قهر إرادة الله لجبروت فرعون

  • الدرس الأول - الآيات 1-5
  • 2019-01-11
  • عمان

قهر إرادة الله لجبروت فرعون

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

سورة القصص سورة قريبة جداً من واقع المسلمين اليوم :
نحن اليوم إن شاء الله نبدأ بسورة القصص، طبعاً لماذا اخترت سورة القصص تحديداً؟ الحقيقة سورة قريبة جداً من واقع المسلمين اليوم، السورة مكية، وواقعنا اليوم أقرب للواقع المكي منه للواقع المدني.
الواقع المكي هو واقع الاستضعاف للمسلمين، وجود القوة الطاغية التي تحاول النيل منهم، وجود التقصير من المسلمين، فالقِوى تحاول أن تتحكم بهم، وتطغى عليهم، فسورة القصص تناسب واقعنا الذي نعيشه اليوم.
كما تعودنا بدايةً السورة سميت القصص لأن فيها قصتين مهمتين جداً، القصة الأولى قصة موسى مع فرعون، والثانية قصة قارون:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ
[ سورة القصص: 76 ]

قوة الله تتجلى في نصرة المستضعفين
القصتان تسيران نحو هدف واحد، وهو بيان القدرة العظيمة لله عز وجل، أي كأن موضوع سورة القصص هو أن يبين لهذه القلة المستضعفة التي كانت في مكة تُسام سوء العذاب، نماذج كانت موجودة في عهد موسى عليه السلام، ثم فيما فعله قارون مع قومه، وكيف أن قدرة الله عز وجل هي التي ظهرت وهي التي انتصرت، وهذا طبعاً أمر لا بد منه، سورة القصص قصتان؛ وما بينهما مظاهر كونية، مظاهر البعث واليوم الآخر، مظاهر الجنة والنار، لكن لهدف واحد وهو دعم القضية الرئيسة في القصة وهي قوة الله عز وجل، وكيف تتجلى قوة الله في نصرة المستضعفين، وفي القضاء على الطغاة والمجرمين، هذا محور سورة القصص، لذا لنعي أن هذه السورة تخاطب أهل مكة المسلمين يوم كانوا يُسامون العذاب، يوم كانت توضع الحجارة الكبيرة على جسد بلال الحبشي رضي الله عنه فيقول: أحدٌ أحد، يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر في مكة على آلِ ياسر لا يملك لهم إلا أن يقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، هذا الجو الذي كان في مكة يناسب الجو الذي تتحدث عنه سورة القصص:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[ سورة القصص: 4 ]

انظر إلى التقابل بين الجوين تماماً، موسى ضعيف مستضعف، كيف رعته يد القدرة الإلهية، وكيف أوصلته إلى وراثة الأرض:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ
[ سورة القصص: 5 ]

إلى ما هنالك، إذاً جو مكة يتناسب مع جو سورة القصص بشكل كبير جداً في مجريات الأحداث، وفي مسرح الأحداث.

التناسب بين سورة النمل وسورة القصص :
سورة القصص تبدأ بقوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
[ سورة القصص: 1-2 ]

السورة التي تسبق سورة القصص هي سورة النمل، وختمت بقوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
[ سورة النمل: 93]

آيات الله كونية و أفعال
سورة النمل ختمت ﴿ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾، سورة القصص بدأت بـــ ﴿ طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾ هذا التناسب بين منتهى السورة وبداية السورة علم مهم جداً، هو علم التناسب، فَخُتمت السورة سيريكم آياته فجاءت سورة القصص لتبين بعض آيات الله عز وجل، سواء آياته المسطورة وهي القرآن الكريم، أو آياته المنظورة في أفعاله جل جلاله، وفي الكون، فنلاحظ في سورة القصص آيات القرآن، الكتاب المسطور، وآيات الله عز وجل المنظورة في الكون، سوف تأتي آيات كونية بسورة القصص عن الشمس والقمر والليل والنهار، وآيات من أفعال الله عز وجل، كله آيات، فقال: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾، ﴿ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾، متى سيرينا آياته؟ في سورة القصص، هذا التناسب بين سورة النمل والقصص، تبدأ السورة بقوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم
[ سورة القصص: 1]

بعد أن قمنا بجولة سريعة بسورة القصص تحدثنا عن محورها الرئيس، طبعاً الاسم مرتبط بالقصة، لأن سورة القصص فيها قصتان، تدور السورة كلها حول هاتين القصتين، ألا يوجد سور أخرى فيها قصص؟ هناك سورة يوسف فيها قصة واحدة، لكن سميت سورة يوسف، ولم تسمَّ سورة القصص، لماذا سورة القصص تحديداً سميت القصص؟ لأن القصص التي فيها هي محور السورة، وكيف تُوظف القصة في خدمة الدعوة، أي الهدف التربوي فيها هو القصص نفسها، فلذلك اسمها سورة القصص.

إعجاز القرآن الكريم :
تبدأ السورة بقوله تعالى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم
[ سورة القصص: 1]

أحرف اللغة العربية من اعجاز القران الكريم
طسم أحرف مقطعة من بداية بعض السور القرآنية، وهذه الأحرف المقطعة تقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول (نقص عسلكم) هذه أحكام التجويد وأنتم تعرفونها، نون قاف صاد عين سين لام كاف ميم، المحور الأول يمد ست حركات وجوباً أو جوازاً حسب المد، والقسم الثاني: (حي طهر) حا يا طا ها را، وهذه الحروف الخمس تمد مداً طبيعياً حركتان، وهناك ( الألف ) هذه لا تمد، تقرأ هذه الأحرف بالشكل الصوتي الذي لها حسب ما تعلمون، قاف نون، هنا طاء سين ميم أحرف مقطعة، ما هذه الأحرف المقطعة؟ الحقيقة للعلماء فيها مذاهب شتّى، وأكثر من اختصر فيها من قال: الله أعلم بمراده منها فوكل أمرها إلى الله، ونحن نقول: الله أعلم بمراده منها، لكن لا يمنع أن نَستقصي من خلال هذه السورة ما يمكن أن تفيد هذه الحروف، من الآية التي تليها يمكن أن نستفيد.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
[ سورة القصص: 1-2 ]

أي من هذه الأحرف صنعت آيات الكتاب المبين الذي بين أيديكم، العرب يوجد عندهم ثمانية وعشرون أو تسعة وعشرون حرفاً مع الألف والهمزة في لغتهم، فالمادةِ الأولية موجودة، لماذا جعل الله كلامه من هذه الأحرف؟ أحرف اللغة العربية نفسها هذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

آيات الكتاب المبين صيغت من هذه الحروف التي بين أيديكم، فإن كنتم قادرين على الإتيان بمثلها فافعلوا، فعجزوا، تحداهم بعشر سورٍ مفتريات، ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ ، أليس القرآن مفترى بزعمكم ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ ثم قال: بآية فعجزوا:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ
[ سورة البقرة: 23 ]

أيضاً عجزوا، إذا عجزوا عن العشر وعجزوا عن السورة وعجزوا عن الآية، فبان إعجاز القرآن اللغوي، هذا معنى:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

آيات الكتاب المبين صيغت من هذه الأحرف، والأحرف بين أيديكم، فإن كنتم قادرين على صياغة مثلها فافعلوا ولكنكم عاجزون:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا
[ سورة البقرة: 24 ]

ولن في هذه الآية مع أن لن في اللغة العربية فيها خلاف تفيد التأبيد أو لا تفيد التأبيد، لكن هنا في قوله تعالى أفادت التأبيد، لأنه لا يستطيع إنسان أن يأتي بقرآنٍ بإعجاز هذا القرآن الكريم، أو بكلام بإعجاز هذا القرآن الكريم.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
[ سورة القصص: 1-2 ]

الآيةَ هي في الأصل هي العلامة
الآيات جمع آية، والآية هي في الأصل العلامة، يقال: فلان آية في الجمال، أي علامة على الجمال، من شدة جماله هو آية في الجمال، فالآية هي في الأصل هي العلامة على الشيء، ثم جعلت كاصطلاح الجزء من السورة وفق الأمر التوقيفي، لأن الآيات توقيفية من الله عز وجل، جعل الجزء من السورة آية لأنه علامة إعجاز القرآن الكريم، فالقرآن الكريم معجز في كل آية من آياته، لكن الآيات لا تطلق فقط على القرآن الكريم، الله عز وجل في القرآن يطلق الآية على الكون، ويطلق الآية على الفعل، فعندنا آيات قرآنية وآيات كونية، أي الشمس آية، القمر آية، أي علامة تدل على عظمة الله، والفعل آية، الآن سيتلو عليك ربنا عز وجل آيات من كلامه، ومن أفعاله، ومن كونه، ومن خلقه، والسورة تتضمن الثلاثة، فلذلك فتحت بالجمع تلك آيات الكتاب المبين، الكتاب هو القرآن الكريم.

القرآن الكريم حفظ لغتنا العربية إلى يومنا هذا :
طبعاً كما قلت لكم: الكون هو كتاب، ولكن كتاب منظور، والقرآن هو كتاب مسطور، وسمي الكتاب كتاباً لأنه مكتوب أو سيكتب، سيكون مجموعاً في كتاب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
[ سورة الحجر: 9 ]

كيف حفظ القرآن؟ من خلال الكتابة، فقال: تلك آيات الكتاب، الكتاب وصف في هذه الآية بأنه المبين، ما معنى المبين؟ الواضح، شديد الوضوح، هذا القرآن أُنزل للعالمين، فإن لم يكن مبيناً وواضحاً لن يستفيد منه الناس، لذلك اليوم تقرأ في القرآن الكريم إذا قرأت أنت فيه صباحاً أو مساءً، فتحت المصحف وقرأت خمس صفحات من كتاب الله عز وجل، لعل الذي لم تستطع أن تفهمه واحتجت أن تسأل عنه لا يعادل عشرة بالمئة من مجموع الصفحات، لأنه مبين واضح.
اللغة العربية حفظت بالقران
حفظ الله العربية به أي لغتنا حفظت بالقرآن، القرآن حفظ اللغة العربية. أما اليوم فاللغات القديمة ماتت، اللغة الإنكليزية القديمة شكسبير ماتت، اليوم تحتاج إلى أن تترجم شكسبير إلى اللغة الإنكليزية المحكية، لم تُحفظ اللغات القديمة، أما القرآن فحفظ اللغة العربية لنا.

القرآن الكريم كتاب واضح لا يحتاج إلى تفسير ولا إلى تأويل :
عندما يقرأ الإنسان أول شي مبين وواضح بمعنى أنك تقرأ فتفهم:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ
[ سورة القصص: 4]

أي الكلام واضح، ربما يمر عليك بعض الكلمات لا تفقه معناها، تفتح المعجم بثانية تفقه معناها، وعدم فقه معناها هو من تراجعنا نحن في اللغة، أي ليست المشكلة في عدم وضوح القرآن، بل فينا نحن بأننا هجرنا لغتنا فأصبحت بعض الكلمات ثقيلة على مسامعنا، لأننا لم نعد نتكلم الفصحى، فالمشكلة فينا وليست في بيان القرآن الكريم، ومع ذلك رغم كل ضعفنا في اللغة اليوم أي إنسان يستطيع القراءة، يقرأ فيفهم، يفهم سبعين أو ثمانين بالمئة دون معلم، ويستطيع أن يتدبر دون معلم، أي يقرأ ويتدبر ويفهم دون معلم، فهذا من إعجاز القرآن في أن آياته بيّنات، فالبيان أولاً في اللغة، ثانياً الكتاب مبين واضح في أحكامه وفي تشريعاته، أي إذا قرأت في تشريع الميراث القرآن واضح فيه، تشريع الطلاق، آية الدين صفحة كاملة تتحدث عن آلية المداينة والإشهاد:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ
[ سورة البقرة: 282]

ثم يحدثك عن ضرورة إعطاء الكاتب مالاً مقابل الوقت الذي فرَّغه، ثم يحدثك عن التجارة الحاضرة تُديروها بينكم، هذه لا تحتاج إلى كتابة أو إشهاد لكم أن تديرونها دون كتابة أو إشهاد إلخ .. فالبيان في اللغة، والبيان في الأحكام، أحكام القرآن واضحة بيّنة، القصص واضحة بيّنة، لا يوجد فيها غموض، مظاهر الجنة والنار، أحوال البعث، أحوال القيامة، كله واضح، فعندما وصفه بالمبين وصفه بوصف جامع مانع:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

القران الكريم متاح لاي انسان
كتاب واضح لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتاج إلى تأويل، الآن نستغني عن علم التفسير والتأويل، أي ما من داع لهذا الدرس؟ لا، لكن المقصود أن أي إنسان متاح له القرآن الكريم، الآن إذا أردت أن تتعمق فهذا أفضل وأفضل، أردت أن تدرس هذا من طلب العلم، القرآن لا يعني وضوحه أن نلغي عمقه تماماً، العمق موجود لكن متدرج، فالإنسان يقرأ ويكتب فقط يفهم من القرآن شيئاً، والذي درس أكثر يفهم أكثر، والذي يحضر مجلس علم من عشرين سنة في التفسير أصبح فهمه أكثر، والذي فتح محاسن التأويل وقرأ فيه يصبح فهمه أكثر وهكذا، فعندما نقول: الكتاب المبين لا يعني أن وضوحه يعفينا من مسؤولية التعلم والدراسة، لكن وضوحه يعني أنه مهيأ لكل البشر، مُهيأ لجميع البشر، فما كل البشر متساوون في الثقافات، وفي القدرة على الفهم، وفي اللغة، لكن الله عز وجل أراد هذا القرآن - لله المثل الأعلى - كالهواء يتنفسهُ كل إنسان، أي متاح، وليس من الصعب فهمه، أما اليوم مثلاً إذا كتاب معقد في العقيدة تقول: والله أنا قرأت فيه ما فهمت شيئاً، أما القرآن الكريم:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ

ميسر، أحياناً تجد طفلاً صغيراً، ست سنوات يحسن قراءته، وأحياناً تجده حفظه عن ظهر قلب، وأحياناً ترى طفلاً تقول له: الآية السادسة والثمانون بسورة البقرة يقرؤها، الآية الثالثة والثمانون بالنمل يقرؤها وهكذا، هذا تيسير، هذا من البيان:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
[ سورة القمر: 32 ]

إذاً

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
[ سورة القصص: 2 ]

أي الكتاب الواضح، آياته بينات، قصصه بينات، آياته الكونية بينات، أحكامه بينة، لغته بينة، فهو الكتاب المبين الواضح.

الهدف من القصة في القرآن العبرة وليس الإمتاع :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ سورة القصص: 3 ]

نتلو عليك أي نتلو على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أمته من بعده، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون، يوجد نبأ ويوجد خبر، الخبر أجلس أنا وأنت في جلسة، قلت لك: هل علمت ماذا حصل مع فلان؟ تقول لي: خيراً ماذا حصل معه؟ قلت: والله أمس نزل إلى عمله متأخراً فصارت معه مشكلة مع مديره في العمل، هذا خبر، أي لا يوجد شيء مهم جداً.
النبأ أهم من الخبر بكثير
أما أحياناً أقول لك: وردنا النبأ الآتي، ويضعون نغمة موسيقية قبل الحدث، فتتوجه الأنظار، هذا نبأ، ماذا حدث؟ جريمة قتل مروعة، صار بالبلد الفلاني مشكلة كبيرة، صار مجاعة بالمكان الفلاني، صارت عملية ضخمة جداً في برج التجارة، هذا نبأ، فالنبأُ شيء مهم وخطير ويجب أن تتخذ موقفاً، النبأ لا يكفي أن تسمعه، ينبغي أن تتخذ موقفاً بعده لأنه مهم جداً، لذلك الوكالات النشرة يسمونها نشرة الأخبار، أما الوكالات فيسمونها وكالة الأنباء، لأنها تستقبل الأنباء المهمة، طبعاً يوجد وكالات أنباء تستقبل أخبار الرياضة والفنانين فهي ليست أنباء، هذه أخبار بسيطة، وكالة الأنباء تستقبل الأخبار المهمة، فالنبأُ أهم من الخبر بكثير، فربنا عز وجل هنا سماه النبأ لماذا؟ لأنه الآن سيخبرك عن حالة تماثل حالتك أيها النبي، نتلو عليك، أنت ترى الآن الاستضعاف، والطغاة يتحكمون، والمسلمين يُسامون سوء العذاب، لا لشيء بل لأنهم قالوا: ربنا الله، سنتلو عليك نبأ يماثل هذه الحالة، نبأ مهم جداً من الله عز وجل، فقال: نتلو عليك من نبأ، من لماذا من؟ لأن هذه من للتبعيض، لأن النبأ كله لن يصلك، من نبأ لأن هناك تفصيلات لا تهمك ، لن نتلوها عليك، وهذا من البلاغة، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون، بأي وقت عاش بالضبط لن نتلوهَا عليك، فرعون ما شكل قصره؟ القصر لا يهمك، هذه ليست دراما، ليس الهدف منها الإمتاع، مع أن القصة ممتعة جداً، ولكن الهدف منها العبرة، نحن سنتلو عليك من النبأ ما يفيدك، ما تجد فيه بُغيتك، لأن الإنسان عندما يقرأ شيئاً يمس واقعهُ يتأثر تماماً.
هناك قصة مشهورة بالأدب اسمها العاقر، تتحدث عن امرأة لا تنجب، وعن متاعبها الشديدة والمؤلمة، أعط قصة العاقر لامرأة عندها عشرة أولاد، والأولاد نكدوا عليها حياتها بمشكلاتهم، وكلهم عنده امتحانات، ودراسة، قل لها: اقرئي قصة العاقر، هل تنزل دمعة من عينها؟ القصة لا تمسها، أعط العاقر لامرأة من عشر سنين تتمنى الولد، ولم تترك طبيباً، ولم يأتها الولد، بكل لحظة تبكي بالقصة، لأن القصة مست ألمها، فالقرآن الكريم عندما يروي لنا قصةً يرويها من أجل أن نتفاعل معها، والتفاعل يقتضي أن تحذف كل المشاهد التي لا علاقة لها بجو القصة، لأن المشاهد التي لا علاقة لها بجو القصة تصرفك عن الهدف الذي سيقت القصة من أجله، أي تنشغل أنت بجزيئات ليس لها علاقة، هذا ما يفعلونه في الدراما اليوم، القصة كلها ترَوى بحلقة واحدة، هم يجعلونها بثلاثين حلقة مثلاً، وكل حلقة ساعة بالأمور الجانبية، والتفاصيل التي لا تهم، يشرب قهوة، يجلس على الشرفة، يتكلم عن قصة ليس لها علاقة، أما القصة كلها فهي عبارة عن كلمتين، أن فلاناً ضاع ثم وجدوه وانتهى الأمر، القصة بسيطة لكن الدراما تلعب دورها.
التصوير الفني في القرآن أعلى من كل القصص
القرآن بالتصوير الفني أعلى مرتبة من كل القصص، يجعلك تعيش القصة تماماً، ما من داع للتفاصيل التي لا تخدم جو القصة فلا تسأل عنها، أي من أدب المسلم مع كتاب الله إذا قرأ قصة أن يكتفي بما ذكره القرآن، وبما صح في السنة فقط، أما أية تفاصيل أخرى كقصر فرعون فلا تهمك، متى القصة بالضبط؟ الزمان والمكان لا يهم، يوجد أمر آخر أهم من ذلك، عندما تروي القصة وتربطها تماماً بالأشخاص والأسماء والوقائع والأزمنة والأمكنة كأنك توحي للِسامع بأن هذه القصة وقعت ولن تقع، القرآن لا يريدها كذلك، القرآن يريدها قصة وقعت وتقع في كل يوم، ولها حالات مشابهة كل يوم، فأبعد عنها التفاصيل حتى لا يتوهم السامع أن القصة وقعت وانتهت، وأنه يقرؤها كتاريخ، لا ليست كتاريخ، أنت تقرأ القصة القرآنية على أنها واقعٌ، مشاهدُ تعيشها في كل لحظة من حياتك، فلذلك يغفل القرآن التفاصيل تماماً، نتلو عليك من نبأ، من للتبعيض لأن هناك تفاصيل ستغفل، وحتى أيضاً هنا القصة لم تعرض كاملة في سورة القصص، عرضت بعض الجوانب.

القرآن ليس فيه تكرار لكن فيه توظيف القصة بما يخدم هدفها :
على فكرة قبل أن أتابع، قصة موسى وردت في القرآن بثلاثين موضعاً، أكثر قصة وردت في القرآن قصة موسى عليه السلام، لكن لا يوجد موضع مثل الثاني، مثلاً بسورة القصص الآن سيتكلم عن الحلقة الأولى هي حلقة الولادة، لم تذكر في أي مكان آخر إلا في سورة القصص.
الجاهل يتوهم أن القرآن فيه تكرار، لا، لا يوجد به تكرار، بسورة البقرة كان هناك هدف معين، فذكرت قصة البقرة وذبح البقرة فقط، الآن في سورة القصص جو الرعاية التي تحيط بالمرسلين تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وتسلية لقومه وللمسلمين الذين يسامون سوء العذاب، فجاء بحلقة مهمة فيها وهي رعاية الله عز وجل لهذا الطفل،
في القرآن الكريم لا يوجد تكرار
الجاهل يتوهم أن القرآن فيه تكرار، لا، لا يوجد به تكرار، بسورة البقرة كان هناك هدف معين، فذكرت قصة البقرة وذبح البقرة فقط، الآن في سورة القصص جو الرعاية التي تحيط بالمرسلين تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وتسلية لقومه وللمسلمين الذين يسامون سوء العذاب، فجاء بحلقة مهمة فيها وهي رعاية الله عز وجل لهذا الطفل، وكيف نشأ رغم بطش فرعون، ورباه في قصره، وقضى على ملكه، فجاء هذا الهدف فقط، بسورة طه بدأت القصة من مرحلة ثانية بالوادي المقدس طوى، عند تلقي الرسالة أغفلت جانب الطفولة، وهكذا، حتى عندما بعض الفقرات تتكرر أي القصة ترد في صيغة مختلفة عن الأولى تؤدي معان جديدة، فالقرآن ليس فيه تكرار، لكن فيه توظيف القصة في كل مكان بما يخدم هدف القصة.

الحكمة من تكرار قصة سيدنا موسى في القرآن الكريم :
الآن لماذا قصة موسى تحديداً تكررت في كتاب الله عز وجل أكثر من أي قصة ثانية؟ لأن قصة موسى أول شيء غنية بالأحداث، فيها حلقات كثيرة، ثم إن قصة موسى عليه السلام مع فرعون ومع بني إسرائيل كل الأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل في علاقتهم مع موسى عليه السلام نحن المسلمين مرشحون أن نقع فيها تماماً في حياتنا، بل وقعنا بها، أي إذا سألتني: قصة البقرة ما لونها؟ ما هي؟ اليوم ألا نعاني نحن من هذه المشكلة؟ لا نترك الأمر، ونسأل عن تفاصيل ليس لها علاقة بالأمر، أليس الكثير من المسلمين يتعلقون بالقشور ويدعون اللب؟ بلى، إذا قلت لي الآن هذه القصة جزء من هذه القصة، ألسنا اليوم بحاجة إلى أن نفهم قصة موسى من المنظور الذي نعيشه اليوم مع اليأس الموجود عند الكثير من المسلمين الضعفاء في أن الله قد تخلى عنا؟ ألسنا بحاجة أن نفهم كيف رعت يد القدرة الإلهية موسى وجعلت طاغية العصر فرعون يُربيه في قصره؟ بلى، إذا قلت لي: بنو إسرائيل عندما اتخذوا عجلاً جسداً له خوار فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، أليس الكثير من المسلمين اليوم ينصرفون إلى عبادة غير الله؟ لا نقول عجلاً جسداً له خوار، لكن يعبدون، يظنون أن الفرج يأتي من شرق أو من غرب، بلى، إذاً قصة موسى، وكل أمراض بني إسرائيل التي وقعوا فيها نحن مرشحون لأن نقع فيها فكأن القرآن الكريم يقول: الكلام لك يا جارة واسمعي يا كنة، أو العكس، الكلام للكنة واسمعي يا جارة، فالقرآن الكريم الكلام لبني إسرائيل، واسمعوا يا مسلمين الهدف التربوي العظيم جداً، قال لك قصة فإياك أن تقع بما وقع به بنو إسرائيل تماماً.

الحق هو الشيء الثابت والهادف والباطل هو الشيء العابث والزائل :
﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾، طبعاً موسى وفرعون بالعرف القصصي بالقصصي فقط وليس بالعرف الحقيقي هما بطلا القصة، لكن الأول بطل شرير، أقصد أنه بطل بالعرف القصصي وليس بطلاً بالعرف أنه بطل، لا، فرعون ليس بطلاً، لو كان بطلاً لأطاعَ الله، لكن هو من الشخصيات الرئيسة، الشخصيتان الرئيستان في القصة هما موسى وفرعون، موسى يمثل جانب الخير، وفرعون يمثل جانب الشر، فسميت هنا القصة باسميهما، من نبأ موسى وفرعون بالحق، هذه الباء بالبلاغة يسمونها باء الملابسة، ماذا يعني باء الملابسة؟ أي هذه القصة سوف تروى متلبسة بالحق:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
[ سورة العنكبوت:44 ]

الحق لابس خلق السماوات والأرض:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
[ سورة الزمر: 2 ]

الحق لابس إنزال الكتاب، الآن الحق هنا سيُلابس رواية القصة، هذا إعلام، صار عندنا إعلام ووكالة أنباء وحق، الآن وكالات الأنباء هل يلامس الحق روايتها للأحداث؟ لا، الآن الصفة الجامعة المانعة لجميع وسائل الأعلام نتلو عليك نبأ كذا وكذا بالباطل وبالكذب، الإعلام موجه، أما الإعلام القرآني فيكون بالحق:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ
[ سورة المائدة: 27 ]

فالحق يلامس رواية القصة، أنت بالقصة هنا لا يخطر ببالك لثانية أن هناك معلومة غير صحيحة، حاشا لله تعالى، الآن النبأ سيروى بالحق، وما هو الحق؟ هو الشيء الثابت والهادف، وما الباطل؟ العابث والزائل:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا
[ سورة الإسراء: 81 ]

الحق ثبات, والحق هدف
فالحق حق، الشيء يحق حقاً، ثبتَ، فالحق ثبات، والحق هدف، أما الباطل فعابث ليس له هدف، ونهايته إلى الزوال، إن الباطل كان زهوقاً، ألف باطل نهايتهم زهوقاً، والباطل مهما عظم نهايته إلى زوال، مستحيل، انظروا في التاريخ كم دولة قامت على الباطل وأهلكها الله؟ نحن اليوم ننظر إلى الزمان والمكان نظرة ضيقة، نحن اليوم نطلع على واقعنا نرى الباطل منتَفشاً ، والحق منكمشاً إلى حد ما، أي هذه نظرة ضيقة، لكن لو نظرنا إلى التاريخ بشكل عام نجد أن الحق هو الذي انتصر، وأن الباطل هو الذي انهزم ، المغول، التتار، بالعصر الحديث الاتحاد السوفيتي، دولة قامت على أساس لا إله إلا الله، أين هي؟ ليس على لا إله إلا الله، على أساس لا إله، عفواً، لكن نحن عودنا ألسنتنا على التوحيد، ولله الحمد، فقامت على أساس لا إله، أين هي؟ تهاوت كبيت العنكبوت من دون قتال، نشأت وكبرت، الاتحاد السوفيتي كان يملك المركبات الفضائية، والقوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، ثم انهار، لأن الباطل كان زهوقاً، الباطل لا يستمر مهما انتفش وبدا لك بقوته فهو له نهاية، فهنا قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ سورة القصص: 3 ]

الرغبة بالايمان تقوي الايمان
الآن الرواية بالحق لقوم يؤمنون، أي هذه الآيات سوف تنفع قوماً يؤمنون، أما إذا كان القوم لا يؤمنون فلن تنفعهم الآيات، أنت إذا لم يكن عندك في الأصل رغبة حقيقية بالإيمان فلن تنفعك الآيات، والآيات نفسها عندما تتلى عليك سوف تقودك إلى الإيمان، أي العلاقة بين طرفين؛ رغبة بالإيمان فتنفعُك الآيات فَيقوى إيمانك، فالإيمان بين الآيات، الإيمان بين الآيات إيمان قبل الآيات وإيمان بعد الآيات:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ سورة القصص: 3 ]

أي لقوم يريدون الإيمان فتنفُعهم الآيات.

إعراض بني إسرائيل عن دينهم مكن فرعون منهم وأذلهم :
الآن:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
[ سورة القصص: 4 ]

الآن مقدمة للقصة توضح البيئة التي سوف تجري بها القصة، أي تمهيد يعطيك البيئة التي سوف تروى بها، تصور عام، هاتان الآيتان قبل بداية القصة، لأن القصة ستبدأ الآن:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ
[ سورة القصص: 7 ]

بداية القصة من الآية السابعة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ
[ سورة القصص: 7 ]

وبدأنا بقصة موسى، لكن قبل قصة موسى بدأ بالفرش التاريخي قال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
[ سورة القصص: 4 ]

أي هذه القصة تجري أحداثها في ضوء هذه القضية، القصة عند طاغية هو فرعون من الفراعنة، وفرعون لقب لمن يحكم مصر في ذلك الزمان، يحكم بني إسرائيل فرعون، كل فرعون له اسم، لكن الفرعون لقب يعني لقب الحاكم، لكن لم يسمّه لأنه ما من داع لذلك، يكفي فرعون، وقد أصبح فرعون الآن رمزاً لكل طاغية، فيقال: فلان فرعون العصر، أي طاغية العصر، أي أصبح رمزاً للطغيان:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
[ سورة هود: 98]

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
[ سورة القصص: 4 ]

علا في الأرض استعلى، وأخذ مكانة ليست له، لأن العلو في الأرض ليس من شأن الإنسان، أصبحت له مكانة كبيرة، علا في الأرض:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
[ سورة القصص: 4 ]

في عرف الطغاة فرق تسد
شيعاً أي طوائف، أي قسمهم، وفي عرف الطغاة فرق تسد، وفي عرف الطغاة تستطيع أن تتحكم بالناس إذا كانوا متفرقين، فإذا اجتمعوا فهم عصيون على الانقياد، فدائماً الطغاة همهم الأول أن يقسموا الناس إلى شيع، وأن يبذروا بينهم بذور الخلاف، فقال:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
[ سورة القصص: 4 ]

يستضعف طائفة منهم يستضعف أي يرغب في إضعافهم، استطعم طلب الطعام، استضعف كأنه طلب الضعف لهم، فهم ليسوا ضعفاء في الأصل، الكواكبي في طبائع الاستبداد ماذا يقول؟ يقول: " لو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم".
إذاً هو استضعف هذا الإنسان، هل هو ضعيف في الأصل؟ لا، هو قوي، الإنسان قوي لأنه هو بخلق الله عز وجل له عنده أدوات للتعامل مع الناس، الإنسان خلق ضعيفاً فيمرض، فيتعب، الإنسان ضعيف في الأصل، كل الناس، لكن أقصد بالمواجهة، هل هذا الإنسان ضعيف؟ فرعون واحد وقومه ربما كانوا يعدون عشرات الألوف، فلو قرروا في يوم من الأيام أن يهجموا عليه هجمة رجل واحد لاقتَلعوه، فهم ليسوا ضعفاء، لكنه استضعفهم، هذا معنى يستضعف، يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل، كان هناك أقباط وهناك بنو إسرائيل، فهو استضعف بني إسرائيل وسامهم سوء العذاب، طبعاً لماذا فعل ذلك بهم؟ لأنهم كانوا مقصرين بجانب الله عز وجل، نقرأ القرآن بشكل كامل، هل مكن الله عز وجل فرعون من بني إسرائيل هكذا من دون سبب؟
العبودية لله عز
مستحيل، لكن عندما أعرضوا عن دينهم، وتركوا ما أمر به ربهم من الطاعات، أصبحوا عبيداً عند فرعون، فإما أن تكون عبداً لله، أو تصبح عبداً عند عبدٍ من عباد الله، فاختر لنفسك، العبودية لله عز وجل، العبودية عند عبدٍ من عباد الله ذلّ وأي ذل، فاختر العز وابتعد عن الذل:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[ سورة القصص: 4 ]

ويروى في التاريخ أنه جمع القوابل - جمع قابلة، جمع قابلة قوابل، مثل شاعرة شواعر- وطلب منهن أنه إذا ولد مولود ذكر أن يخبرن عنه فإن لم تخبر عنه قتلت، الطغاة عندهم أساليب كثيرة حتى يحصوا على الناس أنفاسهم، فكان إذا جاء المولود ذكراً قتله، وإذا جاء المولود أنثى استحياه، أي أراد له أن يبقى حياً، أي لا يذبحه، يذبح أبناءهم، وجاءت يذبح، ما قال: ذبح، قال: يذبح للدلالة على كثرة الإجرام.

وصف القرآن الكريم لفرعون :
ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين، هذا وصف القرآن لفرعون، الآن فرعون قد يدّعي أنه مصلح:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
[ سورة البقرة: 11 ]

الطاغية لديه أيديولوجية يخدع بها رعيته
فكل إنسان قوي له أن يدعي ما يشاء، لكن هو في الحقيقة كان مفسداً في الأرض، أنت تخيل فرعون كيف كان يخطب بقومهِ؟ يعمل لهم محاضرة أكيد، كان عنده محاضرة يجمع بني إسرائيل ويقول لهم: كل هذا الذي أفعله من أجل مصلحتكم، وهؤلاء الذكور يمكن أن يتعبوكم في المستقبل، ويعذبوكم، ويهينوكم، وأنا سوف أخلصكم منهم لأبقى حاكماً عليكم، فرعون أكيد كان عنده أيديولوجيا مثل كل طاغية، كان عنده شيء يتكلم به لكنه كاذب في المحصلة، الشيطان عنده أيديولوجيا، أي عقيدة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
[ سورة الأعراف: 12 ]

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا
[ سورة الإسراء: 61 ]

أي جعل يبرر لنفسه عدم سجوده، وعدم طاعته لربه، فالتبرير موجود لكن هل هو يطابق الواقع؟ الجواب: لا، إنه كان من المفسدين، عمله إفساد في الأرض، لم يكن مصلحاً أبداً، إنه كان من المفسدين.

إرادة الله عز وجل هي الإرادة النافذة دائماً :
نختم بهذه الآية الخامسة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ
[ سورة القصص: 5 ]

الملك إلى زوال أما الأئمة يبقى نهجهم
في الآية التي قبلها هذه إرادة فرعون، فرعون ماذا يريد؟ يريد أن يقضي على ذكور بني إسرائيل، لماذا يقضي على الذكور؟ لكيلا يقضي واحدٌ منهم على ملكه، هل هو رأى رؤيا بأن هناك من سيقضي على ملكه فقال: اقتلوا الجميع؟ ربما، هل هو أراد أن يقتل الذكور حتى لا يكثر بنو إسرائيل على حساب الأقباط؟
متى تظهر إرادة الله؟
ربما، لكن النتيجة القرار اتخذ، القرآن ما ذكره لكن سببه واضح، أي السبب واضح وهو أن هذا الرجل لا يريد أن يقوى هؤلاء، لأن الذكور في المجتمع هم قوة في الملك، أحياناً تجد امرأة أقوى من ألف الرجل، لكن الأصل قبل الاستثناء، الأصل أن الرجال هم الذين يحكمون، فهو أراد ذلك، وقيل إنه كان يقتل سنة ويستحيي سنة، وجاءت السنة التي ولد فيها موسى السنة التي كان يقتل فيها الذكور، أي ما خلت البلاد من الذكور نهائياً، لكن يقتل، هذا ما أراده فرعون، لكن ما الذي يريده الله هنا؟ نقول: جو القصة الذي تحدثنا عنه بأن إرادة الله عز وجل هي النافذة، سترى بالقصة كلها كيف الآية النافذة، الآن ذكر لك إرادته، المشهد الذي تراه بعينيك طاغية يتحكم في الناس، يذبح والعياذ بالله الأبناء، ويستحيي النساء، وجعل أهلها شيعاً، ويستضعفهم، هذا المشهد الذي رسمه فرعون لاستمرار حكمه وطغيانه هل وافق هذا إرادة الله عز وجل؟ لا، لكن إرادة الله متى تظهر؟ عندما تأتي الحكمة من ظهورها، ونريد أن نَمنَ على الذين استضعفوا في الأرض، يا رب إن هؤلاء مستضعفون عند فرعون، وفرعون يذبحهم، لكن إرادة الله مختلفة، إرادة الله هي الخير المطلق، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، وسترون في القصة كيف انتصرت إرادة الله، أي الإيمان الذي بذهنك سوف تجده واقعاً في الأرض من خلال قصة موسى مع فرعون، وقصة قارون مع قومه، لأن قصة موسى مع فرعون تمثل قوة الحكم والسلطان، وكيف قهرها الله، وقصة قارون تمثل قوة المال وكيف قهرها الله، قارون كان يمثل القوة الاقتصادية، وفرعون كان يمثل القوة السلطانية، وفي الحالتين قهرت إرادة فرعون، وقهرت إرادة قارون، وانتصرت إرادة الله، ونريد أن نمن، المن هو العطاء، مطلق العطاء من غير مقابل، نمنَ نعطي عطاء كبيراً على الذين استضعفوا في الأرض، الذين استضعفَهم فرعون، ونجعلهم أئمة، ما قال: نجعلهم ملوكاً، لأن الإمام فوق الملك، الإمام يقتدي الناس به، أما الملك فإلى زوال، أما الإمام فالأئمة يموتون ويبقى نهجهم بعد موتهم، اليوم بعد وفاة الإمام الحنفي بألف ومئتي سنة، أو الشافعي، أو الإمام أحمد، أو الغزالي، هؤلاء أئمة كانوا ملوكاً، ما كانوا ملوكاً، منهم من سجن وعذب، مثل الإمام أحمد بن حنبل، ومنهم من ذاق الويلات، ومنهم من كان فقيراً لا يجد إلا قوت يومه، لكن كانوا أئمة، فالآن أنت تذكر فتقول: رحم الله الشافعي، رضي الله عن بلال، رضي الله عن معاذ، فأنت اليوم تذكر الأئمة، لأن الناس إلى يومنا هذا تقتدي بهم، يهتدي الناس بهداهم، وهذا أعظم من الملك، ونجعلهم أئمةً ونجعلهمُ الوارثين، يرثون هذه الأرض، لأنهم أهلاً لوراثتِها، عندما يعمرونها بالخير والطاعة والبركة بعد أن خربها فرعون بطغيانه وجبروتهِ وكبريائهِ.
إذاً هذه إرادة الله عز وجل، وهذا ما يريده فرعون، والقصة ستَبدأ من لحظة الولادة، وكيف رعت يد القدرة الإلهية الحانية موسى عليه السلام منذ أن وضعته أمه في التابوت إلى أن عاد إلى فرعون ليقضي على ملكه، وكيف أحاطه الله عز وجل بالرعاية الكاملة، وكيف انتصرت إرادة الله عز وجل لأنها إرادة الخير، ولأن الله عز وجل هو الحق، والحق هو المنتصر، والحمد لله رب العالمين.
شارك اصدقائك

اترك تعليقاتك