سورة البقرة - 04: شرح الآيات 23-26
سورة البقرة - 04: شرح الآيات 23-26
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| هذا لقاؤنا الرابع في تدبُّر سورة البقرة، ومع الآية الثالثة والعشرين من السورة وهي قوله تعالى: |
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)(سورة البقرة)
معنى الرَيب:
| الرَيب يُفسَّر بالشك ولكن بينهما اختلاف، فالشك أعلى من الرَيب، الرَيب دون الشك، والله تعالى في مَطلَع السورة وصف كتابه قال: |
ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(2)(سورة البقرة)
| فالآن قال لهم: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ) هو لا رَيب فيه، قرر المولى جلَّ جلاله أنه لا رَيب فيه، فالرَيب يُطلَق على التوهُّم أو الالتباس، يعني أقرب إلى الوهم من الشك، لأنَّ الشك هو استواء الطرفين، فأنت إذا شككت في أمرٍ فقد استوى عندك الطرفان، يعني إمّا أنّي فعلت أو لم أفعل، يعني خمسين بالمئة وخمسين بالمئة، فتقول: أنا أشكّ، لا يترجَّح عندي جانبٌ على جانبٍ، أمّا الرَيب أقل من الشك، فكتاب الله تعالى لا رَيب فيه، أي لا يمكن أن يكون فيه التباسٌ ولا توهُّم، فقال: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا)، (نَزَّلْنَا) أي من الأعلى إلى الأسفل، التنزيل يكون من الأعلى إلى الأسفل، فالله تعالى جلَّ جلاله له العلو، فهو عالٍ على خلقه علوَّ ذاتٍ، وعلوَّ صفاتٍ، وعلوَّ قهرٍ، وعلوَّ قَدرٍ: |
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(4)(سورة الشورى)
| هو عالٍ على خلقه، علوَّ ذاتٍ، وعلوَّ صفاتٍ، وعلوَّ قَدرٍ، قَدرهُ عالٍ. |
| وقهرٌ: فهو قد قهر عباده جلَّ جلاله، فقال: (نَزَّلْنَا). |
مقام العبودية من أعلى المقامات عند الله تعالى:
| (مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا) هُنا مقام رسالةٍ، فقد يُتوهَّم أن يقال على رسولنا، على نبيِّنا، لأنَّ التنزيل لا يكون إلا على نبيٍ أو رسول، لكنه قال: (عَلَىٰ عَبْدِنَا) إشارةً إلى أنَّ من أعلى المراتب التي يبلغها الإنسان، أن يكون عبداً لله، وذكر ذلك في موطنٍ آخر، في موطن مُعجزةٍ حسيَّة، هُنا في موطن المعجزة المعنوية العقلية وهي القرآن، وذَكرَ ذلك في موطن مُعجزةٍ حسيَّة فقال: |
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)(سورة الإسراء)
| فمقام العبودية هو من أعلى المقامات عند الله تعالى، لنبيٍ أو لرسولٍ أو لمَلَكٍ مُقرَّب أو لإنسٍ أو لجنٍّ، أعلى مقامٍ يصله الإنسان عند الله أن يتحقَّق من عبوديته لله، لذلك قال: (عَلَىٰ عَبْدِنَا)، ولمّا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عبداً لله على أن يكون مَلِكاً، شرَّفه الله تعالى فنَسبه إليه فقال: (عَلَىٰ عَبْدِنَا) كل عبوديةٍ للبشر ناقصةٌ ومَذمَّة، وكل عبوديةٍ لله هي رِفعةٌ وعُلوّ، فأن تكون عبداً لله تعالى فأنت سيِّد نفسك، وأنت سيِّد قرارك، لا تستعبدك الشهوات ولا تستعبدك الشُبهات، ولا تأخُذ بيدك الأشياء التافهة إلى ما لا يُحمَد عُقباه. |
| قال: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) المولى جلَّ جلاله قرر قبل هذه الآية العبودية له، والآن يُقرر النبوة لرسوله، قال: |
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)(سورة البقرة)
| والآن يُقرر النبوة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: |
{ لا تطرُوني كما أطرتِ النصارَى ابنَ مريمَ إنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللهِ ورسولُه }
(أخرجه البخاري وأحمد)
الأمر في الأصل للوجوب لكنه قد يخرُج إلى معانٍ أُخرى بلاغةً:
| من المعاني التحدي، قال: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) هو لا يأمرهم هُنا أن يذهبوا ويحاولوا، إنما يتحدَّاهم أن يستطيعوا (فَأْتُوا بِسُورَةٍ) والسورة في الأصل من الرِفعةِ والشرف من معانيها، وفي ذلك يقول النابغة الذُبياني عندما مدح النعمان بن المُنذر مَلِك الغساسنة، قال: |
أَلَم تَرَ أَنَّ اللَهَ أَعطاكَ سورَةً تَرى كُلَّ مَلكٍ دونَها يَتَذَبذَبُ{ النابغة الذبياني }
| أي أعطاك مكانةً عليَّة، وتُطلَق السورة أيضاً على ما فيه الإبانة والإحاطة، لأنَّ السورة تُحيط بآياتها كما يُحيط السور بالبيت فيحميه، والسورة تُحيط بالآيات كما يُحيط السور بالبيت فتحمي آياتها. |
| واصطلاحاً هي قطعةٌ من كلام الله تعالى لها افتتاحٌ واختتام، أقلُّها ثلاث آياتٍ سورة الكوثر فما فوقها. |
| قال: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) والله تعالى تحدَّاهم قبل ذلك فقال: |
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(13)(سورة هود)
| وتحدَّاهم فقال: |
قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)(سورة الإسراء)
الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم:
| فكان التحدّي بالقرآن كله، ثم بعشر سورٍ مُفتريات، ثم بسورةٍ من مثله، وعجزوا عن كل ذلك، وهذا هو سرُّ إعجاز القرآن الكريم، القرآن فيه إعجازٌ لغوي، فيه إعجازٌ بياني، هو كلام الله. |
{ فَضلُ القُرآنِ على سائِرِ الكلامِ كفَضلِ اللهُ على سائِرِ خَلقِه }
(أخرجه البيهقي)
| فهُم عجزوا عن الإتيان بما تحدَّاهم الله تعالى به. |
| (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم) أي أعوانكم الذين يشهدون معكم هذا الأمر. |
| (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ) كل ما هو من الأعوان، وكل مَن يقف معك، وكل مَن يؤيِّدكَ فهو من دون الله، والله فوقهم جميعاً. |
| (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي إن كنتم صادقين في دعواكم بأنَّ هذا القرآن غير مُنزَّلٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنَّ فيه وهماً أو التباساً، أو شيئاً مما تدَّعون، ولكنكم لستُم كذلك. |
| ثم قال: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) وهذا افتراضٌ وتنزُّلٌ كما يُقال في الحِجاج، تنزُّلٌ مع الخصم، كما فعل إبراهيم عليه السلام مع النمرود لمّا قال: |
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258)(سورة البقرة)
| فإبراهيم عليه السلام تركه وقال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) لأنه دخل في التأويل، وفي التأويل القصة لا تنتهي، هو تأوَّل الإحياء والإماتة، مثلاً أنا عندي مساجينٌ، الآن آمر بالعفو عن أحدهم فأُحييه، وأحكُم بالإعدام على أحدهم فأُميته، كان بوسع إبراهيم أن يقول له: ليس هذا هو الإحياء والإماتة، الإحياء هو من العدَم، والإماتة هي القدرة على الإماتة، كُن فيكون في اللحظة التي يريد، أنت لا تستطيع ذلك، فكان تأوَّل وذهب في مكانٍ، فتنزَّل معه وقال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)، انتهت القضية. |
| فقال: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا) هُم لم يفعلوا ذلك (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) وهذه (لَن) هُنا للتأبيد، لتأبيد النفي، هل "لن" دائماً في اللغة تأتي للتأبيد؟ الجواب لا، يعني لو قلت لك: لن أذهب معك، هل هذا يعني إلى الأبد؟ لا، اليوم، رُبما اليوم وغداً، أو إلى هذه النُزهة لن أذهب، لكن قد أذهب معك في شيءٍ آخر، فلن في الأصل ليست لتأبيد النفي، المُعتزلة قالوا: "لن" دائماً لتأبيد النفي، حتى ينفوا رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، لأنَّ الله تعالى قال لموسى عليه السلام: |
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(143)(سورة الأعراف)
| فقالوا: هذه لتأبيد النفي، فلا يمكن رؤية الله، مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: |
{ كُنَّا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيلةً - يَعني البَدرَ- فقال: إنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كما تَرَونَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤيَتِه، فإنِ استَطَعتُم أن لا تُغلَبوا على صَلاةٍ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُروبِها فافعَلوا، ثُمَّ قَرَأ: {وسَبِّح بحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ الغُروبِ} [ق:39] قال إسماعيلُ: افعَلوا لا تَفوتَنَّكُم }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| سنرى ربَّنا، (لَن تَرَانِي) أي في الدنيا وليس لن تراني على التأبيد، فما كل لن على التأبيد، لكن عندما تتعلق بالتحدّي فهي على التأبيد، هُنا يوجد قرينةٌ للتأبيد وهي التحدّي. |
| (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) أي لا الآن، وعلى الأبد لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً من ذلك، أو أن تأتوا بسورةٍ من مثله، قال: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) ما علاقة أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا فاتقوا النار؟ أي إذا لم تستطيعوا أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فاتقوا النار بالإيمان والتصديق بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالكتاب واتِّباع ما في الكتاب، مادام حقّاً من الله تعالى. |
كلمة الناس في القرآن لها مدلولات حسب السياق:
| (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وقودها الناس أي الناس الكافرون طبعاً وليس كل الناس، كلمة الناس في القرآن لها مدلولات، تتبُّع المُفردة في القرآن الكريم مهمٌ جداً لفهم كتاب الله، يعني مثلاً ربُّنا جلَّ جلاله قال: |
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)(سورة آل عمران)
| الناس الأولى هُم أربعة جاؤوا إلى المؤمنين معروفين بالتاريخ في السيرة، أربعة قالوا: (إِنَّ النَّاسَ) أي قريشٌ ومن لفَّ لفَّها، مَن وقف معها من المشركين، واليهود، وغَطَفان وغيرها، فقط هؤلاء وليس كل الناس، هُنا الناس أي الناس الكافرون، فالسياق يوضِّح مَن هُم الناس المقصودون وليس كل الناس، وهذا الفَهم يُعيننا على فَهم حديث المُصطفى صلى الله عليه وسلم، الذين ضلَّ قومٌ كثيرون في فهمه، لما قرؤوا: |
{ أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهُ ويُقِيمُوا الصلاةَ، ويُؤْتُوا الزكاةَ، ثم حُرِّمَتْ عَلَيَّ دماؤُهم وأموالُهم، وحسابُهم على اللهِ . }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| فقالوا: نحن نُقاتل الناس كلها، المُعاهد وغير المُعاهد، والمُسالم، والمُقاتل، والمُحارب، هذه التنظيمات التي اختُرِقت واستُخدِمت للعبَث بالدين، قالوا: |
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36)(سورة التوبة)
| أيضاً فهمومها في غير سياقها (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ) إذاً هناك قتال، تُفهَم في ضوء الآية: |
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)(سورة البقرة)
| ففهموا هُنا فقالوا: نحن نُقاتل كل الناس (أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهُ) لا، (أُمِرْتُ أن أقاتلَ) أي المُقاتلين في أرض المعركة الذين يُقاتلوننا، فليست الناس في كل موضِعٍ تُطلَق على الناس جميعاً، لا، إلا أن يأتي بعدها ما يؤكِّد أنها للجميع، كأن يقول: أُمرت أن أدعو الناس جميعاً كبيرهم وصغيرهم إلى الله، فهُنا جاء ما يؤكِّد أنَّ الناس جميعاً، أمّا في الأصل كلمة الناس نتَتبَّع معناها ونفهمها في ضوء السياق. |
فهم اللغة العربية مُهمٌ جداً في فَهم النَص الشرعي:
| وحتى أُتم الفائدة في الحديث (أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ) ولو خرجنا عن الموضوع قليلاً، أيضاً فهموا فهماً آخر، قال: (أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهُ) ففهموا أنَّ (حتى) هُنا ليكون ما قبلها سببٌ لِما بعدها، أي أنا أُقاتله لأُجبره على الدخول في دين الله (أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا) أي يجب أن تدخُل في دين الله بالإجبار، والكلام ليس كذلك، أنا أقول: ادرُس حتى تنجح، أي الدراسة من أجل النجاح، لكن لو قلت لك: درستُ حتى الصباح، فهل الدراسة من أجل الصباح؟! لا، هذه لانتهاء الغاية، بمعنى أنني في المعركة إذا شهدوا أنه لا إله إلا الله فلا يجوز قتالهم بعد ذلك، ولو قالوها كلاماً، قال: |
{ بعثَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ سريَّةً إلى الحُرقاتِ فنَذروا بنا فَهَربوا فأدرَكْنا رجلًا فلمَّا غشيناهُ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فضَربناهُ حتَّى قتلناهُ فذَكَرتُهُ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: من لَكَ بِلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ، فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافةَ السِّلاحِ، قالَ: أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟ فما زالَ يقولُها حتَّى وَدِدْتُ أنِّي لم أُسلِم إلَّا يومئذٍ }
(أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود)
| انتهت المعركة، قال لك: أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، فلماذا تُقاتله؟ ففهم اللغة العربية مُهمٌ جداً في فَهم النَص الشرعي، وإلا يأتي: |
{ إذا حدَّثْتُكم عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حديثًا فلَأَنْ أخِرَّ مِن السَّماءِ أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أكذِبَ عليه وإذا حدَّثْتُكم فيما بيني وبيْنَكم فإنَّما الحربُ خَدْعةٌ سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : يأتي في آخِرِ الزَّمانِ قومٌ حديثو الأسنانِ سُفهاءُ الأحلامِ يقولونَ مِن خيرِ قولِ البَرِيَّةِ يمرُقونَ مِن الإسلامِ كما يمرُقُ السَّهمُ مِن الرَّمِيَّةِ لا يُجاوِزُ إيمانُهم تَرَاقيَهم فأَيْنما لقِيتُموهم فاقتُلوهم فإنَّ قَتْلَهم أجرٌ لِمَن قتَلهم يومَ القيامةِ }
(صحيح ابن حبان)
| الذين فهموا النصوص بغير فقهٍ ولا علم، وأساؤوا إلى الأُمة وأرجعوها إلى الوراء بتصرفاتٍ رعناءٍ غير مدروسة، ولا تنبني على أصولٍ وقواعد شرعية. |
| (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) على التأبيد (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) الناس هُم الكافرون، والحجارة ما يُشعَل به النار، الوقود هو ما يُشعَل به النار، وقد يكون جزءٌ من هذه الحجارة هي التي كانوا يعبدونها، وهُنا الله تعالى يُعرِّض بأصنامهم: |
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ(98)(سورة الأنبياء)
| فأن تُشعَل النار بالحجارة وربما كانت الحجارة الكبريتية أو الأصنام، فهذا يدل على عِظَم أمرها وعلى شدَّتها. |
النار مُهيَّأةٌ ومُعدَّة وقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم:
| (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي هُيئت لهم، وهذا الجزء من الآية دليلٌ على أنَّ النار مُهيَّأةٌ ومُعدَّة، وقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم قال: |
{ بَلَغَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أصحابِه شيءٌ فخَطَبَ فقال: عُرِضَت عليَّ الجَنَّةُ والنَّارُ، فلم أرَ كاليَومِ في الخَيرِ والشَّرِّ، ولو تَعلَمونَ ما أعلَمُ لَضَحِكتُم قَليلًا ولَبَكَيتُم كَثيرًا، قال: فما أتى على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومٌ أشَدُّ منه، قال: غَطَّوا رُؤوسَهم ولَهم خَنينٌ، قال: فقامَ عُمَرُ فقال: رَضينا باللهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمُحَمَّدٍ نَبيًّا، قال: فقامَ ذاكَ الرَّجُلُ فقال: مَن أبي؟ قال: أبوكَ فُلانٌ، فنَزَلَت: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تَسألوا عن أشياءَ إن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم} [المائدة: 101] }
(أخرجه البخاري ومسلم والنسائي)
| فهي موجودةٌ. |
{ أُوقِد على النَّارِ ألفَ سنةٍ حتَّى احمرَّت، ثمَّ أُوقِد عليها ألفَ سنةٍ حتَّى ابيضَّت، ثمَّ أُوقِد عليها ألفَ سنةٍ حتَّى اسودَّت، فهي سوداءُ كاللَّيلِ المُظلِمِ }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه)
| كما يقول صلى الله عليه وسلم، فهي مخلوقةٌ (أُعِدَّتْ) مُهيَّأةٌ. |
| ولمّا يقول: |
وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)(سورة آل عمران)
| هذا فيه إكرامٌ للمؤمنين، ولمّا يقول: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) النار فيه تهديد، أي مُهيئ لك العقوبة قد أعددتها لك. |
| وربُّنا جلَّ جلاله من رحمته أنه ما أن يذكُر النار والعذاب إلا ويذكُر بعدها الجنَّة والثواب، يفتح باب الأمل جلَّ جلاله دائماً، مهما كانت الصورة مُظلمةً، نارٌ وجهنم والعياذ بالله (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ثم فوراً يقول لك: |
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(25)(سورة البقرة)
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ(30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ(31) هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(32)(سورة ق)
ينبغي ألّا نستغرق في الترهيب وألّا نستغرق في الترغيب:
| وكأنَّ الله تعالى يُعلِّمنا ألّا نستغرق في الترهيب وألّا نستغرق في الترغيب، حتى في علاقتنا مع أولادنا، مع أنفسنا، إذا شعرت أحياناً أنك قد بالغت في الخوف من العقوبة، فتذكَّر رحمة الله تعالى، وإذا شعرت أنك بالغت في التساهُل في أمر الله، وأنَّ الدروس كلها ربُّنا غفورٌ رحيم، وكلنا إلى الجنَّة، والنبي صلى الله عليه وسلم يشفَع لنا، فبدأتَ تتهاون في عباداتك وفي ترك المُحرَّمات، فاحمِل نفسك فوراً على الترهيب من النار، فوازِن بينهما، لذلك قال تعالى: |
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90)(سورة الأنبياء)
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ(56)(سورة الأعراف)
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)(سورة الحجر)
| فلا بُدَّ من التوازن وكأنهما كفَّتا ميزانٍ يجب أن تبقيا في توازنٍ مستمر لا ترجح إحداهما على الأُخرى. |
معنى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا):
| فقال تعالى: (وَبَشِّرِ) والبِشارة سُمّيَت بشارةً من بشرة الوجه، لأنك إذا بشَّرت إنساناً بما يسرُّه ظهر ذلك على بشرته فوراً، فيُقال: بشَّره بما يسرُّه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بُشِّر بشيءٍ أو إذا سُرَّ: |
{ كانَ إذا سُرَّ استَنارَ وجهُه كأنَّه قِطعةُ قمَرٍ }
(أخرجه البخاري وأحمد)
| فالبِشارة تظهر على بشرة الوجه، بعض اللغويين يقولون: البِشارة تأتي للخير وللشر، فحتى إذا بشّرته بشرٍّ، يظهر ذلك على صفحة وجهه فوراً، والله تعالى قال: |
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(24)(سورة الانشقاق)
| لكن الذي يترجَّح عندي والله أعلم، أنَّ البِشارة في الأصل هي للخير، وعندما ذُكِرت في الشرّ ذُكِرت تهكُّماً عليهم قال تعالى: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) زيادةٌ في الألم، أنه يتفاءل قد جاءت البِشارة، فقال: (بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فالأصل في البِشارة أنها للخير الذي يظهر على بشرة الوجه، وأمّا الشرّ فتُستخدَم البِشارة فيه لا على الأصل وإنما على التهكُّم والسُخرية من حالهم والله أعلم. |
الإيمان لا يكون بلا عمل:
| (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) والله تعالى كثيراً في كتابه ما يربط بين الإيمان والعمل، لأنَّ الإيمان بلا عملٍ شجرةٌ بلا ثمر، أنا لا أقول أنَّ الإيمان بلا عملٍ لا ينفع كما يقول بعض الفِرَق، لكن في الوقت نفسه أقول: هذا الربط المُستمر بين الإيمان والعمل الصالح في كتاب الله له دلالة عظيمة، وكأنَّ الله تعالى يقول: الإيمان السكوني لا يُنجيكم عند الله تعالى، يعني مؤمن ثم لا تتحرك وفق إيمانك ما هذا الإيمان؟! |
| أن يقول إنسانٌ: أنا مؤمنٌ بأهمية الدواء ثم لا يتناوله هل سيُشفى؟! لا، فإيمانك بالشيء يدفعك إلى تصديقه بعملٍ، يعني قد تُخطئ بالعمل فتتوب، قد تُقصِّر، قد تأتي بعضه وتترك بعضه فتستغفر الله منه هذا شيءٌ آخر، أمّا إيمانٌ بلا عملٍ فلا يكون. |
| فقال: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي عملوا الأعمال الصالحة، لماذا حدث الأعمال وقال: وعملوا الصالحات فوراً؟ ليُشير إلى أنَّ أهمية العمل بصلاحه وإلا لا قيمة له، فعبَّر بالصفة عن الموصوف فقال: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) والعمل الصالح يصلُح للعرض على الله، والعمل الصالح يصلُح ليُدخلك الجنَّة، لذلك سُمّيَ صالحاً، ولا يصلُح إلا بشرطَين عند الله، أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى لا تبتغي به إلا وجه الله، وأن يكون صواباً يوافِق شرع الله. |
{ من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| فإذا كان في الظاهر خالصاً ولم يكن صواباً فإنه لا ينفَع، يقول لك: عملنا يانصيب خيري لدعم أهلنا في غزَّة، فجمعنا أوراق اليانصيب وعملناه، لا، هذا لا يجوز، اليانصيب حرام، حفلةٌ صاخبة، أغاني وأشياء لا تُرضي الله عزَّ وجل، يُخصَّص ريّعُها لدعم أهلنا المُحاصرين في القطاع، لا تفعلها، فإنها ليست صواباً وإن كانت النيَّة قد تكون طيِّبةً نوعاً ما لكن لا يجوز. |
يجب أن يكون العمل خالصاً وصواباً:
| نفس الأمر يقول أحدهم: والله أنا مُخلصٌ لله تعالى في هذا العمل، عملنا أربعين للميِّت، هذا الأربعين للميِّت ليس صواباً، يقول: والله أنا لا أُريد شيئاً فقط من أجل أن نجبُر خاطر أهله، لا، لا تجبُر بخاطرهم، بل اجبُر بخاطرهم بأيام العزاء الثلاثة وبعدها انتهى العزاء، اجبُر بخاطرهم بصدقةٍ عنه ترجو له إن شاء الله ثوابها، اجبُر بخاطرهم بوجبة طعامٍ إلى بيتهم إذا كانوا فقراء، أو إذا كانوا بأيام العزاء: |
{ لمَّا جاءَ نَعيُ جعفرٍ قالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ اصنَعوا لأهْلِ جعفرٍ طعامًا، فإنَّهُ قد جاءَهُم ما يشغلُهُمْ }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)
| أمّا أربعين الميِّت! هذا خلاف السُنَّة فهو ليس جبراً لخاطرهم. |
| فيجب أن يكون العمل خالصاً وصواباً، وجمَع الله المعنَييَن في قوله تعالى: |
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا(125)(سورة النساء)
| الإخلاص والصواب، الإحسان يُطلَق على صواب العمل أن يكون وفق شرع الله. |
الفرق في المعنى بين (الجنَّة والجُنَّة والجِنَّة):
| (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) الجنَّة هي البستان الكبير الذي تكاتفت أغصانه: |
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا(16)(سورة النبأ)
| تكاتفت أغصانه فغطَّت أرضه وزوَّاره، لأنَّ كل شيءٍ في اللغة أصله جيمٌ ونون، جنَّة، فهو يدل على الستر والخفاء، فالجن غابوا عن الأعيُن فسُمّوا جنّاً. |
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)(سورة الناس)
| والجُنَّة: |
{ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: الصِّيامُ جُنَّةٌ، فلا يَرفُثْ ولا يَجهلْ، وإنِ امرُؤٌ قاتَلَه أو شاتَمَه فليَقُلْ: إنِّي صائِمٌ -مَرَّتَينِ- والذي نَفسي بيَدِه لَخُلوفُ فمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِندَ اللهِ تَعالى مِن ريحِ المِسكِ. يَترُكُ طَعامَه وشَرابَه وشَهوتَه مِن أجلي، الصِّيامُ لي وأنا أجزي به، والحَسَنةُ بعَشرِ أمثالِها. }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| أي وقاية، لأنه يسترك ويحميك من المعصية. |
| والجنَّة تكاتفت أغصانها فسترت وجه الأرض. |
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ(76)(سورة الأنعام)
| ستر الليل وجه الأرض. |
| والجنون ستر العقل وغياب العقل، فكل جنَّة تدل على الستر والوقاية. |
| فالجنَّات ولم يقُل جنَّة وإنما جنَّات للإشارة إلى عظمتها (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وهذا مزيدٌ من الفضل أن تكون الأنهار من تحتها. |
| (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) بعض المُفسّرين قالوا: (هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) في الدنيا، يعني يؤتى بالتفاح فيقول: هذا الذي كُنّا نأكله تفاحٌ في الدنيا، لكن ليس له من تفاح الدنيا إلا الاسم فقط. |
ليس لفاكهة الدنيا في الآخرة إلا الاسم فقط:
| كما كان يقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ليس من فاكهة الدنيا في الآخرة إلا الاسم فقط، أي ما يجمعهما إلا الاسم فقط، وإنما الطعم مختلف، والحجم مختلف، والهناءةُ به مختلفة، وكل شيءٍ مختلف، لكن والله أعلم على جمهور المُفسّرين وهو الصواب، أوتوا به من قبل أي في الجنَّة، أي صباحاً أوتي بثمرةٍ ثم مساءً أوتي بهذه الثمرة فقال: (هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) أي في الجنَّة، لماذا؟ لأنَّ مقارنة ثمار الدنيا بثمار الآخرة فيها ظلمٌ لثمار الآخرة، كان الشاعر يقول: |
ألم ترَ أنَّ السيف ينقُص قدره إذا قيل أنَّ السيف أمضى من العصا{ أبو الطيب المتنبي }
| إذا أحدهم قال لك: والله هذا سيفٌ قويٌ جداً أقوى من العصا!! فتقول له: أنت قلَّلت من شأن السيف، هذه المُقارنة ظالمةٌ للسيف نفسه، تضع السيف بمقابل العصا؟! أو إذا قال لك فرضاً: رسول الله أفضل منّي! ما شاء الله عنك، هو أفضل منك حتماً، لكن قولك رسول الله أفضل منّي فهذا لا يصحّ! فالمُقارنة أحياناً تُنقِص قدر الأعلى من غير أن يشعُر المتكلم، فقال: |
ألم ترَ أنَّ السيف ينقُص قدره إذا قيل أنَّ السيف أمضى من العصا{ أبو الطيب المتنبي }
| فمُقارنة ثمار الدنيا بالآخرة لا أعتقد أنها تتفق مع المعنى، وإنما قال: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) أي في الجنَّة (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) ربُّنا عزَّ وجل يُفاجئهم بهذا الإكرام العجيب، كيف أنت إذا دخلت على شخصٍ كريم، فأول الجلسة يأتي لك بالفاكهة، وآخر الجلسة يأتيك بضيافةٍ أُخرى، وأنواعٍ أُخرى، فربُّنا جلَّ جلاله من عظمة إكرامه الودود جلَّ جلاله، في الجنَّة يرزقك بالثمرة فيأتي لك بالأُخرى فتقول: هذه مثل هذه، لا، هذه غيرها تذوَّقها (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) لكنه ليس مُتشابهاً إلا بالشكل. |
معنى (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ):
| (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) والزوج في اللغة يُطلَق على الذكر والأنثى، وهذه لغة أكثر العرب، يُقال: فُلانٌ زوج هندٍ وفُلانةٌ زوج أحمد، وبعض العرب تقول: زوجٌ وزوجة أيضاً صحيحة، لكن الزوج في اللغة في الأصل يُطلَق على الزوجين، فقد يحتمِل (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) للذكر والأنثى، فبعض النساء يعتبنّ يقولنّ: الآيات التي تتحدَّث عن الحور العين وغيرها كلها للذكور، يعني لماذا لم يُذكَر نعيم المرأة في ذلك؟ والحقيقة أنَّ هذا جوابه سهلٌ، جوابه أنَّ المرأة الأصل فيها الستر والحياء، والعرب لا تستسيغ أصلاً من النساء الشريفات والعفيفات لا يستسِغنَ الكلام في تلك الأمور، فالله تعالى هذا القرآن أنزله عربياً بلسانه وببيانه، وعربياً بطريقته وبأسلوبه، فلا شكَّ أنَّ الله تعالى أعدَّ للنساء من المُتَع بجميع أصنافها ما أعدَّه للرجال لا شكَّ في ذلك. |
ما أعدَّه الله تعالى للرجال أعدَّ مثله للإناث:
| لكن ربُّنا جلَّ جلاله في القرآن يُغلِّب، فمُعظم الآيات في القرآن الذين آمنوا، حسناً واللواتي آمَنَنْ؟ طبعاً ضمناً، فهذا المجلس لو كان فيه رجُلٌ واحدٌ ومئة امرأةٍ، لصحَّ في اللغة أن أُخاطِب فأقول: أيُّها الحاضرون، لكن نحن أحياناً من أجل حقوق المرأة نضطر أن نبدأ: أيُّتها الحاضرات أيُّها الحاضرون، أي أنا إذا قُلت: أيُّها الحاضرون فكلامي صحيحٌ ويشمَل النساء حُكماً، فالعرب تُغلِّب التذكير على التأنيث تماشياً مع حياء المرأة، فتُخاطِب بالأغلبية، ولو كان الأقل هو الذكور فتُخاطِب الذكور والإناث بالتبَع، لكن مع ذلك ربُّنا جلَّ جلاله في بعض الآيات ذكر: |
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(35)(سورة الأحزاب)
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)(سورة النحل)
| حتى لا يُفهَم أحياناً أنَّ الخِطاب دائماً للذكور، لكن الأصل أنَّ الخِطاب للجميع، فما أعدَّه الله للرجال أعدَّ مثله للإناث. |
| (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ) مُطهَّرةً مما في الدنيا من الفضلات وغير ذلك، ومُطهَّرة طهارةً معنوية، فلا نكَد ولا مُشكلات، ولا صخَب ولا نَصَب في الدنيا، وغيرة النساء والإزعاج، والرجُل المُتعِب والمرأة المُتعِبة على السواء، والنساء مُطهَّراتٍ والرجال مُطهَّرون. |
| (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الخلود يزيد النعيم، عندما يكون الإنسان خالداً في النعيم الذي هو فيه، كان المتنبي يقول: |
أَشَدُّ الغَمِّ عِندي في سُرورٍ تَيَقَّنَ عَنهُ صاحِبُهُ اِنتِقالا{ أبو الطيب المتنبي }
| (أَشَدُّ الغَمِّ عِندي) أشدّ ما يُصيبه بالغمّ، (تَيَقَّنَ عَنهُ صاحِبُهُ اِنتِقالا) تأكَّد صاحبه أنه سينتقل منه، فيُصيبه بالغمّ، أنت ذهبت في نُزهةٍ وسُرِرت كثيراً، فصار الغروب فقالوا لك: قوموا تجهَّزوا للعودة، عندما كُنّا صغاراً كان العيد ثلاثة أيامٍ، أول يومٍ فرحين جداً، ثاني يومٍ يبدأ الغمّ سينتهي العيد، ثالث يومٍ عند المغرب أشدّ الغمّ، انتهى. |
السعادة لا تكون إلا في العطاء غير المُنقطِع:
| لذلك ربُّنا جلَّ جلاله قال: |
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)(سورة هود)
| أي غير مُنقطع، ما ذكر السعادة في كتابه إلا في هذه الآية، مع العطاء غير المُنقطع، أمّا أي عطاءٍ مُنقطِع لا يوجد به سعادة، أي عطاءٍ مُنقطع لا توجد معه سعادة وإنما لذَّةٌ طارئة تنتهي بكآبةٍ مُدمِّرة، السعادة في العطاء غير المُنقطِع، والله تعالى جلَّ جلاله عظيمٌ وكريم، والكريم لا يُعطيك عطاءً ينتهي بالموت، فكل ما يُعطيك في الدنيا إنما هو إدخال سرورٍ على القلوب، ضيافة: |
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)(سورة آل عمران)
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26)(سورة البقرة)
| (لَا يَسْتَحْيِي) أصل الاستحياء الامتناع، أي لا يمتنِع جلَّ جلاله عن ضرب هذا المَثَل، ورد أنَّ بعض المُشركين قالوا: ما بال العنكبوت والذُباب يُذكران، يعني ربُّنا ذكر مَثَل العنكبوت فقال: |
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)(سورة العنكبوت)
| وذكر الذُباب: |
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)(سورة الحج)
| فقالوا: ما بال كتابكم فيه عنكبوتٌ وذُباب وكذا؟ يريدون أن ينالوا في زعمهم شيئاً من كتاب الله تعالى، فقال لهم الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً) أهوَن من العنكبوت والذُباب وأصغر، (لَا يَسْتَحْيِي) لا يمتنِع. |
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)(سورة الملك)
| لأنَّ عَظَمة الخلق في البعوضة لا تقل عن عَظَمة الخلق في الحوت، كلاهما مُعجزٌ، وأحياناً الدقة في الصغير أعظم من الدقة في الكبير. |
| اليوم يقول لك: هذه وحدة تخزينٍ حجمها خمسين غيغا، والآن عملوا شريحة، والآن عملوا نقطة، فكلما صغُرَت يتباهون بها أكثر، فصِغَر الحجم والدقة في صنعه، أفضل من كِبَر الحجم والدقة في صنعه. |
عظمة خلق الله تعالى في البعوضة:
| فالبعوضة يا كرام: وإن كانت صغيرةً في حجمها لكنها عظيمةٌ في صُنعها ودقة صُنعها، يذكُر العلماء أنَّ لها عيناً كبيرةً فسيفسائيةً أو بانورامية، فيها مئة جزءٍ، وأنَّ خرطومها الذي تغرزه في جسم الإنسان فيه ستُّ سكاكينٍ، أربع سكاكين تُحدِث جُرحاً مربعاً، وسكّينان كلٌّ منهما نصف اسطوانة تلتحمان لامتصاص الدم. |
| ويذكرون أنَّ فيها قدرةً حراريةً على رؤية الأجسام بالحرارة، هي تدخُل إلى الغرفة والغرفة مظلمة فترى الحرارة، يكون الطفل مُستلقٍ وحرارته ثمانٍ وثلاثون، فهي ترى الجسم الحار فقط، كالرادار الحراري، وأنها تُخدِّر قبل أن تلدَغ حتى لا يشعُر بها الإنسان، فإذا ضرب على يده كانت قد أصبحت في السقف تضحك عليه، وفيها ما يُميِّع الدم حتى يسري في خرطومها الدقيق، فكل هذه الدقة في البعوضة. |
| ويرِفُّ جناحاها عددٌ كبيرٌ من الرفّات في الثانية الواحدة، ولها محاجمٌ ومخالب، المخالب تقف فيها على السطوح الخشنة، والمحاجم تعتمد على الضغط، إن كنتم تذكرون المسدس الذي كُنّا نلعب به ونحن أولادٌ صغار، نُطلِقه فهو كالمِحجَم يلتصق على الحائط، فهي لها محاجمٌ ومخالب، حتى تقف على السطح الأملس وعلى السطح الخشن. |
(فَمَا فَوْقَهَا) تحتمل ما فوقها في الصِغَر أو ما فوقها في الكِبَر:
| فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) قالوا: فما فوقها في الصِغَر أو فما فوقها في الكِبَر، أحياناً تقول: فلانٌ لهذه الدرجة لئيم؟ يقول لك: لئيمٌ وفوق اللئيم، وكلمة فوق اللئيم هُنا أي تحت اللئيم أدنى من اللئيم، فتُستخدَم لما فوقها من الصِغَر، فالميكروب والجرثومة التي لا تراها عينك، لا يستحي الله أن يضربها مثلاً لعظمة خلقه، وقالوا: فَمَا فَوْقَهَا في الكِبَر، تصل للحوت الأبيض الذي فيه ثلاثمائة كيلو دهون، وثلاثمائة كيلو عظم. |
| (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ) الآية نفسها تنفَع المؤمن وتزيده إيماناً، وتُضِلُّ الكافر وتزيده ضلالاً، لأنَّ المؤمن انتفَع بها فعظَّم الله من خلالها، والكافر بدلاً من أن ينتفِع بها استهزأ بها فنزل عند الله وعند الناس. |
| فقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا)؟ يقول تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) يُضِلُّ به من أعرَض عنه، ويهدي به من اهتدى إليه، فهو الضلال الجزائي والهُدى الجزائي. |
| (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) أي الخارجين عن منهجه، وقيل هُنا الفِسق بمعنى المُنافقين، الذين كان الله قد تحدَّث عنهم في الآيات السابقة (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ). |
| هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |

