سورة البقرة - 05: شرح الآيات 31-37
سورة البقرة - 05: شرح الآيات 31-37
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
| بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
| اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً وعملاً مُتقبَّلاً يا ربَّ العالمين. |
| اللهم أخرجنا من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القرُبات. |
| وبعد أيُّها الإخوة الكرام: فهذا مجلسنا السابع في تدبُّر سورة البقرة، ونحن مع الآية الواحدة والثلاثين من السورة، وهي قوله تعالى: |
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(31)(سورة البقرة)
تذكيرٌ بما سلَف:
| كما أسلفنا أيُّها الكرام، ربُّنا جلَّ جلاله أراد أن يجعل آدم في الأرض خليفةً، وأن يجعل ذُريته خُلفاء في الأرض يخلِف بعضهم بعضاً، وأراد أن يكون آدم خليفته في الأرض، بمعنى أنَّ يُقيم شرع الله فيها، فالإنسان مُستخلفٌ في الأرض، الملائكة ليسوا مُستخلفين، والمخلوقات الأُخرى ليست مُستخلفة، لكن الإنسان لمّا قَبِلَ حمل الأمانة، كان المخلوق الأول والمكرَّم عند الله، وكان المخلوق المُستخلف، أي المطلوب منه مُهمة، وهذه المُهمة هي عمارة الأرض واستخلاف الله فيها، بإقامة شرعه وعبادة الله تعالى، وكلها في المُحصِّلة تجتمع تحت معنى العبادة، لذلك قال تعالى: |
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)(سورة الذاريات)
| بالمعنى العام للعبادة والواسع وليس الصلاة والصيام والزكاة والحج، ولكن بمعنى إعمار الأرض. |
الإنسان خليفة الله في الأرض:
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ(61)(سورة هود)
| بمعنى الاستخلاف في الأرض، هو مستَخلَفٌ على المال. |
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)(سورة الحديد)
| مُستَخلَفٌ على نفسه، مُستَخلَفٌ على ماله، مُستَخلَفٌ على الأرض التي خلقها الله تعالى، فنحن المخلوق المُستخلَف. |
| لمّا أراد الله أن يجعل في الأرض خليفةً، استفسرت الملائكة وقالت: |
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)(سورة البقرة)
الإنس والجن مُخيَّرون أمّا الملائكة مُسيَّرون:
| لعلَّهم رأوا الجان التي خلقها الله من قبل، ورأوا إفسادهم في الأرض، أو لعلَّ الله أنبأهم بذلك بأنَّ هذا المخلوق قد يُفسِد في الأرض، لماذا يُفسِد؟ لأنه مُخيَّر، والمُخيَّر له خياران: أن يُفسِد أو أن يُصلِح، أن يأتي الخير أو الشرّ، أن يأتي الحق أو الباطل، هذا معنى مُخيَّر، الملائكة لا يُفسِدون في الأرض لأنهم ليس عندهم خيار، هُم مخلوقاتٌ من نوعٍ آخر: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)(سورة التحريم)
| أمّا البَشَر والجان عندهم خيار، إذاً يفعَل أو لا يفعَل، إذاً يمكن أن يُفسِد في الأرض (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي أنَّ الملائكة كأنهم جعلوا الوسيلة غايةً. |
| الله تعالى أراد أن يعمُر الإنسان الأرض بالخير، أن ينشُر العدل، أن يُحِقّ الحَقّ، أن يُقيم شرع الله في الأرض، وهذا الأمر يولِّد تسبيحاً وتنزيها لله تعالى، هُم اكتفوا بالتسبيح والتنزيه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) وانتهى الأمر، الله تعالى ما أراد ذلك، ليس مُجرَّد أن تُسبِّح له وأن تُقدِّس له، الموضوع هذا جزءٌ منه لكنه ليس كُلّاً، الكل أن يكون الإنسان مُستخلفاً في الأرض (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). |
(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا):
| فالآن: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) ما هذه الأسماء؟ الحقيقة كلامٌ كثير لأهل التفسير فيها، منهم مَن قال: أسماء الملائكة، منهم مَن قال: أسماء الأشياء، منهم مَن قال: أسماء الله الحُسنى، فاجتهدوا في تفسير الأسماء، لكن نحن نقف عند النَص حيث يقف النَص، النَص قال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وكلها توكيد، أي كل الأسماء، نحن كل شيءٍ عندنا هو مُسمّى وله اسم، مثلاً هذا الذي تنظُر إليه مُسمّى، ما اسمه؟ كأس، هذا الآخر مُسمّى وهو عبارةٌ عن لوحٍ خشبي وله أرجُلٌ، ما اسمه؟ طاولة، ولولا أنَّ الإنسان يعلم الأسماء لما استطاع أن يتواصل مع الآخرين، تخيَّل لو أنك لا تعلَم أسماء الأشياء، فكيف تُحدِّث الناس عنها؟ الآن أنا أُحدِّثكم عن أسماءٍ ومُسمَّيات فتدركون ما تسمعون، هذا معنى قوله تعالى: |
الرَّحْمَٰنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2) خَلَقَ الْإِنسَانَ(3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4)(سورة الرحمن)
| البيان أرقى أنواع التواصل البشري، حتى الحيوانات وحتى النملة عندها تواصل. |
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(18)(سورة النمل)
| لكن نحن لا نفقه لغتها، لكن هناك لغة تواصل، لا بُدَّ من لغة تواصلٍ وإلا لا يستطيع الناس أن يتواصلوا فيما بينهم. |
| فنحن عندنا مُسمّى وعندنا اسم، فلمّا ينطبِق الاسم على المُسمّى نفهم الأشياء. |
| هَبّ أنَّ إنساناً لم يُشاهد بحراً في حياته، أبداً أبداً ما رأى البحر، قُل له: بحر، كلمة بحر بالنسبة له ثلاثة أحرفٍ: باءٌ وحاءٌ وراء، هو يسمَع صوتاً لكن لا ينعكس ذلك في مُخيِّلته شيئاً. |
| الآن أنا إذا قلت لكم: خنفشار أو حنكلوش، لم تتصوَّر شيئاً في بالك، لكن إذا قلت: كتاب، فهمت، كأس، طاولة، كرسي، فهمت. |
| يُروى أنَّ رجُلاً كان يدَّعي بأنه يعلم كل شيءٍ، عنده عِلمٌ وبلاغة فيتكلم بقوةٍ، فبعض الناس أرادوا أن يُحرجوه فقالوا: كل واحدٍ منّا يضع حرفاً ونُشكِّل كلمةً ليس لها وجودٌ في اللغة العربية، فقال الأول: خاء، وقال الثاني: نون، وقال الثالث: فاء، وقال الرابع: شين، وقال الخامس: ألِف، وقال السادس: راء، فجمعوها فأصبحت خنفشار، فذهبوا إليه قالوا: يا فُلان والله أعجزتنا كلمةٌ في اللغة، قال لهم: تفضَّلوا، قالوا له: خنفشار، فقال لهم: ألا تعرفون الخنفشار؟ قالوا: لا والله لا نعرفه، قال لهم: هذا نباتٌ ينبُت في الصحراء، ثم أنشدَ بيتين من الشِعر ألَّفهُما فوراً عن الخنفشار، هذا الرجُل الذي يدَّعي أنه يعلم كل شيءٍ وهو لا يعلم شيئاً، فقالوا: هذا رجُلٌ خنفشاري، وذهبت مثلاً. |
القُدرة على التعلُّم من أعظم نِعَم الله على الإنسان:
| فإذا كان هناك إنسانٌ يدَّعي أنه يعلَم كل شيءٍ، فهو خنفشاريٌ لا يعلَم شيئاً، فأحياناً الكلمة لا يكون لها مدلولٌ فتكون عبارةً عن مقاطعٍ صوتية لا ترتبط بشيءٍ في ذهن الإنسان، فالله تعالى أراد أن يُظهِر للملائكة أنَّ الإنسان عنده القُدرة على التعلُّم، وهذه من أعظم نِعَم الله على الإنسان، والذي يترُك هذه النِعمة والله لقد جَحدَ أعظم نِعمةٍ، الأكل لا يتركه، الشرب لا يتركه، لكن لو ترك التعلُّم فقد جَحدَ أعظم نِعمةٍ عليه مِن الله، التي أظهر الله فضل الإنسان فيها في كتابه بأنه علَّمه (وَعَلَّمَ آدَمَ) فهذه النِعمة الكبيرة، ما قال لهم: سأُطعمه انظروا كيف يأكُل، انظروا كيف سيكون له شكلٌ جميل، لا، أفحمهم وحاجَّهم بقضيةٍ مُهمة، وهي أنَّ الإنسان عنده قدرةٌ على التعلُّم سريعةٌ جداً، فمَن يترُك التعلُّم فقَدَ جُزءاً من إنسانيَّته، لا أقصِد التعلُّم أن يذهب للمدارس والجامعات، لا أبداً، التعلُّم أن يتعلَّم كتاب ربِّه، أن يقرأ القرآن، أن يفهَم الآيات، هذا أعظم علمٍ ولو كان لم يدرُس الفيزياء ولا الكيمياء، مع احترامنا ومحبَّتنا ورغبتنا في أن يتعلَّم شبابنا العِلم، لكن أقصِد أن يتعلَّم العِلم النافع بغض النظر، أن يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يفهَم النَص، أن يتعامل مع النَص، أن يعي كلام ربِّه، هذا أعظم العلوم، هذا القصد. |
| فلمّا علَّم آدم الأسماء كلها، قال ابن عباسٍ وغيره: علَّمه من أسماء الحيوانات والدواب والقصعة والقِدر، علَّمه الأسماء كلها (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) عنده قدرةٌ على التعلُّم، فتعلَّم الإنسان المُسمّى والاسم، هذا لهذا وذاك لذاك. |
| (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) عرضَ المُسمَّيات الآن، وهذا دليلٌ على أنَّه كان في الأشياء التي علَّمها أشياءٌ عاقلة، لأنه لو كانت الأشياء غير عاقلةٍ لقال تعالى: وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهُنَّ على الملائكة، لأنَّ غير العاقل لا يُقال: عرضهم، يُقال بالتأنيث: ثم عرضهُنَّ، فالكأس والمِمحاة والساعة والطاولة عرضهُنَّ، لكن هناك أسماء أشخاصٍ أيضاً فغلَّبَت العاقل، قال: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي أسماء الملائكة، أسماء الله الحُسنى رُبما، أسماءه جلَّ جلاله (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) المُسمَّيات (عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) والنبأ يتميَّز عن الخبر، النبأ أعظم من الخبر. |
النبأ أعظم من الخبر:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)(سورة المائدة)
| كانت الأنباء ونشرة الأخبار، نشرة الأخبار أي أخبار اليوم، أمّا وكالة الأنباء للأخبار العظيمة المُهمة جداً (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي إن كنتم صادقين في دعواكم بأنَّ هذا المخلوق الجديد سيُفسِد في الأرض ويسفِك الدماء، إن كنتم صادقين بـأنه سيُفسِد ولن يُصلِح (أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). |
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)(سورة البقرة)
| تنزيهاً له جلَّ جلاله، نُنزِهك يا ربّ أن تخلُق عبثاً، نُنزِهك يا ربّ أن تقول عبثاً (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) أي لا عِلم لنا مُطلقاً، ليس لنا عِلمٌ من دون علمك (إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) من فضلك وجوّدك وعطائك (إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) والعليم والحكيم اسمان من أسماء الله الحُسنى، كثيراً ما يقترنان في كتاب الله تعالى، فالعِلم هو معرفة الأمور بظواهرها وبواطنها، والحِكمة أن توضَع الأمور في مواضِعها، فكم من عليمٍ ليس بحكيم، فكم من إنسانٍ يعلَم ولكنه لا يعرف الحِكمة، فلا يضَع الأشياء في مواضِعها، فدائماً العِلم مُرتبِطٌ بالحكمة، فالعِلم دون حكمةٍ مُهلِكٌ لصاحبه، والله تعالى عِلمٌ وحكمة، فهو يعلم كل شيءٍ، ويضع كل شيءٍ في موضعه الذي يناسبه. |
قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33)(سورة البقرة)
الغيب ما غاب عنك والشهادة ما شهدته بحواسك الخمس:
| بأسماء المُسمَّيات (فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وخصَّ الغيب هُنا لأنَّ عِلم الشهادة من باب أَولى، فالغيب هو ما غاب عنك والشهادة هو ما شهدته بحواسك الخمس (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ما غاب عنكم، الإنسان عِلمه قاصرٌ، عِلمه عِلم شهادةٍ، نحن نتعلَّم بحواسِّنا، أقول: هذه طاولة، هذا صوت فُلان، هذه رائحة كذا، هذا ألمسه خشباً بحواسّي، التعلُّم في الأساس يكون بالحواس ثم يكون بالاستدلال، بالنظَر ثم يكون بالأثر، بالاستدلال، يعني أستدل فأقول: هُنا كهرباءٌ في القاعة لوجود المصابيح المُتألقة، فأستدل هذا أثراً، ثم أتعلَّم بالخبر (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الإنسان يعلَم الشهادة لكنه لا يعلَم الغيب. |
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)(سورة النمل)
| (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ) أي ما تُظهِرون (وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) قال بعض المُفسّرين: ما أبدوه هو قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ورُبما أخفوا شيئاً آخر، لماذا هذا الكائن الجديد؟ لماذا جاء؟ لعلَّه يُنافسنا في محبة الله، الإنسان دائماً هناك أشياءٌ يتكلم بها، وهناك أشياءٌ يُخفيها عن الآخرين، وهناك أشياءٌ يُخفيها حتى عن نفسه، ثلاثة مستوياتٍ. |
ربُّنا عزَّ وجل يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى:
| أنا أحياناً بحُكم أنه يأتيني البعض ببعض الخلافات الزوجية - نسأل الله أن يُصلِح البيوت - فغالباً الزوجة أو الزوج يتحدَّثان بالشيء الذي يرغبان في إيصاله إلي من المُشكلة، وأنا أعلم يقيناً أنَّ هناك شيءٌ أخفاه عنّي أحدهما رُبما يكون هو أصل المُشكلة، لكن هو لا يُريد أن يبوح به أدباً، حياءً، رغبةً في عدم فضح البيوت، فيُخفي شيئاً، وهناك شيءٌ أعمق منه، حتى مع نفسه لا يُحدِّث نفسه بها هو لا يعرفه، يقول لك: لا أعرف لماذا أنا مُتضايق؟ فيحكي لك قصةً، ويُخفي عنك قصةً، ويُخفي الثالثة عن نفسه، لذلك قال تعالى: |
وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7)(سورة طه)
| حتى الذي تُخفيه عن نفسك فلا تبوح به ولا تُحدِّث به نفسك يعلمه الله تعالى، فهي مستوياتٌ ثلاثة، فالله تعالى قال هنا: (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) هناك شيءٌ لم تتكلموا به لكن الله عزَّ وجل يعلمه، أنت كتمته وأخفيته لا تُريد أن تتكلم به لكن الله عزَّ وجل يعلمه. |
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34)(سورة البقرة)
عندما أمر الله تعالى بالسجود لأدم فهو سجودٌ له:
| اتفقنا أنه عندما تأتي "وإذ" أي واذكُر يا محمد صلى الله على نبينا محمد (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ) اذكُر هذا الأمر (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) السجود هُنا هو طاعةٌ لله تعالى واعترافٌ بفضل آدم، سجود العبادة يكون لله تعالى وحده، لكن عندما يأمُر الله تعالى بالسجود لأدم فهو سجودٌ له لأنه هو مَن أمر، أمّا نحن في شريعتنا لا يجوز أن نسجُد إلا لله تعالى، لكن لمّا أمَرَهُم أن يسجدوا أصبح السجود طاعةً لله جلَّ جلاله، هو إقراراً واعترافاً بفضل أدم عليه السلام. |
| (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). |
| الآن هل إبليس من الملائكة لأنَّ الله استثناه فقال: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)؟ لا، هذا الاستثناء في اللغة اسمُه استثناءٌ مٌنقطِع، الاستثناء نوعان: مُتصِلٌ ومُنقطِع، لو قلت: جاء الطلاب إلا أحمد، فأحمد طالبٌ من الطلاب، فهذا الاستثناء نُسمّيه مُتصِل، لكن لو قلت جاء الطلاب إلا حقائبهم، فهل الحقائب من الطلاب؟ لا، هذا نُسمّيه استثناءٌ مُنقطِع، أو جاء الطلاب إلا أُستاذهم، الأستاذ ليس طالباً فهذا استثناءٌ مُنقطِع، فعندما يكون ما بعد إلا ليس من جنس ما قبلها نُسمّيه استثناءٌ مُنقطِع، وهذا استثناءٌ مُنقطِع، فسجد الملائكة إلا إبليس لم يسجد، لكن هو ليس من جنس الملائكة والدليل في آيةٍ أُخرى: |
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا(50)(سورة الكهف)
إبليس من الجن وليس من الملائكة:
| فإبليس من الجن وليس من الملائكة، ولو كان من الملائكة لما وسعه أن يعصي الله في أمره، لأنَّ الله تعالى وصف الملائكة: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فإبليس من الجن ولأنه من الجن كان بوسعه أن يفعل أو ألّا يفعل لأنه مُخيَّر، أمّا الملائكة مُسيَّرون ويُسبِّحون ويُقدِّسون ويحمِّدون وليس لهم أن يخالفوا أمر ربِّهم. |
| (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) وصفه الله تعالى هُنا بالإباء، وهو الإعراض والرفض والاستكبار، والاستكبار هُنا استكبارٌ على آدم واستكبارٌ على السجود، أي استكبَر عن السجود لأدم واستكبَر على أدم لمّا قال: |
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(12)(سورة الأعراف)
| فاستكبَر على آدم واستكبَر عن السجود لآدم، أي استكبَر عن طاعة الله فقال: (أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) لأنَّ المعصية عندما تكون فيها تأبٍّ واستكبارٍ عن طاعة الله تُصبِح كُفراً، أمّا المعصية عندما تكون غَلَبةً وضَعفاً فيتوب الإنسان منها وهي ليست كُفرٌ، فهذا يُسمّى عاصٍ، أي مَن يعصِ الله بأمرٍ عندما تغلبه نفسه هذا ليس كافراً، نحن لا نُكفِّر بالمعصية، معاذ الله. |
{ كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)
| لكن عندما يرفض تأبّياً واستكباراً عن طاعة الله، فمعصية الإباء والاستكبار تكون والعياذ بالله كُفراً فقال: (أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). |
| أحبابنا الكرام: الملائكة سجدوا وإبليس عصى، وبعد قليلٍ سنجد أنَّ آدم أيضاً عصى ربَّه، آدم عصى ربَّه عندما أكل من الشجرة: |
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ(121)(سورة طه)
أول معصيتين عُصيَ الله بهما في الأرض معصيةٌ من الجن ومعصيةٌ من الإنس:
| وإبليس عصى ربَّه ورفض السجود، فهُما أول معصيتين عُصيَ الله بهما في الأرض، معصيةٌ من الجن ومعصيةٌ من الإنس في القصة لكن ما الفرق بينهما؟ معصية آدم عليه السلام كانت معصية غَلَبةٍ وضعف، لحظة ضعفٍ طارئ، اغترار. |
معصية آدم كانت غَلَبة وضعف أمّا معصية إبليس كانت استكباراً وإباء:
فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ(22)(سورة الأعراف)
| أكلوا من الشجرة لكن هي معصية غَلَبة، بينما كانت معصية إبليس معصية استكبارٍ وإباء فصعُبَت التوبة منها، لذلك نقول: ألف معصيةٍ من الغَلَبة والضعف ولا معصية إباءٍ واستكبار، ألف معصية غَلَبة تَغلبُ نفسك فيها لكن تتوب وتدمَع عينك ولا معصيةً واحدة من الإباء، بل الأعمق من ذلك، معصيةٌ فيها غَلَبة نفسٍ وانكسار ولا طاعةٌ فيها عزُّ واستكبار، ولا طاعةً فيها استكبار وليس ولا معصية، لذلك كان ابن عطاء السكندري يقول: "رُبَّ معصيةٍ أورثَت ذُلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثَت عِزّاً واستكباراً". |
| فالإنسان مطلوبٌ قلبه إلى الله، ربُّنا يريد قلوبنا، يُريدك أن تُقبِل عليه، أن تُنيب إليه، أن تشعُر بذنبك، لكن لمّا يُطيع ويقول: أنا أطعت الله عزَّ وجل فيستكبِر بطاعته، لا، المعصية أصبَحت مع الغَلَبة خيرٌ من الطاعة مع الاستكبار، فكيف معصيةٌ مع الاستكبار والعياذ بالله، معصيةٌ وكِبر؟! نسأل الله أن يُجيرنا من معصية الكِبر، أن يعصي الإنسان ربَّه كِبراً واستعلاءً، يقولك لك: أنا هكذا، هذا والعياذ بالله من أسوأ خلق الله، وهو إبليسي بامتيازٍ من أتباع إبليس. |
معصية إبليس أنَّه لم يتحمَّل المسؤولية أمّا معصية آدم فإنه تحمَّل المسؤولية:
| الأمر الآخر في الموازنة بين المعصيتين، إذاً الأمر الأول: واحدة غَلَبة وضعف نفسٍ، والثانية إباءٌ واستكبار، الأمر الثاني في معصية إبليس أنَّ إبليس لم يتحمَّل المسؤولية، أمّا معصية آدم فآدم تحمَّل المسؤولية، فمَن يتحمَّل المسؤولية يتوب الله عليه، ومَن يرفض تحمُّل المسؤولية لا يتوب الله عليه، إبليس يُريد أن يُعلِّق خطأه على شمَّاعةٍ أُخرى، يُريد أن يجد طريقةً يُعلِّق خطأه، فبدأ بتحميل الخطأ لآدم، هو الذي عصى ثم قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). |
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62)(سورة الإسراء)
| المُشكلة عنده، هو المُتكبِّر عليّ، ثم بالغ في تحميل المسؤولية فحمَّل مسؤولية المعصية لخالقه: |
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)(سورة الأعراف)
| أنت أغويتني، اليوم تقول لأحدهم: أنت عاصٍ والأيام تمضي، يقول لك: والله ربُّك ما شاء أن يهديني! كاذب، ربُّنا شاء أن يهديك لكن أنت ما قبلت هداية الله، لا تقُل كلمة حقٍّ يُراد بها باطل، لا تُحمِّل خطأك على القَدَر، نحن نؤمن بالقَدَر لكن لا نحتج به على تقصيرٍ، الذي لا يُريد أن يتحمَّل المسؤولية يبحث عن من يُحمِّله المسؤولية، فيجد نقطة ضعفٍ فيقول لك: فُلانٌ الغلط منه هو الذي بدأ، لا: |
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(165)(سورة آل عمران)
| أنا أُحدِّث نفسي قبلكم، علِّم أصبعك أن تكون دائماً متوجهةٌ إلى الداخل إلى نفسك لا أن تكون متوجهةٌ لغيرك، أنا بماذا أخطأت؟ أنا الحق عليّ، أنا ما كان يجب أن أفعل كذا، أنا أُريد أن أتوب، وليس أن أقول دائماً: هُم، هُم، الماسونية العالمية، الصهيونية، الرجعية، التخلُّف، لا، أنا المُخطئ، فعندما يتحمَّل الإنسان المسؤولية يعفو الله تعالى عنه، آدم تحمَّل المسؤولية فوراً، قال: |
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)(سورة الأعراف)
| آدم وزوجه كان بإمكانهما أن يُحمِّلا المسؤولية لغيرهم، وعندهم أعذارٌ أكثر من إبليس بمئة مرة، نحن أول مخلوقَين إنسيَين ولا عِلم لنا بمداخل الشيطان، هو حلف يميناً أنا أنصحكم أنَّ هذه الشجرة مهمةٌ جداً، هو الذي أغوانا، كان لهم مئة عذرٍ لكن ما تكلموا ولا بعذر (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) نحن الظالمون فتاب الله عليهم. |
عندما يعترِف الإنسان بخطئه يتوب الله عليه:
| عندما يعترِف الإنسان بخطئه يتوب الله عليه، عندما تكون معصيته غَلَبةً وضعف نفسٍ يتوب الله عليه، لكن عندما يستكبِر ويستعلي، أو يُلقي المسؤولية على غيره ويتهرَّب من تحمُّل مسؤولياته، يكون من نوع معصية إبليس، فالله عزَّ وجل يُعطينا درساً من بداية الخليقة، المعاصي من هذا النوع سهلة التوبة، والمعاصي من هذا النوع مصيبةٌ فانتبهوا. |
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(35)(سورة البقرة)
| السكَن دائماً يُسمّى اسكُن من السكَن، السكَن تسكُن النفوس إليه، والله تعالى قال عن الزوجة: |
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)(سورة الروم)
| أي يهدأ الإنسان في وجوده في بيته، يسكُن إليها وتسكُن إليه، فالسكَن تسكُن النفس فيه، الإنسان عندما يرجع إلى بيته يرتاح، يجب أن تكون دورُنا سكناً تسكُن النفوس فيها، أن نجعلها سكناً لا نجعل فيها صُراخاً وعويلاً ومُشكلاتٍ مستمرة، لا، البيت سكَنٌ. |
الإنسان ليس مخلوقاً للدنيا:
| (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) والله تعالى خلقهما في الأصل للأرض، لأنَّ الله قال في مطلَع القصة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ) وليس في الجنَّة، هو مخلوقٌ للأرض، لكن أراد الله تعالى أن يخلقه ويُسكنه الجنَّة، ثم يُخرجه من الجنَّة بمعصيته ليقول لنا: أيُّها الناس أنتم مخلوقون للجنَّة ولا يُخرجكم منها إلا معصيتكم لربِّكم، أنت لست مخلوقاً للدنيا، أنت تنتظر بيتك الأخير المفروش الذي أُعِدَّ لك، الذي ينتظرك، الذي فيه: |
{ يقول اللهُ تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، ذخرًا بَلْهَ ما أطلعتُهم عليه، اقرأوا إن شئتم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُونَ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| لكنك موجودٌ في الدنيا مؤقتاً، لتُقدِّم الأسباب التي تؤهلك للعودة إلى الجنَّة التي خُلِقت من أجلها، دارك الأول والأخير هو الجنَّة، هذا فحوى الخطاب القرآني، هو مخلوقٌ ليكون في الأرض وليعمُر الأرض، لكن الله أسكنه في الجنَّة ليقول لك: إنَّ سكنك النهائي في الجنَّة وخروجك منها لا يكون إلا بمعصيتك لربِّك. |
الأصل هو الحلال والحرام طارئ:
| (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا) رغداً أي واسعاً هنيئاً أين ما شئت كُل (وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ) فقط شجرةٌ واحدة، ما هي؟ الله أعلم، وهي امتحانٌ، دائماً ربُّنا عزَّ وجل يمتحننا فيقول لك: المشروبات كلها حلالٌ لكن الخمر حرام، اللحوم كلها حلالٌ لكن الخنزير حرام، وبعض ذي الناب والسباع وإلى آخره، لكن الأصل هو الحلال والحرام طارئ، فالله تعالى يُحلّ والأصل في الأشياء الإباحة، ثم يُحرِّم شيئاً وهذا الشيء يكون فيه حكمةٌ في تحريمه، لضرره على النفس أو على الجسد أو على كليهما. |
| والحكمة الثانية هي الامتحان والابتلاء، لمّا ربُّنا عزَّ وجل حرَّم على بني إسرائيل الصيد يوم السبت، تحريمات بني إسرائيل مختلفةٌ عن تحريماتنا، نحن من عَظَمة ديننا ومن رحمة الله بنا، أنَّ كل ما حرَّمه الله تعالى علينا واضحٌ أنه ضررٌ وخبيث: |
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)(سورة الأعراف)
| فليس هناك شيءٌ مُحرَّمٌ لا تفهم تحريمه، لكن بنو إسرائيل عوقبوا أحياناً ببعض التحريمات التي ابتلاهم الله تعالى بها، ولو لم يكن لها حِكمةٌ ظاهرة، فحرَّم الله عليهم الصيد يوم السبت، فصاروا يعملوا حيلةً بأن يضعوا الأحواض ويخرجوهم يوم الأحد، هذه من حيَلهم، لكن أيضاً حرَّم الله تعالى الصيد على المُحرِم لا يجوز الصيد، فكيف ابتلى الله عباده، قال: |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(94)(سورة المائدة)
الله عزَّ وجل يبتلي عباده بما يشاء:
| هُم يُحبون الصيد كثيراً، وهو مُحرِمٌ ولا يجوز أن يصيد، وهذا الأرنب كأنه فهمانٌ أنَّ هذا مُحرِمٌ، فيقفز أمامه وكأنه يعرف أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ممنوعٌ صيده، فقال: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) يقول لك: بيدك ممكن أن تُمسكه، وهو يُحب الصيد كثيراً، والعرب عندهم رغبةٌ في الصيد، والله يمتحنه ليرى إن كان سيصطاده أم لا، قال: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) امتحانٌ، سيقفِز الأرنب أمامك ويستفزُّكَ وأنت تنظُر إليه وتقول له: لا أستطيع صيدك حتى ينتهي الإحرام. |
| فقال: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) أي إمّا أن يصل إليه الرُمح أو اليد (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) فالله يبتلي عباده بما يشاء، امتحانٌ، فقال: (وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ) امتحانٌ، (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) لأنفسكم، يظلم الإنسان نفسه حينما يُحمِّلها المعصية. |
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ(36)(سورة البقرة)
| أي دفعهما إلى الزلل، أن تزِلَّ أقدامهما وأن يأكُلا من الشجرة (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) إذاً لا يُخرِج الإنسان مما هو فيه من النعيم إلا معصيته، أمّا طاعته فتُعيده إلى النعيم. |
| (وَقُلْنَا اهْبِطُوا) اهبطوا أي أنَّ هناك مكانٌ عالٍ ومكانٌ في الأسفل، فالهبوط هو هبوط مكانٍ وهبوط مكانةٍ، كانوا في منزلةٍ عالية. |
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ(119)(سورة طه)
| صاروا في دار كَدٍّ وتعَبٍ ونَصَبٍ وإلى آخره... |
إبليس وذُريته وآدم وذُريته عداوةٌ مُستمرةٌ إلى يوم الدين:
| (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) أي أنَّ إبليس وذُريته وأنت وذُريتك يا آدم عداوةٌ مُستمرةٌ إلى يوم الدين، فنحن في عداوةٍ مع إبليس، هذا قدرُنا، هذا ما أراده الله تعالى، هو وذُريته وأتباعه من شياطين الإنس والجن في طرفٍ ونحن في طرفٍ آخر (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ). |
| (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي مكانٌ تقِرّون فيه، فيه قراركم، فيه مُهيأٌ لكم الطعام والشراب والأرض (وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) إلى أن يأتي الأجل الذي أراده الله تعالى. |
| قال: |
فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)(سورة البقرة)
توبتك بين توبتين منه توبةٌ توفيقية وتوبةٌ قَبولية:
| (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) الكلمات: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) كما وردت في الآية الأُخرى، ما هي الكلمات؟ (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) من أين جاء بها آدم؟ تلقَّاها من ربِّه، ربُّنا عزَّ وجل يُلهمك التوبة ويوفقك إليها، ثم تتوب فيتوب عليك، فتوبتك بين توبتين منه، توبةٌ توفيقيةٌ وتوبةٌ قَبوليةٌ إن صحَّ التعبير، من يُلهمنا أن نتوب؟ الله، ثم إذا تُبنا تابَ الله علينا، لذلك قال تعالى: |
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)(سورة التوبة)
| فيفتح لك الباب، يقول لك: الطريق من هُنا، تدخُل فيقبَلُك، فتوبتنا بين توبتين من الله، يوفِّقنا إلى التوبة ثم يقبلها منّا (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) فقالها آدم فتاب الله عليه، إذاً تابَ أولاً وتابَ آخراً ونحن في الوسط فقط وجِدَ منّا العزم على التوبة، أمّا هو الذي تابَ علينا أولاً وآخراً. |
| (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) والتواب كثير التوبة، يتوب على عباده دائماً من أصغر ذنبٍ إلى أعظم ذنب، التائب والتواب، التواب مُبالغة اسم فاعل، والرحيم بعد التوبة يُدخِل إلى قلبك من السَكينة والطمأنينة ما يُشعرُكَ بقبول التوبة رحمةً بكَ (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين. |
الدعاء:
| اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافِنا واعفُ عنّا، وإلى غيرك لا تكلنا، ومن شرور أنفسنا نجِّنا وسلِّمنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم اجعل هذا الجَمع جمعاً مُباركاً مرحوماً، واجعل التفرُّق من بعده معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منّا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وفرِّج عن إخواننا المُستضعفين في مشارق الارض ومغاربها ما أهمَّهم وما أغمَّهم، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين. |

