وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ

  • الحلقة السابعة والعشرون
  • 2020-05-20

وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ

السلام عليكم: الآية اليوم هي الآية التاسعة من سورة الحشر وهي قوله تعالى:

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(سورة الحشر: الآية 9)

خَصَاصَةٌ: أي شدةٌ في الفقر وشدةٌ في الحاجة إلى الشيء.
وأما الحديث فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه:

{ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } }

(صحيح البخاري)


شرح الحديث
بدء سيدنا محمد التضحية بنفسه
الجَهْدُ : أي التعب والضنك.
بدأ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسه، يضيفه بنفسه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولعل هذا كان في بداية الدعوة، عند الهجرة، بداية تأسيس المدينة المنورة بعد الهجرة، هذا كان فيه ضنك على الجميع من صحابة رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أبدى الأنصار وقتها ضروباً من التضحية والفداء والإيثار في معاملتهم مع المهاجرين، ونزلت هذه الآية فيهم، (فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئاً) ليطعمه، (فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أنا أضيفه في بيتي، (لاَ تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا) أي لا تمسكي عنه شيئاً، ضعي كل ما عندك له، (فقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ) طعام الأولاد،
علامة المرأة الصالحة
(فقَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ) أن يأكلوا الطعام قبل النوم، (وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ) أي ننام جائعين لا يدخل جوفنا شيءٌ من طعام ونكرم بهذا الطعام ضيف رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ضيف الحبيب، (فَفَعَلَتْ) الزوجة وهذه علامة المرأة الصالحة التي تطيع زوجها وترضي ربها وتحفظ حقوق دينها، فَفَعَلَتْ المرأة، (ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ذهب إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصباح، (فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنَةَ) يعني هذا الرجل وزوجته، عَجِبَ من صنعيهم في هذه الليلة وكيف قدموا طعامهم لضيفهم وباتوا جياعاً، (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}).

الإيثار قيمةٌ عظيمة
قيمة المرء بعطائه
الإيثار أيها الأحباب؛ قيمةٌ عظيمة، قيمةٌ رائعة، لا يمتلكها إلا المؤمنون المخلصون، لا يمتلكها إلا الصالحون الذين يقدمون ما يملكون من أجل الآخرين، فأسعدُ الناس من أسعدَ الناس، وقيمة المرء ليس فيما يأخذ لكنها فيما يعطي، قيمة المرء بعطائه، وأنت تسعد بعطائك، والمؤمن يسعده العطاء أكثر بكثير مما يسعده الأخذ، فيمتلك هذه القيمة النابعة من إيمانه العميق، ومن معرفته بالله، فيؤثر الناس على نفسه ويقدمهم على ذاته إرضاءً لمولاه وإدخالاً للسرور على عباد الله.
إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.