الهداية من الله وحده

  • اللقاء الخامس من تفسير سورة الزمر - شرح الآيات 19-23
  • 2022-02-26

الهداية من الله وحده

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على نبينا الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد.


من أراد السير في الطريق المستقيم فلا يُوفِّقَه إلى الهِدايَة إلا الله وحده:
مع اللقاء الخامس من لقاءات سورة الزمر، ومع الآية التاسعة عشرة من السورة وهي قوله تعالى:

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)
[سورة الزمر]

قُلنا: إن سورة الزُّمَر موضوعها العام هو التَّوحيد، وهذه الآية تتصل بالموضوع العام للسورة وهو التَّوحيد، وبأنه لا يهدي إلا الله.
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له تعالى في آيةٍ أخرى:

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
[ سورة الشورى ]

بمعنى أنه أُرسِلَ لِيَدُلَّ الناس على الطريق المستقيم، لكنه لا يملك أن يُجبِرَهُم على الهِدايَة لأن الإنسان مُخَيَّر، و إذا أرادوا السَّير في الطريق المستقيم فلا يُوفِّقُهُم إلى الهِدايَة إلا الله وحده، لذلك في آيةٍ ثالثة قال له:

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)
[ سورة القصص ]

المُخَيَّر يستطيع أن يَسلُك أي الطريقين يريد
فالنبي صلى الله عليه وسلم بِنَصِّ هذه الآية لا يستطيع أن يُنقِذَ أحداً من النار، إذا حَقَّت عليه كلمة العذاب، فمن اختار طريق النار فسيصل إلى النار، ولن يستطيع أحدٌ أن يُزَحزِحَه عن هذا الطريق، لأنه مُخَيَّر، فالمُخَيَّر يستطيع أن يَسلُك أي الطريقين يريد، هذا هو التَّخيير، أن يسَلُك هذا وذاك، فقال له: (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) هذا استفهامٌ إنكاري، أي لن تستطيع أن تُنقِذَه من النار إذا حَقَّت عليه، حَقَّت أي ثَبُتَت ووجبت، من حَقَّ يَحقُّ إذا ثَبَتَ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ورد أن هذه الآية نزلت في أبي لهب، وأتباعه، وعشيرته ممن لم يهتدوا، فهؤلاء استحقوا من الدنيا النار، قال تعالى:

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
[ سورة المسد ]

لأن الله عَلِمَ ما كان وما سيكون، فعلم أن هؤلاء لن يهتدوا بعِلمِه المُطلَق، ليس جَبْراً وإنما كَشْف، كشف أنهم لن يهتدوا لأنه صاحب العِلم المُطلَق:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
[ سورة البقرة ]

فقال: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) ما قال: حَقَّت عليه كلمة، الفاعل هو كلمة وهو مؤنث، فالمتبادر إلى الذهن أن يكون الكلام حَقَّت عليه كلمة، حَقَّ جاءت للمضاف إليه وهو العذاب، أي حَقَّ العذاب، لأن الأصل هو العذاب، فجاءت مُذَكَّرَةً لتناسب تذكير المضاف إليه، وجاءت كلمة بينهما لتُبَيّن أن هذا قرارٌ صدر من الله تعالى، كلمة أي قرارٌ صادرٌ وإرادةٌ إلهيةٌ لا يمكن تغييرها، فهذا حَقَّ عليه كلمة العذاب، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم:

{ مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا، فَلَمَّا أضاءَتْ ما حَوْلَها جَعَلَ الفَراشُ وهذِه الدَّوابُّ الَّتي في النَّارِ يَقَعْنَ فيها، وجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فيها، قالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي ومَثَلُكُمْ، أنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فيها }

[ البخاري ]

الحشرات تُلقي نفسها في النار تُهلِكَ نفسها وهي تظن أنها تستضيء بالنار. قال أنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ الحُجْزَة هي موضع الإزار، أنا آخِذٌ بحُجَزِكُمْ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يمنع هؤلاء المنحرفين من السقوط في النار لكنهم يسيرون في هذا الطريق ويهوون في نار جهنم، فلا يستطيع أن ينقذهم، رحمته تريد ألا يقعوا في النار، كمثل الفَراش والذُّباب الذي يأتي ويقع في النار، وصاحب النار يحاول أن يبعد الفَراش والذُّباب لكنهن يقعن فيه، إصرار، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم:

{ كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟ قالَ: مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّة، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى }

[ البخاري ]

أي هو بعصيانه كأنه يقول: لا أريد الجنة، فلا أستطيع أن أُنقِذَه من النار، لأنه رفض الجنة بلسان حاله لا بمقاله، فيقول له: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) أفأنت تُنقِذُ من في النار؟ استفهامٌ إنكاري أي لا تسطيع أن تُنقِذَه إذا صَدَرت الإرادة الإلهية والقرار المُحكَم لأنه من أهل النار نتيجة ما قَدَّم وما عَمِل.

طاعة الله وقاية من عذابه:
ثم يقول تعالى:

ٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)
[ سورة الزمر ]

لكن: حرف استدراك. ما معنى استدراك؟ استدراك كأنك تتحدث بشيء ثم تستدرك، تعود قليلاً إلى الوراء، لكن: هنا لماذا الاستدراك؟ للدلالة على البُعد بين الفريقين، أي فريق النار انتهى الحديث عنه (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)، انتهينا منه، (لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) وكأنهم في وادٍ آخر بعيد، ليسوا مع هذا الصنف فجاء بـ (لكن) الاستدراك.
تقوى الله أن يُطاع فلا يُعصى
(لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) طبعاً تقوى الله أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكَر فلا يُنسى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر. وأصل التقوى من الوقاية، أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يقابله شيئاً يقيه إياه، ألا ترون مثلاً العامل الذي يَلحم الحديد مع بعضه، يمسك بيده واقياً شفافاً ويعمل، لماذا جعل هذه الوقاية؟ حتى لا تصيب شَرر النار وجهه، فيُمسِك الوقاية، هذه هي الوقاية، أن تجعل بينك وبين الشيء وقايةً.
فعذاب الله يحتاج أن تتَّقِيَه بطاعة الله عز وجل، أن تجعل بينك وبين العذاب وقايةً، هذا معنى التقوى، والتقوى أحياناً تُنسَب إلى النار فيقال: اتَّقى النار، أي جعل بينه وبينها وقاية، وتُنسَب أحياناً إلى الله، فيقال: اتَّقى الله تعالى لأن الله هو الذي يُعَذِّب جل جلاله.
(لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) وأشار هنا إلى الرُّبوبِيَّة، ليذكرَهُم بفضل الله عليهم، لأنه الإله الذي يستحق أن تتَّقِيَه، الرَّب الذي يُمِدُّك بما تحتاجه.

وصف النار والجنة:

لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)
[سورة الزمر]

غرفٌ جمع غرفة، والغرفة تسمى غرفة وتسمى العُلِّيَّة، وهي شيء يُبنى فوق شيء، الغُرفَة.
(لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ) يوجد مقابل ما ورد بالحديث عن أهل النار كما لاحظنا:

لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)
[سورة الزمر]

هؤلاء الذين في النار، (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، أحاطت بهم الظُلَل من كل جانب.
الحديث عن نعيم أهل الجنة في القرآن
هنا (غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ) وقال: مَبنِيَّة، أي مؤسسة في الأرض ليست في الفضاء وإنما لها أساسات مَبنِيَّة، هؤلاء المتقون الغُرَف التي تحت لهم والغُرَف التي فوق لهم، أهل النار (مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) فلا يُفلِتون من النار، هنا يتنقل بين الغرف:

لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)
[سورة الزمر]

الغُرَف السفلية تجري من تحتها الأنهار، وهذا من أبدع الصور التي يُكرِّرُها القرآن الكريم في الحديث عن نعيم أهل الجنة، أي لو زار الإنسان القصور التي كانت في الأندلس، ورأى الأنهار تجري من تحت الأبنية لعَلِمَ ماذا يعني هذا المعنى، ولو قرأ قوله تعالى، سليمان لمَّا:

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
[ سورة النمل ]

بلقيس لما دخلت ظنَّت أنها تدخل في نهر، فكشفت عن ساقيها لئلا تبتل ثيابها، لكن في الحقيقة صرح مُمَرَّد من قوارير والماء تحته، فهذا من أبدع الصور.
أحياناً تكون في مزرعة مثلاً، وصاحب المزرعة صاحب أذواق، وعنده مال فيجعل في الحديقة شيئاً من الزجاج الصافي، وتحته ماء على مساحة ضيَّقة، فما بالك إذا كانت الغُرَف هذه كلها تجري الأنهار من تحتها؟! و لمَّا قال من تحتها يوجد بآيات أخرى:

السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
[ سورة التوبة ]

لكن من تحتها يدل على أن النَّبع في مكان آخر وجرى النهر تحته، لمَّا قال في آية أخرى: (تَجْرِي تَحْتَهَا) إذاً أيضاً يوجد نبع تحت الجنات.

اليقين أساس في ديننا:

كِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)
[سورة الزمر]

لا يُخلِفُ الله وعده
هنا (وَعْدَ) منصوب على المصدر مفعول مطلق، كأن تقول: كتب كتابةً، وَعدَ وَعداً، وَعدَ وَعْدَ الله، فهي مفعول مُطلَق لفعل محذوف.
(وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) هذا المصدر الميمي بمعنى الوعد، لا يُخلِفُ الله وعده، هذا مصدر ميمي على وزن مِفعال. فإذا وعد الله تعالى فلا يُخلِفُ الله الميعاد.
إذا كان هناك إنسان وعَدك بشيء تقول: أنا أظن على حسب معرفتي به 90% سَيُوَفِّي، إذا قال: عندي، انتهى، اطمئن، إذا قال لك: فُلان آخر قال، تقول: والله فُلان يَعِد ولا يَفي، يُخلِفُ وعده، لا أظن أنه سيفي بوعده، إذا ثالث معروف بأنه لا يفي بالوعود تقول له:
زَعِمَ الفِرَزدَق أن سيقتل مِربَعاً... أبشِر بطول سلامةٍ يا مِربَع
{ جرير }
لن يُصيبَك شيء لأنه يتكلم من دون أن يُنَفِّذ، فحسب القائل، فإذا كان يقول لك: وَعدَ الله، لا يُخلِفُ الله الميعاد، والله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، فنحن عندنا الجنة يقين ليست ظناً، نحن الجنة عندنا يقين وليست ظَنَّاً، هؤلاء الشَّاردون عن الله:

وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
[ سورة الجاثية ]

المؤمنون موقنون:

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
[ سورة الروم ]

الذي لا يوقِن يَستَخِفُّك، يلعب بمشاعرك، بعواطفك، بدينك، بمبادئك، بِقِيَمِك، تصبح خفيفاً بين يديه.
فاليقين أساس في ديننا.

أنواع اليقين:
عندنا عِلم اليقين وعَيْن اليقين وحَقُّ اليقين.
عِلم اليقين: أن تعلم يقيناً أن هذا الشيء سيحصل، يقين مئة بالمئة، لكن عَين اليقين أن تراه بعينك. لكن حَقّ اليقين أن تصبح معه، تُعايِشُه بجميع حواسك.
أي إذا رأيت دُخَاناً من خلف الجدار، عِلم اليقين أن تقول: لا دُخان بلا نار، فأنا مُتَيَقِّن أن هناك ناراً خلف الجدار، فلما خرجتَ وجئتَ إلى خلف الجدار رأيت بعينك هذا عين اليقين، ثم:

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)
[ سورة التكاثر ]

أما حَقِّ اليقين فقد قال:

وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)
[ سورة الحاقة ]

أن تضع يدك في النار فتحترق، هذا حق اليقين. فنحن الآن عندنا عِلم اليقين بالجنة والنار، ولا أبالغ إذا قلت: ينبغي أن يكون عندنا ما يقارب من عين اليقين وكأننا نرى الشيء بأعيننا:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6)
[ سورة الفجر ]

لأن الله عندما يُحَدِّثُنا عن الجنة والنار وكأنه يُصَوِّر لنا المشهد، وكأننا نراه رأي العين:
بقي حق اليقين: أن ينعم الإنسان بالجنة، وأن يعيش في جنباتها:

وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)
[ سورة الحاقة ]

فهنا (وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) يقين.

أدلة على وحدانية الله ووجوده وكمال خَلْقِه:
ثم يقول تعالى:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)
[ سورة الزمر ]

(أَلَمْ تَرَ) هذه دعوة للنظر والتأمل، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هنا سيسوق ربنا جلّ جلاله عدة أدلة على وحدانيَّتِه وعلى وجوده وعلى كمال خَلْقِه، عدة أدلة من خلال آية واحدة من آياته، لكن في داخل الآية عدة أدلة، انظروا إلى هذه الأدلة:
الرؤية تكون بالبصر وتكون بالبصيرة
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هذا المشهد الذي ألِفْنَاه، أمس كان ممطراً، أي الوضع طبيعي، استيقظنا نظرنا من النافذة وجدنا المطر يهطل، الحمد لله، لكن ربنا عز وجل يقول لك: (أَلَمْ تَرَ)، أي انظر بعين قلبك لا بعين بصرك فقط، بل بالبصيرة، الرؤية تكون بالبصر وتكون بالبصيرة، أنت تقول: رأيت المصحف ببصري، لكن تقول: رأيت الله أكبر من كل شيء، رأيته بقلبي، فهناك رؤية القلب ورؤية البَصَر. فــ (أَلَمْ تَرَ) ينبغي أن تكون الرؤيا بالعين وبالقلب معاً، فعندما تنظر وتجد السماء تُمطِر لا تألَف هذا المشهد، لا تألَفُه وإنما تنظر في عظيم صُنْعِ الله تعالى فيه، (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) أي بدءاً بهذه السَّحَاب الثِّقال كيف يُوجِّهُها الله، يسوقها إلى بلدٍ مَيِّت فَيُنِزل المطر، كيف درجات الحرارة، سرعة الرياح، المسافات بيننا وبين الغُيوم، المسافات بين الغُيوم، التَّصَادُم بين الغُيوم، الشَّحنات، البَرق، الرعد، آيات كثيرة، أجملها المولى جل جلاله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً).
(فَسَلَكَهُ) هذه الآية الثانية، سَلَكَهُ: أدخله، أنت الآن عندما تنزل المطر يمكن ألا يَسلُكَهُ أي ألا يدخل في الأرض، أن يَنسَاح على الصخور المَلساء ويذهب ولا ننتفع به، ممكن، لكن الآية الثانية (فَسَلَكَهُ) أي أدخله، سَلَكَهُ أي أدخله داخل الأرض، جعله سالِكاً أي جعل له مدخلاً في الأرض وإلا لما كان هناك مياه جوفَيَّة ولا سطحيَّة - أنهار - لمَّا سَلَكَهُ سواءً بممَرَّات تراها بعينك أو بمَمَرَّات لا تراها بعينك، المياه الجوفَيَّة، هذه الآية الثانية.
ثم قال: (يَنَابِيعَ) هذه الآية الثالثة، جمع ينبوع وهو ما يتفجر من داخل الأرض، لو أنه سَلَكَهُ، ثم غار في الأرض، ولم يستقر في خَزَّانات ومستودعات مُحكَمَة لما انفجر ينابيع في الوقت المناسب أو في الآبار عندما تحفر البئر، (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ) هذه الآية الثالثة (يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ).
(ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا) هذه الآية الرابعة (يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا) فالماء نزل لكن من قال لك أن يَنبُت الزرع؟ يمكن أن يُخَزَّن وتنتفع به مثلاً بالشراب لكن لا تنتفع به بالزَّرع، يُخرِج جل جلاله زَرعاً هذه الآية الرابعة.
الآية الخامسة قال: (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ)، الأرض واحدة، والماء واحد، والألوان مختلفة، ألوان الزَّهِر مختلفة، ألوان الثمار مختلفة، ألوان الأوراق مختلفة، تنظر حتى اللون الأخضر، هناك أخضر بآلاف الدَّرجَات في النبات، آلاف مُؤلَّفَة من الدَّرَجات تنظر فترى من الفاتح جداً إلى الغامق، هذا الأخضر وحده فما بالك بالأزهار مثل الأصفر والزهري والأحمر؟! (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) ثم الثمار تجد منها عدة ألوان، مثلاً ثمرة التفاح بألوانٍ حمراء وصفراء وخضراء، وتجد البرتقال، وتجد غيره من الفواكه، (زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) رغم أن الماء واحد والأرض واحدة.
قال: (ثُمَّ يَهِيجُ) يهيج من هاجَ يُقال غالباً لعالم الحيوان، هاجَ الثور مثلاً، هو يُقال حتى للإنسان إذا هاج من حركته الشديدة، يهوج أو يهيج، بالعامِيَّة يهوج، هاجَ يهيجُ، فيهيج أي ينمو ويرتفع، (فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا) بعد حين يبدأ فصل الخريف، يعطي الثمار الآن فتراه مُصفَرَّاً ذابِلاً.
(ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) الآية السابعة والأخيرة، (يَجْعَلُهُ حُطَامًا) أي مَحطومَاً، حُطاماً على وزن فُعَال، بمعنى مفعول محطوم، أي يَحطِمُ بعضه بعضاً، مُكَسَّر في الأرض، انتهى الموسم إلى الموسم الجديد.
هذه آيات دالة على عظمة الله، وعلى وحدانِيَّتِه، وعلى كماله.

كل شيءٍ في الأرض له منفعتان ؛ مادية محدودة وأخروية غير محدودة:
الألباب هم أولو العقول الراجحة
هذه الآيات نفسها، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ) يتذكر (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) تحدثنا عن أولي الألباب في اللقاء الماضي، الألباب صاحب الُّلب، يقول: أولو العقول الراجحة أي الذي ينتفع، أولو الُّلب، الُّلب هو الإنسان الذي ينتفع مما يرى، لا أقول أن ينتفع النَّفْع المادي لأن كل الناس ينتفعون النَّفْع المادي، المجنون ينتفع النَّفْع المادي، والمخلوقات الأخرى تنتفع النَّفْع المادي، لكن أولو الألباب الذين ينتقلون من المَنفَعَة المادية إلى تَذَكُّر عظمة الله عز وجل من خلال المَنفَعَة المادية، لأن كل شيءٍ نُبصِرُه في الأرض له منفعتان: مادية محدودة، وأخروية غير محدودة.
أنت اليوم إذا أمسكتَ تفاحةً بِيَدِك الفائدة المادية المحدودة أن تتمتع بطعمها الحلو، وهذا أيضاً آية من آيات الله، أنت تمسك التفاح، أقول لك: ما طَعمُ التفاح؟ تقول لي: حلو، خذ الخوخ تقول لي: حلو، والدُّرَّاق تقول لي: حلو، صف لي إياه بغير كلمة حلو، التفاح تفاح، والخوخ خوخ، والدراق دراق، هل لديك وصف آخر؟ لا، فقط حلو، هذا الحلو مثل هذا الحلو؟ لا.

وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)
[ سورة الرعد ]

هذه لم تأت هنا، هذه آية، الأُكُل مختلف، صِفْهُ؟ والله لا أستطيع أن أصفه، ذقه لتعرف، لا يوجد وصف آخر، طعم تفاح فقط، المشترك أنه حلو، تلك حامض بعض الفواكه الأخرى، لكن لا أستطيع أن أصف لك غير ذلك، هذه آية، (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).

حال الناس مع الوحي:
هذه الآيات التي يُذَكِّرنا بها الله تعالى من الكون تشبه تماماً حال الناس مع الوحي، سيأتي الآن حال الناس مع الوحي، كيف حال الناس مع الوحي؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ذكر:

{ مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنْها نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الماءَ، فأنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنْها أجادِبُ، أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بها النَّاسَ، فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأَصابَتْ مِنْها طائِفَةً أُخْرَى، إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذلكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ، ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بذلكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذي أُرْسِلْتُ بهِ ) }

[ متفق عليه ]

النبي صلى الله عليه وسلم جاء معه هدىً من الله وعِلم، كَمَثَلِ الغَيْثِ، المطر. غيث نزل من السماء، فكان الناس فيه على طوائف ثلاثة، الآن سأذكر الحديث بالمعنى، حتى أُفَصِّل الموضوع، فكانوا طوائف ثلاثة؛ النبي صلى الله عليه وسلم يذكر هذه الطائفة الأولى والثانية والثالثة.
الطائفة الأولى: قَبِلَت الماء وأنبتَت الكَلَأ والزرع، أي الأرض تَلَقَّت ماء السماء انتفَعَت به وأنبتت به الكَلَأ.
الطائفة الثانية: وصفها النبي صلى الله عليه وسلم قال: أجادِب، جمع جَدبَاء، أرض جدباء، هذه أمسكت الماء لكن لم تُنبِت الكَلَأ، فانتفع به قومٌ آخرون، فسقوا وزرعوا. هذا إنسان صاحب عِلم قَبِلَ العِلم لكن لا يوجد عنده فِقه، ما تعلَّم فهو ما انتفع بالوحي منفعة كاملة، انتفع مَنفَعَة جُزئيِّة لكن لمَّا أمسكه نقله إلى غيره، وكان مصدر خير للناس وليس مصدر شر، انتفع قومٌ آخرون فَسَقَوا وزرعوا كما يقول صلى الله عليه وسلم.
الطائفة الثالثة: يقول صلى الله عليه وسلم: قِيعَان لا أمسكتْ الماء ولا أنبتت العشب. هذا ما انتفع بالماء، الماء نزل وذهب، لا انتفع به ولا نفع به غيره، فيصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جاءه الهُدى فلم يرفع به رأساً، ما انتفع به أبداً.
هذا المشهد الذي وصفه الله تعالى في القرآن الكريم عن الذين قَبِلِوا الهُدى، يُشبِهون الأرض بهذا الشكل، لذلك تتناغم هذه الآية مع الآيات الأخرى بهذا الإطار وتتناغم مع ما بعدها.

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)
[سورة الزمر]

نزل الغيث فَتَلقفَه، يشبه حال الأرض تماماً، شَرَحَ في الأصل يقولون في علم التَّشريح لأنه يكون شَرح اللحم ورأى ما تحته، يُشَرِّح، فالشَّرْح هو شَقُّ اللحم في الأصل. (شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ) كِناية عن قبول الحق وكأنه فتح صدره للحق.
الإسلام خيرٌ مما سواه
(أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) كأن الله تعالى يقول لك: هذا الذي شَرَح الله صدره للإسلام هل هو كغيره من القاسية قلوبهم التي سيأتي بعد حين ذِكرُها؟ هذا في التَّتِمَّة، أو ما سبق ذكره من الذين خسروا من فوقهم ظُلَل ومن تحتهم ظُلَل، وهذا يسمونه: استفهام تقريري. الأول استفهام انكاري الذي ورد معنا قبل قليل، قال: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ؟ أي لن تُنقِذَ من في النار. هذا تقريري، (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) هذا الذي شرح الله صدره للإسلام يُقَرِّر أن هذا خيرٌ مما سواه، تقرير.
(أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) الصدر في داخله القلب:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
[ سورة الحج ]

فلمَّا يشرَح الله الصَّدر للإسلام أي يدخل النور إلى القلب، نور الحق، (فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) كنَّى عن الهُدى بالنور، لأن النور واضح، النور ترى به الأشياء على حقيقتها بينما يُكَنِّي عن الضلال بالظُّلُمَات، ظُلُمات بعضها فوق بعض.

مقارنة بين أهل النور وأهل الضلال:

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)
[سورة الزمر]

الويل هو الثُّبور والهَلاك والشَّقاء، وقيل: إن في جهنم وادٍ يقال له: الويل. لكن أصل الويل هو الثُّبور والشقاء والهَلاك.
(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) انظر لمَّا قال على نورٍ أولئك في ضلالٍ، المقارنة.
قلت لكم سابقاً: دائماً الهُدى (على)، النور (على)، التقوى (على):

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)
[ سورة التوبة ]

لأن (على) تُفيد الاستعلاء، فهذا الذي يكون في الحق والخير يكون مُتَمَكِّناً منه، مُستَعلِياً به، لا أقول: مُتَكَبِّراً، لا، المؤمن لا يتكَبَّر، لكن هو بوضع طبيعي عندما يكون على هدُى فهو أصبح فوق:

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
[ سورة آل عمران ]

التقييم هو تقييم الله لا تقييم البشر
الوضع الطبيعي أن المُهتدي هو فوق، ولو وجدتَ أهل الضلال بالدنيا قد عَلَوا وأصبح لهم شأن، واستقبلهم الإعلام، وبُسِطَت لهم البُسَط الحمراء، لا تلتفت، هذه دينا، لكن عند الله من الذين فوق؟ أهل الهدى. فأنت فوق بتقييم الله لا بتقييم البشر، وبتقييم المُنصفين من البشر.
المُنصِف الحقيقي الإنسان الصحيح السَّوي السليم، يرفع أهل الهدى ويضع أهل الضلال، البعيد المُنحِرف هذا لا يُقَيِّمُك، ولست بحاجة إلى تقييمه فلا تلتفت له، فلمَّا يقول: (عَلَىٰ نُورٍ) ثم يقول: (أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ) لأنهم غارقون في ضلالهم، فالضلال لا يُتَمَكَّن منه ولا يعلو الإنسان به، وإنما يغيب في داخله، ويأكله الضلال أَكْلاً، (أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وبالمقابل أولئك على هُدىً وهنا (عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ).
(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي ضلال واضح، بَيِّن، لا يخفى، لا يستطيع الإنسان أن يُنكَره، لكن هم لِبُعدهم عن الله ظنوا أنفسهم على خير وهم غير ذلك.

من غَفَلَ عن الله أصبح قلبه كالصخر الأصَمّ:
(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وقالوا هنا (من) بمعنى عن، أي قسا قلبه عن ذكر الله، فالقلب كيف يقسو؟ قال تعالى:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
[ سورة البقرة ]

إذاً الحجارة خيرٌ من قلوبكم، لأن الحجارة مهما كانت قاسية لكنها تتحرك عند ذكر الله:

لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)
[ سورة الحشر ]

أما الإنسان إذا غَفَلَ عن الله أصبح قلبه كالصخر الأصَمّ، ما معنى الأصَمّ؟ أي لا يقبل شيئاً.
أصم لا يدخل شيء في داخله، هناك صخور ليست صماً، يدخل في داخلها الماء لها بعض المَسالِك، أما الصخر الأصَم فهذا حتى لو جاء الماء عليه فإنه يسيل ولا ينتفع الصخر منه شيئاً، هذا الصنف الثاني من الوحي، الصنف الأول: شرح الله صدره للإسلام، هذا يشبه عندما يجعله حُطامَاً لم يعد هناك شيء لا ينتفع.

القرآن الكريم أحسن الحديث:

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)
[سورة الزمر]

كيف بالمقابل قلنا قبل قليل: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هنا: (نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، نَزَّلَ غالباً تأتي مع القرآن بإفادة التَّتالي في النزول، غالباً كاستخدام قرآني، غالباً نَزَّلناه أي نَزَل مُنَجَّمَاً مُفَرَّقاً، أما قوله تعالى:

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)
[ سورة القدر ]

قيل: هذا النزول الواحد من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم:

نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿194﴾
[ سورة الشعراء ]

يوجد (نزول) ويوجد (تَنَزُّل)، فهنا(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، الحديث غالباً يطلَق على الأخبار في اللغة، أي الأمر والنهي لا يقال له حديث.
إذا قلت لك: ادرس، هذا ليس حديثاً، لكن لو قلت لك: سأروي لك قصة من القصص، هذا حديث.
القرآن الكريم أحسن الحديث
لو قلت لك: آيات كونية، هذا حديث، أما الأمر والنهي فلا يسمى حديثاً، الله تعالى يسمي القرآن في أكثر من آية حديثاً، لأن ما تنظر فيه من أحاديث سواءً القصص السابقة تعتبر بها، الآيات الكونية تلفتك إلى الله، فهو أحسن الحديث، أي حديث تتحدثه هناك أحسن منه، لكنه ليس أحسن من حديث الله تعالى، الذي يُحَدِّثُك به عن الأمم السابقة، عما سيأتي من الجنة والنار، عن الآيات الكونية.

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا) هذا أحسن الحديث هو الكتاب.

القرآن كله متشابه لأنه من عند الله:
(كِتَابًا مُتَشَابِهًا) ما معنى متشابهاً؟ إنسان يكتب روايات، عنده عشر روايات، ومشهور بكتابة الروايات، تسأل مئة إنسان: أي رواية أجمل من روايات هذا الكاتب؟ يقول لك: الرواية التي اسمها كذا.
تقريباً يُجمِع الناس على أجمل رواية له، بعض الناس يختلفون حسب علاقته هو بالرواية، الآن داخل الرواية تقول له: أي فصلٍ أجمل: يقول لك: الفصل الثاني جميل جداً مؤثر جداً أبدع به الكاتب، الباقي أقل.
التشابه في القرآن الكريم
ليس الحديث متشابهاً بل متفاوتاً، فهناك عند البشر، أو حتى الكاتب نفسه يكتب كتاباً وهو في الثلاثين من عمره، عندما يقرؤه وهو في السبعين يقول لك: هذا كلام مبتدئ، أنا لا أحب أن أقرأه، أجد نفسي كنت جداً بسيطاً لمَّا كتبته، الآن تغير لأن خبرة الإنسان حادثة، فمن حين إلى حين يُبَدِّل ويُغّيِّر بأدواته وكتاباته، وأسلوبه وخطابه: حتى المتكلم يقول لك: أنا حضرت كلاماً لي قبل عشر سنوات لا أجد فيه نفسي الآن، أجده بسيطاً جداً بالنسبة لما أتكلم به الآن. فلا تجد تشابهاً في الحديث.
يقولون إذا كان الوجه جميلاً: وجه متشابه أو مُقَسَّم، مُجَّزأ. كيف وجه مُقَسَّم؟ العرب تقولها، أي كل قسمٍ منه يشبه القسم الآخر في جماله، أما أحياناً تقول: والله هذا الوجه سبحان الخالق! العينان جميلتان، لكن الفم غير جميل مثلاً، أما الوجه المُقَسَّم ففيه كل جزءٍ يشبه الآخر في جماله، فعندما تقرأ في كتاب الله تعالى لا تجد من تفاوت، أي لا تقول: هذه السورة أجمل من تلك السورة، نعم قد تقول: أنا أتأثر جداً بهذه السورة لتجربة معها، قرأتها في العُمرَة.
الثاني يقول: والله إن سورة البقرة مُحَبَّبَة إلى قلبي، أقرؤها كل يوم، هذه طبائع البشر، لكن كبلاغة بلاغة المضمون، نوع الخطاب، الكلام، الأسلوب متشابه، أينما تقرأ تجد البراعة نفسها، واللغة العظيمة نفسها، والإعجاز نفسه.
وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة كما قال الوليد بن المغيرة وهو مُشرِك لكنه قال كلمة حق، والقرآن الكريم لا يَخلَقُ على كثرة الرَّد لا يُمَل منه، أي كتاب تقرؤه مرة مرتين ثلاث تقول: كفى، إلا كتاب الله فإنك كلما قرأته زادك، لأنه كريم، كلما أعطيته أعطاك أكثر مما أعطيته، تعطيه نصف ساعة من وقتك فيُعطيك خيراً كثيراً أكثر من وقتك الذي أعطيته، كريم، قرآنٌ كريم.
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) هذا معنى المتشابه، والخَلْق أيضاً، خَلْق الرحمن متشابه، ما ترى في خَلْق الرحمن من تفاوت، لا تقول: هذا الإنسان من طراز 1970، الآن يوجد أحدث، هو نفسه الإنسان لم يتغير. الكُليَة بمكانها، والكبد بمكانه، والوظائف نفسها، لا يتغير الطراز، ولا تقول: هذا النبات كان شيئاً وأصبح شيئاً، ولا هذا الحيوان، الله تعالى خلق خَلْقاً كاملاً، الحجم ليس له علاقة، لا تقول: والله الإعجاز في خَلْق الحوت يا أخي أضخم بكثير من البعوضة، لا، يوجد إعجاز بخلق الحوت، وهناك إعجاز بِخلْق البعوضة لا يَقل عن خَلْق الحوت، وأحياناً الدقة والعَظَمَة في الصِّغَر وليست في الكِبَر، لكن هنا في الصِّغَر وفي الكِبَر، تنظر إلى الحوت ترى فيه العظمة، ترى البعوضة تقول: هذه عظمة، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، وفي كلامه لا ترى من تفاوت، قال:

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)
[ سورة النساء ]

كان يقول لك: هذه السورة حلوة، تلك لا بأس، لو كان من عند غير الله، لأنه من عند الله فكله متشابه.

القرآن الكريم يُكَمِّل بعضه البعض:

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)
[سورة الزمر]

(مَثَانِيَ) قالوا: إن الآية تنثني عن أختها فتُفَسِّرُها، فتجد القرآن يُكَمِّل بعضه البعض، والمثاني أحياناً أن فيه تأكيداً وتكراراً للأوامر والنواهي وكأنها اثنان اثنان، مَثنى جمع، المثاني جمع مَثْنى، وقيل: جمع مُثَنَّى وكلاهما صحيح، فالمَثاني تجد الأوامر مُكَرَّرة لكن بصيغ مختلفة في أماكن مختلفة تؤدي معانٍ مختلفة، فتجد الأمر في التقوى في كتاب الله في عشرات الآيات، ولكن كل مرة بأسلوب وبسياق مختلف حتى في النهاية يحصل لك التقوى.

علاقة اقشعرار الجلد بتأثر القلب:
(تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) الجلد عندما يَقشَعِر يتجَمَّع على بعضه أثناء البرد أو الصدمة أو الخوف أو المشهد المؤثر فيَقشَعِر الجلد، واقشعرار الجلد دلالة على تأثر القلب، فلا يقشعر الجلد إلا إذا تأثر القلب، فجاء هنا بالأثر.
(تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) هنا (منه) بمعنى لأجله، أي تَقشَعِرُّ منه جلود الذين يخشون ربهم، (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) فالمؤمن إذا سَمِعَ ذكر الله، سَمِعَ القرآن مَثَلُه كمثل الأرض التي تتلقى الوحي والغيث وتنتفع به وتُنبِتُ به الخير والكَلَأ.

تعلق مشيئة الله في الهدى برغبة الإنسان:
الهدى هو هدى الله
(ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) هذا المعنى تحدثنا عنه كثيراً لكن باختصار الهدى هو هدى الله، ولا هدى إلا هدى الله، وأي إنسان يرسم لك طريقاً يُوهِمُك أنه طريق هدى وليس مُسَتَمَدَّاً من وحي السماء فهو طريق ضلال، أقصد بالهدى الهدى الإيماني، لمَّا يرسم لك طريقاً للنجاح في التجارة، هذا أمر آخر، له أسبابه ومعطياته، ونحن - المسلمين - نضيف له المعطيات الإيمانية من التوكل وحُسن المعاملة وغير ذلك، لكن هو يرسم لك وفق معطياته، لكن أي إنسان يرسم لك طريق الهدى الإيماني يقول لك: هذا يُنَجِّيك من عذاب الله، إذا لم يُستَمَد من كتاب الله:

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)
[ سورة آل عمران ]

(ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) من يشاء من العباد، والمعنى الأرجح المناسب دائماً للسياق يهدي به من يشاء الله تعالى.
لكن قلنا دائماً: مشيئة الله في الهدى تأتي بناءً على رغبتك، فالذي يريد الهداية يشاء الله له الهداية، والذي يريد الضلال يشاء الله له الضلال.

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36)
[سورة الزمر]

فإذا أضلَّ الله عبداً ضلالاً جزائياً مَبنيَّاً على ضلالٍ اختياريٍّ سابق، فلن تجد له من يهديه، لذلك قال تعالى لنبيه:

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)
[ سورة القصص ]

والحمد لله رب العالمين