أُمحُها يا عليّ
أُمحُها يا عليّ
| يا ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض، وملءَ ما بينهما وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعزّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومَفزَع كل ملهوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضل في هُداك، وكيف نذل في عزك، وكيف نُضام في سلطانك، وكيف نخشى غيرك، والأمر كله إليك، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسلته رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القربات، فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته. |
| اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومَن تَبِعه ومَن والاه إلى يوم الدين. |
صلح الحُديبية بين رسول الله وقريش:
| وبعد أيُّها الإخوة الأكارم: قبل أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام، وفي السنة السادسة للهجرة تحديداً، خرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ألفٍ وأربعمئةٍ من أصحابه إلى مكَّة، يريدون العُمرة فأرادت قُريشٌ منعه من العُمرة، ولمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحُديبية قريباً من مكَّة، أرسل سيدنا عثمان ليُخبِر قُريشاً أنه لم يأتِ لقتالهم، وإنما جاء مُعتمراً مع صحبه، وقال له: وادعهُم إلى الإسلام، فاحتبست قُريشٌ عثمان بن عفان عندها، وأُشيع مقتله، وبايع الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان تحت الشجرة، ثم أرسلت قُريشٌ عروة بن مسعود ليتفاوض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدها أرسلت سُهيل بن عمر لعقد الصُلح، وتمَّ الاتفاق على كتابة الصُلحِ الذي عُرِفَ فيما بعد بصُلحِ الحُديبية، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُملي شروط الصُلحِ، وجعل علي بن أبي طالب يكتُب الشروط. |
| فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتُب هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله، فقالت قُريشٌ: قف، لا نُقِر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبدالله، ثم قال لعلي: "امحُها يا علي"، امحُ كلمة رسول الله، فقال عليٌ رضي الله عنه: لا والله لا أمحوك أبداً - لا أستطيع - ما قالها عِصيانا لأمر رسول الله حاشاه، لكنه قالها بدافع الأدب والحُب، قال: لا أمحوك أبداً يا رسول الله، فأخذ رسول الله الكتاب، فأشاروا إليه فمحا رسول الله، وكتبوا هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، ثم أبرم الصُلح وأمضاه، الذي كان في ظاهره قاسياً على المسلمين، لكنه كان في حقيقته فتحاً مُبيناً. |
"امحُها يا علي" منهاجٌ وطريقةٌ في العمل الإسلامي:
| أيُّها الإخوة الكرام: "امحُها يا علي"، ليست مُجرَّد كلمةٍ قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها منهاجٌ وطريقةٌ في العمل الإسلامي، وطريقةٌ في التفاوض مع الإعداء، وطريقةٌ في العمل مع الأصدقاء، يمكن أن نقول إن صحَّ التعبير: "امحُها يا علي" استراتيجية وليست مُجرَّد كلمةٍ نتعلَّم منها الكثير من الدروس والعِبر التي نحتاجها كثيراً في واقعنا اليوم. |
"امحُها يا علي" تُعلِّمنا ألّا نقف عند الشك وأن يكون اهتمامنا مُنصبَّاً دائماً على المضمون:
| أولاً: "امحُها يا علي" تُعلِّمنا ألّا نقف كثيراً عند الشك، وأن يكون اهتمامنا مُنصبَّاً دائماً على المضمون، الصُلح قضيةٌ استراتيجية، ولها أهدافٌ بعيدة ينظُر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، غابت عن بعض الأصحاب الكرام، ولا يصحّ تعطيل الصُلحِ كله، من أجل الوقوف على قضيةٍ شكليةٍ لا تتعلَّق بمضمون الصُلح، "امحُها يا علي" اكتُب محمد بن عبد الله، فهو شخصٌ واحد، محمدٌ رسول الله أو محمد بن عبدالله، "امحُها يا علي". |
| في واقعنا اليوم أقول: ليس في الدين شكليَّات، ليس في ديننا شكليَّات، ديننا كله مضمون، بكل ما فيه، ولكن لا بُدَّ من فقه الأولويات، لباس المرأة مثلاً ليس شكلاً كما يقول البعض، لا، لباس المرأة جزءٌ من دينها، ولباس الرجُل جزءٌ من دينه، كلٌّ وفق ضوابطه الشرعية، ولكن هناك فقهٌ للأولويات، قد نتجاوز عن مسألةٍ ونقول: أجِّلها يا علي، أخِّرها، تجاوز عنها قليلاً من أجل أمرٍ أهم. |
| أيُّها الإخوة الكرام: قال تعالى: |
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)(سورة التوبة)
لا تجعل شيئاً في موقع شيءٍ آخر:
| سقاية الحاج وعِمارة المسجد الحرام أمرٌ مُهمٌ ومطلوب، لكنه لا يوازَن بالجهاد في سبيل الله، كلٌّ له موقعه، فلا تجعل شيئاً في موقع شيءٍ آخر، ولا تجعل فرعاً في موقع أصل، ولا تجعل مضموناً في موقع عنوان، ولا تجعل جُزئيةً في موقع كُليَّة، كل ديننا مضمون وكله نحتاج إليه، لكن نُرتِّبه وفق الأولويات، ونتجاوز أحياناً عن شيءٍ ونؤخِّر شيئاً في سبيل هدفٍ أعظم، "امحُها يا علي". |
| عندما يأتيك شابٌّ لا يُصلّي، لم يدخُل المسجد إلا مِراراً، ويأتي الكبائر والعياذ بالله، فالأولوية الآن لهدايته إلى الله، وتعريفه بالفرائض، وحمله بالحكمةِ على الصلاة وعلى ترك الكبائر، ولا يصح التحدُّث معه في قضيةٍ جُزئية أو قضيةٍ فرعية قبل تعريفه بالأصول، وهذا موجَّهٌ للخطاب الإسلامي في المساجد، والخطاب الأكثر مُتابعةً عند الشباب على وسائل التواصل، لا يصح اليوم أن ندخُل في أشياءٍ، نحن اليوم أقول: مُعظم شبابنا في المرحلة المكيَّة، نحن نحتاج بناءً اليوم وكأننا في مكَّة، نحتاج إلى تعريف الشباب بربِّهم، إلى توحيد الله تعالى، إلى العقيدة الصافية البسيطة البسيطة البسيطة، المُستمدة من كتاب الله تعالى، التي تحملهم على الإيمان، ثم تحملهم على الطاعة، نحن لا نعيش قبل ألف سنة، لنُدخِل الناس في قضايا أكل الزمان عليها وشرب، ليس هناك اليوم أحدٌ يتعلَّم عِلم الكلام، فلماذا نخوض في عِلم الكلام اليوم في عقيدتنا؟ هذا كان له زمانه، وكان له رجاله، واضطر إليه المُسلمون في عصرٍ ما، عندما برَزَ عِلم الكلام فجعلت العقيدة تُبارِز هذا العِلم، لحماية الدين بعِلم الكلام نفسه. |
| لكن اليوم ما أحد من شبابنا يقرأ عِلم الكلام، اليوم يقرؤون عن الإلحاد و عن النسوية لفتياتنا، وعن المُشكلات المُعاصرة التي تعصِف بالأُمة، والتهديد الوجودي الذي يكيد لنا، نحتاج اليوم إلى "امحُها يا علي" أجِّلها يا علي، تجاوز عنها، أخِّرها قليلاً ليس هذا الوقت وقتها. |
الآن ليس من الدين في شيء أن تُثار القضايا الخلافية:
| أيُّها الإخوة الكرام: عندما تكون الأُمة في خطرٍ، ويكون عدوّها يتربَّصُ بها الدوائر، فليس من الدين في شيء أن تُثار القضايا الخلافية، التي حصلت قبل أكثر من ألف عام، في التاريخ أو في العقيدة، أو في السياسة، والتي لا يدري الناس أصلاً لماذا نتحدَّث عنها، بل لم يسمعوا بها ربما أصلاً. |
| أيُّها الإخوة الكرام: سألني أحدهم قال لي: سمعت شيخاً يقول: إنَّ أغلب السوريين على العقيدة الأشعرية، وقال لي آخر: بل سمعت شيخنا يقول: إنَّ أغلب السوريين على العقيدة الأثرية، فأيهما صحيح؟ قلت له: لا والله لا هذا صحيح ولا ذاك صحيح، لأنَّ أغلب المسلمين في سورية لا يعرفون عمّا تتكلم، أغلب المسلمين في سورية على العقيدة الفطرية، بل أغلب المسلمين في العالم الإسلامي كله على العقيدة الفطرية، التي تحتاج إلى تنبيهٍ قليل إلى وجود الله ووحدانيته وكماله، حتى تستيقظ للعمل دون الدخول في هذه الجُزئيات. |
الناس يحتاجون اليوم أن ندُلَّهم على الله بعيداً عن الكلاميات:
| أيُّها الإخوة الكرام: الناس يحتاجون منّا اليوم أن ندُلَّهم على الله، أن نُعرِّفهم بأسمائه الحُسنى وبصفاته العُلا، بعيداً عن الكلاميات، حتى نُعينَهم على التزام أمر ربِّهم وترك نَهيه. |
| على أي عقيدةٍ كان بلال الحبشي، وعمار بن ياسر، وسُميَّة؟ على أي عقيدةٍ كانوا وهُم يُسامون في صحراء مكَّة سوء العذاب؟ فما يصدهم ذلك عن دينهم، سُميَّة تبصُق في وجه أبي جهل، بلال يقول أحدٌ أحد، هذه هي العقيدة، هذه هي العقيدة الحقَّة. |
| أيُّها الإخوة الكرام: |
{ لَمَّا بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُعاذا نَحوِ اليَمَنِ قال له: إنَّك تَقدَمُ على قَومٍ مِن أهلِ الكِتابِ، فليَكُنْ أوَّلَ ما تَدعوهم إلى أن يوحِّدوا اللهَ تَعالى، فإذا عَرَفوا ذلك فأخبِرهم أنَّ اللهَ فرَضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ في يَومِهم ولَيلَتِهم، فإذا صَلَّوا فأخبِرْهم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم زَكاةً في أموالِهم، تُؤخَذُ مِن غَنيِّهم فتُرَدُّ على فقيرِهم، فإذا أقَرُّوا بذلك فخُذْ منهم، وتَوقَّ كَرائِمَ أموالِ النَّاسِ }
(أخرجه مسلم)
| انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي كيف يُرتِّب الأولويات، قال: (فليَكُنْ أوَّلَ) هناك أولٌ وهناك ثانٍ (فليَكُنْ أوَّلَ ما تَدعوهم إلى أن يوحِّدوا اللهَ تَعالى، فإذا عَرَفوا ذلك) عرفوا الآمر، عرفوا الخالق، عرَّفتهم بالآمر قبل أن تُعرِّفهم بالأمر، عرَّفتهم بالخالق قبل أن تلفتهم إلى المخلوق، أصل الدين معرفة الله (فإذا عَرَفوا ذلك فأخبِرهم أنَّ اللهَ فرَضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ في يَومِهم ولَيلَتِهم) هذه ثانياً، أمّا إذا قلت لهم صلّوا، سيقولون: نُصلّي لمَن؟ لماذا نُصلّي؟ (فإذا عَرَفوا ذلك فأخبِرهم أنَّ اللهَ فرَضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ في يَومِهم ولَيلَتِهم) قال: (فإذا صَلَّوا) انتهينا من مرحلة (فإذا صَلَّوا فأخبِرْهم) لأنَّ المال صعبٌ على النفوس، قال: (فأخبِرْهم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم زَكاةً في أموالِهم، تُؤخَذُ مِن غَنيِّهم فتُرَدُّ على فقيرِهم) منك إلى الفقير الذي معك، ثم قال له: (فإذا أقَرُّوا بذلك) أي للزكاة (فخُذْ منهم، وتَوقَّ كَرائِمَ أموالِ النَّاسِ) لا تذهب إلى أموالهم النفيسة، فتأخُذ منها فيُعرضوا عن الدين (وتَوقَّ كَرائِمَ أموالِ النَّاسِ) لا تقترب مما يُحبّون، خُذ من الأشياء الأقل عندهم، لكن في مجتمع الصحابة الكرام وبعد حين: |
لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)(سورة آل عمران)
| هذه مرتبةٌ ثانية، أمّا الآن هذا جديدٌ في الالتزام، الآن يجب أن تُخرِج عندك مما تُحب، لا، الآن خُذ منه الزكاة من أي مالٍ يُريده، هذا الفقه العظيم الذي نحتاجه اليوم. |
نحن اليوم بحاجة "امحُها يا علي":
| أيُّها الإخوة الكرام: عندما يُحيط بنا الأعداء، ونحن نتقاتل لأجل مسائلٍ خلافية، فنحن بالتأكيد بحاجةٍ إلى هذه الاستراتيجية، "امحُها يا علي"، لأن فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعدائه دون أن يتنازل لهم، انتبهوا، رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتنازل لأعدائه حاشاه، قال له: أنا محمدٌ رسول الله، لكن تجاوز عنها في الكتابة، فلئن فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعدائه الألدَّاء، فما أحوَجنا اليوم أن نفعلها مع رفاق دربنا، أن نفعلها مع رفاق المنهج، أن نفعلها مع المسلمين الذين أمرنا الله تعالى أن ندعوهم بالحِكمة والموعظة الحسنة. |
"امحُها يا علي" تُحوِّل المسار من الجَدَل إلى الانشغال بما ينبني عليه عملٌ وأفعالٌ مهمة:
| الأمر الثاني أيُّها الكرام: "امحُها يا علي"، تُحوِّل المسار من الجَدَل الذي يهدِر الأوقات، كم أهدرنا من أوقاتنا الثمينة في الجَدَل؟! إلى الانشغال بما ينبني عليه عملٌ وأفعالٌ مهمة، وخذوا هذه القاعدة: "كل خلافٍ لا ينبني عليه عملٌ فلا تهدِر وقتك به"، كل خلافٍ حتى في الحياة الدنيا، جلسةٌ صاخبة في آخر الليل، بعد الخلاف لن نصل إلى حل، ماذا نفعل غداً؟ ولا شيء، سواءً كان المُتسبِّب في هذه الحرب فُلانٌ أو فُلان أنا ماذا أفعل؟ سواءً كان فُلان من الساسة الذين لن أصل إليهم، ولن أنصح لهم، مُحِقَّاً أم مُبطِلاً، ماذا انبنى عليها من عملٍ؟ ماذا تفعل أنت بعد ذلك؟ فكل خلافٍ لا ينبني عليه عملٌ في الشريعة، فلا تُهدِر وقتك به، لو كتب عليٌ رضي الله عنه، محمدٌ رسول الله، أو محمد بن عبد الله، فهل يتغيَّر شيء في حقيقة الاتفاق؟ أبداً، البنود كلها واضحة، هل ينبني على ذلك عمل؟ هل يتغيَّر شيءٌ في المضمون؟ إذاً "امحُها يا علي"، انتهى الأمر. |
| أيُّها الإخوة الكرام: بعد منتصف الليل بدأ جدالٌ حاد بين رجُلين، في فهم حديث المُصطفى صلى الله عليه وسلم: |
{ يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟ }
(أخرجه البخاري ومسلم)
| احتدَم الجِدال، وارتفعت الأصوات، وتمسَّك كلٌّ برأيه في معنى نزول الربِّ جلَّ جلاله إلى السماء الدنيا، كيف ينزل؟ مع أنَّ الصحابة الكرام كلهم سمعوا الحديث وما سألوا، إلا نحن، نحن نُريد أن نكون أفهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشاهم، حاشاهم أن يبلُغ أحدنا شيئاً من عِلمهم أو فِقههم، ارتفعت الأصوات، واحتدم الجِدال، وتمسَّك كلٌّ برأيه، ثم طلع الفجر عليهما، دون أن يقوم أحدٌ منهما بطلب حاجته من الله، فات الوقت، مُستغلاً ومستثمراً وقت النزول، أما كان يكفي الطرفين، أن يأخُذا النَص كما هو، كما تلقَّاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون جِدالٍ، ثم يقوم كلٌّ منهما إلى محرابه ليسأل الله حاجته، وليستغفر الله من ذنبه؟! |
إيّاكم والمِراء فإنه ساعة جهل العالِم:
| أيُّها الإخوة الكرام: يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلَّا أوتوا الجدَلَ ثمَّ تلا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ هذهِ الآيةَ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) [الزخرف: 58] }
(أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد)
وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(58)(سورة الزخرف)
| (ما ضَلَّ قومٌ) حصرٌ وقصر. |
| يقول الأوزاعي رحمه الله: "إذا أراد الله بقومٍ شرّاً ألزمهم الجَدَل ومنعهم العمل"، وقد قيل: "إيّاكم والمِراء، فإنه ساعة جهل العالِم، وبها يبتغي الشيطان زلَّته" المِراء جهل العالِم، عندما تجد عالِماً يُماري، لا أقول يُحاوِر في مسألةٍ مهمة، ينبني عليها عملٌ نأخُذ فيها أراء جميع الأطراف، من أجل الوصول إلى شيءٍ يُصلِح الأُمة، إنما جَدلٌ مذموم، مِراء، فقال: "إيّاكم والمِراء، فإنه ساعة جهل العالِم"، إذا وجدت شخصاً مهما كان عِلمه يُماري فهذه ساعة جهله، نسأل الله أن يعصمنا منها، قال: "وبها يبتغي الشيطان زلَّته" يعني كيف يبتغي الشيطان زلَّة العالِم، عندما يُغريه بالمِراء والجِدال المذموم. |
| يقول صلى الله عليه وسلم: |
{ أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحقًّا }
(أخرجه أبو داوود والطبراني)
| (أنا زعيمٌ) أي كفيلٌ. |
الجدال بُغية الانتصار للنفس:
| أيُّها الإخوة الكرام: الحوار الهادئ، المُتَّزِن، في مكانه، في وقته، مما ينبني عليه عمل لا حَرَجَ فيه، أمّا الجدال بُغية الانتصار للنفس بلبوس الانتصار لدين الله، هو في الحقيقة انتصارٌ للنفس، في الحقيقة هو ينتصر لنفسه، لكن هو يُلبِسُه أننا نُريد دين الله، حتى لا يضلَّ الناس، وهو يُضلُّ الناس بهذا المِراء، عندما يكون المِراء بهذا الشكل فنحن بحاجةٍ إلى "امحُها يا علي"، الاستراتيجية وليست الكلمة بحد ذاتها، تجاوز عن هذا الجَدَل، امحُها، خُذ التي بعدها، ماذا نفعل غداً؟ ماذا نصنع لأُمتنا؟ يقول تعالى: |
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا(22)(سورة الكهف)
| (فَلَا تُمَارِ) أي لا تُجادِل، لا تُجهِد نفسك بالبحث عن أسماء هؤلاء، ولا عن أعدادهم، ولا عن المدينة التي كانوا فيها، ولا عن الزمان الذي وجدوا فيه، من أجل أن تصل إلى حقيقة المسألة ولُبِّها ومضمونها، وهي قوله تعالى: |
نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)(سورة الكهف)
| فكُن فتىً مؤمناً بربِّك ليزيدك الله هدى، هذه هي القصة، ليست القصة في أعدادهم. |
القرآن يُعلِّمنا أن نترك الجِدال الذي لا طائل وراءه:
| يُعلِّمنا القرآن، يؤدِّبنا القرآن أن نترك الجِدال الذي لا طائل وراءه، ماذا ينفع إن عرفنا أسماءهم؟ وماذا ينفع إذا عرفت عددهم؟ إن كانوا مئة أو كانوا ثلاثة، النتيجة واحدة وهُم فتيةٌ آمنوا بربِّهم، وكان من أمرهم ما كان، فاقتدِ بأحسن ما عندهم، واقتدِ بالخير الذي وجد في صدورهم، واسأل الله تعالى أن يهديك لأقرب من هذا رشداً، كما جاء في سورة الكهف. |
| أيُّها الإخوة الكرام: في القرآن الكريم ألف وأربعمئة واثنين وأربعين لفظاً، الذي، التي، الذين، اللائي، الاسم الموصول، الاسم الموصول تكرر في كتاب الله تعالى ألفاً وأربعمئة واثنتين وأربعين مرَّة، بمُعدَّل ثلاث مرات في كل صفحة، والاسم الموصول لا يُرجِعُك إلى شيءٍ معروف، يُرجِعُك إلى شيءٍ مُبهَم. |
المُبهمات في القرآن الكريم:
| أنا أقول اليوم بلال، فهذا يُرجِعُك إلى شخصٍ معروف اسمُه بلال، لكن إذا قلت لك: الذي، مَن الذي؟ لذلك يُعرِّفه أهل اللغة بأنه اسمٌ مُبهَم يحتاج إلى شيءٍ بعده لتوضيحه نوعاً ما، الذي يكتُب، الذي يقرأ، الذي يدرُس، الذي يُعلِّم، الذي يخُطب، فالاسم الموصول مُبهَم، لذلك ألَّف بعض العلماء مُجلداتٍ سمّوها المُبهمات في القرآن الكريم، أي ألفاظ مُبهمة، إذاً لماذا هذا الإبهام؟! لماذا لا يقول الله تعالى بدلاً من أن يقول: إن الذي يقول إنَّ فُلاناً؟ لأنَّ القرآن الكريم يريد منك أن تبتعِد عن الأسماء وعن الأشخاص، وأن تتجه إلى المضمون فوراً. |
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258)(سورة البقرة)
| مَن الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؟ لولا أن قرأنا في بعض الكتُب أنه النمرود لما علمنا عنه شيئاً، يكفي أن آتاه الله المُلك، هذه الصفة التي تُهمنا (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) إذاً هو مَلِكٌ مغرور فقط، وانتهى. |
| كل مَلِكٍ مغرور يأتي بعده هو نمرودٌ مثله وانتهى، ما اسمه؟ لا حاجة لاسمه، ثم بعد ذلك بعد الآية التي بعدها في البقرة: |
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(259)(سورة البقرة)
| مَن الذي مرَّ على قريةٍ؟ دعك منه لعلَّك تفعل فعله، فتمُرّ على قريةٍ وتقول: مَن يُحييها، فتأتي الآية لك. |
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1)(سورة المجادلة)
| مَن التي تُجادلك؟ أيُّ امرأةٍ عفيفةٍ طاهرة، تُجادل اليوم تريد زوجها تعنيها الآية، ما علمنا أنها خولة إلا من كتُب السيرة، أمّا في القرآن: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) هل تعلمون أنَّ قُريشاً التي عادت النبي صلى الله عليه وسلم طِوال عشرات الأعوام، أنها لم تُذكَر في القرآن إلا مرَّةً واحدة ذِكراً إيجابياً. |
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ(1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ(2)(سورة قريش)
ينبغي أن نبتعد عن الجدال وأن نتَّجه إلى العمل وإلى ما ينفع الأُمة:
| كيف لو ذَكَرَ الله تعالى في القرآن في كل سورةٍ بدلاً من المُشركين قُريش؟ بدلاً من أن يقول: |
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36)(سورة التوبة)
| قال: قاتلوا قُريشاً كافةً، ثم أسلَمت قريش بعد فتح مكَّة، كيف نقرأ القرآن؟ نقاتل قُريشاً وقد أسلَمت! |
| لمّا تحدَّث الله تعالى عن غزوة أُحُد في سورة آل عمران، مَن الذي كان سبباً في هزيمة المُسلمين في أُحد؟ خالد بن الوليد، لم يذكره الله تعالى نهائياً، امحُها، لم يذكره أبداً، بل بدأت القصة بذِكر السُنَن: |
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137)(سورة آل عمران)
| انتهينا، لو قال: إنَّ خالداً كان سبباً في الهزيمة، لوقف خالدٌ بعد أن أسلَم في مكَّة يستمِع الإمام وهو يشتمه، ابتعِد عن الأشخاص، ابتعِد عن الشخصنة، ابتعِد عن الجِدال في الأشياء التي لا تُقدِّم ولا تؤخِّر، ولنتجه جميعاً إلى اللُب وإلى العمل وإلى ما ينفع الأُمة، وما ينبني عليه من أقوال فعلٌ أو عمل، وما زال في "امحُها يا علي" كنوزٌ وكنوز، لعلَّنا نُفرِد لها خُطبةً قادمة. |
| أيُّها الإخوة المكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، واستغفروا الله. |
| الحمد لله ربِّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. |
الدعاء:
| اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سميعٌ قريبٌ مجيبٌ للدعوات. |
| اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسُنَّة توفَّنا، نلقاك وأنت راضٍ عنّا. |
| اللهم فارج الهم كاشف الغم، مُجيب دُعاء المُضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمنا، ارحمنا برحمةٍ من عندك تُغنِنا بها عمَّن سواك. |
| اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تُعذبنا فإنك علينا قادر، والطُف بنا وبجميع المسلمين فيما جرت به المقادير، ودبِّر لنا فإننا لا نُحسِن التدبير. |
| اللهم كُن لإخواننا المُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، عوناً ومُعيناً، وناصراً وحافظاً ومؤيداً وأميناً. |
| اللهم أطعِم جائعهم، واكسُ عريانهم، وارحم مصابهم، وآوِ غريبهم، واغفر لنا تقصيرنا بحقِّهم فإنك أعلم بحالنا يا أرحم الراحمين، وألهِمنا عملاً صالحاً في خدمة عبادك يا كريم. |
| اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخاءً رخاءً، وأبعِد عنه الماكرين والحاسدين والمُتآمرين يا أرحم الراحمين. |
| اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم عليك بهم، اللهم إنّا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. |
| اللهم أعلِ كلمة الحقِّ والدين وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم لما تُحب وترضى، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربِّ العالمين. |

