002-اليقين بخبر رسول الله.

  • 2015-03-27
  • الأردن - عمَّان

002-اليقين بخبر رسول الله.

يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
الحمد لله الذي خضع كل شيءٍ لهيبته، واستسلم كل شيءٍ لقُدرته، وتصاغر كل شيءٍ لكبريائه، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

قصة حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ:
وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: روى البخاري في صحيحه، عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال:

{ بَعَثَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا والزُّبَيرَ والمِقدادَ بنَ الأسودِ - ثلاثةٌ بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مُهمةٍ، عليٌ والزُبير والمِقداد - قال: انطَلِقوا حتَّى تَأتوا رَوضةَ خاخٍ - روضة خاخ موضعٌ قريبٌ من حمراء الأسد بالقُرب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فإنَّ بها ظَعينةً - الظعينةُ هي المرأة التي تركب على الهودج - ومعها كِتابٌ - أي رسالة - فخُذوه منها - هذه هي المُهمة - فانطَلَقنا تَعادى بنا خَيلُنا - أي نركض ركضاً سريعاً - حتَّى انتَهَينا إلى الرَّوضةِ - روضة خاخ حيث أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم - فإذا نَحنُ بالظَّعينةِ - وجدوا المرأة التي وصفها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقُلنا: أخرِجي الكِتابَ، فقالت: ما مَعي مِن كِتابٍ، فقُلنا: لَتُخرِجِنَّ الكِتابَ أو لَنُلقيَنَّ الثِّيابَ – سنُفتِّشُكِ وإمّا أن تُخرجيه وحدك - فأخرَجَتْه مِن عِقاصِها - العقيصة هي ضفيرة الشعر - فأتَينا به رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ - وهو صحابيٌ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى أُناسٍ مِنَ المُشرِكينَ مِن أهلِ مَكَّةَ يُخبِرُهم ببَعضِ أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أي خيانةٌ عُظمى، حاطِب يرتكب خيانةً يُرسِل لأُناسٍ من المُشركين يُعلمهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته، وهو يرتكب بذلك خيانةً - فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حاطِبُ ما هذا؟ - كتابٌ منك إلى المُشركين؟! - قال: يا رَسولَ اللهِ، لا تَعجَلْ عليَّ، إنِّي كُنتُ امرَأً مُلصَقًا في قُرَيشٍ، ولَم أكُنْ مِن أنفُسِها - أنا لست قُرشياً أباً عن جَد، أنا شخصٌ من خارج قريش ثم سكنت عند قريش فأصبحت منهم، لست من أهل قُريش - وكان مَن معكَ مِنَ المُهاجِرينَ - الذين تركوا مكَّة - لهم قَراباتٌ بمَكَّةَ يَحمونَ بها أهليهم وأموالَهم - المُهاجرون عندما تركوا مكَّة تركوا أهلهم ومالهم في مكَّة، فهؤلاء لهم قراباتٌ يتواصلون معهم، فهؤلاء يقومون على حماية الأهل والمال هناك، أمّا أنا فمَن يحمي أهلي ومالي في مكَّة؟ - فأحبَبتُ إذ فاتَني ذلك مِنَ النَّسَبِ فيهم - لأنني لست من قُريش - أن أتَّخِذَ عِندَهم يَدًا يَحمونَ بها قَرابَتي - ما فعلته هو رغبةٌ منّي بأن أُقدِّم خدمةً لقُريش حتى تحمي بها أهلي هناك، بعد أن تركنا أهلنا وهاجرنا - وما فعَلتُ كُفرًا ولا ارتِدادًا، ولا رِضًا بالكُفرِ بَعدَ الإسلامِ - أنا لم أكفُر لكن اجتهدتُ أن أحمي قرابتي عند قُريش - فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد صَدَقَكُم - ما يقوله حاطِب صدق - قال عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، دَعْني أضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ، قال: إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا - هذا الذي تُريد أن تضرِب عُنقه كان معنا في معركة بدرٍ، يوم كان الإسلام كله ثلاثمئة رجُلٍ أو يزيدون قليلاً - وما يُدريكَ لَعَلَّ اللهَ أن يَكونَ قدِ اطَّلَعَ على أهلِ بَدرٍ فقال: اعمَلوا ما شِئتُم فقد غَفَرتُ لكم }

(أخرجه البخاري ومسلم)

هذه قصة حاطِب كما جاءت في صحيح البخاري.
أيُّها الإخوة الكرام:
أولاً: هؤلاء الصحابة الثلاثة، علي والمِقداد والزُبير، لمّا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (انطَلِقوا حتَّى تَأتوا رَوضةَ خاخٍ، فإنَّ بها ظَعينةً، ومعها كِتابٌ فخُذوه منها) ذهبوا وكلهم يقينٌ بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه:

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ(4)
(سورة النجم)

في روايةٍ ثانيةٍ للحديث، لمّا قالت لهم ما معي الكتاب، قالوا لها: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لَتُخرِجِنَّ الكتاب، أبداً، يقينٌ بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول أحد السَلَف: إني رأيت الجنَّة والنار، فقالوا: يا رجُل أبصِر ما تقول - تمهَّل كيف ترى الجنَّة والنار؟! - قال: والله لقد رأيت الجنَّة والنار، قالوا: كيف رأيت الجنَّة والنار؟ قال: والله لقد رأيتهما بعينَي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤيتي لهما بعينَي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثَق عندي من رؤيتي لهما بعيني، لأنَّ الله تعالى يقول:

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ(17)
(سورة النجم)

فما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى الجنَّة والنار، ليلة أُسري به وعُرِج به إلى ربِّه جلَّ جلاله، فهذا الرجُل من تابعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لقد رأيت الجنَّة والنار، رأيتهما بعينَي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قصة حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ:
أيُّها الإخوة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صُلح الحُديبية، وقد كان الصُلح قاسياً على المُسلمين، وأحكامه غير واضحة، جاؤوا ليعتمروا فإذا بهم يعودون، ويتحلَّلوا، ولا يُسمَح لهم بدخول مكَّة، وشروط الصُلح في الظاهر ليست في صالح المُسلمين، كان ظاهرها صُلحاً مُهيناً، وكان باطنها فتحاً مُبيناً، فنزل قوله تعالى:

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)
(سورة النصر)


موقف سيدنا عُمر من صُلح الحُديبية:
وهذه السورة نزلت في صُلح الحُديبية لا في فتح مكَّة، لأنَّ هذا الصُلح كان مُقدَّمةً لفتح مكَّة، على كلٍّ هذا الصُلح كان في ظاهره مُهيناً، فعُمر بن الخطاب رضي الله عنه، من شِدّة غيرته على دين الله، ذهب إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه، قال له: <<يا أبا بكرٍ أوليس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمُسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمُشركين؟ قال: بلى، قال: علامَ نرضى الذِلَّة في ديننا؟! - لماذا لا نُقاتلهم؟ لماذا نتصالح معهم ونحن أهل حقٍّ وهُم أهل باطل؟ - فقال أبو بكر رضي الله عنه لعُمر: اِلزَم غِرزه فإنه رسول الله>> - ابقَ كما يُريد فإنه رسول الله هذا أمره.
فعُمر لم يحتمِل، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: <<يا رسول الله أولسنا بالمُسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمُشركين؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نُعطي الذِلَّة في ديننا؟! فقال صلى الله عليه وسلم: إنّي رسول الله وإنه لن يُضيعنا>>.
فعُمر لم يفهم الحكمة، وكثيرٌ من الصحابة لم يفهموا حكمة ذلك، ثم بعد ذلك ظهرت حِكَم ذلك جليَّةً واضحةً، يقول عُمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما زلت أصوم وأُصلّي وأتصدَّق وأُعتِق من الذي صنعتُ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً".

كلام رسول الله وحيٌ من الله جلَّ جلاله:
فقط لأنه شكَّ في أمرٍ أبرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: بقيت أصوم وأُصلّي وأتصدَّق وأُعتِق، حتى رجوت أنَّ الله قد عفا عنّي، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه وحيٌ.
اليوم عندما نقول لشخصٍ: يقول صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن تقول: سمعاً وطاعةً لرسول الله، لا تقُل ما الحكمة؟ ولماذا؟ والزمن تغيَّر، والأمور تغيَّرت، وزمننا غير زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه كلماتٌ قد تصل بالإنسان - لا سمَحَ الله ولا قدَّر - إلى سوء ظنٍّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره حكمة لأنه ينطِق عن وحيٍ من الله جلَّ جلاله.
عن أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه قال:

{ كانَ النَّاسُ إذا نزلوا منزِلًا تفرَّقوا في الشِّعابِ والأوديةِ فقال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ تفرُّقَكم في الشِّعابِ والأوديةِ إنَّما ذلِكم منَ الشَّيطانِ فلم ينزِلوا بعدَ ذلِك منزلًا إلَّا انضمَّ بعضُهم إلى بعضٍ حتَّى يقالَ لو بُسِطَ عليهم ثوبٌ لعمَّهم }

(أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم)

اِلتزاماً بأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيُّها الإخوة:
إذاً أولاً: ينبغي أن نتلقَّى خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنه يقينٌ لأنه وحيٌ من الله.

لنقبَل عُذر المُعتذِر:
ثانياً: لنقبَل عُذر المُعتذِر، حاطِب ارتكب خيانةً عُظمى في كل الشرائع والقوانين، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبِلَ عُذر حاطِب، فإذا اعتذر إليك شخصٌ فاقبَل عُذره، لا تكن ممَّن لا يقبلون الأعذار، "اِلتمِس لأخيك عُذراً ولو سبعين مرةً".

شتَّان بين أن تنظُر إلى الذنب أو تنظُر إلى صاحب الذنب:
ثالثاً: نظَرَ عُمر إلى الذنب فوجده كبيراً، وهو ذنبٌ كبيرٌ فعلاً، ونظَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الذنب، فوجده مغلوباً في لحظة ضعفٍ طارئٍ ألمَّت به، فعفى عنه، وشتَّان بين أن تنظُر إلى الذنب أو تنظُر إلى صاحب الذنب، في علاقتك مع الله، لا تنظُر إلى الذنب ولكن انظُر على مَن اجترأت جلَّ جلاله، وفي علاقتك مع الناس، لا تنظُر إلى الذنب ولكن انظُر إلى صاحب الذنب، فلعلَّ هناك ظروفاً خطيرةً ألمَّت به، في لحظةٍ نفسيةٍ طارئة، فأذنب هذا الذنب، فاصفَح عنه واعفو.
أيُّها الإخوة: حاطِب يُحب النبي صلى الله عليه وسلم، وما فعل ما فعل كُفراً ولا ارتداداً، ولكنه اجتهد فأخطأ، وأخطأ خطأً جسيماً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى حاطِب، وإلى لحظة الضعف التي ألمَّت به فعفا عنه.

قدِّر حاجات الناس ولا تتجاهلها:
رابعاً: قدِّر حاجات الناس ولا تتجاهلها، حاطِب له حاجةٌ، أهله في مكَّة يخاف عليهم من بطش الطُغاة والمُجرمين، وله أموالٌ هناك، هو أخطأ بالوسيلة ولكن هدفه مشروع، لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُنكِر على حاطِب أنه يُريد أن يحمي قرابته، لم يقُل أحدٌ من الصحابة: أنت تُريد أن تحمي قرابتك وتترُك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الدنيا عندك خيرٌ من أمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يوزِّع أحدٌ التُهَم عليه أبداً، والنبي صلى الله عليه وسلم ما قال له: فليمُت أهلك ولا تلتفِت لهم، أبداً، لكن الوسيلة خطأ، وسيلة الوصول خطأ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قدَّر حاجة حاطِب لحماية أهله.

التربية الإيمانية عمليةٌ تراكميةٌ وليست لحظيةً:
خامساً: التربية الإيمانية عمليةٌ تراكميةٌ وليست لحظيةً، بمعنى أنَّ حاطِب شهد بدراً، وحاطِب من الصحابة المُقرَّبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك وقع في خطأٍ، فأنت اليوم في علاقتك مع أولادك، أو مع مَن تُربّيهم، أو مع مَن تُعلِّمهم، لا تنتظر منهم لمُجرَّد درسٍ أو خُطبةٍ أو مجلسٍ، أن يكونوا ملائكةً يمشون على وجه الأرض.

{ كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطائين التوابونَ }

(أخرجه الترمذي وأحمد ابن ماجه)

يقول لك أحدهم: آمُر ابني بالصلاة فلا يُصلّي، نقول له: ألا تعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

{ مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سنينَ، واضرِبُوهُم عليهَا وهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ وفرِّقُوا بينِهِم في المَضَاجِعِ }

(أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم )

يعني ثلاث سنواتٍ، في كل سنةٍ ثلاثمئة وخمسٌ وستون يوماً، وفي كل يومٍ خمس صلواتٍ، وفي كل صلاةٍ تأمر وتأمره، ويُصلّي ولا يُصلّي، ويستجيب ولا يستجيب، وتصبِر عليه ثلاث سنواتٍ، ثم تُعاقبه، وهو لم يُكلَّف بعد بالصلاة أصلاً، فالتربية عمليةٌ تراكميةٌ بنائية، ليست لحظيةً، لا بُدَّ من تعويد الفتاة على الحجاب، ولا بُدَّ من تعويد الابن على الصلاة، وأن تأخُذ بذلك فترةً.
أيُّها الأحباب:

لا تنسَ عمل إنسانٍ أذنبَ مهما يكن ذنبه كبيراً:
سادساً: لا تنسَ عمل إنسانٍ أذنبَ مهما يكن ذنبه كبيراً، قال: (إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا) أنت ابنك أخطأ، قُل له: يا بُنَي أنا يُعجبني بِرُّك بوالديك، ويُعجبني تفوُّقك في مدرستك، ولكن هذا العمل فيه خطأٌ، لا تنسَ الإيجابيات، ابدأ بالإيجابيات، قال: (إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا) لم ينسَ له عمله، لم يُهدِر له عمله لأنه أخطأ، قال: (إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا).

لا ترفُض الشخص ولكن ارفُض سلوك الشخص:
سابعاً وأخيراً: لا ترفُض الشخص ولكن ارفُض سلوك الشخص، حاطِب لم يُصبِح شخصاً منبوذاً في المجتمع أبداً، مع أنه أخطأ خطأً جسيماً، عاد إلى مجتمع المؤمنين، وأرسل معه النبي صلى الله عليه وسلم رسالةً إلى المُقوقِس، عندما بدأت الفتوحات الإسلامية، وبدأ نشر الإسلام في الخافِقَين، لم يُصبِح حاطِب شخصاً مُحتقراً في مجتمعه، السلوك خطأ لكن الشخص بقي شخصاً مُحترماً له قيمته، فإذا أردت أن تؤنِّب ابنك أو توجِّهَهُ، فلا تحتقر الشخص، لا تقُل له أنت إنسانٌ سيِّئ، قُل له: هذا السلوك الذي سلكته سلوكٌ سيِّئ، أمّا أنت فإنسانٌ جيد، تُحب الخير وتُحب المعروف، لكنك أخطأت في السلوك.
إذاً أيُّها الأحباب:
أولاً: ينبغي أن نتلقَّى خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيقينٍ، وبأنه وحيٌ من الله تعالى لا يقبَل الشك.
ثانياً: لنقبَل عُذر المُعتذِر، من اعتذر إليك فاقبَل عُذره.
ثالثاً: لا تنظُر إلى الذنب ولكن انظُر إلى صاحب الذنب.
رابعاً: قدِّر حاجات الناس ولا تتجاهلها.
خامساً: التربية عمليةٌ تراكميةٌ وليست لحظيةً آنية.
سادساً: لا تنسَ عمل إنسانٍ أذنب مهما يكن ذنبه كبيراً.
سابعاً وأخيراً: لا ترفُض الشخص ولكن ارفُض سلوكه.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

شهر شعبان هو شهر الاستعداد لرمضان:
أيُّها الإخوة الكرام: دخل شهر شعبان، وهذا الشهر الكريم يسبق شهراً أكرم، وهو شهر رمضان المُبارك، والنبي صلى الله عليه وسلم ما استكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضان، وتقول عائشة:

{ سألتُ عائِشةَ: كيفَ كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصومُ؟ قالت: كان يَصومُ حتَّى نَقولَ: لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتَّى نَقولَ: لا يَصومُ، لم أرَهُ في شَهرٍ أكثَرَ صِيامًا منه في شَعبانَ، كان يَصومُ شَعبانَ كُلَّه إلَّا قَليلًا، بل كانَ يَصومُ شَعبانَ كُلَّه }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فشهر شعبان أيُّها الإخوة، هو شهر استعدادٍ لرمضان، فالذي يزرَع في شعبان يُرجى له أن يحصُد في رمضان، إن شاء الله تعالى، فلنستعد لهذا الشهر الكريم من الآن، ولنجعل هذا الشهر شهر توبةٍ وصُلحٍ مع الله، وشهر ذِكرٍ وعبادةٍ وصلاة جماعة، واستغفارٍ وصومٍ وصدقة، حتى إذا أتى رمضان، استقبلناه من بدايته بالخير والبركة والإحسان.

الدعاء:
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم بارك لنا فيما أعطيت، اللهم قِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، فلكَ الحمدُ على ما قضيت، اللهم لكَ الشُكر على ما أنعمت وأَوليت، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك.
اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك، اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك.
اللهم إنَّا نسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذ بكَ من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كُنّا من الظالمين وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
اللهم بلِّغنا رمضان، اللهم بلِّغنا رمضان، اللهم بلِّغنا رمضان، ونحن في أحسن حال، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المُسلمين.
اللهم فرجك عاجلاً غير آجل، على جميع المسلمين في جميع ديارهم.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفِّق اللهم مَلِك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، والحمد لله ربِّ العالمين.