عبادة مَنسيّة

  • خطبة جمعة
  • 2026-04-10
  • سورية - دمشق
  • مسجد عبد الغني النابلسي

عبادة مَنسيّة

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمَن جحد به وكفَر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يا ربّ ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
لله قــومٌ أخـلـصـوا فـي حُـبـه فكسا وجوههم الوسيمة نوراً قـامـوا يـناجـون الإلـه بـأدمُـعٍ تجـري فتـحكي لـؤلـؤاً منثوراً ستروا وجوههم بأستار الدُجى ليلاً فأضحت في النهار بدوراً عمـِلوا بما علِموا وجادوا بالذي وجدوا فأصبح حظُّهم موفـوراً تعبوا قليلاً فـي رضـا محبوبهـم فـأراحهـم يـوم اللـقـاء كـثـيراً
{ جمال الدين الصرصري }

ما هو البَوح:
أيُّها الإخوة الكرام: في عِلم النفس علاجٌ يُسمّى البَوح، ويعني إخراج ما في النفس من مشاعرٍ وأفكارٍ مكبوتةٍ في داخل النفس، حزن، قَلَق، خوف، غضب، رُبما فرح، والتعبير عن هذه المشاعر والأفكار، بالكلام أو الكتابة، أو حتى بالبُكاء، التعبير عن المشاعر المكبوتة بالكلام أو الكتابة أو البكاء، هذا ما يُسمّيه علماء النفس البَوح، وهو نوعٌ من التفريغ الانفعالي، بمشاركة ما بداخلك مع شخصٍ آخر، أو التعبير عمّا في داخلك بطريقةٍ آمنة ترتاح لها.
يقولون البَوح يُخفِّف التوتر والقَلق والاكتئاب، ويضبِط المشاعر والانفعالات، أمّا عدم البَوح لفترةٍ طويلة، الإنسان الذي يكتُم ما بداخله ولا يبوح به، فأنه قد يؤدّي إلى التوتر والعصبية، وإلى بعض الصُداع والتعب والأرق، مع احتمال وصولٍ إلى الاكتئاب.

طُرق البَوح:
وأمّا طُرق البَوح كما يتحدَّث عنها علماء النفس، فهي التحدُّث مع شخصٍ موثوق، تثق بإنسانٍ فتبوح له بما في داخلك، أو تلجأ إلى مُختصٍّ نفسي تبوح له بما في داخلك، أو تكتب يومياتك، كتابة اليوميات، مُذكِّرات، تبوح على الورق، أو التعبير الفنّي كالرسم والشِعر، يكتُب شعراً أو يرسُم.
بالمناسبة قبل أن أُكمِل، عندما يأتيك قريبٌ أو صديق، ويُحدِّثك عن مشاعره، أو عن آلامه، أو عن طموحاته، أو عن إخفاقاته، فاستمع له بإنصات، وتفاعل معها بلغة الجسد، حتى ولو لم تكن قادراً على مساعدته بشيء، فقط استمِع له بإنصات، اعطه كُلَّك حتى لو لم تكن قادراً على مساعدته بشيء، فإنَّ استماعك له باهتمامٍ، وإعطاءه كلمات الدعم والتشجيع، وإشعاره بمشاركتك له همومه، هو أعظم ما تساعده به.

لا يجوز أن تُكلِّم الخَلق بما كان بينك وبين الله:
نعود إلى البَوح: في بعض الشرائع المُحرَّفة ما يُسمّى الاعتراف، يعني أن يعترف المُذنِب بخطئه أمام رجُل الدين، يقع في خطيئةٍ فيذهب إلى رجُل الدين، ويجلس معه في دارٍ من دور العبادة، ويبوح له، يعترف له بما فعله بالتفصيل، فعلت كذا وكذا وكذا، فيُعطيه رجُل الدين ما يُسمّى الإرشاد، أو التكفير، ثم يُعلِن له بعد ذلك الغُفران باسم الإله، غفر الله لك اذهب، فهذا كما يصفون يُخفِّف الشعور بالذنب، ويُعطي راحةً نفسية، ويُشبِه البَوح إلى حدٍّ كبير، وهذا مرفوضٌ في ديننا، ليس في ديننا اعتراف، بل ليس في ديننا بالمُصطلح الدقيق ما يُسمّى رجال الدين، ليس هناك اعترافٌ لأحد، تعترف لله فقط، تبوح له وحده، تُقِر بذنبك أمامه، ولا يجوز لك أن تُكلِّم الخَلق بما كان بينك وبينه أبداً، لأنه الستّير، ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

{ كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلا المجاهرين، و إنَّ من الجِهارِ أن يعملَ الرجلُ بالليلِ عملًا ثم يُصبِحُ و قد ستره اللهُ تعالى فيقولُ: عملتُ البارحةَ كذا و كذا، و قد بات يسترُه ربُّه، و يُصبِحُ يكشفُ سِترَ اللهِ عنه }

(أخرجه البخاري ومسلم)

لا يجوز الجهر بالمعصية.

عبادة المُناجاة:
أيُّها الإخوة الكرام: أمّا في ديننا، فهناك عبادةٌ منسيَّة، أو قُل مهجورة، أو قُل تركها الناس لانشغالهم في الحياة، هذه العبادة هي المُناجاة، أن تُناجي الله، أن تبوح له، أن تُحدِّثه، أن تقول له ما بداخلك، أن تعترف له بذنوبك، أن تُحدِّثه عن كل شيءٍ يخطر في بالك، أن تُناجيه، وهي بَوحٌ من العبد لخالقه، يُخبره فيها عن همومه وعن آلامه، وعن نجاحاته وعن إخفاقاته.

المُناجاة أوسَع من الدُعاء:
والمُناجاة أيُّها الإخوة أوسَع من الدُعاء، المُناجاة شيء والدُعاء شيءٌ آخر، الدُعاء جزءٌ من المُناجاة، لكن المُناجاة أوسَع من الدُعاء، فهي ليست مُجرَّد طلب، الدُعاء طلب، يا ربّ ارزقني مالاً، يا ربّ هَب لي ولداً صالحاً، يا ربّ أبعِد عنّي هموم الدنيا، الدُعاء طلبٌ من الله، طلبٌ من العبد الضعيف إلى الخالق القوي الجليل، لكن المُناجاة أوسَع من الدُعاء، هي حديثٌ خفيٌ بين العبد وخالقه، هي بَوحٌ من نوعٍ راقٍ جداً، يبوح فيه الإنسان لربِّه بما يعتلج في داخله.
قالوا: إنَّ تعريف المُناجاة أن يختلي امرؤٌ بنجيِّه الذي يُناجيه وحده، في مكانٍ مُنعزلٍ عن الخَلق، ويُحدِّثه بسرٍّ من الأسرار، هذه هي المُناجاة.

مُناجاة الأنبياء لربِّهم:
أيُّها الإخوة الكرام: هذا سيدنا إبراهيم، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وضع زوجه وابنه في صحراء مكَّة، فماذا فعل بعد ذلك؟ هو أودعهم في مكَّة، والله يعلم ويرى ويُبصِر ويسمَع، وعَلِم كل ما حصل، ابتعَد وانعزل عن الخَلق بحيث لا يرونه كما في الحديث، حتى أصبح وحده، ثم خلا بربِّه فحدَّثه عن مشاعر الأب الشفوق، والزوج المُحِب، حدَّثه عن مخاوفه، فهُم في وادٍ غير ذي زرع، لا إنس، ولا ماء، ولا شجر، ولا طعام، ولا أحد، ثم حدَّثه عن تفاؤله عند بيتك المُحرَّم، حيث لا يضيع أحدٌ وهو في بيته، قال له:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)
(سورة إبراهيم)

ثم دعا، هذه مُناجاة: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
ثم يكون من ذُريته يعقوب عليه السلام، ذاق مرارة الفقد، فقد ولده الحبيب، فلم يشكو ألمه وحُزنه إلى أحدٍ من الخَلق.

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(86)
(سورة يوسف)

ناجى ربَّه.
أمّا ابنه يوسُف عليه السلام، فكان يُناجي ربَّه في كل حال، لمّا جاءته المعصية فرفضها فهُدِّد بالسجن، ناجى ربَّه.

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ(33)
(سورة يوسف)

حدَّث ربَّه، كلَّمه عمَّا يُريد، فارتاح، فجاء السجن فكان راحةً له (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) ولمّا خرج من السجن وأصبح عزيز مصر، لم يترُك المُناجاة، قال:

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)
(سورة يوسف)

يُحدِّث الله عن نِعمه عليه، والله هو الذي أنعم، وهو أعلم بما أنعم، يقول له: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ثم يدعو: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
هذا نوحٌ عليه السلام، وجد من إعراض قومه ما وجد، وجد من الهموم وهو يدعو الناس فلا يستجيبون ما وجد، فماذا كان منه؟ وقف بين يدي ربِّه فقال:

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)
(سورة نوح)

يُحدِّثه عن التفاصيل في الليل والنهار.

فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9)
(سورة نوح)

يُحدِّث الله عن علاقته بقومه، يُحدِّثه عن صدودهم، عن كِبرِهم، عن إعراضهم، ما فائدة هذا الحديث؟ هو بَوحٌ للخالق جلَّ جلاله الذي يعلم السِرَّ وأخفى، هو البَوح الذي يُريح النفوس فعلاً، هي الفضفضة التي تملأ النفس طمأنينةً.
أيُّها الإخوة الكرام: وهذا زكريا:

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)
(سورة مريم)

ولو لم يُخبرنا الله تعالى بهذا النداء لبقي النداء خفياً، لكن الله جلَّ جلاله يُشعرنا، كم هذا النداء الخفي عظيمٌ عنده، فسجَّله آيةً في كتابه تُتلى إلى يوم القيامة، وأعلمنا بهذا الدُعاء الخفي.

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4)
(سورة مريم)

يُحدِّثه عن آلام الجسد، أنا مريض يا ربّ: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا).

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا(5)
(سورة مريم)

ثم يدعو: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا) يُحاكي ربَّه، يُفضفِض له، يبوح له بما في داخله من الهموم والأحزان.
وهذا أيوب:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83)
(سورة الأنبياء)

قال تعالى:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ(84)
(سورة الأنبياء)

ما دعا بشيءٍ، هو لم يدعُ، ما قال اكشف الضُر، قال: أنا مسَّني الضُر يا ربّ، وأنت أرحم الراحمين، موضوعي عندك، انتهى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) هو ارتاح عندما قال لله: يا ربّ قد مسَّني الضُر وأنت أرحم الراحمين، لا تغيب رحمتك عنّي ساعةً.

مُناجاة النبي لربِّه في غزوة بدر:
أيُّها الإخوة الكرام: في غزوة بدر والمعركة قد اقتربت، حامية الوطيس، والمعركة نكون أو لا نكون، يتوجَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربِّه، يترُك الأصحاب ويأخُذ ناحيةً لا يراه أحدٌ فيها، ويقف وحده مع ربِّه يُحدِّثه، يُكلِّمه، يقول له:

{ اللهم هذه قريش أتت بخيلائها وفخرها تحادك وتُكذِّب رسولك، اللَّهمَّ أينَ ما وَعَدْتَني؟ اللَّهمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني، اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا، قال: فما زال يَستَغيثُ ربَّهُ عزَّ وجلَّ ويَدْعوه حتى سَقَطَ رِداؤُهُ، فأتاهُ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فأخذ رِداءَهُ فرَدَّاهُ، ثم الْتَزَمَهُ مِن وَرائِهِ، ثم قال: يا نَبيَّ اللهِ، كَفاكَ مُناشَدَتُكَ ربَّكَ، فإنَّهُ سيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ }

(أخرجه مسلم)

خلا بربِّه، أنِسَ به، في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ الإسلام، في هذه اللحظات التي كان الإسلام فيها نكون أو لا نكون (إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا) يُحدِّثه عن مخاوفه وهو واثقٌ بنصره (فأتاهُ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه) هذا هو الصاحب، تَبِعه وهو في خلوته يسمعه ماذا يقول (فأتاهُ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه فأخذ رِداءَهُ فرَدَّاهُ، ثم الْتَزَمَهُ مِن وَرائِهِ، ثم قال: يا نَبيَّ اللهِ، كَفاكَ مُناشَدَتُكَ ربَّكَ، فإنَّهُ سيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ) طمأنه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر اطمئناناً من أبي بكر إلى نصر الله، لكنه كان يُريد أن يُحدِّث الله، كان يُريد أن يتكلم معه مباشرةً، أن يبوح له بما في داخله حتى يرتاح، حتى تطمئن نفسه وهو يخاطِب الله تعالى.

أذكار الصباح والمساء معظمها مُناجاة:
أيُّها الإخوة الكرام: أذكار الصباح والمساء التي نقرأها، معظمها مُناجاة، تُناجي فيها الله تعالى.

{ سَيِّدُ الاستِغفارِ: - مُناجاة - اللهُمَّ أنتَ رَبِّي، لا إلَهَ إلَّا أنتَ، خَلَقتَني وأنا عَبدُك، وأنا على عَهدِك ووَعدِك ما استَطَعتُ، أبوءُ لك بنِعمَتِك عليَّ، وأبوءُ لك بذَنبي، فاغفِرْ لي؛ فإنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ، أعوذُ بك مِن شَرِّ ما صَنَعتُ، إذا قال حينَ يُمسي فماتَ دَخَلَ الجَنَّةَ -أو: كان مِن أهلِ الجَنَّةِ-، وإذا قال حينَ يُصبِحُ فماتَ مِن يَومِه مِثلَه }

(صحيح البخاري)

(أبوءُ) أي أعترف، عندما نُصبِح أو نُمسي نُناجي الله.

{ مَن قالَ حينَ يُصبِحُ: اللَّهمَّ ما أصبحَ بي من نِعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنكَ وحدَك، لا شريكَ لَك، فلَك الحمدُ، ولَك الشُّكرُ، فقد أدَّى شُكرَ يومِه، ومن قالَ مثلَ ذلِك حينَ يُمسي، فقد أدَّى شُكرَ ليلتِه }

(أخرجه أبو داوود والنسائي والبيهقي)

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام يتهجَد من الليل، يُناجي ربَّه في الليل، كان يقول:

{ اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ أنتَ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ قيُّومُ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ نور السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدك حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والنَّبيُّونَ حقٌّ، ومحمَّدٌ حقٌّ، اللَّهمَّ لَكَ أسلمتُ، وبِكَ آمنتُ، وعليْكَ توَكَّلتُ، وإليْكَ أنَبتُ، وبِكَ خاصَمتُ، وإليْكَ حاكمتُ، فاغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلَنتُ، أنتَ إلَهي لاَ إلَهَ إلَّا أنتَ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

مُناجاة، يُناجي الله، يُخبره بأشياءٍ يعتقد بها، والله يعلم أنه مُعتقدٌ بها، ولكنه يكررها كل ليلة (والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ) يُخبره بعقيدته ليثبُت عليها أكثر، ولتطمئن نفسه بها أكثر وأكثر.

حدِّثوا الله تعالى وتكلَّموا معه:
أيُّها الإخوة الأحباب: حدِّثوا الله تعالى، تكلَّموا معه، حدِّثوه عن مشاعركم، حدِّثوه عن محبتكم له، قُل له يا ربّ أنا أُحبك، قُل له في خلوتك: يا ربّ أنا اُحبُّك وأُحب من يُحبُّك فحبّبني إلى خلقك، دُلَّني على الطريق الذي يوصلني إليك، حدِّثوه عن محبتكم لرسوله صلى الله عليه وسلم، حدِّثوه عن الذنوب التي أثقلت كاهلنا جميعاً، أنا مُذنِبٌ يا ربّ مُقصِّر، هذا الذي كان منّي اليوم كان خطأً أستغفرك منه، هذه النظرة كانت حراماً وأنا أعلم أنها حرام، لكن نفسي ضعُفَت يا ربّ، هذه الكلمة التي قلتها ما كان ينبغي أن أقولها، غلبتني نفسي يا ربّ سامحني، حدِّثوه عن الذنوب التي أثقلت كاهلنا، حدِّثوه عن لحظات ضعفنا ما أكثرها، حدِّثوه عن خوفنا وعن أحزاننا، حدِّثوه عن النجاحات التي وفقك الله إليها، قُل له يا ربّ: اليوم تيسَّر الأمر الفُلاني معي، هذا نجاحٌ عظيمٌ كنت أتمناه وقد يسَّرته لي، فلك الحمد يا ربّ.
حدِّثه عن الإخفاقات، مَن منّا ليس عنده إخفاقات، حدِّثه عن الإخفاقات التي ترجو عونه لتجاوزها، هذا الامتحان فشلت فيه، أخفقت فيه، هذا الإخفاق أسألك يا الله يا أرحم الراحمين أن تُعينني أن أتجاوزه في المرة القادمة.
حدِّثوه عن أعدائنا وما أكثرهم، حدِّثوه عن الصهاينة المُعتدين، إنَّ قريشاً أتت تُحاربك، قولوا له: يا ربّ إنَّ هؤلاء قد زاد بغيهم وإجرامهم وطُغيانهم، فاكفنيهم بما شئت وكيف شئت.
حدِّثوه عن آلام أُمتنا التي كبا بها الجواد، عن بُعدِنا عن ديننا الذي أوردنا هذه الموارد.
أيُّها الإخوة الكرام: قولوا له: يا ربّ إليك نشكو ضعف قوتنا، وقِلة حيلتنا، وهواننا على الناس، ربَّ المُستضعفين وأنت ربُّنا، إلى من تكلنا، إلى بعيدٍ يتجهمنا أم إلى عدوٍ ملَّكته أمرنا، إن لم يكن بك غضبٌ علينا فلا نُبالي، لكن عافيتك أوسع لنا، ولك العُتبة حتى ترضى.
لله قـومٌ عن اللذات قـد فَطموا نفوسهم وبحب الله قد تاهوا تراهُم في ظلام الليل قد وقفوا كـلٌّ إلى ربـِّه يشكـو خفايـاه هذا يأنُّ وذا يبكي أسىً وجوىً وذا يُنادي بأعلى صوته الله فقٌم بذُلٍّ وناجِ الله مُنكسراً هذا الحبيب الذي تُرجـى عطاياه * * *
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخِذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
إلهي أنا الفقير فـي غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جاهلاً في جهلي إلهي إن ظهـرت المحاسـِن مـنّي فبفضـلك ولـكَ المِنَّةُ علي وإن ظهرت المساوئ مـنّي فـبـعــدلـك ولــكَ الـحُـجَّـة عـلـي * * * إلهي إن كنت لا ترحم إلا المُجِدَّ في طاعتك فلمَن يلجأ المُخطئون؟ وإن كـنت لا تُـكـرِم إلا أهـل الإحسـان فـمـاذا يـصنـع الـمُسيـؤون؟ وإن كان لا يفوز يوم الحشر إلا المُتَّقون فبمَن يستغيث المُذنبون؟
{ ابن عطاء السكندري }

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنّا، وما أنت أعلم به منّا، أنت المُقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين.
اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علِمنا منه وما لم نعلَم، ونعوذ بك من الشرِّ كله عاجله وآجله ما علِمنا منه وما لم نعلَم.
اللهم إنّا نسألك رضاك والجنَّة ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين.
اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك، وهذا ذُلنا ظاهرٌ بين يديك، نحن بك ومنك وإليك، نستغفرك من كل ذنبٍ ونتوب إليك.
اللهم إنّا نسألك أن تُفرِّج عن إخواننا المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم كُن لأهلنا في فلسطين وفي غزَّة، اللهم كُن لأهلنا في لبنان، اللهم كُن لهم عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً.
اللهم عليك بمَن يقتلهم يا أرحم الراحمين، اللهم عليك بمَن يقصفهم يا مُنتقم يا جبَّار
اللهم إنّا نجعلك في نحور الأعداء والجبَّارين، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم إنهم يقولون من أشدُّ منّا قوة، وقد غاب عنهم أنك أشدُّ منهم قوة، وأنك لهم بالمرصاد، يا ربّي انصرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فتنصرنا على أعدائنا.
يا أرحم الراحمين أبرِم لهذه الأُمة أمر رشد يُعَز فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل عصيانك ويؤمَر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المُنكَر.
اللهم سلِّم بلادنا من كيد الكائدين وتآمُر المُتآمرين، وأسبِغ عليها نعماءك يا أرحم الراحمين، ووفِّق القائمين عليها للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.