مقدمة
مقدمة
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد: |
الفرق بين السور المكيَّة والسور المدنيَّة:
| أيُّها الإخوة الكرام: من أوائل ما نَزَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنوَّرة سورة البقرة، هذه السورة هي أطوَل سورةٍ في كتاب الله تعالى، وصفحاتها في القرآن الكريم ثمانيةٌ وأربعون صفحة، وهذه السورة الكريمة مدنيَّة، بمعنى أنها نزلت بعد الهجرة، والسوَر المدنيَّة من مَزاياها أنها تتحدَّث عن الأحكام، بينما السوَر المكيَّة من مَزاياها أنها تتحدَّث عن العلاقة بالله تعالى، والتفكُّر في خلق السماوات والأرض، ومظاهر يوم القيامة واليوم الآخِر، بمعنى أنَّ القرآن في مكَّة كانت آياته تتحدَّث عن الصِلة بالله عزَّ وجل، عن الإعداد، بينما جاءت الأحكام في المدينة، وفي هذا المعنى تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: |
{ إنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، إذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ، فَقالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ! وما يَضُرُّكَ؟ قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أرِينِي مُصْحَفَكِ؟ قالَتْ: لِمَ؟ قالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ القُرْآنَ عليه؛ فإنَّه يُقْرَأُ غيرَ مُؤَلَّفٍ، قالَتْ: وما يَضُرُّكَ أيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَا أبَدًا، لقَدْ نَزَلَ بمَكَّةَ علَى مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنِّي لَجَارِيَةٌ ألْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، وما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّسَاءِ إلَّا وأَنَا عِنْدَهُ، قالَ: فأخْرَجَتْ له المُصْحَفَ، فأمْلَتْ عليه آيَ السُّوَرِ }
(صحيح البخاري)
| (ثَابَ النَّاسُ إلى الإسْلَامِ) أي رجعوا، فهموا دين الله، أحبّوا دين الله تعالى (ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَا أبَدًا) يعني الإنسان عندما تريد أن تَعِظه، ينبغي أن تُعرِّفه بالآمر قبل الأمر، بمعنى أن تُبيِّن له مَن الله تعالى الذي يأمُرك؟ ماذا أعدَّ لِمَن أطاعه وماذا أعدَّ لِمَن عصاه؟ ثم بعد ذلك تُخبره بالأمر، فهذا أدعى لأن يستجيب، فهذا نتعلَّمه من هذا الفرق بين ما نزل في مكَّة المُكَّرمة، وما نزل في المدينة المنوَّرة. |
فضل سورة البقرة:
| سورة البقرة أيُّها الكرام: يقول فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ البَقَرَةَ، وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن أصْحابِهِما، اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ، قالَ مُعاوِيَةُ: بَلَغَنِي أنَّ البَطَلَةَ: السَّحَرَةُ، وفي رواية: غيرَ أنَّه قالَ: وكَأنَّهُما في كِلَيْهِما، ولَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُعاوِيَةَ بَلَغَنِي }
(صحيح مسلم)
| هاتان السورتان الكريمتان، البقرة وآل عمران تُحاجِج عنك يوم القيامة إن قرأتها، تُجادل عنك، تشفع لك بين يدي ربَّك. |
| ويقول صلى الله عليه وسلم في البقرة تحديداً: (اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ) أي السحَرَة. |
| ومما يُروى عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: "تعلمت البقرة في عشر سنوات، فلمّا ختمتها نحرت جزوراً" تعلَّمها وليس قرأها، بل تعلَّمها وفَهِم أحكامها، ومضمونها، وما فيها من العِبر والفوائد والدروس والأحكام، قال: فلمّا أتممتها نحرت جزوراً، شكراً لله على هذه النعمة العظيمة. |
سبب تسمية سورة البقرة:
| فسورة البقرة أيُّها الكرام: أُخِذ اسمُها من ورود قصةٍ من قصص سيدنا موسى مع قومه، لم تَرِد إلا في سورة البقرة وهي قصة البقرة، وقصة البقرة تُبيِّن مرض قومٍ من الأقوام السابقين، وهُم قوم بنو إسرائيل، ومرضهم كان أنهم كانوا يُكثِرون الجدال ويتهرَّبون من تنفيذ الأمر، فلمّا جاء المسلمون إلى المدينة، أراد الله تعالى أن يُعلِّمهم من خلال الأقوام السابقة، فجاءت سورة البقرة، وكأنَّ الله تعالى يقول: لا تكونوا كقوم موسى، كأصحاب البقرة، الذين جادلوا موسى وأكثروا من جداله، إنما كونوا كمَن يريد الله تعالى سمعنا وأطعنا، أمّا قوم موسى فكانت قصة البقرة معروفة، أنه قُتِل إنسانٌ ولم يُعلَم القاتل، جاؤوا إلى موسى قالوا: يا موسى نريد أن نعرف من القاتل، يعني أنت كليم الله، قُل يا ربّ مَن الذي قتله؟ يقول لك: فلان، وانتهت القصة، فإذا بموسى عليه السلام يقول لهم: |
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(67)(سورة البقرة)
| نقول لك: من القاتل؟ تقول: اذبحوا بقرةً!! وهل قُلنا لك نريد مثلاً أن نطبخ طعاماً أو نأكل لحماً، من القاتل؟ اذبحوا بقرة!! هل نتعلم التسليم؟ الله يقول لك: اذبحوا بقرة، لماذا؟ لا أعرف، اذبحوا بقرة. |
| يوم كُنّا شباباً وما زلنا إلى آخر يومٍ في العُمر، إذا قال أباك شيئاً تقول: إنَّ أباك يأمُر، تقول: سمعاً وطاعةً، لا تقول له لماذا؟ بل تقول له حاضر (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً) جعلوا يتردَّدون ما هي؟ ما لونها؟ إلى أن قال: |
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)(سورة البقرة)
| فلمّا أتمّوا الأمر: |
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)(سورة البقرة)
| خذوا شيئاً من هذه البقرة واضربوه ببعضها، فقام المقتول وقال: فلانٌ قتلني، يعني أعظم جريمةٍ يتم فيها التحقيق في التاريخ، المقتول يقول من قتله، المقتول يقول: فُلانٌ قاتلي، سيِّد الأدلة، لا تحتاج لشهودٍ ولا تحتاج لبيِّنات، كان من الإمكان أن يقول لهم موسى عليه السلام من اللحظة الأولى، فُلانٌ الذي قتله بوحيٍّ من الله تعالى، لكن أراد موسى عليه السلام أن يُعلِّمهم أن يلتزموا الأمر، لكنهم قومٌ يُجادِلون، وحتى يومنا هذا من بقاياهم مَن يُجادِل ويُناقِش ويظهَر بمظهَر الناصح وبمظهَر الأمين، وهُم على ما هُم عليه من سوء، فأراد الله تعالى أن يُعلِّم الأُمة ببني إسرائيل، لذلك تجد ذِكر بني إسرائيل في سورة البقرة كثير، على قول: "الحكي لكِ يا جارة واسمعِ يا كنّة" تُريد أن تُسمِع زوجة ابنها في البيت فتتكلم مع الجارة واسمعِ يا كنّة، وكأنَّ الله عزَّ وجل، الكلام لكم يا بنو إسرائيل واسمعوا يا مسلمون، إيّاكم أن تقعوا بالأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل، هذا مُلخَّصٌ سريع لتسمية البقرة بسورة البقرة. |
الأحرف المقطَّعة في القرآن الكريم:
| هذه السورة أيُّها الكرام افتُتِحت بأحرفٍ مُقطَّعة: |
الم(1)(سورة البقرة)
| ثلاثة حروف من حروف اللغة العربية، حروف اللغة العربية تسعةٌ وعشرون حرفاً بما فيها الألف، فالألف حرف، والهمزة حرف، المجموع تسعةٌ وعشرون حرفاً، هذه السورة افتُتِحت بثلاثة حروف من حروف اللغة العربية. |
| والحقيقة أنَّ في كتاب الله تعالى تسعةً وعشرين سورةً افتُتِحت بالأحرف المُقطَّعة، مجموع السوَر مئة وأربعة عشر سورة، تسعٌ وعشرون سورةً منها افتُتِحت بالأحرف المُقطَّعة، تارةً حرفٌ واحد: "ق، ن"، وتارةً حرفان: "حم" وتارةً ثلاثة: "الم، الر" وتارةً أربعة: "المر، المص" وتارةً خمسة: "كهيعص، حمعسق". |
| حرف، حرفان، ثلاثة، أربعة، خمسة أحرُف، هذه الحروف حيَّرت العلماء، يعني كيف يفتتح القرآن؟ ما المغزى فيها؟ حتى ذهب بعضهم إلى أنها من أسرار القرآن الكريم، ومن المُتشابه الذي نردُّ علمه إلى الله، فيبدؤون تفسيرهم ويقولون: ألف لام ميم الله أعلم بمُراده، هذا منهجٌ حسن. |
| وبعض العلماء حاول أن يصل إلى مُراد الله، لأنَّ التفسير أن تحاول أن تصل إلى مُراد الله من كلامه، فحاولوا أن يصلوا إلى مُراد الله تعالى من هذه الأحرُف، فقال بعضهم: هي حروفٌ لكن لها دِلالات، لأنَّ العرب أحياناً تستخدم حرفاً بدلالة، ورد بشِعر العرب أنهم قالوا: قاف يريدون قف، يعني يستخدمون حرفاً ويريدون كلمةً، وذهبوا في هذا، وحاولوا أن يبحثوا عن معاني هذه الحروف فهي بداية كلماتٍ. |
| والبعض الآخر قالوا: بل هذه أسماء السوَر، يعني أنت تقول حم، الحواميم الخمسة، تقول: "الم" البقرة، إذا قلت: "كهيعص" فهي مريم، وهكذا، يعني أسماء السوَر، ومن أرجح الأقوال فيها وهذا يؤيده أنَّ كل السوَر التي وردت فيها حروفٌ مُقطَّعة عدا أربعة سوَر فقط، جاء ذكر القرآن بعد الحروف المُقطَّعة فوراً: |
الم(1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(2)(سورة البقرة)
حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(2)(سورة الدخان)
الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)(سورة يوسف)
| فيأتي ذِكر القرآن عَقِب الحروف، فقالوا هذه الأحرف للدلالة، على أنَّ هذه الحروف العربية بين أيديكم أيُّها العرب، فاصنعوا منها قرآناً إن استطعتم. |
| يعني للطُرفة والتمثيل: أحياناً الزوجة في البيت أنت تأتيها بمكونات الطعام، ماذا تريدون أن نطهوا اليوم؟ شاكرية، فتُحضِر اللبن، والنشاء، والبصل، واللحم، والأرز، والشعيرية، والسمن، وتضعهم بين يدي زوجتك أمام بعضهم، هذه المكونات هي تصنع منها شاكرية، أنت وأنا إذا حاولنا أن نصنع ينتُج معنا طعامٌ مُختلط وليس شاكرية، مع أنه المكونات موجودة، لكن لا نُحسِن أن نصوغها. |
عجز البشر أن يصوغوا الحروف كما صيغت في القرآن الكريم:
| لله المثل الأعلى، الله تعالى يقول: هذا القرآن كله من دُفَّته إلى دُفَّته، من فاتحته إلى الناس، إنما هو مصنوعٌ من تسعةٍ وعشرين حرفاً من اللغة العربية، هذه مادته الأولية (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) والأحرُف بين أيديكم، اصنعوا منها، فعَجِزوا، فقالوا: هذه الحروف المُقطَّعة يقول تعالى: (الم(1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ) هذا الكتاب مصنوعٌ من هذه الحروف، مصوغٌ من هذه الحروف، وأنت عربيٌ، وأنت تتباهى بالشِعر، وأنت تعقِد الأسواق، سوق عُكاظ وغيره لمباريات الشِعر، وأنت تُعلِّق الشِعر في جوف الكعبة المُعلَّقات للدِلالة على ما تفعله وتتبارى بالشِعر، وتُسمّيها المُذهَّبات، تكتبها بماء الذهب، مُعلَّقة امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم وغيرها، إذاً اصنع قرآناً، فبان عجزهم عن ذلك، قال تعالى: |
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)(سورة البقرة)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(13)(سورة هود)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(38)(سورة يونس)
| فما استطاعوا فبان عجزهم، وكان الواحد منهم من أشاوسة العرب، الوليد بن المُغيرة، يذهب ويجلس ويستمع القرآن من شدَّة انبهاره به، لكن يمنعه من الإيمان مصالحه وشهواته، والحُجُب، والقبيلة، والعشيرة، وغير ذلك، لذلك قال تعالى: |
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)(سورة الأنعام)
| لأنَّ الأمر واضح، فهذا أيضاً من المعاني اللطيفة في فواتح السوَر. |
ما هي براعة الاستهلال؟
| من المعاني اللطيفة أيضاً: العرب كان عندهم شيءٌ اسمُه براعة الاستهلال، اليوم من حضر خُطبة الجمعة هُنا، يمكن أمضيت ساعتين حتى أصل إلى براعة الاستهلال، وأرجو الله أن أكون قد وصلت، لا أدَّعي أنني وصلت، لكن حاولت، يعني كيف أستطيع في أول خمس دقائق من الخُطبة، أن أجعل الناس ينتظرون نهايتها، وغالباً تكون براعة الاستهلال بقصةٍ لطيفة، بمَثَلٍ سريع، بسؤالٍ مُهم، أحياناً الإنسان لا يكون عنده براعة استهلال، يعني حتى يوصلك إلى المعلومة التي يريدها تملّ، فبراعة الاستهلال جميلة باللغة العربية، أن تبدأ بشيءٍ يشغل الناس إليك، للمُتحدِّث ، فكان العرب في بداية القصائد عندهم استهلال، هو يُريد أن يمدَح فُلاناً من الناس فيبدأ بالوقوف على الأطلال، ما علاقة الأطلال؟ العرب يُحبِّون الوقوف على الأطلال، يعني منازل مُهدَّمة وبيوتٍ قديمة، وهو عاد بعد غياب، ونظر إلى الأطلال، وبدأ يتحسَّر على الأيام التي مضت، الوقوف على الأطلال براعة استهلال، فيبدأ امرؤ القيس مثلاً مُعلَّقته يقول: |
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْملِ{ امرؤ القيس }
| يتذكر الأماكن، يتذكر مراتع الصبا، ستة أو سبعة أبيات ثم يبدأ بالحديث الذي يريده. |
| من براعة الاستهلال عند العرب الغزل، يُحضرون شخصية مثلاً: سعاد، ليلى، غير موجودة ويبدؤون بها: |
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ مُـتـَيَّـمٌ إِثـرَهـا لَـم يُـجـزَ مَـكـبولُ وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ{ كعب بن زهير }
| يصف الغزال، يصف شيء، هذه براعة الاستهلال، ثم يبدأ بالمديح. |
| كعب بن زهير مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القصيدة، وخلع عليه بُردته صلى الله عليه وسلم، فسُمّيَت البُردة، والتي يُردِّدها الناس اليوم، البوصيري، البُردة الأساسية هي بُردة كعب بن زهير، التي قالها في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضرته وأمامه. |
إِنَّ الرَسولَ لَسَيفٌ يُستَضاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ{ كعب بن زهير }
| فهذه براعة الاستهلال، فلعلَّ من معاني هذه الأحرُف براعة الاستهلال، العرب لا يفقهون هذه الصيغة الجديدة بالخطاب، ينزل القرآن فيقول لهم: (حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) فهذه براعة الاستهلال عند بعض المُفسّرين وهو معنى لطيف (الم(1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ) فلعلَّ الحروف المُقطَّعة أيضاً من معانيها براعة الاستهلال. |
| البداية التي تجذب الناس، نحن قرأنا البقرة مراراً، أنت تخيَّل عربي بالبادية لأول مرةٍ يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (الم) شيءٌ يدعو للانتظار، للتلهُّف، للتشوُّق، ماذا بعدها؟ حروفٌ مُقطَّعة، فهذا أيضاً من المعاني الجميلة للحروف المُقطَّعة، هذه الحروف المُقطَّعة بعلم التجويد مجموعة بــ "نقص عسلكم حيٌ طَهُر"، "حيٌ طَهُر" لا تُمَد، و"نقص عسلكم" تُمَد ست حركات، فهذه مجموعها، "نقص عسلكم" و "حيٌ طَهُر". |
مكانة القرآن الكريم:
| (الم(1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ) ذا اسم إشارة، هذه الكأس، وهذا الهاتف، الهاء للتنبيه، نبدأ الذا بالهاء للتنبيه، هذا هذه، اللام للبُعد، والكاف للخطاب، يعني أنت تقول هذا الهاتف، وذلك الرجُل البعيد، إذا قريب منك تقول: هذا الرجُل، وإذا بعيد تقول: ذلك الرجُل، القرآن عندما يتحدَّث عنه الله تعالى لا يقول هذا الكتاب بل يقول: ( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ) هل هو بعيد؟ بعيدٌ بمكانته، وليس بمكانه، الكتاب قريبٌ منّا جميعاً، لكن مكانته عليَّة، هو بعيدٌ عن أوحال البشر، بعيدٌ عن الدنيا وما فيها، هو في عليائه (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ) اليوم رُبما يكون عالِمٌ من العُلماء يجلس بجانبي، لا أقول لكم هذا فُلان، أقول ذلك فُلان، للإشارة إلى مكانته وإن كان قريباً منّي بجسده، فالكتاب له مكانةٌ كبيرة (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ). |
الفرق بين الكتاب والقرآن:
| الكتاب والقرآن ما الفرق بينهما؟ الكتاب من الكتابة، والقرآن من القراءة، وقُرآننا يُقرأ ويُكتَب، وهذا من فضل الله تعالى، يعني محفوظٌ في الصدور، منقولٌ بالمُشافهة، وهو أيضاً مكتوبٌ في الصُحف، والكَتبُ في الأصل هو الجمع، كتب جمع، والقرآن مجموعٌ بين دُفَّتي المُصحف ومحفوظ، وهذا من نِعَم الله الكبرى. |
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)(سورة الحجر)
| الكتاب والقرآن، الكتاب يُطلَق على غير القرآن، قال تعالى: |
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)(سورة الأنعام)
| فسمّى التوراة كتاباً لكن لا يُسمّي التوراة قرآناً، فالقرآن اسمٌ خاص لكتاب الله تعالى المُنزَّل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما الكتاب يُطلَق على الكتُب السماوية كلها، والنبي صلى الله عليه وسلم من أحاديثه اللطيفة قال: |
{ قيِّدوا العِلمَ بالكتابِ }
(أخرجه ابن عدي)
| يعني إذا معلومة أعجبتك قيّدها بالكتابة، حتى لا تتفلَّت منك اكتُبها. |
الفرق بين الشكّ والريب:
| (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ) لا ريب يقولون بمعنى لا شكّ، لكن الريب غير الشك في القرآن الكريم، حتى إنَّ الله تعالى وصف الشك بالريب، قال: |
قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ(62)(سورة هود)
| وصفَ الشكّ بأنه مُريب، فالشكّ غير الريب، في القرآن لا يوجد ترادف، يعني لا يوجد كلمة بمعنى كلمة تماماً، قد يُقال بالتفسير لنُفهِم بعض الطلاب الصغار ما معنى لا ريب؟ نقول له: لا شكّ، لكن ليس لا شكّ تماماً، الريب أقل من الشكّ، الريب أدنى درجات الشكّ، ما معنى الشكّ؟ الشكّ هو تساوي الحيرة بين نقيضين في طرفين، يعني تقول لي: هل جاء فُلان اليوم؟ أقول لك: والله أشكّ، ما معنى أشكّ؟ يعني أنا عندي خمسون بالمئة أنه جاء، وخمسون بالمئة أنه لم يأتِ، فأنا أشكّ، هناك نقيضين مجيءٌ أو عدم مجيء، وأنا بينهما في الوسط، هذا الشكّ، الظنّ أعلى، يعني أنا عندي سبعون بالمئة أنه جاء، فأقول لك: أظنّ أنه جاء، غلبة الظنّ أقول لك: يغلب على ظنّي أنه جاء، يعني تسعين بالمئة، أمّا جاء يعني عِلمٌ يقين، أو لم يأتِ، الوهم ثلاثون بالمئة، والله توهّمت كأنه دخل، لكن رُبما كنت مُتوهّماً. |
| فعندنا الوهم وبعد الوهم يأتي الشكّ، الشكّ بالوسط خمسون بالمئة وخمسون بالمئة، تساوي الطرفين، الريب هو أدنى درجات الشكّ، حتى أنَّ القرآن الكريم لا ريب فيه، أي ليس فيه أدنى شكّ في أنه من الله تعالى، وأيضاً الريب فيه مع الشكّ تُهمة، فالمُرتاب يتَّهِم، الذي يشكّ يقول لك: أنا أشكّ في أنه قد قال ذلك أو لم يقله، أشكّ فقط، لا أعلم رُبما قاله ورُبما لم يقله، الريب يقول لك: لعلَّه قاله، هو في الأصل مجنون ممكن أن يصدر عنه، فالريب فيه تُهمة، والمشركون ارتابوا فاتَّهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون، وأثبت الله تعالى تُهمهم الباطلة هذه في قرآنه، جبراً لخاطر الدُعاة من بعدهم، لأنه إذا اتَّهمك الناس وأنت على حقٍّ فلا تلتفِت إليهم. |
| فهذا الفرق بين الشكً والريب، قال تعالى: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ) بمعنى أنه لا شكَّ فيه، ولا يُتَّهَم بشيءٍ مما في كلام البشر، كل الكتُب إذا قرأتها فيجب على مَن كتبها أن يقول في البداية: ما أحسنت فمن الله وما أسأت فمن نفسي، ومهما حاول الإنسان أن يكتُب ويُحسِن الكتابة، يعني أنا من تجربتي الشخصية، ألَّفت كتاباً وكنت قبل أسبوع أُنقِّحهُ، يعني أنا أستغرب كيف مرَّت عليَّ هذه، أنا أُصحِّح للناس دائماً أنه إذا قال: تخرَّجت من الجامعة الفلانية، أقول له: تخرَّجت في الجامعة الفلانية، لأنه لا يصحّ لغةً تخرَّجت منها، بل تخرَّجت فيها، وجدت في كتابي أنني كتبت تخرَّجت منها! لأنَّ هناك ريب، لا يوجد كتابٌ في الأرض يدَّعي الكمال. |
القرآن الكريم لا يرتاب أحدٌ أنه كلام الله تعالى لأنه مُعجِز:
| لذلك كانوا يقولون: كل ما كتب وأعاد، والله لو أنَّ الإنسان أعاد ما كتبه لما طُبِع كتابٌ في الأرض، لو أنه يبحث عن الأخطاء، لن يصل إلى مرحلةٍ يقول لك: أصبح خالياً من الخطأ اطبع، لا يدَّعي ذلك أحد، كانوا في الكتُب القديمة يضعون الأخطاء الشائعة ورقةً صغيرةً في الكتاب، الصفحة، السطر، الخطأ، الصواب، الآن يُعيدون طباعته صارت الطباعة أيسر، بالطبعة الثانية يُعدِّل، الثالثة مزيدة ومُنقَّحة، إلا القرآن الكريم، بهذه الثقة البالغة من مطلعه (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ) أو قُل (لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ) وقفان صحيحان (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ) لا يرتاب أحدٌ أنه كلام الله تعالى أبداً لأنه مُعجِز، أو قُل (لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ) أي لا تجد فيه في داخله، من مطلعه إلى مُختتمه شكَّاً أو تهمةً يُتَّهم بها، في لغته، أو في إعجازه، أو في مضمونه. |
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)(سورة النساء)
| من عند الله لا يوجد اختلاف، لا يمكن أن يأتي شيءٌ فيه ينقُض أوله آخره أو العكس (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ) أو (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) يعني إمّا أن نقف (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ)، (فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) أو نقف (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ)، (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهذا الشائع أكثر، وكلاهما وقفان صحيحان ومَعنيان، حتى في الوقف كلٌّ منهما يؤدّي معنى. |
الهداية هي الدِلالة:
| (لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) الهُدى من الهداية، والهداية هي الدِلالة، وهداه أي دلَّه، أنت عندما يطلُب منك إنسانٌ أين المحل الفلاني؟ تقول له: من هُنا، فأنت تهديه إليه، تدلّه عليه، والله تعالى ذَكر الهُدى في الطريق القويم وفي الطريق السيء. |
مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23)(سورة الصافات)
| دلّوهم عليه، وإن كان بعض اللغويين يقول: هذا من باب التَّهكُّم، فالهداية في الأصل تأتي للدِلالة على الخير فقط، لكن عند أغلب اللغويين الهداية هي الدِلالة، أي لو دلَّه على الشرّ فقد هداه إلى الشرّ (فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ) أي دلّوهم عليه، لكن غلب استخدامها في الدِلالة على الخير، الهداية: |
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)(سورة الفاتحة)
| في الدِلالة على الخير (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) المُتَّقون من الفعل وقى، وقى، يَقي، قِ، والوقاية هي أن تجعل بينك وبين الشيء الذي تخافه شيئاً يَقيق، فتَّتقي حرَّ النار ببعض ثوبك مثلاً، أو بشيءٍ ما تتَّقي الحرّ، فتجعل بينك وبينه وقاية، والمُتَّقون هُم الذين يخافون عذاب الله تعالى، ويخافون الوقوف بين يديه، ويخافون ذنوبهم التي سيأتون بها إليه، فسُمّوا المُتَّقون، يتَّقون الله، وهي مرتبةٌ عليَّة |
ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)(سورة البقرة)
أول صفةٍ من صفات المؤمنين في سورة البقرة أنهم يؤمنون بالغيب:
| أول صفةٍ من صفات المؤمنين في سورة البقرة أنهم يؤمنون بالغيب، نحن عندنا غيب وعندنا شهادة، عالَمان عالَم الغيب وعالَم الشهادة، الشهادة ما شهدته بحواسك الخمس، أنا الآن أراك هذا عالَم الشهادة، أنت تسمع صوتي هذا شهادة، أنا الآن أُحِسّ بوجود الماء البارد، أشُمّ رائحة الزهور، أتذوَّق طعم الكمّون، هذا شهادة، شيءٌ مُشاهَد محسوس، الغيب هو ما غاب عنك، لكن هذا يحتاج إلى الخبر الصادق، كيف نعرف الغيب؟ بالخبر الصادق، طبعاً هناك غيبٌ مكاني هذا يعلمه البشر، نحن نجلس هُنا الآن لا نعرف ماذا يجري في الساحة الخارجية للمسجد، لكن مَن يجلس هناك يعلم، فهو غيب مكان فقط، هذا يحصل أنه فُلان يعلم وفُلان لا يعلم، هذا ليس غيباً مُطلقاً، وهناك غيبٌ زماني، مثلاً أنا والدي يُحدّثني عن شيءٍ جرى في ساحة المرجة عام 1960 لم أكُن هناك، لم أكُن موجوداً حتى أعلم ما الذي جرى هناك، هو غيبٌ زماني، هناك غيبٌ زماني وغيبٌ مكاني، لكن الغيب المُطلَق هو غيب المُستقبل، ما سيأتي هذا لا يعلمه إلا الله. |
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)(سورة النمل)
| وأيُّ إنسانٍ يدَّعي أنه يعلم ما سيكون، فإيّاك أن تستمع إليه، لأنه مَن استمع إليه: |
{ مَن أتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عن شيءٍ، لَمْ تُقْبَلْ له صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً }
(صحيح مسلم)
| ومَن صدَّقه بما يقول: |
{ مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصَدَّقَه بما يقولُ، فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم }
(أخرجه الحاكم والبيهقي وإسحاق في مسنده)
| لأنه أُنزِل على رسول الله صلى الله عليه وسلم (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) وأُنزِل عليه: |
قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ(50)(سورة الأنعام)
| صلى الله عليه وسلم، ثم أنت تُصدِّق إنساناً يقول لك سيجري كذا وكذا غداً وبعد غَدٍ، فقال: (فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) والعياذ بالله. |
كذب المُنجِّمون ولو صَدَفوا:
| "كذب المُنجِّمون ولو صَدَفوا" العوام يقولون: ولو صَدَقوا، لكن هي أصل الكلمة ولو صَدَفوا، هُم لا يصدقون هُم كذَّابون، لكن ولو صادف أنه وقع ما قالوا به فهُم كاذبون. |
| يوم أمس أحدهم قال لي: هناك فُلانة مُنجِّمة تظهر على الفضائيات يكون صحيحاً ما تتكلم به، قلت له: هُما حلّان، أنت الآن تقول لي مثلاً ترامب باعتبار أنَّه هو الآن شخصية القرن، تقول لي: ترامب سيغتالوه بعام 2026 أم لم يغتالوه؟ كم خيار فيها هذه؟ اثنان، فأنا أقول: لك سيغتالوه، وأنت تقول: لن يغتالوه أفضل، أنت تقول سيغتالوه، فأحد هَذين الحلَّين سوف يحدُث لأنه لا حلٌّ ثالث، فأنا أتوقع، فهذه المُنجِّمة تأتي بعشرين أو ثلاثين موضوع وتتوقَّع، فيصدُف معها أمرين يكونان صَحيحَين، لأنه بشكلٍ طبيعي الحياة إمّا هذه أو هذه، فالناس تنتبه للأمرين الصَحيحَين ولا ينتبهوا إلى ثمانية وعشرين أمراً غلط. |
| كم خرج المُنجِّمون على الفضائيات السورية، وأتوا بهم من لبنان ودفعوا لهم أموالاً طائلة، وتوقعوا عودة سورية لمجدها بالنظام البائد، وسيعود كذا وكذا، وستعود الليرة إلى قيمة خمسين، وسيُدخلوه إلى الأُمم المتحدة، ورفعوه إلى مصاف والعياذ بالله، ثم بليلةٍ وضُحاها كذب المُنجِّمون ورحل بإرادة الله تعالى، وما تمَّ شيءٌ مما ذكروا، لكن الناس ينظرون إلى الحالة الوحيدة التي حصلت، فقالوا: كذب المُنجِّمون ولو صدفوا، ولو صدف أنه حصل شيءٌ مما توقَّعوه، فهذه طبيعة الحياة، لكن هُم كاذبون ولا يصدقون أبداً. |
سورة البقرة كلها مبنيَّةٌ على قضية الإيمان بالغيب:
| على كل حال أيُّها الكرام: هذا موضوع الإيمان بالغيب يطول شرحه، والقرآن الكريم في مُفتَتح البقرة يذكره أول ما يذكره من صفات المؤمنين، لأنَّ سورة البقرة كلها مبنيَّةٌ على قضية الإيمان بالغيب، وحتى قضية البقرة التي في سورة البقرة، مشكلة بني إسرائيل هي ضعف إيمانٍ بالغيب. |
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا(153)(سورة النساء)
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55)(سورة البقرة)
| ما عندهم إيمانٌ بالغيب، البقرة ما ذبحوها لأنه ما عندهم أيمانٌ بالغيب. |
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)(سورة البقرة)
| لأنه ما عندهم إيمانٌ بالغيب، فصاروا يسألوا لأنهم ليسوا مؤمنين بأنَّ هذا الرسول يُخبرهم بغيب، افعلوا ما يأمركم به الله تعالى. |
| فالإيمان بالغيب قضيةٌ طويلة، لعلَّنا إن شاء الله في لقاءاتٍ أُخرى نتعرَّض لها، هذا والله تعالى أجلُّ وأعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

