نظر .. أثر .. خبر
نظر .. أثر .. خبر
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذريِّة سيدنا محمدٍ، وسلِّم تسليماً كثيراً. |
مقدمة:
| وبعد فيا أيُّها الإخوة الأحباب: في صبيحة يومٍ من أيام مكَّة، استيقظ الناس على خبرٍ قد انتشر في صحراء مكَّة، يدور في مكَّة حديثٌ عن أنَّ رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم، قد أُسرِيَ به إلى بيت المقدس، والناس بين مُصدِّقٍ ومُكذِّبٍ ومُشكِّكٍ وصامت، لم يرَ أحدٌ الحادثة بعينيه، ولا أثر يُستدَل به على وقوعها، إنَّ الأمر كله مُجرَّد خبر، لكن مَن يُخبِر به هو الصادق الأمين، كما كان يُلقِّبه قومه قبل بِعثته. |
| أسرعت مجموعةٌ من الناس إلى سيدنا أبي بكرٍ رضي الله عنه، رُبما كان بينهم مَن يُريد أن يقتنص الفُرصة، ويكسِب سبقاً صحفياً كما يُقال اليوم، ويعود ليقول: لقد كذَّبه صاحبه أقرب الناس إليه، وأحبُّ الناس إلى قلبه، ورُبما كان بينهم من المؤمنين، من ذهب يلتمِس تثبيتاً من أبي بكر، قالوا: |
{ لما أُسرِيَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقْصى، أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به وصدَّقوه، وسَعَوْا بذلك إلى أبي بكرٍ، فقالوا: هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ وجاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه، فلذلك سُمِّي أبو بكٍر الصِّديقَ }
(الألباني السلسة الصحيحة)
| الشك عندي في كلامكم أن يكون النقل غير صحيح، لكن إن كان قاله فقد صدق، فسُمّيَ بعدها الصدّيق |
مرتبة الصدّيق لسيدنا أبو بكر بسبب إيمانه بالخبر دون تردُّد:
| تمضي الأيام سريعةً، ويدخُل الصدّيق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسرعاً يقول: |
{ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذْ أقْبَلَ أبو بَكْرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبِهِ حتَّى أبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا صَاحِبُكُمْ فقَدْ غَامَرَ، فَسَلَّمَ وقَالَ: إنِّي كانَ بَيْنِي وبيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيءٌ، فأسْرَعْتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَغْفِرَ لي فأبَى عَلَيَّ، فأقْبَلْتُ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فأتَى مَنْزِلَ أبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أثَّمَ أبو بَكْرٍ؟ فَقالوا: لَا، فأتَى إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وجْهُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتَمَعَّرُ، حتَّى أشْفَقَ أبو بَكْرٍ، فَجَثَا علَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، واللَّهِ أنَا كُنْتُ أظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ فَقُلتُمْ: كَذَبْتَ، وقَالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقَ، ووَاسَانِي بنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَهلْ أنتُمْ تَارِكُوا لي صَاحِبِي؟ مَرَّتَيْنِ، فَما أُوذِيَ بَعْدَهَا }
(صحيح البخاري)
| تلك المرتبة التي حازها الصدّيق رضي الله عنه، كانت بسبب إيمانه بالخبر دون تردُّد، قد يؤمن البعض بالخبر بعد تردُّد، وقد لا يؤمن به كثيرون، لكن أبا بكرٍ رضي الله عنه لم يتردَّد (لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ). |
مصادر المعرفة ثلاث:
| أيُّها الإخوة الأحباب: مصادر المعرفة، أنا عندما أتلقَّى معرفةً كيف أتلقَّاها؟ مصادر المعرفة ثلاث احفظوها: نظر، أثر، خبر. |
| النظر: أعني به المحسوسات، يشترك فيه جميع المخلوقات، أنا أُبصِر والقطة تُبصِر، تشترك به المخلوقات المُكلَّفة وغير المُكلَّفة، نظر، كما قالوا: "ليس مع العين أين" نحن جميعاً نؤمن الآن أننا في هذا المسجد، نؤمن أنَّ هناك تكبيراً للصوت، نحن نُبصِر بأعيننا، هذه المرتبة الأولى نظر. |
| المرتبة الثانية أثر: شيءٌ لا أراه بعيني لكن أرى آثاره أمامي، لا أرى الكهرباء ولكنني أرى الإضاءة، إذاً هناك كهرباء. |
| وهناك خبرٌ: لا أُشاهده بعيني ولا أُشاهد آثاره، لكنني أؤمن بوقوعه إن كان مَن يُخبرني صادقاً، ربما تمشي في الشارع وأمامك حادث سيارة، تراه بعينك، اصطدمت سيارتان، هذا نظرٌ لا حاجة للمداولة بشأنه، أن يقول إنسانٌ وقع أو لم يقع، رأيناه بأعيننا، ورُبما تمرُّ في الشارع فتجد زُجاجاً مكسوراً على الأرض، وسيارة إسعافٍ قد انطلقت، فتقول: وقع حادثٌ قبل قليل، هذا الأثر، ورُبما نكون هُنا في المسجد فيدخُل أحدهم إلينا ويقول: وقع حادثٌ في الخارج، لم نره ولم نرَ آثاره، هذا الخبر. |
عندما يتعارض الهوى مع التكليف تكون الجنَّة:
| أيُّها الإخوة الكرام: ما أُريد أن أقوله هُنا: هناك هوى النفس وهناك تكليف، وعندما يتعارض الهوى مع التكليف تكون الجنَّة، قال تعالى: |
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ(41)(سورة النازعات)
| الهوى أن ينظُر الإنسان إلى الحرام، التكليف أن يغضّ بصره، الهوى أن ينام إلى وقتٍ مُتأخرٍ، التكليف أن ينهض إلى صلاة الفجر، عندما يُعارِض الإنسان هواه ويتَّبِع أمر ربه، يكون قد قدَّم السبب لدخول الجنَّة. |
هوى الإنسان في العَجَلة والتكليف في الصبر:
| الآن: هوى الإنسان في العَجَلة، والتكليف في الصبر، قال تعالى: |
خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ(37)(سورة الأنبياء)
| (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) يستعجل، (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي) هي خبرٌ الآن، سترونها بأعينكم فلا تستعجلون، لا تتَّبِع هوى نفسك في العَجَلة. |
وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا(11)(سورة الإسراء)
| أيُّها الكرام: قال تعالى: |
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20)(سورة القيامة)
| هذا محسوس، الدنيا. |
{ إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ. وفي روايةٍ: لِيَنْظُرَ كيفَ تَعْمَلُونَ }
(صحيح مسلم)
| مال، شهوات، نساء، أموال، سيارات، بيوت، قصور، الدنيا محسوسة. |
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21)(سورة القيامة)
| الخبر، تحبون النظر وتذرون الخبر، الآن يريد الدنيا فسيتعجلها، فيأخذها من حرامٍ فيستحق النار، ويُضيِّع آخرته (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ). |
| أيُّها الإخوة الكرام: كان المشركون يطلبون دائماً المحسوس، النظر، انظروا إلى قولهم: |
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(32)(سورة الأنفال)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(53)(سورة العنكبوت)
الناس تتعلَّق بالمحسوسات والمؤمن يتعلَّق بالغيبيات:
| الآن حتى العذاب وإن كانوا قالوها مُستهزئين، مُستبعدين، لكن حاجتهم في الداخل، رغبتهم في الداخل كانت أن يأتي العذاب الآن، حتى العذاب. |
وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ(16)(سورة ص)
| (قِطَّنَا) أي نصيبنا، الناس تتعلَّق بالمحسوسات، المؤمن يتعلَّق بالغيبيات، يتعلَّق بالخبر الصادق. |
وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا(90)(سورة الإسراء)
| ماذا تُريدون؟ قال: |
حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا(90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)(سورة الإسراء)
| نُريد شيئاً محسوساً. |
أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا(93)(سورة الإسراء)
| (كِسَفًا) أي خوارق، (مِّن زُخْرُفٍ) أي من ذهب. |
| ما هذا الذي تطلبونه؟ لماذا لا تؤمنون بالغيب؟ وأنا الصادق الأمين أُخبركم به، تنتظرون هذه الخوارق حتى تؤمنوا! هذا ليس إيماناً. |
| أيُّها الإخوة الكرام: هذا الذي ذَكرَته الآيات، يحاول أن يفعله اليوم بعض الدُعاة من غير أن يشعروا، عن طريقين: |
بعض الدُعاة يُحدِّث الناس عن المحسوسات ولا يُحدِّثهم عن الغيب:
| الطريق الأول: هو الإغراق في رواية الخوارق، يأتي بشخصٍ غائبٍ غير موجود، توفي من أربعمئة سنة، غير موجود بيننا، يأتي به وينسُج حوله قصصاً من قبيل ذلك، يُريد أن يكسِب الناس بحُسن نيَّةٍ أحياناً، وكأن الإيمان بالغيب لا ينفع، فيُحدِّثهم تارةً عن قُبقابٍ أُلقيَ فبلغ مشرق الأرض ومغربها، ويُحدِّثهم تارةً عن شخصٍ نهض بعد موته وقام وغسَّل نفسه، ويُحدِّثهم ويُحدِّثهم يريد أن يأتي بالإغراب، بالشيء الغريب، لأنه يشعُر أنَّ الناس متعلقة بالمحسوس، فلا بُدَّ من أن أُحدِّثهم عن المحسوس، حدِّثهم عن الغيب، حدِّثهم عن الثواب، عن العقاب عند الله، هذا هو الإيمان. |
بعض الدُعاة من حُسن نيَّةٍ يربطون دائماً حياة الناس بدينهم:
| أيضاً بعض الدُعاة من حُسن نيَّةٍ يفعلون شيئاً آخر، يربطون دائماً حياة الناس بدينهم، بمعنى: سأضرب مثلاً: زُرتُ قبل أيامٍ رجُلاً أحسبه من الصالحين ولا أُزكّيه على الله، قضى حياته في الطاعات، وبلغ من العُمر ما بلغ، لكن ابتلاه الله تعالى بصحته بوضعٍ صعبٍ نوعاً ما، فزرته عيادة مريض، فماذا قال لي؟ هو تربّى في حلقةٍ في مسجدٍ، كان الشيخ يوجِّه الناس دائماً، أنك إذا أمضيت حياتك في الطاعة لن تمرض، عجيب! إذا أطعت الله لن تمرض، لن تفتقر، الثواب في الدنيا الآن قبل الآخرة، الآن سيُثيبُك الله، هكذا ربَّاهم، فماذا قال لي؟ وانظروا إلى أثر التربية الخاطئة، قال لي: أنا رجُلٌ قضيت حياتي في الطاعة، ووالله ما قالها مُستنكراً، لا والله هو رجُلٌ صالح، لكن قالها يُريد أن يفهم، قال: أمضيت حياتي في الطاعات لا أعلم أني نظرت إلى حرامٍ، لكنني اليوم متعبٌ جداً لماذا؟ قلت له: لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمضى حياته في الطاعة أكثر منك ومنّي ولكنه: |
{ لقد أُخِفتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحدٌ، ولقد أوذيتُ في اللَّهِ وما يُؤذى أحدٌ، ولقد أتت عليَّ ثلاثونَ من بينِ يومٍ وليلةٍ وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأْكلُهُ ذو كبدٍ إلاَّ شيءٌ يواريهِ إبطُ بلالٍ }
(أخرجه الترمذي وأحمد ابن ماجه)
| لأنَّ أيوب خيرٌ منّي ومنك، وأمضى شطراً كبيراً من حياته مريضاً صابراً. |
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ(44)(سورة ص)
| ولأنَّ موسى ابتُلي، ولأنَّ إبراهيم أُلقيَ في النار، ولأنَّ يوسف دخل السجن، فسُرَّ واستنار وجهه، لأنَّ التربية الخاطئة علَّمته، أنَّ الثواب في عالَم الشهادة، والعقاب في عالَم الشهادة، مَن الذي قال ذلك؟! نعم رُبما يُعجِّل الله بعض الثواب في الدنيا، ورُبما يُعجِّل بعض العقاب في الدنيا، لكن هذه ليست قاعدةً عامة يُربّى الناس عليها، نحن مُبتلون وطَّنا أنفسنا أننا في دار ابتلاء لا في دار استواء. |
المشركون في مكَّة كان عندهم ثلاثة إشكالياتٍ مع رسول الله:
| أيُّها الإخوة الأحباب: المشركون في مكَّة كان عندهم ثلاثة إشكالياتٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
| الإشكال الأول: أن إلهَهُم كان محسوساً، يعني صنمٌ موجود من عجوةٍ أو من حجرٍ، يذهبون إليه عندما يريدون أن يتصلوا بالإله، الإله محسوس يشاهدونه بزعمهم أنه إلهَهُم. |
| المشكلة الثانية: أنهم لا يُريدون منهجاً، أي افعل ولا تفعل، لا يُريدونه. |
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29)(سورة التوبة)
| ما عندهم حرام إلا ما وافق هوى أنفسهم، هُم يُحرِّمون ويُحلِّلون، ليس عندهم منهج، الدين بلا منهج سهل، الإله محسوس وليس هناك منهج. |
| المشكلة الثالثة: أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة. |
وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(29)(سورة الأنعام)
| تخيَّل الآن أنك تأتي إلى قومٍ عندهم هذه الصفات الثلاث، مصيبة، تقول له: الإله لا تُدركه الأبصار ولن تراه في الدنيا، يقول لك: أنا الإله أمامي ها هو، تقول له: شُرب الخمر حرام، يقول لك: من يُحرِّم؟ لا، هذه حياتنا نُريد أن نحيا كما نُريد، الزِنا حرام، معقول؟ تخيَّل! الثالثة تقول له: هناك يوم قيامة، كيف يوم قيامة؟ |
استطاع رسول الله في سنواتٍ معدودة أن يُقنِع الناس بالغيب:
| (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) هكذا كانت المشكلة عند قريش وعند العرب جميعاً، استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنواتٍ معدودة، أن يُقنعهم جميعاً بالغيب، لا نُريد أن نعود أيُّها الكرام إلى السطر الأول، إلى عالَم الشهادة من جديد، لا نُريد أن نُربّي الناس من جديد على عالَم الشهادة، نحن أُمة الغيب، نحن لسنا قوم موسى الذين قالوا: |
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55)(سورة البقرة)
| نحن نؤمن بالله ولو لم نره، سنراه إن شاء الله يوم القيامة، لكن نؤمن بوجوده، نحن أُمةٌ كلَّفنا الله بالأثر وبالخبر. |
فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(50)(سورة الروم)
| أثر، انظُر. |
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)(سورة فصلت)
| انظُر إلى الأرض بعد نزول الأمطار كيف (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ) واستدل بعقلٍ على أنَّ الله سيُحييك للبعث، هذا الأثر. |
نحن أُمة الخبر:
| وانظُر إلى الخبر، عندما يُخبرك الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، عن البعث وعن أرض المحشَر، وعن الصراط، وعن القنطرة، وعن الحساب، وعن الكتاب باليمين أو بالشمال، وعن جنَّةٍ يدوم نعيمها وعن نارٍ لا ينفَذ عذابها، نحن أُمة الخبر. |
| لا تُربّوا أولادكم، ولا أتباعكم، ولا مُريديكم، لا تُربّوهم على عالَم الشهادة فحسب، عالَم الشهادة نحيا به ولا نتركه، ونتعلَّم، ونَعمُر الأرض، لكن عيوننا مُعلَّقةٌ بالغيب، بما غاب عنّا لكننا نؤمن به، كيف أقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء، في سنواتٍ معدودة بأنَّ الإله غيب، وبأنَّ منهجه غيب، افعل ولا تفعل، وبأنَّ الجنَّة والنار حقّ وإن غابت عنكم، أقنعهم لأنه الصادق الأمين، لأنهم ما جرَّبوا عليه كذباً قط، وهكذا اقتنع أبو بكر، عَودٌ على بدء، قال: (قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ و جاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه) انظُر إلى مرتبة الصدّيقية، الصادق الأمين لا يكذب. |
إذا أردنا أن نُقنع الناس بديننا اليوم ينبغي أن تكون أنت الصادق الأمين:
| الدرس أننا إذا أردنا أن نُقنع الناس بديننا اليوم، ينبغي أن تكون أنت الصادق الأمين. |
| أيُّها الداعية يجب أن تكون أنت الصادق الأمين، لا تُحدِّث الناس بأخبارٍ كذب، لا تُحدِّثهم بأخبارٍ غير مُسندة، لا تُحدِّثهم بخوارقٍ لمُجرَّد أن تُثير إعجابهم، وتنتزع تكبيراتهم، كُن الصادق الأمين حتى إذا قلت شيئاً قالوا: ما جرَّبنا عليه كذباً، الأب كُن أنت الصادق الأمين، حتى يُصدِّقك أبناؤك فيما تقول عندما تُحدِّثهم عن الغيب وفق منهج الله، الغيب الذي جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، دون زيادةٍ ولا نقصان، دون قراءةٍ بالفنجان، دون توافقٍ بين الأسماء، لعلَّ هذا الاسم يوافق هذا فتحيا حياةً سعيدة، دون قراءة الأبراج، الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده، كُن الصادق الأمين إن أردت أن تُقنع الناس بدينك، إن كنتَ أباً أو كنتِ أُمَّاً، أو كنتَ داعيةً أو كنتَ في أي مكان. |
| أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا، لا إله إلا أنت سبحانك إنَّا كنّا من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين. |
| وارزقنا اللهم حُسن الخاتمة، واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنّا، أنت حسبُنا عليك اتكالنا. |
| اللهم إنّا نسألك لأُمتنا ولبلادنا فرجاً وعزاً ونصراً وتمكيناً. |
| اللهم إنّا نسألك يا أرحم الراحمين أن تُفرِّج عن إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها، ما أهمَّهُم وما أغمَّهُم. |
| اللهم كُن لأهلنا في غزَّة عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم مُجري السحاب، مُنزِل الكتاب، هازِم الأحزاب، سريع الحساب، اهزِم الصهاينة المُعتدين ومَن والاهم ومَن أيَّدَهم ومن وقف معهم في سرٍّ أو علن. |
| اللهم إنّا نسألك أن تصرِف شرَّهم عن بلادنا يا أرحم الراحمين. |
| اللهم إنّا نسألك أن تنصرنا على أنفسنا وعلى شهواتنا حتى ننتصر لك فتنصرنا عليهم بفضلك يا أكرم الأكرمين. |
| اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمة الغيث من السماء، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، فقد رزقتنا على ضعفٍ منّا وعلى تقصير، فأتمّ اللهم فضلك وزِدنا ولا تُنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه. |
| اللهم اجعل بلدنا آمناً سخيّاً رخيّاً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين، ووفِّق القائمين عليه للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين. |

