وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

  • خطبة جمعة
  • 2025-03-14
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

ما علاقة آية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) بآيات الصيام؟
وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: فإنَّ القارئ لآيات الصيام في سورة البقرة، ليلفت نظره شيءٌ، وهو أنك إذا قرأت آيات الصيام، التي بدأت بقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
(سورة البقرة)

ثم قوله تعالى:

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203)
(سورة البقرة)

ثم:

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185)
(سورة البقرة)

ثم يأتي قوله تعالى:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)
(سورة البقرة)

ثم:

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)
(سورة البقرة)

وكأن القارئ إذا قرأ يلفت نظره آية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) فما علاقة هذه الآية بين آيات الصيام؟ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
أيُّها الإخوة الكرام: كل الناس يسألون، بل إنَّ السؤال فطرةٌ فُطر الإنسان عليها، ولو لم يسأل فإنه لن يتعلم، فنحن في الحياة نسأل، والسؤال مفتاح العِلم، وقد أثبت الله الحاجة إلى السؤال في كتابه الكريم

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85)
(سورة الإسراء)

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(220)
(سورة البقرة)

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(222)
(سورة البقرة)

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا(105)
(سورة طه)

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(219)
(سورة البقرة)

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا(127)
(سورة النساء)


الإنسان يسأل ليتعلم في أمر دنياه وفي أمر دينه:
هذه الآيات كلها تُبيِّن أنَّ الإنسان يسأل، يسأل ليتعلم في أمر دنياه وفي أمر دينه، ولكن بقدر عِظم السؤال، يكون حجم السائل عند ربه، بعض الناس يسألون عن الدنيا فقط، أي إذا لقيته سألك عن أسعار الدولار، سألك عن السوق وحالة السوق، هل هي راكدة أم هي جيدة، سألك عن آخر طراز من الهواتف النقالة، وعن آخر ما نزل في مجال الشاشات المتنقلة، وهكذا، فهو يسأل عن الدنيا ولا يسأل عن غيرها.
وهذا السؤال ليس مُحرَّماً إن لم يكن عن شيءٍ مُحرَّم، لكن بعض الناس لا يسألون إلا عن الدنيا، وهذه مُصيبة، وبعض الناس يرتقون في السؤال، فيسألون عن شرع الله تعالى، فيسألك ما حكم صيامي إن فعلت كذا؟ كيف تصحّ صلاتي؟ كيف يكون الوضوء على النحو الذي يرضي الله؟ ما هي مفسدات الوضوء؟ وهكذا، ما هي أركان الصلاة؟ هل هذه المعاملة رِبوية أم غير رِبوية؟ فهو يسأل عن أحكام الشرع، وهذا سؤالٌ عظيم، أن يسأل الإنسان عن دينه، ولكن أعظم من هذا السؤال، أن يسأل الإنسان عن ربّه، لا يسأل عن الشرع فقط، ولكن يسأل عن المُشرِّع، لا يسأل عن الأمر فقط، ولكنه يسأل عن الآمر، بعبارةٍ أُخرى، قل لي ما الذي تسأل عنه؟ ما الذي يهمك؟ ما الذي تستفتي فيه؟ أقل لك مَن أنت، فبقدر سؤالك يكون قدرُك.

هناك من يسأل عن خلق الله وهناك من يسأل عن الأمر وهناك من يسأل عن الخالق:
أيُّها الإخوة الأحباب: إذاً هي أسئلةٌ ثلاث: هناك من يسأل عن خلق الله، عن المال والأسواق والهواتف النقالة، يسأل عن الخلق، وهناك من يسأل عن الأمر، عن أمر الخالق، وهناك من يسأل عن الخالق، وهذه الآية ضمن آيات الصيام ذكرت النوع الثالث من الأسئلة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) لم يقل عن أمري، وكأن المطلوب من الصيام، أن تسأل عن الله، فإذا سألت عن الله تعالى، فقد حقَّقت ثمرة الصيام ومقصد الصيام.
أيُّها الإخوة الأحباب: نحن في نهار رمضان نعلم ضعفنا، ونذوق ضعفنا أمام قوة خالقنا جلَّ جلاله، ونعلم كم نحن مفتقرون إليه، وفي ليل رمضان، نذوق الأُنس به جلَّ جلاله، في القيام وفي الأسحار، فلا بُدَّ أن نسأل عنه بعد ذلك.
لذلك قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) وكأن المعنى: إنَّ عبادي الذين صاموا رمضان شهر القرآن، وقرأوا القرآن وتدبروه، وقاموا الليل وكابدوه، لا بُدَّ أن يسألوا عنّي في رمضان وبعد رمضان، (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ).

السؤال عن الله تعالى أعظم سؤال:
أيُّها الإخوة الأحباب: السؤال عن الله تعالى، أعظم سؤال، والسؤال عن الله تعالى، يدل على إيمانٍ عظيمٍ عند المؤمن الذي يسأل عن ربّه

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)
(سورة غافر)

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ) لم يقل عن دعائي، بل قال عن عبادتي، من هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

{ عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ الدعاء هو العبادة، ثم قرأ : ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي[غافر: 60] }

(رواه البخاري وأحمد)


دعوة السائل عند فطره لا تُرد:
أيُّها الأخوة الأحباب:

{ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ، الإِمَامُ العَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ }

(رواه الترمذي)

{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرَد }

(رواه ابن ماجه)

لا تُرَد دعوة الصائم لأنه يسأل عن الله، لأنه يطلب رضا الله تعالى.
أيُّها الإخوة: لو أنَّ مَلِكاً من ملوك الأرض، من يظنُّ الناس أنَّ بيده الأمر، يظنُّ الناس، ولا يملِك الأمر إلا الله، لكن يظنُّ الناس أنَّ الأمر بيده، لو أنَّ هذا الملِك واعد الناس في ليلةٍ من الليالي، يعني في الساعة الثانية عشر ليلاً، الواحدة ليلاً، سأكون في الساحة الفلانية لاستقبال الناس، والاستماع إلى ما يريدون، وتلبية طلباتهم، بربِّكم كم شخصاً سيحضر هذا اللقاء؟ لا أُبالغ إن قلت إنَّ المدينة كلها ستزحف نحو هذه الساحة قبل أيام، ليحجز كلٌّ مكاناً متقدِّماً للقاء الملِك.
السؤال: هل سيأتي؟ ربما، وربما لن يأتي، ما أدراك أنه يموت قبل أن يأتي؟ وما أدراك أنه يمرض قبل أن يأتي؟ ربما يأتي وربما لا يأتي.
الآن لو أنه أتى هل سيستطيع أن يسمع كل الموجودين؟! بالتأكيد لا، لو افترضنا جدلاً أنه استطاع أن يسمع كل الموجودين، فهل سيستطيع أن يُلبّي كل الطلبات؟! بالتأكيد لن يستطيع، فلو قال له شخصٌ أُريد أن يُشفى ابني، فهل يملكها الملِك، ملِك الأرض؟! مستحيل، ولو قال له آخر أنا أُريد الجنَّة، فهل يملكها؟! إذاً مجيئه مُحتمل، وسماعه للجميع شبه مستحيل، وتلبيته للطلبات مستحيلة، ومع ذلك يزحف الناس للقائه، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فأين السائلون؟ وأين طالبو الحاجات؟ وملِك الملوك جلَّ جلاله، واعدهم في ساعةٍ مُعيّنة، في كل ليلة ليسمع، وسيسمَع الجميع، سبحان من وسِعَ سمعه الأصوات، وليُجيب وسيُجيب الجميع.

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)
(سورة غافر)


حظ المؤمن من الدعاء العبادة واستجابة الله له:
أيُّها الإخوة الكرام: حظُّنا من الدعاء شيئان: لكن الناس لا ينتبهون، حظّك من الدعاء، وحظّي من الدعاء شيئان: الأول والأهم العبادة، والثاني الاستجابة، فأنت بمجرد أن تدعو الله تعالى، فقد قطفت الثمرة قبل أن تأتي الإجابة، لأنك تعبد الله بعبادةٍ يُحبها المولى جلَّ جلاله، يُحب الله أن يسمع صوتك، وأنت أسمعته صوتك وتذلَّلت بين يديه، فهذا هو الحظ الأول لك، وهذا يتحقَّق للجميع، للعُصاة، ولجميع الناس صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، بمجرد أن تقول يا ربّ، فقد أخذت حظَّك، وهو عبادة الله تعالى.
والحظ الثاني هو الاستجابة: وهو أنك تريد أن يُجيبك الله إلى ما دعوته إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبدٍ، وهذه (مِن) وبعدها النكرة (عبدٍ) تُفيد الاستغراق، يعني كل العباد:

{ ما مِن رجلٍ يَدعو اللَّهَ بدعاءٍ إلَّا استُجيبَ لَهُ ، فإمَّا أن يعجَّلَ له في الدُّنيا ، وإمَّا أن يُدَّخرَ لَهُ في الآخرةِ ، وإمَّا أن يُكَفَّرَ عنهُ من ذنوبِهِ بقدرِ ما دعا ، ما لم يَدعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رحمٍ أو يستعجِلْ . قالوا : يا رسولَ اللَّهِ وَكَيفَ يستَعجلُ ؟ قالَ : يقولُ : دعوتُ ربِّي فما استجابَ لي }

(أخرجه مسلم وأحمد)


كيف يُجيب الله دعائنا؟
ولعلَّ بعضكم الآن يقول: لكني دعوت فلم يستجيب الله لي (ما مِن رجلٍ يَدعو اللَّهَ بدعاءٍ إلَّا استُجيبَ لَهُ).
ما طريقة الإجابة؟ كيف يُجيب الله دعاءنا؟ قال: (فإمَّا أن يعجَّلَ له في الدُّنيا) الآن، يا ربّ أغنني فيُغنيه الله، يا ربّ أعطني فيُعطيه، يا ربّ انتقم من ظالمي فينتقم منه، (فإمَّا أن يعجَّلَ له في الدُّنيا، وإمَّا أن يُدَّخرَ لَهُ في الآخرةِ) تكون الإجابة في الآخرة، لماذا؟ لأنَّ الله حكيم، وعليم، وجلَّ جلاله يعلم أن ذلك الذي دعوت به قد لا يكون في صالحك.

وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا(11)
(سورة الإسراء)

فيستعجل ويطلب شيئاً يظنُّه خيراً له، وهو في حقيقته شرّ، يريد المال والمال سيُطغيه، يريد الصحة والصحة ربما تزيد عليه في السيئات، والله يريد أن يُكفِّر عنه ويرفع درجته بالمرض مثلاً، الله يعلم فيدَّخر لك في الآخرة، (فإمَّا أن يعجَّلَ له في الدُّنيا، وإمَّا أن يُدَّخرَ لَهُ في الآخرةِ، وإمَّا أن يُكَفَّرَ عنهُ من ذنوبِهِ بقدرِ ما دعا)، يدعو وهو عاصٍ، فيغفر الله ذنوبه إجابةً لدعائه بقدر دعائه، والمؤمن الحق لا يُميِّز بين هذه الثلاثة، فلا يقول يا ربّ أُريد النوع الأول من الإجابة، وإنما يقول يا ربّ أُريد الإجابة فقط، وأنت يا ربّ اختر نوع الإجابة، فإن كان يُصلحني في الدنيا فعجّله، وإن كان يُصلحني في الآخرة فأخّره، وإن كنت عاصياً فإنَّ مغفرتك أحبُّ شيءٍ إليّ، حتى ألقاك كيوم ولدتني أمي لكثرة ما دعوت، فالمؤمن لا يشترط على الله، ولا يُحدِّد كيف تكون الإجابة، الله تعالى ضمن لك الإجابة بثلاثة طرق، يختار أحدها جلَّ جلاله بعلمه وحكمته:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)
(سورة البقرة)

نعود إلى الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) إذا تفيد تحقّق الوقوع، في اللغة إذا وإن، (إن) لاحتمال الوقوع

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)
(سورة الحجرات)

قد يأتي الفاسق بنبأ وقد لا يأتي، إن جئتني أكرمتك، قد تأتي وقد لا تأتي، لكن:

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)
(سورة النصر)

فإنه آتٍ لا محالة.

الله تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد قُرباً يليق بجلاله وعظمته:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) أي لا بُدَّ أن يسألوا عنّي، كيف لا يسأل العباد عن خالقهم؟! كيف لا يسأل العباد عن ربِّهم؟! كيف لا يسأل العباد عن مصدر سعادتهم وقوتهم؟! كيف لا نسأل عن الله؟! نسأل عن الدنيا ولا نسأل عن خالق الدنيا، أمرٌ عجيب! لا بُدَّ أن يسألك عبادي عنّي، كيف يُحبنا مولانا؟ كيف نُحبُّه؟ كيف نبقى على تلك الصِلة به التي كسبناها في رمضان؟ كيف نجد الأُنس به دائماً؟ كيف نُرضيه؟ وهكذا.
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) في كل الآيات التي فيها يسألونك، ويسألونك، جاء الجواب قل، فقل، إلا هذه الآية لم يأتِ فيها قل لسببين:
السبب الأول: أنَّ الله عزَّ وجل لا يريد أن يجعل بينك وبينه واسطة أبداً.
النبي صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ الرسالة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله تعالى عندما يفتح لك الباب، يفتحه لك دون واسطة، فما قال قل.
والسبب الثاني: أنه جلَّ جلاله لسرعة إجابته ومحبَّته لك، ما أراد أن يكون بين سؤالك والإجابة، تلك الكلمة البسيطة قل، لبيان السرعة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) الله تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد، قُرباً يليق بجلاله وبعظمته، نشعر به ونستأنس به ولا يكون ثقيلاً علينا.
هبّ أنَّ إنساناً كان يُراقبك أربعاً وعشرين ساعة ويمشي معك، لن تُطيق أن تبقى معه يوماً واحداً، تقول له: دعّني أُريد أن أنام، أُريد أن أجلس مع أهل بيتي، المراقبة صعبة، والمرافقة صعبة، تستحمله ساعة ساعتين ثم تملَّ منه، ربنا جلَّ جلاله القريب، الرقيب، قريبٌ منّا، ويراقبنا، ونأنسُ به، ومعاذ الله أن نشعر بثقله، وإنما نشعر بُحبِّه، ونشعر بقربه والأُنس به، وهذه لا تكون إلا للإله جلَّ جلاله.
أيُّها الإخوة الأحباب: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) بطرق الإجابة التي ذكرنا (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي).

إذا أردت أن يستجيب الله لك فاستجب أنت له:
أيُّها الإخوة الأحباب: العاقل هو من يسأل نفسه عن تقصيره، العاقل هو الذي يقاضي نفسه بما يجب عليه، ولا يُقاضي الآخرين بما يجب أن يفعلوه معه، فكيف إذا كان هذا العاقل هو العبد، وكان المُجيب هو الربّ؟ هل من العقل والحكمة أن تقول لله تعالى أجبني، ولماذا لم تُجبنِ وأنت لم تستجب له؟! نحن نطلب من الله الإجابة، لكننا قليلاً ما نطلب من أنفسنا الاستجابة، والمؤمن يُقاضي نفسه باستجابته لله، ولا يُقاضي ربه حاشاه باستجابته له، فالعبد عبد والربُّ ربّ (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي)، إذا أردت أن يستجيب الله لك فاستجب أنت له، استجب له إذا دعاك لما يُحييك.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)
(سورة الأنفال)

استجيبوا لله ولرسوله، إلى الحياة، إلى الحياة الحقيقية، حياة الإيمان التي تحيا بها القلوب، يدعوك إلى الصلاة، والصلاة حياة، يدعوك إلى الصيام، والصيام حياة، يدعوك إلى العمل الصالح، يدعوك إلى البرّ، يدعوك إلى الخير، أمّا لمّا تحدَّث ربنا جلَّ جلاله عن المُعرضين عن ذكره، قال:

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ(124)
(سورة طه)

إلى ما يُحيينا، إلى الحياة، فإذا استجبنا له استجاب لنا جلَّ جلاله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7)
(سورة محمد)

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152)
(سورة البقرة)

معادلة واضحة وصريحة، وقانون من عند الله تعالى، من ينصر الله ينصره الله، من يذكر الله يذكره الله، من يستجيب لله يستجيب الله له، هكذا يُعاملنا المولى جلَّ جلاله.
قال: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي) أي لتكن استجابتهم لي، مبنيةً على إيمانٍ عميقٍ بوجودي، وبوحدانيتي، وبكمالي، (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي لعلَّهم يصلون إلى الخير والحق والرُشد والعقل.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، وأستغفر الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين.
وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبنا عليك اتكالنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين.
اللهم تقبَّل منّا الصيام والقيام، وبارك لنا في شهر رمضان، واجعلنا فيه من عتقائك من النيران.
اللهم إنّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، ذكِّرنا منه ما نُسّينا وعلِّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، على النحو الذي يُرضيك عنا.
اللهم ابسط الأمن والأمان في ربوع بلادنا، اللهم ابسط الأمن والأمان في ربوع الشام، وفي ديار المسلمين، واجعل بلادنا بلاد خيرٍ وبركة مستظلةً بكتابك وسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، ووفِّق مَن وليَّتهم أمورنا لما فيه خير البلاد والعباد يا أكرم الأكرمين.
اللهم كن لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، كن لإخواننا في فلسطين، عوناً ومعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
وصلِّ إلهي وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.