقوى، وأهل الصلاح، وابتعد عن هذه الأجواء، ورُبِّيَ في أجواء الطبيعة، واحتضنته يد الرعاية، ثم كيف ساقته يد الرعاية ليعود في هذه الصحراء، ثم كيف أراد الله عز وجل له أن يتيه في الصحراء في سيناء ولا يدري أين هو، أيضاً لحكمةٍ بالغة، ثم رأى ناراً:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
(سورة القصص: الآية 29)

تصطلون: تتدفؤون، هذا الذي تحدثنا عنه سابقاً، فكل المراحل التي ذكرتها القصة توضح أن الله عز وجل إذا أراد إنفاذ أمرٍ أنفذه، وأنّ إرادة البشر قاصرة، أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، هذا محور القصة.

الخوف والأمن يتنازعان الإنسان بكل لحظة من لحظات حياته :
الآن وصلنا:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
(سورة القصص: الآية 31)

الخوف والأمن يتنازعان الإنسان بكل لحظة
(وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي لم يلتفت إلى العقب إلى الخلف، شدة الخوف تجعلك لا تنظر إلى ما خلفك، بمعنى إذا إنسان رأى شيئاً مخيفاً جداً، ومضى لن يعود وينظر إلى خلفه، لأن أي نظر هو وقت مستقطع سيكون في غير صالحه في نظره، (وَلَمْ يُعَقِّبْ)، ربنا عز وجل قال: (يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) الخوف والأمن يتنازعان الإنسان بكل لحظة من لحظات حياته، سيدنا موسى قدوة لنا، خاف وأَمِن، بمعنى أنك طوال القصة تستطيع أن تنظر إلى خوفه وأمنه، عندما خرج من المدينة خرج خائفاً، وعندما وصل إلى الرجل الصالح الذي في بعض الروايات هو شعيب عليه السلام:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
(سورة القصص: الآية 25)

أَمِنَ عنده عشر سنوات، قضى أحسن الأجلين كما قلنا، الآن خرج، تاه في الصحراء، وقع في الخوف، ناداه ربه (إِنِّي أَنَا اللَّهُ) شعر بالأمن والطمأنينة، (أَلْقِ عَصَاكَ) خوف، ذهب قال له الله تعالى: (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ)، فالإنسان يتنازعه شعوران هذه سنّة الحياة، سنّة الحياة أن تكون خائفاً حيناً، وآمناً حيناً آخر، وقِس على ذلك، من سنة الحياة أن تكون حيناً مغتنياً، وحيناً مفتقراً، من سنة الحياة أن تكون حيناً ضعيفاً وحيناً قوياً، من سنة الحياة أن تكون حيناً ذا سلطة وجاهة ومكانة، وحيناً ذا ضعف ليس لك سلطة وجاهة ومكانة، هذه سنة الحياة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
(سورة آل عمران: الآية 140)

الربح يكون بأن تنجح في الابتلاء
وكل إنسان فينا يتعرض لهذه وهذه، وبطولته أن يقف الموقف الأمثل في الخوف وفي الأمن، في القوة وفي الضعف، في الغنى وفي الفقر، فليس الغني هو الذي ربح وليس الفقير هو الذي ربح، الذي نجح في الابتلاء هو الذي ربح، فلو أن غنياً حصَّل أموال الدنيا فطغى في الأرض وبغى ونسي المبتدى والمنتهى فقد خسر، ولو أن فقيراً ما جاءه من الدنيا شيء فصبر وتعفف وعبد الله فيما أقامه فلقي الله وهو عنه راضٍ فقد نجح، والعكس بالعكس لو أن فقيراً لم يأخذ شيئاً من الدنيا لكنه كان ساخطاً على الله فقد رسب، ولو أن غنياً حيزت له الدنيا بحذافيرها فبذل لله، وأعطى لله، ومنع لله، وأنفق في سبيل الله، فقد نجح، فالقضية ليست في أن تكون خائفاً أو آمناً، فقيراً أو غنياً، القضية أين أنت في الخوف؟ وأين أنت في الأمن؟ أين أنت في الغنى؟ وأين أنت في الفقر؟ كيف تقف؟ كيف تتعامل مع الحالة؟
نحن وصلنا إلى قوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
(سورة القصص: الآية 31)

ومن لا يأمن وهو في جوار الرحمن الرحيم؟!

نقل الله سيدنا موسى من حالة الخوف إلى حالة الأمن و الاطمئنان :
الآن:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
(سورة القصص: الآية 32)

الجيب هو الفتحة في أعلى الصدر في اللغة العربية:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ
(سورة النور: الآية 31)

لا يحل لمسلم أن يروع أخاه
فالجيوب هي الفتحة التي في أعلى الصدر، طبعاً في عهدنا اليوم الجيب أصبح في الأسفل على الأطراف، أو في الخلف، لكن هو في الأصل فتحة الصدر، فقال: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي أدخل يدك في فتحة قميصك عند صدرك، اسلكها أي أدخلها، (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) يروى أن سيدنا موسى يده فيها سُمرة، سُمرة أهل مصر، أي هي سُمرة ليست بيضاء، لكن البياض أيضاً ليس بياضاً طبيعياً، ليس بياض الناس العاديين الذين هم من العرق الأبيض، لا، هي بيضاء وكأنها تشع، بياض يشع، (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي من غير مرض، طمأنه ربنا عز وجل، وهو الآن في معجزة طمأنه ربنا عز وجل، بمعنى لا ينبغي أن تخوف أحداً، لأن الإنسان إذا سلك جيبه وأخرجها بيضاء يظن أنه مرض أو سوء أو يتساءل ما الذي حدث؟ صعبة جداً، فربنا عز وجل يطمئنه من غير سوء، ويعلمنا أنه لا ينبغي أن نروع مسلماً، لا يصح ذلك:

{ لا يحل لمسلم أن يروع أخاه }

(رواه أبو داود)

المعجزة هي خلاف العادة
(تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) الآن موسى عليه السلام في هذا الموقف، تخيّل الموقف: صحراء باردة، ليلة شاتية، مكان مضيء في الصحراء ذهب إليه، سمع نداء عند الشجرة يقول: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) الموقف فيه رهبة، فيه خوف، مع كل الحب، ومع كل الأمن الذي هو بجوار الله، لكن الموقف رهيب، رهبة الموقف واضحة، الآن العصا تحولت إلى ثعبان، وتكلمنا في المرة الماضية أن المعجزة هي خلاف العادة، وليست خلاف العقل، لأن الثعبان هو مادة، الثعبان الأصلي الذي تراه أنت في الأرض ما هو في الأصل؟ مادة، لكن المادة الله بث فيها الروح، والدليل أنه إذا مات الثعبان يعود عصا، إذا نزع الله منها القوة المحركة ماذا تعود؟ مادة، لا يوجد فيها أي روح، فالعصا عندما تحولت هي عملياً خالفت العادة لأن العصا في عادة الناس لا تصبح أفعى أو ثعباناً مبيناً، لكنها لم تخالف العقل، لأن العقل ما دام اقتنع بالثعبان الذي يمشي على الأرض فيقتنع بالعصا أن تصبح ثعباناً بلحظة، هي واحدة عقلياً ليس هناك مشكلة.
الآن الإسراء والمعراج استحال عادةً ولم يستحل عقلاً، اليوم إذا جاء شخص وقال: حدثت معي معجزة البارحة، قلنا له: خير، قال: في نفس اليوم سافرت من الأردن إلى اسطنبول، أين المعجزة في الموضوع؟ يقول لك: ذهبت وعدت، تقول له: أين المعجزة؟ ذهبت في الطائرة وحدث هناك مشكلة في المطار ولم تهبط فعادت الطائرة إلى عمان، أخذت حوالي ساعتي ذهاب وساعتي إياب، ماذا حدث! فاليوم ما يشبه الإسراء ليس معجزة، لكنه هو معجزة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لعدم توفر آلية الانتقال في عادة الناس، فلذلك كل ما تراه عينك في الكون هو معجزة، أنت عندما تشاهد عصفوراً يطير في الهواء هذه معجزة أم ليست معجزة؟! كيف يطير؟ كيف يُحلق؟ فالأشياء التي اعتدناها وألفناها نظنها أنها ليست بمعجزة، هو في الحقيقة كل شيء معجز، معجز بمعنى أنه يعجز البشر عن الإتيان بمثله، الآن العصا تحولت إلى ثعبان انتهينا منها، اليد أصبحت بيضاء مشعة من غير سوء، ومن غير مرض، فموسى عليه السلام شعر بالرهبة، والرهبة أعلى مستويات الخوف، مباشرةً تداركه الله عز وجل أول مرة قال له: (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)، المرة الثانية قال: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)، الرهب: أي بسبب الرهب، بسبب الخوف، والرهبة منتهى الخوف:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
( سورة البقرة:الآية 40)

الرهبة تجمع مع الخوف جلالاً
(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) شدة الخوف، والرهبة تجمع مع الخوف جلالاً، الرهبة ليست خوفاً فقط، أنت ممكن أن تقول: خفت من ثعبان، أو خفت من سيارة مسرعة، لكن أن تقول: رهبت، مثال: أنا أرهب معلمي، معلمك لا يخوف ولكن هناك جلال يعطي في القلب خوفاً مع إجلال، هذا اسمه رهبة، فهنا موسى عليه السلام يقف في هذا الوادي بجلال الله، وبعظمة الله، وبتجلي الله عليه، هذه الظواهر الغريبة التي لم يألفها أنتجت الرهبة، فقال له: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) لماذا سمى اليد جناحاً؟ تشبيهاً بجناح الطائر، فكأن الطائر عندما يرفرف بجناحيه، هذه الرفرفة توحي بالرهبة والخوف لأنه ارتجاف، والضم يوحي بالاطمئنان، والأم إذا ضمت ابنها إليها اطمأن، فدائماً الضم يوحي بالاطمئنان، والرجفان والخفقان يوحي بخفقان القلب، فعبر القرآن بهذا التعبير اللغوي الرائع، شبه يده بالجناح حتى ينقل لك صورة حالته وهو في هذا الموقف، هذا ما يسمى التصوير الفني في القرآن الكريم، أي الكلمات تُعبر عن المدلول وكأنك تراه، أنت تقرأ مثلاً:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا
(سورة الزمر:الآية 71)

تشعر بأن الموقف ليس كلاماً، كأن الموقف هو شيء واقع تراه بعينك:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ
(سورة النور: الآية 39)

انظر إلى التصوير، صحراء، القيعة: هي الصحراء، أعمال الذين كفروا تشبه السراب، السراب أي إنسان واقف في الصحراء فعن بعد بسبب انعكاسات الشمس رأى كأن هناك ماءً (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ) لأنه لديه حاجة، الظمآن ليس فقط السراب يحسبه قيعة بل إذا وضعت بجانبه طلقة يعتقد بأنها كأس ماء، لأن اتجاهه كله إلى الشرب (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ) انظر جرس الكلام (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) هذا الحسم بعد الإمهال (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) هذا اسمه التصوير الفني في القرآن، فهنا يصور القرآن حالة هذا الرجل، حالة سيدنا موسى عليه السلام، قال: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ) فقط افعل هذا، (مِنَ الرَّهْبِ) بسبب خوفك، فقط افعل هكذا، ضم (مِنَ الرَّهْبِ) ترتاح، أراد الله عز وجل أن ينقله من حالة الخوف إلى حالة الاطمئنان بضم جناحه إليه.

برهانان من الله لسيدنا موسى على أنه رسوله :
الآن قال: (فَذَانِكَ)، ذانك أي هذان، هذان هما إشارة إلى اليد التي أصبحت بيضاء، وقبلها العصا التي أصبحت ثعباناً، (فَذَانِكَ) هذان الأمران (بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ) والبرهان هو الحُجّة، فهذان الأمران حُجَّةٌ لك من الله على أنك رسوله، وعلى أنك مؤيد بالوحي من عند الله، (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) ملئه أي جماعته ومناصريه، الملأ، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الفسق.

مصطلحات في القرآن يجب معرفتها :
نحن يوجد عندنا مصطلحات في القرآن يجب أن نفهمها، هناك فسق وهناك كفر، هناك تكذيب وهناك ظلم مثلاً، هذه المصطلحات التي تطلق غالباً على الذين لا يقيمون شرع الله، أو البعيدين عن دين الله، ظلم، فسق، مُكَذِّبين، كافرين، الكُفُرْ هو الغطاء، مثل cover باللغة الإنكليزية، الكفرْ هو الغطاء، هناك مدن في سوريا تسمى: كَفَرْ بطنا، كَفَرْ يابوس الخ.. لشدة ما فيها من نبات غطى الأرض فسميت كَفَرْاً، كثير من القرى اسمها كَفَر كذا، أي الغطاء النباتي الكثيف غطّى الأرض، فالكفرْ هو الغطاء:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي
(سورة الكهف: الآية 101)

الكفر ليس مبرراً للحرب
فإذا قلنا: إنّ فلاناً كافر، هل نحن نصفه؟ مبدئياً نحن كبشر ليس كإله هل نصفه أم نذمّه؟ مبدئياً وصف، فلان من الناس لا يؤمن بما أؤمن به، عينه في غطاء عمّا كشفه الله لي، بمعنى عمّا اتضح لي من القرآن والسنة، عينه في غطاء، فهو كافر بما أؤمن به، هذه الكلمة لا تدعو ولا تعني أنني أريد أن أحاربه، لأن الكفر ليس مبرراً للحرب، هل إذا إنسان كافر أي لا يؤمن بما أؤمن به؟ هل يجب أن أحاربه؟ هل يوجد بالشرع شيء كهذا؟ لا، لا يوجد شيء كهذا في الشرع.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
(سورة البقرة الآية 190)

أما الآيات:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
(سورة البقرة الآية 191)

هذه الآيات بالمناسبة خاصة بحالات محددة بالمحاربين الذين كانوا في مكة، وغيرهم الذين نكلوا بالنبي وأصحابه، لها دراستها بسورة التوبة، ويلزمها دراسة مستفيضة، لكن كمبدأ عام عندما شرع القتال لم يشرع القتال لنقاتل الكافر حتى يدخل في دين الله:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
(سورة البقرة: الآية 256)

وإنما شرع لأهداف عليا وسامية، فالكفر هو الغطاء، هذا الأمر الأول، وعندما يصف الله تعالى قوماً بأنهم كافرون فهذا يعني بأنهم لم يعلموا الحقيقة، أو غطوا عن الحقيقة، علموها وغطوا عليها، هذا الكفر.

أقسى أنواع الظلم ظلم الإنسان لنفسه و عدم تعريفها بالله :
الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه
الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، إذا كان لديك شركة وجاءك مهندس، والمهندس درس خمس سنوات واختص سنتين، ثم أنت قلت له: لا يوجد لدي عمل لك كمهندس وسأوظفك لتقديم القهوة والشاي! العمل في تقديم القهوة والشاي ليس بعمل سيئ، والذين عملوا في هذا هو على العين والرأس، ولكن هذا المهندس أنت ظلمته، لأن هذا المهندس ليس موضعه هنا، ونفس الشيء إذا أتاك شخص لم يدرس شيئاً، وقال لك: هل لديك عمل؟ وقلت له: نعم، فالمهندس الذي كان يعمل هنا ترك العمل، وأنا أحتاج مهندساً هل تجلس محله! وهذا أيضاً ظلمته، أي ظلمت المكان وظلمت الشخص، فالظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فالإنسان الذي يظلم إنما يظلم لأن نفسه أرادها الله أن تصل إلى الجنة فأوردها موارد الهلاك فهو ظالم، هذا الظلم.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ
(سورة فاطر: الآية 32)


الكفر تكذيب وإعراض والفسق خروج عن المنهج :
التكذيب هو إنكار الحقيقة
التكذيب: هو فرع من الكفر، لأن الكفر هو تكذيب وإعراض، فالتكذيب هو أن تنكر الحقيقة ولو كانت واضحةً كضوء الشمس، سيأتي معنى المكذبين بعد قليل والظالمين، لذلك أردت أن أقولهم كلهم مع بعض حتى نجمع المادة، فالتكذيب هو أن تنكر الحقيقة من أجل مصالحك، أو خوفاً على نفسك، فتكذّب بالحقيقة فيصبح الإنسان عندها مُكذّباً، الآن الفسق الذي جاء في الآية هنا:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
(سورة الزخرف: الآية 54)

الفسق: هو الخروج، إذا قشرة التمرة خرجت عنها نقول: فسقت، أي خرجت، فأي خروج عن المنهج هو فسق، فالكفر عملياً هو حالة جحود بالعقل، والفسق هو حالة إعراض بالسلوك، الكفر هو غطاء يغطي عين الإنسان فلا يبصر الحقيقة مهما كانت واضحة، ممكن أن يكون الغطاء بسبب مصالحه، لا يعني أن الحقيقة غير موجودة، بسبب مصالحه أصبح هناك غشاوة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
(سورة البقرة: الآية 7)

الفسق هو الخروج عن المنهج
من أين جاءت الغشاوة؟ هل الله وضع عليهم الغشاوة حتى يكفروا؟ لا، طبعاً وضعها عليهم لكن بما؟ بسبب أنهم لا يريدون رؤية الحقيقة، لأن شهواتهم ومصالحهم أقوى من إيمانهم، ومن خطاب عقلهم وفطرتهم، فالفسق هو الخروج عن المنهج، أي الفسق بالسلوك، هنا جاء (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) أي جاء بالنتيجة، بمعنى أن هذا الفسق والخروج عن المنهج ما الذي أدى إليه مع فرعون؟ طغيان واستعباد لبني إسرائيل، وتقتيل لأبنائهم، واستحياء لنسائهم، وإثارة الفتن الطائفية، وجعل أهلها شيعاً، واستضعاف الناس:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
(سورة القصص:الآية 4)

فجاء بكلمة الفسق لأن الفسق يدل على الواقع الذي كان يعيشه فرعون وملئه، وهو الخروج عن المنهج، وعندما يخرج الإنسان عن منهج الله سيسيء حتماً، سيسيء للجماد والنبات والحيوان والإنسان، إساءته بالغة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
(سورة البقرة:الآية 205)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
(سورة الزخرف: الآية 54)


حمل سيدنا موسى المسؤولية و المضي بها بمساعدة هارون عليهما السلام :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
(سورة القصص: الآية 33)

هل كان موسى عليه السلام هنا يتنصَّل من المسؤولية؟ حاشاه، حاشا لنبي يقف بين يدي الله ويُحمّله مسؤولية منه فيقول: يا رب أنا لا أستطيع أن أذهب لأنه صعب، لا، قال المفسرون: موسى عليه السلام كان خائفاً على طريق الدعوة، أي هو الآن حمل المسؤولية وسيمضي بها، والدليل مباشرةً بالآية التي بعدها:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ
(سورة القصص: الآية 34)

أي أنا ذاهب فاجعله معي، سنذهب، القضية منتهية، لكن أنا عندي مشكلة قد تحول دوني ودون أداء الأمانة التي وُكِّلْتُ بها، بمعنى أنت إذا جاء مدير الشركة وقال لك: سوف أوكلك بهذه المهمة، وأنت تحب مدير الشركة، وتحب عملك، وأنت قادر على القيام بالمهمة، لكن أنت نظرت وقلت له: عفواً هناك شيء أنا لا أستطيع أن أكمل بدونه، يقول لك: خير ما هو هذا الشيء؟ تقول: العمل يحتاج إلى حاسب متطور، والحاسب الموجود ضعيف لا أستطيع أن أنزل البرنامج عليه، فأنا لا أتنصل من المسؤولية، أنا أطلب الدعم فقط، حتى أؤدي المسؤولية التي أنيطت بي، فأنت عندما يطلب منك شيء لك أن تطلب ما يعينك على أدائه، هذا لا يعد تنصُّلاً من المسؤولية، هذا بالضبط الذي قاله سيدنا موسى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
(سورة القصص: الآية 33)

(فأخاف) على الدعوة (أن يقتلون) فلا تتم المهمة التي أوكلتني إياها فأكون قد قصرت في أداء الواجب، فماذا أصنع بهذه الجزئية، بهذا المعنى.
الاعتراف بالميزات الموجودة عند الغير
الأمر الآخر (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً) أولاً: سيدنا موسى يعترف بالميزات الموجودة عند غيره، ما منعه أن يقول: ممكن فلان يساعدني مع أنه هو نبي الآن؟ أي ليس ملكاً الذي وكّله بمهمة، ليس مدير الشركة الذي كلفه بالمهمة، خالق السماوات والأرض تكلم معه، وهذا لم يحدث لمخلوق، ربنا عز وجل يتكلم معه مباشرةً، ويقول له: أحملك مهمة، فالآن إذا إنسان وُكِّل بمهمة من أبسط المهمات من شخص مهم جداً، من الممكن ألا تستطيع أن تكلمه، قرأت عبارة أعجبتني؛ أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان في الغار فجاءه الوحي جبريل يقول له:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
(سورة العلق: الآية 1)

ثم نزل إلى الأرض فرأيناه يَخْصِفُ نَعْلَهُ، و يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، انظر حجم الذي حدث معه، وانظر إلى التواضع، فالتواضع يقاس بقدر حجمك، إذا إنسان قلنا: متواضع ما شاء الله، هو متواضع وإن شاء الله أجره كبير، ولكن قد لا يوجد لديه أي ميزة حتى لا يكون غير متواضع، أما إذا إنسان عنده مئة ميزة ثم كان متواضعاً هذا تواضعه أوضح وأجلى للعيان، مع العلم أن في الحالتين التواضع عند الله محمود، لأن هناك إنساناً يتكبر من غير أن يملك شيئاً:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
(سورة البقرة: الآية 206)

فهنا رغم كل هذه المكانة التي حظي بها موسى عليه السلام قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً) اعترف بأن هناك من يمكن أن يساعده في مهمته، و بقي موسى موسى وبقي هارون هارون، لم يصبح هارون موسى ولم يصبح موسى هارون، عندما رجع الهدهد إلى سليمان قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
(سورة النمل: الآية 22)

النبأ شيء مهم جداً
جئتك بنبأ وليس خبراً، بنبأ أي شيء مهم جداً ولا تحتمل الصدق والكذب، قمت بجولة تفتيشية وعدت لك بنبأ مهم (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) فعندما أحاط الهدهد بما لم يحط به سليمان، هل أصبح الهدهد سليمان؟ بقيَ هدهداً، وشُرِّف وذُكِر في القرآن لأنه جاء وقال لسليمان: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) فأنت عندما تكون عندك معلومة ناقصة فلا تتكبر أن تأخذها ولو من طفل صغير.
سيدنا عمر بن الخطاب قال: " كل الناس أفقه منك يا عمر، أصابت امرأةٌ وأخطأ عمر " وبقيت المرأة امرأة ولا نعرف من هي، وبقي عمرٌ عمراً عملاق الإسلام، لم تنزل مكانة عمر، هنا موسى عليه السلام يقول: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي) طبعاً في بعض الروايات، ما أظن أن صحتها ثابتة يقيناً، أنه كان لديه لثغة في لسانه، الله أعلم، لكن (أَفْصَحُ مِنِّي) لا تعني بالضرورة أنه لديه لثغة، ممكن أن يكون أقدر على البيان، هناك إنسان عنده قدرة على البيان:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
(سورة الرحمن: الآية 4)

الفصاحة وهي القدرة على البيان
عنده قدرة على الإفصاح أكثر من غيره، هناك إنسان عندما تضعه في موقف يتكلم به لا يكون قادراً على العطاء، سبحان الله، كل إنسان الله أودعه في مكان، إنسان يجد نفسه على المنبر ويتكلم، ويجد الفصاحة في كلامه، وإنسان على الكتاب، وإنسان بالعلم، وكل واحد في مكانته، فهو قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً) (أفصح مني لساناً) هذه (لساناً) تمييز، أي فصاحته في لسانه، إذاً هناك فصاحة في غير اللسان؟ ممكن بالمعنى العام وليس الخاص، بمعنى الفصاحة وهي القدرة على البيان، يمكن مثلاً أن يكون له قدرة على البيان بكتابته، بقلبه، بأخلاقه، كله بيان، (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا) ردءاً: أي معيناً، ردءاً هنا لها بمعنى معين بمعنى يظاهرني، أي يقف معي، يؤيدني في دعوتي، يكون معي في كل موقف حتى يتكلم بما قد أعجز عن الكلام به، (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) يصدقني أي يدعمني ويؤيدني، ليس بمعنى أنه يكون صادقاً، بمعنى التصديق، بمعنى آتي أنا بالفكرة فأنت تُصَدّقُني بها، فتقول: نعم هذا كلام صحيح، وأُضيفُ عليه كذا، مثال: إذا كنا في مجلس، وأنا قلت فكرة، والفكرة بالنسبة لك صحيحة ومستوعبها، فتقول: جزاه الله خيراً بلال قال فكرة صحيحة، وأنا أقول أيضاً وأضيف عليها بأن كذا وكذا وكذا، هذا يصدّقني، (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) نفس الخوف الأول، الخوف المقدس، الخوف على ألا أنجح في مهمتي التي وكلت بها، الخوف ألا أؤديها كما طلبت مني تماماً، لأنها مهمة عظيمة من الله، فأُريد من أحد أن يناصرني ويساعدني حتى تكون الحجة دامغة وقوية، ولا يبقى لهم مجال للتكذيب، لأن مصالحهم ستدفعهم إلى التكذيب، وتكلمنا عن التكذيب.

الأخ في القرآن الكريم كناية عن المؤازرة والمناصرة :
جاء الجواب الإلهي فوراً قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
(سورة القصص: الآية 35)

الأخ هو الذي يناصرك ويؤيدك
العضد هو ساعد اليد، (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ) كناية عن المؤازرة والمناصرة بأخيك، والأخ في القرآن الكريم، والأخ عموماً هو الذي يناصرك ويؤيدك، الابن لا أحد يشعر إلا بمراحل متقدمة بالحياة أن الابن يؤيده، أو يكون عوناً له، الابن موطنه أن الأب دائماً مهما كبر الابن يشعر الأب أن الابن أنا المسؤول عنه، والابن يشعر أن والده في مرتبة علية من الجاهة والمكانة، أي ينظر إليه مكانةً عاليةً، من المساوي؟ الأخ، لذلك في القرآن الكريم عندما قال تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
(سورة عبس: الآية 34-35)

(يَفِرُّ) أول شيء بدأ بأقرب الناس إليك وهو الناصر والمعين، فلما تحدث عن الاعتزاز قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ
(سورة التوبة: الآية 24)

بدأ بالأب، لأن الأب هو المصدر، تقول: أبي كان كذا، وكان كذا، (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) السلطان: هو الحماية، فلان له سلطان أي له سور يحميه من هجمات الناس، من كذا، فربنا عز وجل فوق المعجزتين أعطاه السلطان، السلطان هو أن الله عز وجل تكفل بحمايته حتى يؤدي دعوته، ومعلوم أن الأنبياء لا يقتلون إلا بعد أن يؤدوا مهمتهم:

{ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرس حتى نزلت هذه الاَية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (سورة المائدة: 67) قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل" }

(رواه الترمذي)

لأنه إذا قُتل الرسول قبل أن يؤدي مهمته، طبعاً أنبياء بني إسرائيل قتلوا منهم:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ
(سورة آل عمران: الآية 21)

ولكن إذا قُتل ومعه رسالة لم يؤدها فهذا حاشاه تعالى يدل على ضعف المُرْسِل، أي أنت إذا بعثت رسولاً برسالة، ونال منه الناس قبل أن يؤدي رسالته، هذا يعني أنك لست قادراً على حماية سفيرك، مشكلة، فلذلك الأنبياء معصومون من أن يقتلوا إلا إذا أدوا رسالتهم، فهنا قال: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) أي ليس من المعقول أن يدخل عليه وينهض فرعون ويقتله، انتهت، لم يبق أداء للرسالة نهائياً، (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) وهذا دليل على محور السورة الذي تكلمنا عليه وهو أن يد الرعاية الإلهية تحيط بموسى، وأن الله ينصر أولياءه.

حفظ الله لموسى و هارون لأنهما أصحاب رسالة ينبغي أن تؤدى :
الآن جعل له سلطاناً (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) قال: (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) من يصلون؟ فرعون وملئه، (إِلَيْكُمَا) إلى موسى وهارون، أي لن يستطيع أحدٌ أن يصل إليكما بسوء لأنكما أصحاب رسالة ينبغي أن تؤدى، فهذا الحفظ من الله تعالى، كيف؟

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
(سورة المدثر: الآية 31)

كيف ربنا عز وجل يحمي إنساناً؟ هذا شأنه جلّ جلاله، ثم قال: (أَنتُمَا) موسى وهارون (وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا) أي الذين سيؤمنون معكما وسيكونون معكما، (بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (بِآيَاتِنَا) تابعة لما بعدها أي (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) التقديم والتأخير بالكلام (أَنتُمَا) (الْغَالِبُونَ) (وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا) (بِآيَاتِنَا) أي بالحجج والبينات التي معكم، بسبب الحجج، هذه الباء باء السببية، أي (بِآيَاتِنَا) تنتصرون، بحججنا تنتصرون، بالبينات تنتصرون، (بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).
الآية هي العلامة الواضحة
لماذا قدم (بِآيَاتِنَا)؟ تقديم أهمية، ليلفت النظر إلى السبب الذي سيؤدي إلى الغلبة، فهل ستكون الغلبة بقوة ذاتية من موسى وهارون؟ لا، هل ستكون بسبب ضعف فرعون وملئه؟ لا، هل ستكون بسبب معجزة سيهيئها الله عز وجل فجأةً؟ هذا جزء من الآيات، فهي شيء خارق للعادة، العادة والمألوف بأن فرعون هو الغالب، لأنه هو صاحب القوة، والسلطان، والملأ الأكثر، ومعه قوة أكبر، وهو المسيطر، هو بأمر واحد يقتل موسى، لكن (بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) فالغلبة ستكون لكما (بِآيَاتِنَا)، والآية هي المعجزة أو البرهان، نقول: فلان آيةٌ في الجمال، علامة دالة على الجمال، الآية هي العلامة، لكن هي العلامة الواضحة، البينة، الظاهرة، وسمي الجزء من السورة آية لأنها تدل على إعجاز القرآن، فهي علامة على الإعجاز، فالآيات آيات ربنا عز وجل.
في ختام الآية (بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) هذه الآيات التي تظهر وتبين الحجة والغلبة والقوة على فرعون، بسبب ما ربنا عز وجل جعل لهما من هذا السلطان (بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).

رعاية الله لرسله و تأييدهم :
الآن هذه الحلقة من القصة طويت، هي بطور سيناء، بسور أخرى ممكن أن ترجع لها وتلقاها معروضة بطريقة أُخرى، سورة طه أظن، ختمت الحلقة بهذا الشكل بهدف وهو تبيان رعاية الله كما قلنا، وتأييده لرسله، أُغلقت الحلقة وصرنا بمصر:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ
(سورة القصص: الآية 36)

القصة هنا تعرض على شكل حلقات وبينها فجوات، الفجوة هي المكان الذي ربنا عز وجل يريد أن يُغفله هنا لعدم الحاجة إلى ذكره، وليطلق لخيالك أن تتأمل بعد ذلك ما الذي حصل، أنت تقول لنفسك: رجع موسى عليه السلام إلى أهله وقد حمل الرسالة، وسار بهم، وتابع طريقه، ووصل إلى فرعون، الآن كيف دخل؟ هذا لا يهمنا، صرنا عند موسى (فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا) أخذ الآيات وجاء إليهم بها، فجوة بسيطة تترك لك الخيال، وتعفيك من ذكر أشياء لا علاقة لها بالعبرة المرادة من القصة.
والحمد لله رب العالمين
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك