سورة البقرة - 03: شرح الآيات 15-22

  • 2026-04-17
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

سورة البقرة - 03: شرح الآيات 15-22

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين.

مقدمة تذكيرية لما قد سلف:
أيُّها الإخوة الكرام: في تدبُّرنا لسورة البقرة وصلنا إلى قوله تعالى مُتحدِّثاً عن المُنافقين:

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16)
(سورة البقرة)

كما أسلفت في اللقاء السابق، أنَّ الله تعالى خصَّ المُنافقين في مطلع السورة بثلاث عشرة آية، بسبب خطرهم، وخطر نِفاقهم، وما يحمله من وبالٍ عليهم وعلى مجتمعاتهم، بينما تحدَّث عن المؤمنين في خمس آياتٍ، وعن الكافرين في آيتين اثنتين، بينما المُنافقون أفرد لهم حديثاً طويلاً، لأنَّ المُسلمين وقتها كانوا قد قدموا إلى المدينة، وبدأت دولة الإسلام بالتشكُّل، وخطر المُنافقين يظهَر عند وجود الدولة والقوة للمسلمين.
للضحك فقط، المُكوعون متى ظهروا الذين يُسمّونهم اليوم مُكوعون متى كوَّعوا؟ عندما صار هناك قوةٌ قليلاً، نسأل الله أن يجعلها قوةً للإسلام وأهله دائماً، لكن متى غيَّروا مواقفهم وقالوا إنّا معكم؟ عندما صار هناك قوة، في حالة الضعف الوضع الطبيعي أن يتنصَّل الإنسان من المُسلمين، يقول لك: أنا لست شيخاً يا أخي، هذه اللحية هي عادة أو موضة، عندما يُصبِح للإسلام قوة فيدخُل المُنافقون في الصف الإسلامي.

أول وصول النبي الكريم إلى المدينة نزلت سورة البقرة وفيها وصف المُنافقين وفضحهم:
لذلك في أول وصولٍ للنبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، نزلت سورة البقرة وفيها وصف المُنافقين وفضحهم، طبعاً سورة التوبة بعد ذلك من آخر ما نزل في المدينة، أيضاً فيها فضحٌ عظيمٌ للمُنافقين، سُمّيَت الفاضحة، لكن سورة البقرة من أوائل ما نزل في المدينة، ومع ذلك تذكر فوراً المُنافقين حتى تُحذِّر من خطرهم، انتبه إلى مَن يندس داخل الصف الإسلامي، مَن يُحاول أن ينال منك، انتبه إليه فهو على خطرٍ عظيم.
فوصفهم الله تعالى، ووصف إفسادهم، ووصف سفاهتهم، ثم قال: (أُولَٰئِكَ) أي المنافقون (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) الباء في اللغة العربية دائماً تدخُل على المتروك، الشيء الذي تركته تُدخِل عليه الباء، يعني لو أنَّ شخصاً باع سيارته القديمة واشترى جديدة، يقول: استبدلت بسيارتي القديمة سيارةً جديدة، أمّا لو قال: استبدلت سيارتي القديمة بالجديدة فهو ترك الجديدة، بالعامية نُدخِل الباء على الشيء الذي أخذناه، لكن في الفصحى الحقيقية، في اللغة العربية تدخُل الباء على المتروك، قاعدة احفظوها، لذلك قال تعالى بعد قليلٍ في سورة البقرة، قال مُخاطِباً بني إسرائيل:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ(61)
(سورة البقرة)

هُم ما الذي تركوه؟ الذي هو خير، فدخلت الباء على المتروك.

المنافقون تركوا الهُدى وأخذوا الضلالة:
وهُنا قال: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ) إذاً هُم ماذا تركوا؟ الهُدى، وماذا أخذوا؟ الضلالة، والإنسان عندما يرغب في سلعةٍ يُقبِل عليها، فالله شبَّه حالهم كأنهم رغبوا في سلعةٍ فاشتروها، لكن ماذا كان ثمنها؟ الهُدى، تخيَّل إنساناً يبيعك قلم رصاصٍ بمليون دولار، تخيَّل! ما هذه الصفقة الخاسرة؟! هذه لا تساوي شيئاً أمام خسارة هذه الصفقة، أنَّ إنساناً يأخُذ الضلال ويترُك الهُدى.
قال: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) ما هذه التجارة الخاسرة؟ أن يترُك الإنسان هُدى الله ثم لا يأخُذ مثلاً بعضه بل يأخُذ الضلالة عوضاً عنه، فيُبيِّن حالهم وندمهم الشديد يوم القيامة، عندما يعلمون هذه الصفقة الخاسرة (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).
تخيَّل إنسان أمامه شيك ورقة نقدية، وضَعَها على المكتب، وهو رجُل أعمالٍ، وفرضاً هذا الشيك لا يُعوَّض، إمّا أن تصرفه وإمّا أنه انتهى، والشيك مقلوبٌ على ظهره، فبعد حينٍ نسي أمره، جاءه شخصٌ سأله سؤالاً ثم أراد أن ينصرف، فسأله: كيف الطريق إلى ساحة الأمويين مثلاً؟ فقال له: لحظةً سأرسمه لك، أمسَك الشيك ورسم له على ظهره، وهو لا يعرف أنه شيك ظنَّ أنه من ورق المكتب، ورسم له الطريق وذهب الرجُل، بعد ذلك هذا الرجُل وهو يُرتِّب مكتبه ويشذب أوراقه، وجد الورقة التي رسم عليها، فأمسكها ومزَّقها وألقاها في القُمامة، ثم اكتشف أنه استثمر هذا الشيك بأسوأ ما يمكن أن يُستثمَر به، جعله ورقةً ذات القرش الواحد وهو شيكٌ بمبلغ مليون، فتخيَّلوا كم تكون ندامته؟ هذا حال المُنافقين، يظن أنه نجا، لا أنت تركت الهُدى وأخذت الضلالة، فكيف يكون حالك يوم القيامة؟ قال:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ(17)
(سورة البقرة)


الله عزَّ وجل ضَرَبَ الأمثال في القرآن لأنَّ المَثَل يوضِّح الحقيقة:
المَثَل يا كرام بنفس الاشتقاق من المِثل، يُقال فلانٌ مِثل فلانٍ، يعني شبيهه ونظيره مثله، والمَثَل لأنه يجري على الألسنة، مثلاً يقولوا: "وافق شنٌّ طبقة"، مثلٌ قديم لرجُلٍ اسمُه شنّ وامرأةٍ اسمُها طبقة وتوافقا، فتأتي حادثةٌ حديثة لشخصٍ توافق مع الآخر، فيمثِّلون حالهم بحال شنٍّ وطبقة، فيقولوا له: "وافق شنٌّ طبقة"، أو يرون من فتاةٍ ما شيئاً يُماثِل ما كانت عليه أمها، سواءً من العادات أو من الأخلاق، فيقولوا: "طب الجرة على تمها تطلع البنت لأمها"، فيأتون بمَثلٍ يُشبه الحال، فسُمّيَ مثلاً.
والله تعالى يضرب الأمثال، ضَرَبَ الأمثال في القرآن، لأنَّ المَثَل يوضِّح الحقيقة، الحقيقة تكون مُجرَّدةً في الذهن فلا تتضِح إلا بمَثَلٍ، كيف فعلت أنا قبل قليلٍ، وضعت الشيك وقلبته والطاولة، فلعلَّ أحدكم رُبما ينسى الفكرة المُجرَّدة التي قلتها، لكن المَثَل يبقى أعمق فيه فيتذكر المَثَل، ورُبما إذا رجع إلى بيته وأحبَّ أن يحكي لأهله بعض الأشياء، يذكُر من الدرس أكثر ما يذكُر القصص والأمثال، هذه طبيعة النفس كلنا، تثبُت في الذهن، فالله تعالى في القرآن يقول:

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(111)
(سورة يوسف)

وقال أيضاً:

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)
(سورة إبراهيم)

الأمثال والقصص، هذا أسلوبٌ تربويٌ مهم، كيف ينقُل الحقيقة المُجرَّدة لحقيقةٍ شاخصةٍ أمامك؟ يقول أحد الشعراء:
وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فَضيلَةٍ طُويتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسودِ
{ أبو تمام }
فكرةٌ مُجرَّدة، أنَّ هناك فضيلةً مهمة ونسيها الناس، فالله تعالى إذا أراد نشرها، يُهيِّئ لها حسود يتكلم عنها فتُنشَر، كيف؟ ممكن، يعني الفكرة مُجرَّدة.
يُتابع الشاعر:
لولا اشْتِعالُ النَّارِ فيما جاورَتْ ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ
{ أبو تمام }
ائتِ بعود العطر وضعه لا تَخرُج منه رائحة، اشعِل النار حوله والتي هي تُشبه الحَسَد، فتظهَر رائحته، فنفهم معنى البيت الأول، أنَّ إنساناً له مكانةٌ عند الله، وله إخلاصٌ عند الله، لكن نُسيَ ذِكره، فيأتي الحاسدون ويُثيرون عليه عبر مواقع التواصل كلاماً لا أصل له، افتراءاتٌ باطلة، فينتبه الناس إليه ويبدأون بسماع دروسه، وتجد عدد المُشاهدات قد ارتفع كثيراً، مَن الذي رفعها؟ الحاسدون، هذا يحصُل كثيراً.
لمّا أراد الغرب في الحادي عشر من سبتمبر، أن ينال من الإسلام بهذه العملية التي نُفِّذَت بطريقةٍ أو بأُخرى، بعدها بيعَت ملايين النسخ من القرآن الكريم في الغرب، وهذا معروف ومشهور ليس سِرّاً، وكلما صار عملٌ إجرامي نُسِبَ إلى المُسلمين، الغرب لم يسمعوا بالإسلام، فيصير عملاً فيقول لك: مَن نفَّذه؟ مُسلمٌ إرهابي، فيقول لك: أُريد أن أقرأ مَن هذا الإسلام؟ فيقرؤونه فيجدون فيه خيراً، فقال:
وإذا أرادَ اللهُ نــشْــرَ فَـضـيـلَـةٍ طُـويتْ أتاحَ لهـا لِسـانَ حَـسودِ لولا اشْتِعالُ النَّارِ فيما جاورَتْ ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ
{ أبو تمام }
هذا هو المَثَل.

الله تعالى يضرِب مَثَلين للمُنافقين المَثَل الأول ناري والمَثَل الثاني مائي:
فالله تعالى الآن يضرِب مَثَلين للمُنافقين، المَثَل الأول مثلٌ ناري، والمَثَل الثاني مَثَلٌ مائي، والماء والنار مُتعاكسان.

المَثَل الناري:
المَثَل الناري: قال: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) جماعةٌ من الناس في ليلةٍ مُظلمة أوقَدوا ناراً، النار توقد عادةً لشيئين: إمّا للتدفئة أو للإضاءة، هؤلاء الواضح أنهم أوقَدوها للإضاءة وليس للتدفئة، أرادوا منها الإضاءة (أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) فلمّا اجتمعوا قام أحدهم فأوقَد ناراً (اسْتَوْقَدَ نَارًا) أي هو لا يملِك طريقةً لإيقادها فاستوقَد غيره، أي طلب من غيره، تعاون مع غيره أن يأتيه بشيءٍ يُشعِل به النار في هذه المفازة، في هذه الصحراء، والعرب تُسمّي الصحراء مفازةً، لأنهم يتفاءلون أن يفوز الإنسان فيها بالنجاة، مع أنها غالباً مُهلكة، لكن العرب يتفاءلون كثيراً، فيُسمّوا الصحراء مفازةً، فهو في مفازةٍ.
في صحراءٍ أوقَد هذه النار قال: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) تمام النور واضح واستناروا (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) فجأةً ذهب النور وحلَّ محلّه الظلام (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) ولم يقُل في ظُلمةٍ، وإنما في ظُلماتٍ، ظُلمة الشَك، وظُلمة الكُفر، وظُلمة الشِرك، وظُلمة النِفاق، وظُلمة البُعد عن الله، قال: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ) وقال: (ذَهَبَ اللَّهُ) ما قال ذُهِبَ بنورهم بل قال: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) لأنَّ الذي يذهب الله به لا يمكن أن يعود (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ).
فالمُنافقون حالهم مع الهُدى كهذا الحال، الضوء واضح، والله تعالى وضَّح لهم الحقائق وبيَّنها لهم، ثم سُلبوا هذه النِعمة العظيمة بنِفاقهم وأصبحوا في الظُلمات.
ثم يقول الله تعالى بعدها:

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)
(سورة البقرة )

لأنهم عرفوا الحقيقة وأضاءت لهم ثم تركوها، لو كان كافراً وضعه أقل لأنه لم يعلَم الحقيقة بعد، فإذا علِمها قد يرجع إليها، أمّا هذا علِمها وأضاءت ما حوله، هُم يعيشون مع المؤمنين، وينظرون إليهم وهُم يُصلّون، ويُصلّون معهم رُبما، ويعيشون أجواءهم الجميلة، ومناجاتهم لربِّهم، كله نورٌ لكنهم سُلبوا هذا النور فأصبحوا (فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ).

السمع هو الاستجابة فمَن لا يستجيب لا يسمَع:
قال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)، (صُمٌّ) الصَمَم هو في الأصل يُقال قناةٌ صمّاء إذا كانت مُصمطةً من الداخل، فيُقال عنها قناةٌ صمّاء، فهُم صمٌّ عن سماع الحقِّ لا يسمعون الحقّ، ليس الصَمم هُنا معناه الصَمم من كل جهةٍ لأنه لا يسمع أبداً، لكنه يسمع ولا يستجيب، فمَثَله كمَثَل الأصم.
إذا كان إنسانٌ واقفاً أمامك وانتبهت أنَّ عقرباً قد وقف على كتفه وهو يقترب من رقبته، وهو لا يراه، فقلتَ له: يا فُلان على كتفك عقرباً، فالتفَتَ إليك بهدوءٍ وقال لك: شكراً على هذه النصيحة، جزاك الله عني خيراً، هل سمع ما قلت له؟! لم يسمَع، لو سَمِعَ لانتفضَ ولخلع قميصه وألقاه، ولاضطرب اضطراباً عظيماً، لكنه لم يسمَع، لعلَّه سَمِعَ شيئاً آخر، فقال تعالى:

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21)
(سورة الأنفال)

لذلك السمع هو الاستجابة، فمَن لا يستجيب لا يسمَع، لها مثالٌ في الصلاة نُكرره كل يومٍ، نُسمّيه التضمين في اللغة العربية، أنت عندما ترفع رأسك من الركوع تقول: سَمِعَ الله لِمَن حَمِده، أنا أقول: سَمِعتُ لكَ أم سَمِعتُك؟ سَمِعتُك، لا أقول سَمِعتُ لكَ، لا يتعدى بحرف الجر السَمَع أقول: سَمِعتُك فوراً وليس سَمِعتُ لك، لماذا لا نقول: سَمِع الله مَن حَمِده؟ نقول: لِمَن حَمِده، لأنه ضَمَّنَ السمع معنى الاستجابة، أي استجاب الله لِمَن حَمِده، فهو استجاب لك، هذا هو السَمع الحقيقي.
أنت قُلت له: سبحان ربّي العظيم، سبحان ربّي العظيم، وحَمِدته، لمّا نهضت قُلت: سَمِعَ الله لِمَن حَمِده، أي استجاب، فضَمَّنه معنى الاستجابة ودلَّك عليها باللام، أي استجاب الله لِمَن حَمِده.
(صُمٌّ) أي أصمّوا آذانهم عن سماع الحقّ، صَمَم، (بُكْمٌ) لا ينطقون بالحقّ، (عُمْيٌ) لا يرون الحقيقة، الآيات واضحة ولا يرونها، كل شيءٍ واضح، كل شيءٍ يدل على الله، إن أردت بالكون تستدل، تُريد بالعقل تستدل، تُريد بالفطرة تستدل، والشرع أمامك آيات الله أمامك، فهُم: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) تمادوا في طريق الباطل ولم يعودوا عنه، لأنهم يعلمونه وانحرفوا عنه، هذا المَثَل الناري.

المَثَل المائي:
المَثَل المائي والماء تُطفئ النار:

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ(19)
(سورة البقرة)


معنى (كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ):
يعني أو مثلهم كَصَيِّبٍ، البلاغة في الإيجاز، يعني أو إليك مَثَلاً آخر: (كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ) الصيِّب كل شيءٍ ينزل من الأعلى إلى الأسفل يُسمّى صيِّباً، صاب يصوب فهو صيوِب، ثم أُبدِلت الواو ياءً وأُدغِمَت فصارت صيِّب، فهو يُصيب يعني غيثاً يُصيب، اليوم هناك مناظرٌ لا أعرف من دمشق أو من أطرافها، جاء الصيِّب من السماء فثقَّب ألواح الطاقة الشمسية، وثقَّب بعض السيارات من شدَّته، هذا الذي نُسمّيه حب العزيز أو البَرَد، فسبحان الله!
قال: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ) أي هذا المطر عندما ينزل، قال: (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) رأينا اليوم الرعد أصوات ما شاء الله.

وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ(13)
(سورة الرعد)

لكن مُخيفة، الرعد مُخيف، والبرق مُخيف، هي آياتٌ يُخوِّف الله بها عباده (وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) قال: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ) وهذا من المجاز، أي رؤوس أصابعهم (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ) أي رؤوسها (فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) من شدّة الصواعق التي يكون فيها النار أحياناً الصاعقة، خافوا فوضعوا أصابعهم في آذانهم (حَذَرَ الْمَوْتِ) خوفاً من الموت (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) مُحيطٌ بهم بمعنى أنهم لن يُفلتوا من عقوبته جلَّ جلاله.

وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ(20)
(سورة البروج)

لمّا تسمع كلمة مُحيطٌ جلَّ جلاله، أي لن يُفلتوا، أين تذهب؟ أحياناً أنت تقول: إنسانٌ ضابط الحدود من هُنا لكن من هناك باستطاعتي أن أخرُج، هناك ممرٌ، هناك ممراتٌ آمنة، أمّا مع ربّنا عزَّ وجل ليس هناك ممراتٌ آمنة للخروج، إذا استحقَّ الإنسان غضب الله وعذابه فالله محيطٌ بالكافرين.
رُبما تقول: لكنهم يتصرفون كما يريدون، لا ليس كما يريدون، هُم يتصرفون كما يُريد، لحكمةٍ يعلمها، لأنه أعطاهم حبل الإمهال، فإذا شاء سلبهم الإمهال، لذلك قال تعالى بعد قليل:

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)
(سورة البقرة)


الله تعالى يُمهِل ولكنه لا يُهمِل:
لكن هو يُمهلهم:

{ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُملي للظَّالِمِ، فإذا أخَذَه لَم يُفلِتْه، ثُمَّ قَرَأ: {وكَذلك أخذُ رَبِّك إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمةٌ إنَّ أخذَه أليمٌ شَديدٌ} }

(أخرجه البخاري ومسلم)

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102)
(سورة هود)

فالله تعالى يُمهِل ولكنه لا يُهمِل، يُرخي الحبل للظالم:

وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(45)
(سورة القلم)

لكن أُملي لهم، يُرخي لهم الحبل فيتحركون، فيظنّون أنهم يفعلون ما يشاءون، يظنّون، ويظنُّ ضِعاف الإيمان أنَّ هؤلاء يفعلون ما يشاءون، لكن في الحقيقة من يفعل ما يشاء هو الله.
عندما كُنّا صغاراً الآن لم يبقَ منها لأنَّ كل شيءٍ أصبح على الجوال، كان هناك مسرح العرائس في المدرسة، يعني بعض الأشخاص يُمسكون بعض الدُمى بحبالٍ لا يراها الأطفال ويُحركوها، فيظهَر للأطفال أنَّ الدُمى تتحرك، ويتكلمون من وراء الصندوق، فيظن الأطفال أنَّ الدُمى تتحدَّث مع بعضها، فيضحكون ويخافون وغير ذلك، الكبار يعرفون أنَّ هناك مَن يُحركها، وأنها لا تتحرك وحدها، فكبار المؤمنين يعرفون أنَّ الأمور تجري بمقادير الله، وأنَّ هؤلاء لا يملكون من أمرهم شيئاً، ولكن ضِعاف الإيمان الصغار يظنّون أنهم يملكون من أمرهم شيئاً.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4)
(سورة العنكبوت)

ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد.
فأحبابنا الكرام: هؤلاء كيف شبَّه الله تعالى المُنافقين بهذا المَثَل المائي كما قلت؟
أولاً: المطر هو الوحي القرآن (كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ) صَيِّب نافع ينزل من السماء ليُغيث الأرض، فمَثَل القرآن هو مَثَل القرآن الذي جاء جميع الناس.
الآن صوت الصواعق، والرعد، والبرق، هو ما في القرآن من الوعيد والزواجر، يعني أنت أحياناً تقرأ القرآن الكريم، قال صلى الله عليه وسلم:

{ شَيَّبَتْنِي هودٌ وأخواتها الواقعةُ والحاقَّةُ وإِذَاَ الشَّمْسُ كُوِّرَتْ }

(أخرجه الطبراني)

ما الذي شيَّبه صلى الله عليه وسلم؟ في هذه السوَر من الوعيد للكافرين ما فيها، وهو صلى الله عليه وسلم سيِّد المؤمنين، لكن شيَّبته هود، فكيف ينزل وقعها على الكافر وهو يسمع أنَّ الله أعدَّ له عذاباً أليماً؟ والله اليوم إذا شخصٌ من ذوي الشأن قال لك: حسابك عندي فلا تنام الليل، فكيف إذا مَلِك الملوك يُخاطبهم ويقول لهم: أعددت لكم عذاباً أليماً وعظيماً ومُهيناً؟

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)
(سورة النساء)

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)
(سورة النساء)

وهُم منافقون.
قال: (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) فبدلاً من أن يستفيدوا من هذا الصَيِّب وينتفعوا بالوعيد الذي فيه ويخافوا من الله، قال: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم) لا يُريدون أن ينتفعوا بشيءٍ منه، هذا المَثَل.
ثم قال:

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)
(سورة البقرة)

الخطف هو الأخذ بسرعة، شدّة البرق ولمعانه يكاد يأخذ بالأبصار (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ) أي إذا جلسوا مع المؤمنين، وفي مجالس المؤمنين، يأخذون المكاسب التي عند المؤمنين، وقد ينتفعون بشيءٍ من الدنيا، ورُبما أحياناً حتى المُنافق إذا جلس مع أهل الإيمان، يأخُذ شيئاً من روحانياتهم، من قُربهم.
(وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ) عندما يرتدّون إلى قومهم يقولون:

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)
(سورة البقرة)


التصوير الفني في القرآن الكريم:
(قَامُوا) أي وقفوا، فيُشبِّه حالهم وكأنك تراهم، هذا يُسمّيه العلماء وأول من أبدَع الوصف سيِّد قطب رحمه الله، له كُتيب اسمه "التصوير الفني في القرآن"، كيف اليوم بدون تشبيه بعيداً عن ذلك يقول لك: هناك موسيقى تصويرية، يضعوا موسيقى مُعيَّنة حتى تتصوَّر أنت المشهَد، خوفٌ أم حزن.
طرفة: شابٌ ذهب إلى أمريكا ودرس موسيقى تصويرية، عندما عاد سأله أبوه ماذا درست؟ قال له: موسيقى تصويرية، الأب كبيرٌ بالعمر فلم يفهم ما معنى موسيقى تصويرية، فقال له: كيف، قال: أنت تُعطيني حدثاً وأنا أُعطيك نغمةً، أعطني حدثاً، قال له: دخل لص، فأعطاه نغمةً.

وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ(30)
(سورة محمد)

قال له: دخل لصان، فأعطاه نغمتان، قال له: ثلاثة لصوص، فأعطاه ثلاث نغمات، قال له: كلهم لصوص، فأعطاه نغمةً طويلة صارت كالنشيد الوطني، لا حول ولا قوة إلا بالله.
فالقرآن فيه تصوير، فهو يُصوِّر لك الحَدَث وكأنك تراه، تراه وأنت تقرأ، وهذا شيءٌ مُذهلٌ في القرآن الكريم.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)
(سورة النور)

القيعة هي الصحراء، والسراب ما يراه الإنسان من بعيدٍ فيظنّه ماءً، هو انعكاسٌ لا يوجد ماء، (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً) انظُر إلى هذه الرحلة، يركض في الصحراء يريد أن يصل (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ) وصل، انتهت حروف المدود، (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) يقول سيِّد قطب: إنه الأخذ السريع بعد الإمهال الطويل، أعطاه المدة كلها، وصورها لك في القرآن وكأنك تراها، وصل فتفاجأ أنه لا يوجد سراب (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) فهذا نُسمّيه التصوير الفني في القرآن الكريم، فهذه الأمثال سبحان الله، انظُر: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ) مسرور، (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) جمدوا في أماكنهم، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)
(سورة البقرة)

لماذا خاطب الناس؟ مع أنه أغلب السوَر المدنية ليس فيها يا أيُّها الناس، بمكَّة يا أيُّها الناس، في المدينة أغلبها يا أيُّها الذين آمنوا، لأنه أصبح الخطاب للمجتمع المُسلم، للمدينة المُسلمة، خاطب الناس هُنا لأنه ذَكرَ قبلها المؤمن والكافر والمنافق، فرغم كل ما فضح المُنافقين به، وكل ما بيَّن من الكافرين الذين خُتِمَ على قلوبهم وكل شيءٍ، فهذا لا يعني أن نترك دعوتهم وخطابهم، هذا لا يعني أن نترك الدعوة، تقول: لا يرجعون وكذا وأنا لا شيء عليّ، لا، لعلَّه يسمَع كلمةً، مادام فيه نبضٌ وفيه نَفَس لعلَّه يرجع.

الربّ هو الذي يستحق العبادة:
فقال تعالى مُخاطباً الجميع، على خلاف ما هو معهودٌ في السوَر المدنية من خطاب المؤمنين: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وأمر بالعبادة ووجهها إلى الربوبية، لأنَّ الربّ هو الذي يستحق العبادة، مَن الذي خلقنا؟ الله، هذه هي الربوبية، مَن الذي يرزقنا؟ الله، من الذي يُنزِّل المطر؟ الله، مَن الذي يوقِد النار؟ الله، من الذي يُعطيني الولد؟ الله، مَن الذي يهبني الصحة والسلامة والعافية؟ الله، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي علة العبادة، مقصد العبادة أن تتحقق التقوى، أن يتحقَّق من العبد تقواه لربِّه، فيأتي ما أَمَر، وينتهي عمّا نهى عنه وزَجَر، العبادة هي مُطلَق الخضوع والتذلُّل على باب الله مع مُطلَق الحُبِّ له، فمَن أطاع الله وما أحبَّه ما عبده، ومَن أحبَّه ولم يُطعه ما عبده حقَّ عبادته، لا بُدَّ من الطاعة مع الحُب حتى تكون العبادة.
والعبادة هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يرتضيه الله تعالى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فهذا المجلس مجلس عبادة، ومجلسك بعد قليلٍ مع أهلك في جلسة سَمَرٍ تتقرَّب فيها منهم، وتُحبِّب نفسك إليهم، وتتودَّد إلى بناتك وأبنائك فهو مجلس عبادة، وذهابك غداً إلى العمل عبادة، ونومك بعد مجلسك مع أهلك اليوم عبادة، ليس على مبدأ نوم الظالمين عبادة، ولكن على مبدأ نوم المؤمنين عبادة، لأنهم عندما ينامون إنما يتقربون إلى ربِّهم، ويتقوّون للاستيقاظ إلى صلاة الفجر، فكل نشاطٍ تقوم به عبادة، والشباب عندما يذهبون إلى الملعب ليلعبوا كرة القدم، دون كشفٍ للعورات، ودون تنابُزٍ بالألقاب، ودون شُغلٍ عن وقت صلاةٍ وعن جماعةٍ وعن علمٍ فهُم في عبادة، كل عملٍ يرتضيه الله تعالى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة فهو عبادةٌ لله تعالى، ونحن نُعبِّد حياتنا لله، أي نجعلها وفق منهج الله، كما تقول العرب: طريقٌ مُعبَّدة أي وطئتها الأقدام حتى ذُلِّلت.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) بمُطلَق العبادة (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

الأرض مُمهدة لأنَّ فيها ما تقوم به حياتنا:

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(22)
(سورة البقرة)

فراشاً أي مُمهدة، بِساط، تستطيع العيش عليها، الأرض مُمهدة، الفِراش موطئ، هل يوجد أحلى من الفِراش إذا كان الإنسان مُتعباً ووجد الفِراش، الأرض كلها فِراش، لأنَّ فيها ما تقوم به حياتنا فهي فِراشٌ، أي مُريح.
(وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) أي سقفاً مُحكماً مرفوعاً.
(وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) الثمرات سواءً من الحبوب أو الفواكه أو كل ما في الأرض، وكما قال تعالى:

وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99)
(سورة الأنعام)

كيف نبات كل شيء؟ أحياناً هناك نباتاتٌ مُعيَّنة ربُّنا خلقها للسور، تُسوِّر فيها المنطقة من أجل أن تجلس أنت وأهلك ولا يراكم أحد، وهناك نبات ليف من أجل الاستحمام به، وهناك نباتٌ لتنظيف الأسنان "الخُلّة" وهناك نباتٌ فرشاة أسنانٍ "السواك" (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) وهناك نبات قوتٍ "عدس وحمُّص وقمح" وهناك نبات ودٍّ من الله "كرز ومشمش" (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ).

معنى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا):
(فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) الند هو الشريك والمُماثل، ومادام الله هو الذي خلقنا، وهو الذي رزقنا، وهو الذي يُطعمنا، وهو الذي يُسقينا، وهو الذي أنزل من السماء ماءً رزقاً لنا، فكيف نتجه إلى غيره؟! عجيب (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) أي وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا هو، وأنه لا رازق إلا هو، ولا مُعطي إلا هو.
مشركو قريش ماذا كانت مشكلتهم؟ لم تكن في الربوبية كانت في الألوهية.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38)
(سورة الزمر)

مُعترفين، (قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) مادام هو الذي خلقك وتعترف بذلك، لماذا تتجه إلى غيره؟ فالمشكلة دائماً في التوحيد هي في التوجُّه وليست في الاعتراف بالفضل، مُعظم البَشَر اليوم يتَّفقون على أنَّ الله هو الذي خلقنا وهو الذي يرزقنا، لكن المؤمن بماذا يتميَّز؟ بأنه يُفرِد الله تعالى بالعبادة وحده فلا يتوجه إلى غيره، فيخلقني ويرزقني ثم أعبُد غيره! معاذ الله، مادام هو مَن ينزل الخير منه إلي فيجب أن تصعد منّي العبادة إليه.
هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.

الدعاء:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم تقبَّل منّا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا يا مولانا إنك أنت التواب الرحيم، واهدِنا ووفِّقنا إلى الحقِّ وإلى الطريق المستقيم.
اللهم ما أمسى بنا أو بأحدٍ من خلقك من نعمةٍ فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد على ذلك، فأتم اللهم نعمتك علينا.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا.
اللهم ذكِّرنا منه ما نُسيِّنا وعلِّمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على النحو الذي يرضيك عنّا، وصلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.