• خطبة جمعة
  • 2026-03-06
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

سنة التدافع

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

لله تعالى في خلقه سُنَنٌ لا تتغيَّر ولا تتبدَّل:
وبعد أيُّها الإخوة الأحباب: لله تعالى في خلقه سُنَن، سُنَنٌ لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً ولا تحويلاً، فسُنَن الله ثابتةٌ ماضية، مُذ خلق الله الأرض ومن عليها وإلى أن تقوم الساعة، هي سُنَن تُشبه القوانين الثابتة، المُقدِّمات تُعطي النتائج، ومن سُنَن الله تعالى في خَلقِه ثلاث سُنَن: سُنَّة المداولة، وسُنَّة التدافُع، وسُنَّة الاستخلاف والتمكين، وهذه السُنَن الثلاثة تتداخل فيما بينها، فتبدأ بالتدافُع، فتنتقل إلى المُداولة، فيدور الأمر من فُلانٍ إلى فُلان، ثم يستقر الأمر على الاستخلاف والتمكين لأهل الحقِّ والإيمان، فإذا راقبت التاريخ وقرأته، وجدت هذه السُنَن الثابتة لا تتبدل، وأثناء هذه السُنَن الثلاثة، سُنَّةٌ رابعةٌ مستمرة، تعنينا كثيراً لأنها تُحدِّد موقفنا، وهي سُنَّة التمحيص، الفرز.

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)
(سورة آل عمران)

فأثناء هذه السُنَن، يظهر موقف المؤمن، ويظهر موقف المُنافق، ويظهر موقف الكافر، ويظهر موقف الجاحد، وكلٌّ يأخُذ موقفه فيُفرَز الناس، فيستحق أهل الجنَّةِ الجنَّة، ويستحق أهل النار النار، هذا معنى السُنَن.

السُنَّة الأولى هي سُنَّة المُداولة:
السُنَّة الأولى من هذه السُنَن الثلاثة هي سُنَّة المُداولة، قال تعالى:

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140)
(سورة آل عمران)

فلا يمكن أن تستمر الغَلَبة لأهل الحقِّ، ولا يمكن أن تستمر الغَلَبة لأهل الباطل، لا بُدَّ من المداولة، هذه سُنَّةٌ مهمةٌ جداً، يقول ابن القيِّم رحمه الله: "إنَّ ما يُصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوّه عليه، وغَلَبته له، وإيذائه له في بعض الأحيان، أمرٌ لازمٌ لا بُدَّ منه" هذا معنى سُنَّة، أمرٌ لازم، لا بُدَّ أن يكون لعدوّك دولةٌ عليك، على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعات، وعلى مستوى الأُمم، كيف أنَّ هناك حراً وبرداً هذه سُنَّة، تأتي أيامُ حرٍّ شديد وأيامُ بردٍ شديد، كيف أنَّ هناك هموماً وغموماً في الحياة لا يسلَم منها أحد، كيف أنَّ هناك مرضاً خفيفاً، أو متوسطاً، أو شديداً، لكن لا بُدَّ منه، هذه سُنَنٌ لا بُدَّ منها، كذلك لا بُدَّ أن يكون هناك إدالةٌ لعدوِّك عليك، ثم إدالةٌ لك على عدوِّك.
فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَنا وَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَر
{ النمر بن تولب }
هذه سُنَّة الحياة.
لِكُلِّ شَـيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصـانُ فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ وَهَذِهِ الـدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ
{ أبو البقاء الرندي }
عندما يفهم الإنسان السُنَن يتعامل معها وفق هذا المنظور، وهذه المُداولة ليست خبطَ عشواء، ليس الأمر عشوائياً، تكون الدولة لفُلان ثم لفُلان، من غير حكمة، حاشا لله، فالكون كله يجري بحكمة الله تعالى، أثناء هذه المُداولة يُمحِّص الله الذين آمنوا، أثناء هذه المُداولة يمحَق الله أهل الكُفر، ويمحَق الله أهل الإجرام (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ) يتَّخِذ شهداء جلَّ جلاله، يرتقون إليه أثناء هذه المُداولة، ويظهَر إيمان المؤمن الحقّ، ويظهر نفاق المُنافقين، هذه أحوال الدنيا بين أيديكم، في المُداولة كم أصبح الحاكم طريداً، محكوماً، لاجئاً، وكم أصبح اللاجئ آمناً في وطنه، هذه هي المُداولة.

السُنَّة الثانية سُنَّة التدافُع:
السُنَّة الثانية والتي هي محور حديثنا، سُنَّة التدافُع، بمعنى أنَّ هناك جهتان تدفع كلٌّ منهما الأُخرى بقوةٍ، لتُزيلها وتكون مكانها، هذه هي سُنَّة التدافُع، جهتان قويتان، رُبما إحداهما أقوى من الأُخرى لكن تتزاحمان، تريد كلٌّ منهما أن تزيح الأُخرى بقوةٍ وتكون مكانها.
من يحلُم أن ينتهي الصراع والحروب في العالم، فهو واهم، أصحاب السماء صافيةً والعصافير تُزقزِق، هذا ليس موجوداً إلا في خيالهم، ليس هناك حالةٌ فيها سلامٌ عام، نرجو ذلك لكنه ليس موجوداً، اقرؤوا التاريخ لا يمكن أن يكون هناك حالةٌ إلا فيها مُدافعة، فإمّا أن يكون أهل الحقِّ أقوياء، فيدفعوا الباطل دفعاً ويَحِلّوا مكانه، وإمّا أن يقوى أهل الباطل فيحاولون إزاحة أهل الحقّ، ويفعلون بعضاً من ذلك، لكن لا ينفرد الباطل بالساحة، يبقى لأهل الحقِّ مكانهم، لا بُدَّ من هذه المدافعة، قال تعالى:

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251)
(سورة البقرة)

وقال تعالى:

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)
(سورة الحج)


المُدافعة تؤدّي إلى حفظ الدنيا وحفظ الدين:
في الحالة الأولى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) صلاح الدنيا لا يكون إلا بالمُدافعة، وفي الحالة الثانية: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ) صلاح الدين لا يكون إلا بالمُدافعة، لا تصلُح الدنيا إلا بالتدافُع، ولو كان قاسياً أحياناً، والحروب مريرة، والحروب مُزعجة، ولا أحد يُحب الحرب، وكما قالوا: لا شيء جميلاً في الحرب إلا انتهاؤها، أجمل ما في الحرب أن تنتهي الحرب، لكن سُنَّة الله أنَّ هذا التدافُع تصلُح به الدنيا، وأنَّ هذا التدافُع يُبقي الدين حيّاً، لا تُهدَّم المساجد بحُكم التدافُع الذي يكون، يعني اليوم أيُّها الكرام، قال لي أحدهم يوماً: والله أني لأَعجَب أشدَّ العَجَب، من هذه الهجمة الشرسة على دين الله!! لماذا؟!

وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(8)
(سورة البروج)

لماذا يُسخِّرون إعلامهم كله لتشويه صورة الدين؟ لبَث الشُبهات والشهوات، لماذا يُحاربوننا؟ لماذا يقصفوننا؟ لماذا يُبيدوننا؟ لماذا؟ أَعجب من هذه الهجمة الشرسة! قلت له: والله أنا أَعجَب مثلك، ولكنني أَعجَب أكثر من أنهم منذ أكثر من مئة عام، وهُم يحاولون النَيل منّا ولم يستطيعوا، هذا الذي أَعجَبه، بكل ما أوتوا من قوةٍ، وبكل إعلامهم، قلت له: والله إني لأَعجَبُ أنَّ مساجدنا ما زالت مُمتلئة، وأنَّ شبابنا ما زالوا يُقبِلون على كتاب الله تعالى، وأننا ما زلنا مُتمسّكين بديننا ونُقيم شعائره، قلت له: هذا الذي أجده أشدَّ عَجبَاً من عَجبِك (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) هذه المُدافعة مهما اشتدَّت، لكن الله عزَّ وجل يُسخِّرها لخدمة دينه، ولتبقى الراية مرفوعة، راية لا إله إلا الله.
أيُّها الإخوة الكرام: إذاً المُدافعة تؤدّي إلى حفظ الدنيا وإلى حفظ الدين.
اليوم مما انتشر من صورٍ نراها جميعاً على الشاشات، أهلنا في غزَّة بعد سنتين من الحرب وأكثر، تجدهم يُصلّون في خيامهم صلاة القيام، وتجدهم يُصلّون على أنقاض مساجدهم، بأعدادٍ أكبر بكثيرٍ مما كانت قبل الحرب، فما زادهم إجرام هؤلاء إلا تمسُّكاً بدينهم، ويقنتون ويدعون للأُمة الإسلامية في أصقاع الأرض، لأننا أُمة الجسد الواحد وأنت تعجَب من حالهم، نقول: نحن ندعو لهم فإذا بهم يدعون لنا أيضاً، فتدمع عينك وأنت تُشاهد حالهم مع الله تعالى بعد هذه المحاولات.
لا تُصدِّقوا أنَّ هناك حرباً اقتصادية وهي موجودة، هناك حربٌ من أجل منابع النفط، ولا أنَّ هناك حرباً لبسط النفوذ والسيطرة وهي موجودة، لكن أصل الحرب ما هو؟ الدين، هي حربٌ دينية لأنهم يعلمون إمّا أن نكون نحن أو يكونوا هُم، فهم يُحاربوننا دينياً، اليوم كان القساوسة حول القابع في البيت الأسود، كانوا حوله يرتِّلون له الترانيم، لحمايته ونصره في حربه اليوم، موجودة على الشاشات، ويوم دخلت روسيا إلى سوريا لتقصِف وتضرِب قالوها بصريح العبارة: جئنا لنُحارب أهل السُنَّة، ولن نسمح لهم بالحُكم في سوريا، فالحرب في الأصل هي حربٌ دينية، تلبس لبوساً اقتصادياً، لبوساً اجتماعياً، لبوساً نفطياً، سمِّه ما شئت، لكن في الأصل هُم يُحارِبون ديننا (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).

لا يمكن أن ينفرد أهل الباطل بالساحة:
أيُّها الإخوة الكرام: لا يمكن أن ينفرد أهل الباطل بالساحة، يبقى دائماً مساحةٌ مُضيئةٌ للحقّ، وهذا من آثار سُنَّة التدافُع.
ورقة بن نوفل لمَّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال له:

{ عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أنَّها قالَتْ: أوَّلُ ما بُدِئَ به رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ في النَّوْمِ، فَكانَ لا يَرَى رُؤْيا إلَّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلُو بغارِ حِراءٍ فَيَتَحَنَّثُ فيه - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلى أهْلِهِ، ويَتَزَوَّدُ لذلكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فَجاءَهُ المَلَكُ فقالَ: اقْرَأْ، قالَ: ما أنا بقارِئٍ، قالَ: فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي، فقالَ: اقْرَأْ، قُلتُ: ما أنا بقارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي، فقالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: ما أنا بقارِئٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي، فقالَ: {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ (2) اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ}[العلق:1-3] فَرَجَعَ بها رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ علَى خَدِيجَةَ بنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عنْه الرَّوْعُ، فقالَ لِخَدِيجَةَ وأَخْبَرَها الخَبَرَ: لقَدْ خَشِيتُ علَى نَفْسِي فقالَتْ خَدِيجَةُ: كَلّا واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ، فانْطَلَقَتْ به خَدِيجَةُ حتَّى أتَتْ به ورَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وكانَ امْرَأً تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العِبْرانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بالعِبْرانِيَّةِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكْتُبَ، وكانَ شيخًا كَبِيرًا قدْ عَمِيَ، فقالَتْ له خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أخِيكَ، فقالَ له ورَقَةُ: يا ابْنَ أخِي ماذا تَرَى؟ فأخْبَرَهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَبَرَ ما رَأَى، فقالَ له ورَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللَّهُ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ، قالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أنْ تُوُفِّيَ، وفَتَرَ الوَحْيُ، وقال: يونس ومعمر بوادره }

(أخرجه البخاري ومسلم)

هذه سُنَّة التدافُع، سيُعاديك الناس، وسيقفون ضدك، لأنَّ دينك يقف ضد مصالحهم، لأنَّ دينك يمنع عُنجهيتهم وطُغيانهم وتحكُّمهم بالبشر، وسيطرتهم على الموارد، دينك دين عدلٍ، سيُعطي الناس حقوقها، لن يسمح بوجود السادة والعبيد، قال: ( إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا).

التدافُع نوعان:
أيُّها الإخوة الكرام: والتدافُع نوعان:

1 - تدافعٌ بين أهل الحقِّ وأهل الباطل:
النوع الأول تدافعٌ بين أهل الحقِّ وأهل الباطل، وهذا معروف، قال تعالى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(217)
(سورة البقرة)

بيَّن الله تعالى بشكلٍ واضحٍ، أنَّ القتال من أجل أن نُرَدّ عن ديننا، هذا تدافُعٌ بين أهل الحقِّ وأهل الباطل.

2 - تدافعٌ بين أهل الباطل أنفسهم:
وهناك تدافُعٌ آخر بين أهل الباطل أنفسهم، يتدافع الباطل مع الباطل، ويتدافع الظالم مع الظالم، وهذا يكون من أجل السيطرة، من أجل النفط، من أجل النفوذ، من أجل استعادة أمجاد امبراطورياتٍ بائدة، يتصارع أهل الباطل فيما بينهم، أمّا أن يكون هناك مُدافعة بين أهل الحقّ وأهل الحقّ، فهذا لا ينبغي أن يكون، بل أهل الحقِّ يتناصرون، يتعاونون، يتناصحون، يتباذلون، قال تعالى:

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)
(سورة الأنعام)

إذاً يتدافع أهل الحقِّ مع أهل الباطل، ويتدافع أهل الباطل مع أهل الباطل، لكن لكُلٍّ مشروعه، فتتعارض المشروعات فيتناحر أهل الباطل فيما بينهم، عندما يتدافع أهل الحقِّ مع أهل الباطل ما موقف المؤمن؟ أن يقف مع الحقِّ وأهله، هذا لا خلاف فيه، تنازع أصحابُ حقٍّ، أصحابُ أرضٍ، أصحابُ عقيدةٍ، أصحابُ دينٍ، أصحابُ عقيدةٍ سليمة وسلوكٍ مستقيم، تنازعوا مع أهل الباطل، فأنا أقف مع أهل الحقّ، وإن فعلت غير ذلك فهذه ثُلمةٌ عظيمةٌ في الدين، وهذا نِفاقٌ وأيُّ نِفاق؟!

لا يصحُّ أن نقف مع ظالمٍ ضد ظالم فكلاهما ظالم:
أمّا عندما يتصارع أهل الباطل فيما بينهم، فهل يكفي أن أقول كما يقول البعض اليوم: اللهم اضرِب الظالمين بالظالمين، دعاءٌ جميل لكنه لا يكفي، لأنَّ المشروعَين يقتتلان، ما مشروعي أنا المُسلم؟ هُما يقتتلان من أجل النفوذ والسيطرة، لكن أنا ما مشروعي؟ ما الذي ينبغي أن أفعله؟ لا بُدَّ أن نُعِدَّ العُدَّة، ولا يصحُّ أن نقف مع ظالمٍ ضد ظالم فكلاهما ظالم، وكلاهما عدو.
إنَّ من يستبيح دماء ظالمٍ اليوم لن يتركنا غداً، وهو لا يستبيحه أصلاً من أجل أنه ظلمنا، اليوم لا يضربون إيران لأنها ظلمت السوريين، لا أبداً، لو أرادوا أن يضربوها لضربوها عندما ظلَمَت السوريين، لكن يضربونها لأنَّ وظيفتها انتهت، لأنَّ مُهمتها انتهت، هُم كانوا يتفرجون عليها، بل يدعمونها لتُمعِن قتلاً في السوريين والعراقيين واليمنيين وغيرهم، هُم يُمدِّونها، لا يسكتون عنها فقط بل كانوا يُمدِّونها، وأيُّ مَددٍ أعظم من أن تتركها تفعل ما تشاء، وتترك لها الحبل وأنت قادرٌ على إمساكها، لكن كانت لها مُهمة، الآن انتهت مُهمتها، فلا بُدَّ من القضاء عليها، فهُم لا ينتصرون لنا حتى نفرح بهم، هُم مجرمون، قَتَلة، ظَلَمَة، وعندما ينتهون منها سيتفرَّغون لغيرها.

من حقِّنا أن نفرح لهلاك المُجرم الظالم:
أيُّها الإخوة الكرام: نحن السوريين من حقِّنا أن نفرح لهلاك المُجرم الظالم، ولو بأيدي أعدائنا، لا تستطيع أن تقول لمكلوم: لا تفرح بهلاك ظالمك، هذا ليس من العدل ولا من الإنصاف، وهذا شعورٌ طبيعي، وهو مصداقٌ لوعد ربِّنا بإهلاك الظالمين، ولكن يجب أن نكون أيضاً واعين لما يُحاك ضدنا، فالحرب القائمة اليوم ليست ذات هدفٍ واحد، وإنما وراء الأكمة ما وراءها.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن نفرح لهلاك المُجرمين، ولكننا في الوقت نفسه نفرح لكل أذىً يُصيب الصهاينة المُعتدين، الظالمين، الذين قتلوا أهل غزَّة وغيرها، والذين يسعون بكل جهدهم، لبسط سيطرتهم ونفوذهم والقضاء على ديننا، ففَرَحُنا بهلاك مُجرمٍ لا يعني تصفيقنا لمُجرمٍ آخر، وفرحُنا بهلاك مُجرمٍ لا يعني أننا لا نفرح لهلاك الآخر، والله تعالى يتولى الأمر، وهو يدفع البعض بالبعض، لحكمةٍ يعلمها جلَّ جلاله.
أيُّها الإخوة الكرام: في القديم كان هناك صراعٌ وتدافُع بين الفُرس والروم، وكذا كان بين العرب بين القبائل، تدافُعٌ مُستمر، ثم جاء الإسلام فصار التدافُع بين أهل الحقِّ وأهل الباطل، الفُرس والروم من جهة والإسلام من جهةٍ أُخرى، حتى صار الاستخلاف والتمكين للمسلمين، وحكموا الأندلس ثمانمئة عام، سُنَّة التدافُع، المُداولة، الاستخلاف والتمكين، وبينهما جميعاً التمحيص، وهذا الذي يعنيني أنا المُسلم، أين أنا من هذا؟

لا بُدَّ للمُسلم أن يبذل الأسباب ويستفيد من تناقضات الباطل في نشر الدعوة:
في عصرنا الحديث برز في وقتٍ مُعيَّن نجم بريطانيا، وأصبحت قوةً كبيرة، وصارت تتدافع مع غيرها من الدوَل للسيطرة، ثم غاب شمسها وأفَل نجمُها، بعد ذلك ظهر الاتحاد السوفييتي، وأصبح يتبارز مع أمريكا على النفوذ والسيطرة، ثم انهار بين ليلةٍ وضُحاها، وما كان يتخيَّل إنسانٌ أن ينهار، لكنه انهار، طبعاً انهار بما فيه من إلحادٍ وبطشٍ وظلم إلى آخره...
اليوم أيُّها الإخوة الكرام: صار التنازع على السيطرة وعلى الأرض، وما يزال مُستمراً، وتُريد اليوم ما يُسمّى القطب الواحد أمريكا، أن تُسيطر وأن ينتهي التدافُع، وأن تكون لها الغَلَبَة المُطلَقة، وأن يُصبح الجميع تحت سيطرتها، هذا هدف الحرب وهُم يُعلنونه دائماً، لأنه لا يُريدون لأحدٍ أن يُدافع، أو أن ينهض، أو أن يقول، يُريدون السيطرة الكاملة ولكن لن يتحقَّق لهم ذلك، وهذا أمرٌ يُستقى من حركة التاريخ، ويُستقى قبل ذلك وأهم من ذلك من وعد الله تعالى، بأنه لا يمكن أن يُسيطروا بحيث لا يبقى للحقِّ وأهله مساحة.
اليوم لا بُدَّ للمُسلم أن يبذل الأسباب، ويستفيد من تناقضات الباطل في نشر الدعوة، وفي الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، وأن نزيد من تآلفنا، وتماسُكنا، ومحبَّتنا، وتمسُّكنا بدين ربِّنا، التزاماً، سلوكاً، دعوةً، تطبيقاً.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطك والنار يا عزيز ويا غفَّار.
اللهم بارك لنا في شهرنا، اللهم بارك لنا في رمضان وأعنّا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان، بلِّغنا اللهم ليلة القدر ونحن في عافيةٍ منك وستر، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم كُن لأهلنا المُستضعفين في غزَّة، كُن لأهلنا المُستضعفين في كل مكان، عوناً ومُعيناً وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم أطعم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مُصابهم، وآوِ غريبهم، واجعل لنا في ذلك عملاً مُتقبَّلاً واغفر لنا تقصيرنا فإنك أعلم بحالنا.
اللهم اجعل هذا البلد أمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، واصرِف عن بلادنا كل أذىً يا أرحم الراحمين، ونجِّ في هذه الحرب كل بريءٍ يا أكرم الأكرمين، وأهلِك الظالمين يا أرحم الراحمين.
اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل دائرة السوء تدور عليهم.
اللهم وفِّق القائمين على بلادنا لما فيه الخير، وللعمل بكتابك وبسُنَّة نبيّك صلى الله عليه وسلم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين.