خمسة تمنعك من الوقوع في المعصية

  • 2018-07-06
  • عمان
  • مسجد الأمير حسن

خمسة تمنعك من الوقوع في المعصية


الخطبة الأولى
يا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْد، مِلْء السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، ومِلْء ما بينهما وَمِلْء مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْد، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْد، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْد، لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، غِنَى كُلِّ فَقِير، وَعِزُّ كُلِّ ذَلِيل، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيف، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوف، فكيف نفتقر في غناك، وكيف نضلُّ في هداك، وكيف نَذِلُّ في عزك، وكيف نُضامُ في سلطانك، وكيف نخشى غيرك والأمرُ كله إليك، وأشهدُ أن سيدنا محمد عبده ورسوله، أرسلتهُ رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً، ليُخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنّات القرُبات، فجزاه الله عنا خيرَ ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمدٍ وسلم تسليماً كيثراً.
وبعد فيا أيها الإخوة الكرام: فقد خلق الله الإنس والجن لعبادته، قال تعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
(سورة الذاريات: الآية 56)

والعبادة هي مطلق الطاعة مع مطلق الحب للمولى جلَّ جلاله، فمن أطاع الله وأحبَّه فقد عبده، فالأصل في الإنسان أنه في الأرض ليطيع الله، خلقنا الله عزَّ وجلَّ لعبادته، والعبادة طاعة.
أيها الأحباب: لكن الإنسان قد ينسى وقد يقع في المعصية فيُسارع إلى باب الله تعالى، ويُسارع إلى التوبة، ولكن عندما تكثر المعاصي والآثام يصبح طريق العودة إلى الله صعباً، لذلك كان لا بد من أن يُحصن الإنسان نفسه من الوقوع في المعاصي والآثام، عنوان خطبتنا اليوم خمسة أمورٍ تمنعك من الوقوع في المعصية، خمسة أمورٍ تُعينك على تَجَنُّبِ المعصية.

1- أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها
أول هذه الأمور: أن يعلم العبد قُبح المعصية ودناءتها وأن الله إنما حرم المعاصي لمصلحة الإنسان وصيانةً لنفسه وجسده، قال تعالى:

وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
(سورة الأعراف: الآية 157)

أوامر الدين ضمانٌ لسلامة الإنسان
فكل ما حرمه الله تعالى فهو خبيث، وكل ما أحلَّه جلَّ جلاله فهو طيب، طيبٌ أي تطيب به النفوس، وخبيثٌ أي تَخْبُثُ به النفوس، فالله لم يُحرم علينا طيباً، أول ما تتجنب به المعصية أن تعلم أن المعصية خبيثة، مهما تبدو في ناظريك براقةً جميلةً، لكنها في الحقيقة خبثٌ، المعصية خبيثة، فعندما يعلم العبد أنَّ ما وضعه الله تعالى من حدودٍ في طاعته إنما هو ضمانٌ لسلامته وليس حداً لحريته فهو في أول طريق ترك المعاصي.
أيها الأحباب: لو أن سائقاً كان يمشي بشاحنته ومرَّ تحت جسرٍ كُتب عليه ارتفاع الجسر أربعة أمتار، وارتفاع سيارته بحمولتها أكثر من أربعة أمتار، لو أنه نظر يَمْنَةً ويَسْرَةً ليرى هل يراه الشرطي فإن كان لا يراه حتى يعبر فهذا جاهل، لأن الجسر سيُعاقبك، لأن سيارتك ستصطدم بالجسر، هذا الحد ليس لمنع حريتك ولكنه ضمانٌ لسلامتك، عندما حرم الله الزنا حرمه ضماناً لسلامتك، وعندما حرم الخمر حرمها ضماناً لسلامتك، وعندما حرم الكذب حرمه ضماناً لسلامتك، ولم يُحرم شيئاً حداً لحريتك وإنما ليضمن لك السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة، إذا عَلِمَ العبد أن المعصية قبيحةٌ دنيئةٌ تُضِرُ بنفسه وقلبه وروحه وجسمه فإنه يُعرض عنها.

2- الحياء من الله
خمسة أمورٍ تمنع من الوقوع في المعصية: أولها: أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، ثاني أمرٍ من تلك الأمور: الحياء من الله، أن يستحيي الإنسان من نظر الله إليه، جاء رجلٌ إلى أحد العلماء قال له: أريد أن أعصِيَ الله، قال: اذهب فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه، قال: وأي مكانٍ لا يراني الله فيه؟! قال: ألا تستحيي أن تعصيه في أرضه وهو مُطلعٌ عليك! وفي الحديث الصحيح قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:‏

{ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ }

(أخرجه الترمذي)

الموت يقطع اللذات
(لَيْسَ ذَاكَ) ليس الاستحياء استحياء العوام، الناس يقولون نستحيي من الله، (أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى) اليوم على شاشات الفضائيات تأتيك من الشبهات ومن تغطية الانحرافات من أُناسٍ يروج لهم إعلامٌ نعرف من يقف وراءه ونعرف من يُموله من أعداء الدين ليحللوا ما حرم الله، ويستمع إليهم الناس بدعوة التيار التنويري والتيار التجميلي وإصلاح الدين وتغيير الدين والشريعة، نستمع إليهم ونُدخل أفكارهم النتنة إلى رؤوسنا، قال: أن تستحيي (مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ وأَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى) إياك أن تدخل إلى رأسك شيئاً فيه غضب الله تعالى، شبهةً تتمكن منك (وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى) لا تدخل إلى جوفك لقمةً من حرام، (وَأن تَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى) الْبِلَى هي المصائب، والموت كما جاء في الحديث الشريف:

{ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، الموت }

(رواه الترمذي، والنَّسائي)

الموت يقطع اللذات، فإذا ذكر الإنسان الموت استحيا أن يعصي الله تعالى لأنه سيقف بين يدي الله.

(وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)
إذاً الحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الإنسان رأسه من الأفكار المغلوطة، وبطنه من الطعام الحرام، وأن يتذكر وقوفه بين يدي الرحمن، هذا هو الحياء من الله حق الحياء الذي يمنع الإنسان من أن يعصي ربه.
سهل بن عبد الله التستري رجلٌ من الصالحين يروي قصته، قال: كنت ابن ثلاث سنوات وكنت أقوم في الليل فأنظر إلى خالي محمدِ بن سوار يُصلي في الليل فاستغرب ما الذي يفعله خالي ليلاً؟ فناداني يوماً فقال: يا سهل قل كل يومٍ ثلاث مرَّات الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، ثلاث مرَّات قال: فكنت أقولها وهو لا يعي ما يقول، طفل صغير، الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، قال: فداومت عليها، فقال لي: يا سهل قلها كلَّ يومٍ سبع مرَّات، فكنت أقولها قال: ثم وجدت لها حلاوةً في قلبي أنه يراقب الله، الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، قال: فوجدت حلاوةٌ في قلبي فأعلمت خالي، فقال لي: يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهداً عليه أيعصيه؟ قلت: لا، قال: إياك والمعصية.

3- يقين العبد أن النِعَم تزول بمعصية الله
أيها الإخوة الكرام؛ خمسةٌ تمنع الوقوع في المعصية: أولاً: أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، ثانياً: أن يستحيي العبد من ربه حق الحياء، ثالثاً: يقين العبد أن النِعَم التي هو فيها إنما تزول واحدةً واحدةً بمعصية الله.
من منا لا يحب أن يبقى في نعمة؟ من منا لا يحب أن يبقى في صحة؟ من منا لا يحب أن يبقى معه مال؟ من منا لا يحب بيتاً سعيداً؟ المعاصي تُزيلُ النِعَم
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم
{ علي بن أبي طالب رضي الله عنه }
جاء في الحديث الشريف:

{ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» }

(رواه الإمام أحمَدُ فِي مُسنَدِهِ)

المعصية تُطفئ نور القلب
الإمام الشافعي رحمه الله ذهب إلى مالك بن أنس، سافر من مصر إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتقي بالإمام مالك صاحب كتاب المُوَطَّأ في الحديث النبوي، وصل إليه ومعه كتاب المُوَطَّأ يحمله بين يديه وقد حفظه كله بأحاديثه عن ظهر قلب مع الأسانيد، فجلس بين يدي مالك وجعل يقرأ المُوَطَّأ والإمام مالك ينظر إليه باستغراب، ما هذا الفتى! ويهزُّ رأسه بإعجاب، فختمه على يديه في أيامٍ قليلة - قرأ عليه كتاب المُوَطَّأ كاملاً - فلما انتهى منه نظر إليه الإمام مالك، هنا موطن الشاهد، قال: يا أيها الشافعي "إِنِّي أَرَى اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا، فَلَا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ الْمَعْصِيَةِ" .
المعصية تُطفئ نور القلب لو لم يكن لها إلا هذا لأعرض الإنسان عن المعاصي ليبقى قلبه موصولاً بخالقه جلَّ جلاله، والشافعي نفسه يقول:
شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نـــــــــــــــــــورٌ وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصــــي
{ الإمام الشافعي }
ابن مسعودٍ رضي الله عنه يقول: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم يَعلمه بالذنب يَعمله".
المعاصي تُزيلُ النِعَم.

4- أن يعلم أن لكل معصيةٍ عقاباً
لذلك أيها الإخوة؛ خمسة أمورٍ تمنع من الوقوع في المعصية: أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، وأن يستحيي من ربه حق الحياء، وأن يعلم أن المعاصي تُزيلُ النِعَم، رابعاً: أن يعلم أن لكل معصيةٍ عقاباً.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: إِنَّ للْمَعْصِيَةِ سَوَادًا فِي الْوَجْهِ، وَظُلْمَةً فِي الْقَبْرِ، وَوَهْنًا فِي الْبَدَنِ، وَنَقْصًا فِي الرِّزْقِ، وَبُغْضَةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، إِنَّ للطَّاعَةِ ضِيَاءً فِي الْوَجْهِ، وَنُورًا فِي الْقَلْبِ، وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَقُوَّةً فِي الْبَدَنِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ.
أيها الأحباب: لو لم يكن للمعصية من عقابٍ إلا سوء الخاتمة لكفى به أن يترك الإنسان المعاصي والآثام.
سوء الخاتمة عقابٌ كافٍ لترك المعصية
يروي ابن القيم رحمه الله تعالى أن مؤذناً، والمؤذنون من أشراف الناس، ينادون للصلوات جزاهم الله خيراً، يروي أن مؤذناً خرج يوماً للأذان وقد أمضى سنوات يؤذن للناس، فجاءته امرأة تسأله قالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ حمام للنساء، والنساء بالمناسبة لا يجوز لهنَّ دخول الحمامات، لكن كانوا في ذلك العصر يدخلون الحمامات، قالت: أين الطريق إلى حمَّام منجاب؟ قال: فوقع حبها في قلبه، جاءه الشيطان واستحوذ عليه الشيطان فأشار إلى بيته، فدخلت فدخل وراءها فلما علمت أنها قد وقعت في شباك المعصية والعياذ بالله أرادت أن تحتال عليه لتخرج، فقالت له: يصلح أن يكون معنا في ليلتنا ما يطيب به عيشنا، قال: الليلة آتيكِ بما تحتاجين وتشتهين، وخرج مسرعاً ليأتي بالطعام والشراب فهربت من بيته ونجت بنفسها، فأصبح يردد حزناً على المعصية التي فاتته
يَا رُبَّ سائلةٍ يَوْمًا وقد تعبت أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب؟
{ }
يقول ابن القيم رحمه الله: فلما حضرته الوفاة جاءه من يُلقنه الشهادة فكان يقول: يَا رُبَّ سائلةٍ يَوْمًا وقد تعبت، أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب؟ والعياذ بالله.
فالمعصية أيها الإخوة؛ سوادٌ، المعصية إثمٌ، المعصية بغضٌ في قلوب الخلق، الطائع يُلقي الله محبته في قلوب الناس فمن عَلِمَ أن لكل معصيةٍ عقاباً فحريٌّ به أن يبتعد عن المعاصي والآثام.

5- قِصَر الأمل
خمسة أمورٍ تمنع من الوقوع في المعصية: أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، والاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، وأن يعلم أن المعاصي تُزيلُ النِعَم، أن يعلم أن لكل معصيةٍ عقاباً، وآخر الخمسة: قِصَر الأمل.
قِصَر الأمل يحجب عن المعاصي
طول الأمل أيها الإخوة؛ يوقع في المعاصي وقِصَر الأمل يحجب عن المعاصي، لأن الإنسان حينما يطول أمله في الدنيا يُقبل عليها بكليته يتوسع أولاً في المباحات لغير حاجة، يُكثِرُ من المباحات، ثم تأخذه المباحات إلى المعاصي فيتعلَّق بالمعاصي لأنها تُعلِّقُهُ بالدنيا من مالٍ ونساءٍ وشهواتٍ محرمة، ثم يعيش على هذه المعاصي ويعتادها فيُفاجئه الموت وقد امتلأ قلبه بالمعاصي والآثام، لكن الذي يَقْصُرُ أمله ولا يَعُدُّ غداً من أجله وقد قيل: (مَنْ عَدَّ غَدًا مِنْ أَجْلِهِ فَقَدْ أَسَاءَ صُحْبَةَ الْمَوْتِ)
من قال: غداً أفعل، وغداً أفعل دون أن يقول: إن شاء الله، إن أحياني الله، فَقَدْ أَسَاءَ صُحْبَةَ الْمَوْتِ، ومن يدري أن الغد يأتي، فإذا علم الإنسان أن الساعة آتيةٌ في لحظةٍ فنحن محكومون جميعاً بالموت مع وقف التنفيذ، والأجل يأتي فجأةً والإنسان الذي يتعلَّق بالآخرة ويُعلِّقُ قلبه بالله يَقْصُرُ أمله، انتبهوا أيها الإخوة حتى لا يُفهم الأمر خطأً لا يعني أن يترك الإنسان الدنيا ونقول: هذه الدنيا دنية زائلة، لم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، جاء في الحديث الشريف:

{ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا }

(رواه البخاري)

إذا قَامَتِ السَّاعَةُ، يوم القيامة، الساعة الكبرى وليست الساعة الصغرى؛ الموت، وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا، الدنيا لا يُتركُ العمل فيها لكن لا يتعلَّقُ قلب الإنسان بها، وإنما يتعلَّقُ قلبه بالله وهو يعمل في الدنيا بما يُرضي الله.
خمسة أمورٍ تمنعك من الوقوع في المعصية: أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها، وأن يستحيي من ربه حق الحياء، وأن يعلم أن المعاصي تُزيلُ النِعَم، أن يعلم أن لكل معصيةٍ عقاباً، وأن يُقصر أمله بالدنيا.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزنَ عليكم، واعلموا أن ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسیَتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكیّس من دانَ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، واستغفروا الله.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمین وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحین، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّیْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِیمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِیمَ فِي الْعَالَمِینَ إِنَّكَ حَمِیدٌ مَجِیدٌ.

الدعاء
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا مولانا سمیعٌ قریبٌ مجیبٌ للدعوات، اللهم برحمتك عُمَّنا، واكفنا اللهم شرَّ ما أهمَّنا وأغمَّنا، وعلى الإيمان الكامل والكتاب والسنة توفنا، نلقاك وأنت راضٍ عنا، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنَّا كُنَّا مِن الظَالِمِينَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وارزقنا اللهم حسن الخاتمة واجعل أسعد أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، أنت حسبنا عليك اتكالنا، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، ولا تجعلنا يا مولانا من الغافلين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّيْنَ، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشدٍ يُعز فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل معصيتك ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر، اللهم بفضلك ورحمتك فرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم فرج عن إخواننا المستضعفين في سوريا وفي درعا وفي كل مكانٍ يُذكر فيه اسمك يا الله، اللهم أطعم جائعهم واكسُ عريانهم وارحم مصابهم وآوِ غريبهم وآوهم في أوطانهم يا أرحم الراحمين، واجزِ خيراً كل من بذل وأنفق لإغاثة المنكوبين والمحتاجين يا أكرم الأكرمين، اجعل اللهم هذا البلد آمناً سخياً رخياً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفِّق اللهم ملك البلاد لما فيه خير البلاد والعباد.