063-الجهاد كلمة مظلومة

  • 2017-04-05
  • الأردن - عمَّان
  • مسجد الناصر صلاح الدين

063-الجهاد كلمة مظلومة

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يا ربَّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم لك الحمد كله على نعمائك كلها ما علِمنا منها وما لم نعلَم، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله سيِّد الخلق والبشر ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً.

الجهاد ذروةُ سنامِ الإسلام:
وبعد فيا أيُّها الإخوة الكرام: كلمةٌ مظلومة ظلمها أهلوها وظلمها أعداؤها، وكان ظُلمها مُضاعفاً مُزدوجاً، فظلمها البعض بحيث أخذها إلى الجانب الأيمن، وظلمها البعض الآخر حينما أخذوها إلى الجانب الآخر، إنها كلمة الجهاد، ظلمها أهلها يوماً حينما زعموا أنه ليس في الإسلام جهاداً، إرضاءً للأقوياء، رغم أنَّ مُصطلَح الجهاد ومُفرداته وردت في الكتاب والسُنَّة بشكلٍ لا يدَع مجالاً للشك أنَّ:

{ ذروةُ سنامِ الإسلامِ الجهادُ في سبيلِ اللهِ لا ينالُه إلا أفضلُهم }

(أخرجه الطبراني)

ثم ظلمها أهلوها مرةً ثانية، حينما مارسوا الجهاد بطريقةٍ ما أنزل الله بها من سلطانٍ، فدفعوا أعداء الإسلام إلى اتِّهام الإسلام بالتطرُّف والإرهاب، بل إنَّ أعداء الإسلام اصطنعوا جهاداً يضربون الإسلام من خلاله، وهو ما يُعرَف بمُصطلَح تفجير الإسلام من الداخل، فلمّا يئسوا أن يصرفوا الناس عن دين الله، أوهموهم أنَّ في الإسلام جهاداً يعني جزَّ الرؤوس باسم الله تعالى، وقتل الآمنين، واستباحة الديار، وكل ذلك تحت مُسمّى الجهاد.
ظلمنا الجهاد مرةً حينما حذفناه من كتبنا وفِكرنا لنُرضي الأقوياء، بأنّ إسلامنا ليس فيه جهاداً، وظلمناه مرةً ثانية حينما مارسناه بطريقةٍ لا ترضي الله تعالى، وليست من الإسلام ولا من الجهاد في شيء.

معنى الجهاد:
أيُّها الإخوة الكرام: أولاً ما الجهاد حتى نُحرر المُصطلَح؟

معنى الجهاد لغةً:
الجهاد لغةً: بذل الجُهد والطاقة والوسع، كل من يبذُل جُهده في شيءٍ هذا يُجاهد، في أي شيءٍ، في الدنيا أو في الآخرة، في الدنيا أو في الدين، بذل الجُهد جهاداً، هذا لغةً.

معنى الجهاد شرعاً واصطلاحاً:
أمّا شرعاً واصطلاحاً: فهو لا يخرُج عن هذا المعنى بحرفٍ، ومصطلحاتنا تبدأ من اللغة، لأننا نتكلم بلغةٍ عربية، والقرآن أُنزِل بلسانٍ عربيٍ مُبين:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)
(سورة يوسف)

فإذاً لا بُدَّ أن نعقِل المعنى اللغوي.
واصطلاحاً الجهاد هو بذل الجُهد والطاقة لنشر الدين، وإعلاء كلمة الله في الأرض، ونصرة المُستضعفين، هذا هو الجهاد، بذل الجُهد والطاقة لنشر دين الله، وإعلاء كلمة الله في الأرض، ونصرة المُستضعفين والمظلومين.

ما هي حدود الجهاد؟
ما حدود الجهاد؟ كل كلمةٍ لها حدود.
الصلاة: أفعالٌ وأقوال مُفتَتحةٌ بالتكبير مُختَتمةٌ بالتسليم.
الصيام: الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المُفطِرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذه حدود.
ما حدود الجهاد؟ قال يشمَل الدين كله وهو أعمّ من القتال، هناك قتالٌ في سبيل الله، قتالٌ للمُحتل، قتالٌ للظالم، هذا قتالٌ في سبيل الله.

الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)
(سورة النساء)

ورد هذا في القرآن، لكن الجهاد أعمُّ من القتال، مُصطلحٌ أعمّ وأشمل بكثيرٍ من القتال.

كل جُهدٍ يُبذل في الدين هو جهاد:
قال: فكل جُهدٍ يُبذل في الدين فهو جهاد، كل جُهدٍ يُبذل في الدين يُسمّى جهاداً، وطالبوني بالأدلة حتى لا نتكلم كلاماً، ديننا نَصٌّ.
نأتي إلى النصوص: بأنَّ كل جُهدٍ يُبذل في الدين، لنصرة الدين، لإعلاء كلمة الدين فهو جهاد، فهو بذلك يشمَل حياة الفرد والمُجتمع بشكلٍ كامل.
نأتي إلى الأدلة من خلال أنواع ومراتب الجهاد، قال تعالى:

فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)
(سورة الفرقان)

هذه الآية في مكَّة قبل فرضية الجهاد، قبل أن يُفرَض الجهاد القتالي، القتال في سبيل الله، قال: (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).

معنى الجهاد الكبير:
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: (وَجَاهِدْهُم بِهِ) أي بالقرآن، فسمّى الجهاد بالقرآن جهاداً كبيراً، فقراءة القرآن، وتعليم القرآن، وبيان أحكام القرآن، وتعليم القرآن للناشئة الصغار، كل هذا يندرج تحت مُسمّى الجهاد الكبير، الجهاد الكبير يعني أن نتعلم القرآن، أن ننشُر القرآن، أن نُعلِّم القرآن، هذا كما يقول حبر الأُمة وترجمان القرآن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وكما يقول سياق الآيات.
ثم يقول تعالى في آيةٍ أُخرى:

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69)
(سورة العنكبوت)

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: مَن الذين جاهدوا فينا؟ قال: "الذين يعملون بما يعلمون، يهديهم الله لما لا يعلمون".
وقد قيل: "من عَمِلَ بما عَلِم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلَم" هذا جهادٌ دعوي، هذا جهاد النفس والهوى، أن تُجاهد نفسك على فعل الخيرات وعلى ترك المُنكرات.
لذلك جاء قولٌ عن بعض الصحابة، عندما رجعوا من إحدى الغزوات، قالوا: "رجعنا من الجهاد الأصغر - ويقصدون به جهاد القتال في سبيل الله - إلى الجهاد الأكبر" جهاد النفس والهوى.
تدخُل في مُعترَك الحياة، تنزل إلى السوق، تواجه الناس، تحتاج إلى جهادٍ، هذا الجهاد يعني أن تبذُل جُهدك في تطبيق أمر الله، النفس تقول لك شيئاً، والشيطان يقول لك شيئاً، والله يقول لك شيئاً، فحينما تنتصر لأمر الله (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا)، في تطبيق ما علِموا (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) فنُعلِّمهم عِلمَ ما لم يعلموا، كما يقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
ثم في حديثٍ صحيحٍ شريف، يقول صلى الله عليه وسلم:

{ ما من نبيٍّ بَعثَهُ اللهُ في أُمَّةٍ قبْلِي، إلَّا كان لهُ من أُمَّتِه حوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخُذونَ بِسنَّتِه، ويَتقيَّدُونَ بأمْرِهِ، ثمَّ إنَّها تَخُلُفُ من بعدِهِمْ خُلُوفٌ - خلفٌ من بعد هؤلاء الأنبياء - يقولُونَ ما لا يَفعلُونَ، ويفعلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ، فمَنْ جاهدَهمْ بيدِهِ فهوَ مُؤمِنٌ، ومَنْ جاهدَهمْ بِلسانِه فهوَ مُؤمِنٌ، ومَنْ جاهدَهمْ بقلْبِهِ فهوَ مُؤمنٌ، ليس وراءَ ذلكَ من الإيمانِ حبَّةُ خرْدَلٍ }

(أخرجه مسلم)

جهاد الكلمة، هُم يفعلون المُنكرات، فأنت تُجاهدهم بلسانك، تأمُر بالمعروف، تحض الناس على الخير، قال: (ومَنْ جاهدَهمْ) سمّاه جهاداً (بِلسانِه فهوَ مُؤمِنٌ).
قال: (ومَنْ جاهدَهمْ بقلْبِهِ) جهاد القلب، أن يمتنِع عن قبول هذه الأفكار المُضادة للدين، الأفكار المناقضة للشريعة، هذا جهادٌ بالقلب، هناك أُناسٌ ينساقون للمُنكر (ومَنْ جاهدَهمْ بقلْبِهِ فهوَ مُؤمنٌ، ليس وراءَ ذلكَ من الإيمانِ حبَّةُ خرْدَلٍ) أي إنسانٌ لا يُجاهد بيده ولا بلسانه ولا بقلبه، لم يبقَ شيءٌ ليُجاهد به.

بر الوالدين جهاد:
أيضاً أيُّها الإخوة في الحديث:

{ جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَستَأذِنُه في الجِهادِ - الجهاد القتالي، يُقاتل في سبيل الله- فقال: أحَيٌّ والِداكَ؟ قال: نَعَم، قال: ففيهما فجاهِدْ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

فسمّى بر الوالدين وطاعتهما والصبر على ما قد يلحَق بالابن منهما بسبب عمرهما ومرضهما وما إلى ذلك سمّاه جهاداً، قال له: (ففيهما فجاهِدْ).
وفي حديثٍ أخر:

{ السَّاعي على الأرمَلةِ والمِسكينِ كالمُجاهِدِ في سَبيلِ اللهِ، أوِ القائِمِ اللَّيلَ الصَّائِمِ النَّهارَ }

(أخرجه البخاري ومسلم)

إنسانٌ يذهب إلى امرأةٍ أرملة توفي زوجها، يأتي لها بأغراضها، بحاجاتها، بمالها، بما تحتاجه مُبتغياً وجه الله، أو مسكين، قال: (كالمُجاهِدِ في سَبيلِ اللهِ) هذه كلها نصوصٌ صحيحة لا تقبَل التأويل.
لا تظنوا أيُّها الإخوة، أنّي أُريد أن أظلم كلمة الجهاد مرةً ثانية، فأُخرجها فقط إلى هذه الأنواع من الجهاد، قُلت لكم إنَّ أهلها ظلموها فضعُفنا، يوم ألغينا الجهاد القتالي بشكلٍ كامل، لا، هناك جهادٌ قتالي، ولكن لا يُعقَل أن نقصِر كلمة الجهاد على مفهوم القتال فقط، فبيَّنا مفاهيمها العامة.
الآن أخر مفهومٍ من مفاهيم الجهاد، بعد أن يُجاهد الإنسان نفسه وهواه، ويُجاهد بالقرآن، ويُعلِّم القرآن ويتعلَّمه وفق السُبل المُتاحة، هذه كلها لا تحتاج شروطاً، لا تحتاج ولياً ولا رايةً، لأنَّ:

{ مَن خَرَجَ مِنَ الطَّاعةِ وفارَقَ الجَماعةَ فماتَ، ماتَ مِيتةً جاهِليَّةً، ومَن قاتَلَ تَحتَ رايةٍ عُمِّيَّةٍ يَغضَبُ لعَصَبةٍ أو يَدعو إلى عَصَبةٍ أو يَنصُرُ عَصَبةً، فقُتِلَ، فقِتلةٌ جاهِليَّةٌ، ومَن خَرَجَ على أُمَّتي، يَضرِبُ بَرَّها وفاجِرَها، ولا يَتَحاشى -وفي روايةٍ: لا يَتَحاشَ- مِن مُؤمِنِها، ولا يَفي لذي عَهدٍ عَهدَه، فليسَ مِنِّي ولَستُ منه }

(صحيح مسلم)

القتال يحتاج رايةً واضحة في سبيل الله، يحتاج إذن الإمام أو وليّ الأمر الذي يُعلِن الجهاد، هذه الأنواع التي ذكرتها كلها لا تحتاج إذناً من أحدٍ، هي واجبك الشرعي، لكن الجهاد القتالي له شروطه ومُلابساته وله أحكامه.

ظُلِمَ الجهاد بمكرٍ من أعدائه فقصروه على تطرُّفٍ وإرهاب:
الآن أيُّها الإخوة: كيف ظُلِمَ الجهاد من مُنطلقٍ آخر؟ حينما ظلمه أهله بمكرٍ من أعدائه، فقصروه على تطرُّفٍ وإرهاب.
أيُّها الإخوة: يقول تعالى عندما فرض القتال على المسلمين:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)
(سورة الحج)

فجاء الإذن بالقتال من أجل دفع الظلم وردّ العدوان.
في آيةٍ ثانية قال:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)
(سورة البقرة)

هذه آيةٌ واضحة، لكن قد يقول قائلٌ: يا أخي هذه الآية نُسِخَت، يفهمها كذلك، يقول لك: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) هذه في البداية، بعد ذلك قاتلوا الجميع، لا أبداً، تابِع الآية: قال: (وَلَا تَعْتَدُوا) هذا لا يُنسَخ، هذا حُكمٌ شرعي، هل يُنسَخ كلمة لا تعتدوا ليصبح تعتدوا؟! ثم قال خبراً والخبر لا يُنسَخ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) هل يُصبِح الله يُحب المُعتدين يوماً؟! ممكن ربُّنا عزَّ وجل بالقرآن يقول: (لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ثم يُصبِح فيما بعد يُحب المُعتدين!! حاشاه جلَّ جلاله.

الجهاد لم يُفرَض لإجبار الناس على الدخول في دين الله:
فالآية مُحكمة: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) فحينما يُنقَل الجهاد إلى داخل ديار المسلمين إلى أرضهم، فيقتلون بعضهم بعضاً، ويُسمّونه جهاداً باسم الإسلام، هذا أعظم فريةٍ تُلصَق في الإسلام، وهذا ظلمٌ من أعداء الإسلام ومن مكرهم، أنا أعلم ذلك، لكن يُنفَّذ بأدواتٍ من ضِعاف الإيمان من غير المُتعلِّمين للعلوم الشرعية المؤصَّلة كما ينبغي، قال تعالى:

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)
(سورة يونس)

إذاً الجهاد لم يُفرَض لإجبار الناس على الدخول في دين الله، وأنَّ كل إنسانٍ غير مُسلمٍ يُقاتَل، حاشا لله وكلا، (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) يُخاطِب نبيَّه، هذا استفهامٌ إنكاري، يقول له: لا تُكره الناس على الإيمان دعهم وشأنهم، (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).

الجهاد حياةٌ وليس موتاً:
الجهاد أيُّها الإخوة حياةٌ وليس موتاً مثل القصاص تماماً:

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)
(سورة البقرة)

أيضاً إن صحَّ القياس لكم في الجهاد حياةٌ، حتى ينتشر دين الله في الأرض ويعم الخير، أمّا أن يُصبِح الجهاد الذي هو في الأصل ضد الأعداء، يُصبِح تنفيذاً لمكر الأعداء، فوالله هذا أمرٌ ما سمعنا به إلا في هذا العصر، الجهاد شُرِع لصد العدوان، لردع الإعداء، فأصبح بعض المسلمين يستخدمونه، ليُبرِّروا للأعداء استباحة ديار المسلمين باسم الجهاد، وقَتلَهم وتهجيرهم كما يحدُث في بلدان المسلمين أمامنا في العراق وفي الشام وفي غيرهما.
أيُّها الإخوة الكرام:
قال تعالى:

لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)
(سورة الممتحنة)

هل بعد هذا البيان من بيانٍ؟
آيةٌ أُخرى، قال:

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)
(سورة الحج)

وهناك قراءةٌ "ولولا دفاع الله"، لولا أنَّ هناك جهاداً لهُدِّمَت صوامع، والصوامع هي مكان عبادة اليهود، (وَبِيَعٌ) الأمكنة التي يعبُد فيها النصارى أي الكنائس (وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) مكان عبادة المسلمين، (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) إذاً إذا كان مفهوم الجهاد في الأصل لكي لا تُهدَّم بيَعٌ وصلواتٌ ومساجد يُذكَر فيها اسم الله، من أجل أن يُترَك للناس حرية الاختيار، من أجل أن يدين الإنسان ربَّه بما يريد، ويكون الدين كله لله، هذا لا يعني أننا أبداً أبداً حتى لا يُفهَم الموضوع خطأً، أنا لا أقول أننا نُقِرّهم على بيَعهم وكنائسهم لا أبداً، لكن هذا لا يعني أيضاً أننا نُقاتلهم لأنهم يعبدون الله في كنائسهم، فقط أنا لا أُقِرّهم، أنا لا أدعو إلى وحدة الأديان كما يقول البعض، الذين ظلموا الجهاد أيضاً عندما ميَّعوا الدين، يقول بعضهم: نحن وحدة أديان، نحن كلنا دينٌ واحد، لا ليس كلنا دينٌ واحد:

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)
(سورة الكافرون)

أنا مُسلمٌ وأعتز بإسلامي وأعتز بديني، ولا أقبل أبداً أن أنخرِط مع الآخرين، لكن أُعاملهم بالمعروف، وأُعاملهم بالإحسان، وبالمواطنة، وفي دولةٍ واحدة، وأمدُ لهم يد العون، وأزورهم في مناسباتهم الاجتماعية، كقدوم مولودٍ أو تهنئةٍ ببيتٍ جديد، وأَودّهم (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) أنا لا أُحاربه لكن لا أُقِرّه على الشِرك مثلاً، لكن لا أُقاتله، حاشا لله أن أُقاتله، لم يأمُرني الله بقتاله وإن قاتلته فأنا آثم.
أيُّها الإخوة الكرام: انظروا إلى هدف الجهاد في هذه الآية وبها نختم، قال:

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا(75)
(سورة النساء)


الجهاد القتالي:
هذا الجهاد القتالي، نحن تحدَّثنا عن أنواع الجهاد: الدعوي والبنائي وجهاد النفس والهوى، الجهاد الكبير سمّاه الله جهاداً كبيراً، لكن هناك جهادٌ قتالي، الجهاد القتالي قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لماذا لا تقاتلون في سبيل الله؟ قال: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ) هذا هدف الجهاد، هناك مستضعفون (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) إذاً يتوجَّه الجهاد إلى مظانه، عندما يكون هناك أناسٌ مستضعفون، يُمنَعون من إقامة دينهم وشعائرهم، ويحتلون الأرض كما في فلسطين المُحتلة، ويدنِّسون المُقدَّسات، أمّا أن يُلغى هذا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ويتوجَّه الجهاد إلى أرض المسلمين، لتبرير لأعداء الإسلام، أن يستبيحوا ديار المسلمين وأن يعيثوا بها فساداً وخراباً بُحجة أنهم يُحاربون التطرُّف والإرهاب، فنحن نُنفِّذ مكر الأعداء ولا نُنفِّذ الجهاد الذي شرعه الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله.
الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

الدعاء:
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات.
اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كُنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا.
اللهم مَن أراد بالإسلام ودياره وأهله خيراً فوفِّقه لكل خير، ومَن أراد بهم غير ذلك فاشغله بنفسه يا أرحم الراحمين، ورُدَّ كيده في نحره، واجعل الدائرة تدور عليه.
يا ربّي قد عمَّ الفساد فنجِّنا، قلَّت حيلةٌ فتولَّنا، ارفع مقتك وغضبك عنّا، لا تُعاملنا بما فعل السفهاء منّا.
اللهم إنّا نستغفرك ونتوب إليك إنك كنت غفاراً.
اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين أعلِ كلمة الحقِّ والدين وانصُر الإسلام وأعز المسلمين.
اللهم انصُر مَن نصر الدين واخذُل من خذل الدين.
اللهم انصُر إخواننا المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، في فلسطين المحتلة وفي العراق وفي الشام، وفي كل مكانٍ يُذكَر فيه اسمك يا الله، ارفع البلاء عنهم يا أرحم الراحمين وانصرنا على أنفسنا وعلى وشهواتنا حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا.
اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفِّق اللهم مَلِك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد، والحمد لله ربِّ العالمين.